كوكب
يكشف سرّ ولادة الكون
إعداد: محمد هاني عطوي
تُعتبر مشاهدة الكواكب الواقعة
خارج النظام الشمسي، أحد أكبر التحديات التكنولوجية التي يواجهها علم الفلك في
القرن الحادي والعشرين. وقد تجسد هذا التحدي بشكل واضح في عام 1995 مع اكتشاف
أول كوكب يقع خارج المجموعة الشمسية بعد أن تم تحديد مكانه حول النجم الذي يدور
حوله والمعروف ب “51 الفرس المجنّح”. ومنذ ذلك التاريخ وجهت المراصد الأرضية
تلسكوباتها نحو السماء لتكتشف أكثر من 120 كوكباً جديداً معظمها من الكواكب
العملاقة.
ومن المتوقع ان يتمكن القمر
الاصطناعي “كوروت” من اكتشاف عدد من الكواكب الصغيرة الواقعة خارج المجموعة
الشمسية والتي تشبه الأرض إلى حد بعيد. ومادامت هذه الكواكب تدور حول شموسها،
فإنها من الممكن أن تكشف سرّ تكوين الكون وتطوره. ويوجد الكوكب في كوكبة العقرب
التي تضم التكتل النجمي “M4”
على بعد 5600 سنة ضوئية من النظام الشمسي. ويرى أخصائيو الفيزياء الفلكية أن
هذا الكوكب يُعتبر لغزاً منذ أن تم اكتشافه في عام ،1995 كما ان المنشورات
العلمية التي صدرت عن هذا الكشف كانت كثيرة. ويؤكد المتخصصون أن الكشف عن هذا
الجرم قد يحدث اضطراباً كبيراً في النظريات المتعلقة بتكوين الكواكب. ويقول
العلماء إن هذا الجرم يدور حول نظام مزدوج مكوّن من “نجم نابض ونجم نيوتروني
يدور بسرعة كبيرة حول نفسه” وقزم أبيض (نجم استهلك وقوده الهيدروجيني وانهار
متحولاً إلى كرة حارة صغيرة متراصة من الغاز الخامل). وتبدو هذه النجوم بيضاء
لأنها تنتمي إلى النموذج الطيفي “A”
لكون درجة حرارتها تتراوح بين 7500 إلى 10500 درجة مئوية.
الانفجار العظيم: وكان الفلكي
والفيزيائي الايسلندي ستين سيجوردسون وفريق من الباحثين من جامعة بنسلفانيا في
الولايات المتحدة استفادوا من المعطيات التي حصلوا عليها من التلسكوب الفضائي
هابل، لعرض صور واضحة عن الكوكب في شهر يوليو/تموز من عام 2003. وتبيّن من خلال
الدراسة أنه كوكب غازي تزيد كتلته على كتلة المشتري بمرتين ونصف المرة، ويبلغ
عمره 13 مليار سنة! ما يعني أنه أقدم كوكب وُجد في الكون حتى الآن.
المثير في الأمر أن هذا الكوكب
تكون بعد حادثة الانفجار العظيم بفترة وجيزة. وتشير التقديرات الأخيرة إلى أن
الانفجار العظيم حدث قبل 13،7 مليار سنة، في حين ان تشكل النظام الشمسي يعود
إلى ما قبل 4،5 مليار سنة! فكيف يمكن إذاً لهذا الكوكب أن يتشكل في فترة كان من
المفترض فيها أن يكون الكون خالياً تقريباً من أي عناصر ثقيلة (كالكربون
والآزوت والأوكسجين). ويعتقد العلماء أنه بعد الانفجار العظيم، كان الغازان
اللذان يشغلان حيز الفضاء هما الهيدروجين والهيليوم، وهما من المكونات الأساسية
للنجوم الأولى.
ويرى بعض العلماء أنه ليس من
الضروري وجود عناصر ثقيلة لتتشكل الكواكب، فالأمر يعتمد على الظروف التي توافرت
لظهور هذا الكوكب أو ذاك. وثمّة نظريتان في هذا الصدد، تقول إحداهما إن ذرات
الغبار التي تدور حول النجم أو قرص الجرم الأصلي خلال طور التكوّن تندمج وتتجمع
مكوّنة أجساماً صغيرة. وتحت تأثير التصادمات تتلاحم هذه الأجسام لتكون جرماً
شبيهاً بالكوكب.
ويضيف العلماء انه إذا بلغت كتلة
الكوكب، ما يُعرف بالكتلة الحرجة، أي عشرة أضعاف كتلة الأرض، فإن الكوكب يصبح
قادراً على جذب الغازات المحيطة، ليتحول إلى كوكب غازي عملاق. وفي هذا النموذج
الذي يُعرف بالتضخم النجمي أو التراكم المتنامي، ثمّة شرط لازم يتمثل في أن
يكون الغبار من عناصر ثقيلة.
أما النظرية الثانية، فيُطلق
عليها تعبير “التقلب الجذبوي”، وفيها يتخيل العلماء قرصاً غازياً يخضع لقوتين
متضادتين: قوة الجاذبية التي تدفعه كي ينهار على نفسه وقوة الضغط الناشئة عن
الحرارة التي تعمل على تمدده، وفي هذه الحالة نلاحظ أن كتلة القرص إذا بلغت
حداً معيناً، فإن بعض التقلبات أو التغيرات الصغيرة تحدث اضطراباً في الغاز،
الأمر الذي يؤدي إلى تمييع الغاز وانهيار الجرم على نفسه.
ويشير تريسان جيلو من مختبر
كاسيني التابع لمرصد كوت دازور إلى أنه طبقاً لهذا النموذج، فإن الكواكب
الغازية تتشكل بسرعة فائقة من دون الحاجة إلى وجود عناصر ثقيلة، في حين يرى
سيجورد سون أن وجود هذا الكوكب القديم بقدم الكون يُعتبر حجة دامغة لمصلحة
النظرية الثانية، ويدلّنا على أن الكواكب لا تحتاج بالفعل إلا إلى كمية بسيطة
من المادة كي تتشكل، وهو ما لم يكن بالحسبان من قبل.
محاكاة: وكان فريق من الفلكيين
أمثال لوشيو ماير من معهد الفيزياء النظرية التابع لجامعة زيورخ في سويسرا،
وتوماس كوين من دائرة علم الفلك في جامعة واشنطن في الولايات المتحدة، بالإضافة
إلى بعض الباحثين الآخرين، أجروا تجربة لمحاكاة عملية ظهور الكواكب من خلال
حسابهم لعملية تطور القرص الأول المكوّن أساساً من الهيدروجين. وقد توصل الفريق
إلى تشكيل كواكب حسب النموذج الرقمي خلال بضع مئات من السنين، وهي فترة قصيرة
نسبياً مقارنة مع ملايين السنين التي يعرفها العلماء حول تشكل الكواكب بطريقة
التراكم المتنامي.
ومما تجب ملاحظته، أن المحاكاة
التي أجراها كل من لوتسيو ماير وتوماس كوين تبدأ من اللحظة التي كان فيها القرص
الأصلي بارداً أو مكتظاً بالمادة. ويعتقد الباحثان أن هذه الحالة لا يمكن أن
تنشأ إلا بعد 100 ألف سنة من الانفجار العظيم. ولوحظ أيضاً من خلال المحاكاة أن
تشكل الكواكب استغرق مئات السنين. وينظر الباحث تريستان جيلو إلى هذه المحاكاة
بشيء من الريبة والتحفظ. إلا أنه يرى فيها بصيصاً من الصدقية التي تنحو باتجاه
نظرية “التقلب الجذبوي”.
الواقع أن هذا الأمر ليس أكيداً،
ففي نهاية شهر يوليو/ تموز ،2003 كان لاكتشاف كميات كبيرة من الغاز والغبار في
أبعد الأجرام السماوية عن الأرض وهو الكوازار (J1148 +
5251) فضل كبير في النظر للمشكلة من زاوية أخرى،
فالإشعاعات المنبعثة من الغبار تعود إلى 850 مليون سنة بعد حادثة الانفجار
العظيم! ويشير الباحث بيير كوكس، الذي كان أحد أعضاء فريق الكشف عن هذا
الكوازار، إلى أن هذا الرقم لا يساوي شيئاً على المستوى الفلكي، لكنه يظل
بمنزلة المفاجأة الكبيرة بالنسبة للمتخصصين، فمادامت هناك أنواع من الغبار تعود
لذلك التاريخ، فهذا يعني، أنه وجدت عناصر ثقيلة خلال فترة وجيزة على المستوى
الفلكي بعد الانفجار العظيم، وان مسألة إثراء الكون بالعناصر الثقيلة حدثت بشكل
سريع، الأمر الذي يدعم فرضية “التراكم المتنامي”.
أين الحل؟: إذا كان الأمر كذلك
فإلى أي الفرضيتين يجب الاحتكام؟ وهل نأخذ بنظرية “التقلب الجذبوي” أم بنظرية
“التراكم المتنامي”؟
الواقع أن العلماء لا يفضلون إحدى
النظريتين على الأخرى، فكل الأمور ممكنة، لكن الشيء الذي نخرج به من هذا
الاكتشاف، يتمثل في وجود عدد لا حصر له من الكواكب وأن الحياة ربما تكون قد
بزغت في إحدى زوايا الكون البعيدة.
ويعتقد الباحث أندريه براك أنه
إذا كانت الحياة كونية، وأن عدد الكواكب الموجودة في الكون أكثر بكثير مما كنا
نتخيّل، فلا شيء يمنع أن تكون البكتيريا قد ظهرت وتطوّرت ضمن أنظمة ذكية،
استخدمت الموجات الكهرومغناطيسية والليزر، ووسائل التنقل السريعة. ولو تساءل
أحدنا عن السبب الذي يمنعنا من مشاهدة تلك الأنظمة الذكية أو أحد تجلياتها،
فليس لدينا للإجابة عن ذلك إلا “متناقضة فيرمي الشهيرة” التي تقول إنه إذا كانت
الحياة البكتيرية قد قُدر لها أن تظهر في الكون في مكان ما، فإن تطورها نحو
أنظمة ذكية يبقى من الاحتمالات القليلة جداً.
ويضيف براك ان العلماء يبحثون
الآن عن شكل من أشكال الحياة التي تتشابه مع تلك الموجودة على الأرض، فالمادة
انبثقت فيها الحياة بوجود الماء مع الجزيئات العضوية الأولى التي تُعتبر البنية
الأساسية للذرات المكونة من الكربون المتحد مع الهيدروجين والأوكسجين والآزوت
والكبريت والفسفور.