
قصة قصيرة
بقلم
: يسري الغول
إشارة
عندما اكتشف أحد المولعين
بالتنقيب عن المجهول صخرة الجلمود المحطمة - ملأَى بالأحرف و الكلمات الغريبة -
تائهةً تحت صخور الأرض . أصبح ضرورياً عليه - بعد إزالة الغبار و إجلاء الصخرة
- توضيح العبارات الغامضة ، المتوارية عن العين المبصرة ليعهد حينذاك إلى مترجم
اللغة الآرامية بقراءة ما على تلك الصخرة المتحجرة . لكن لا أعتقده يحيد عن
قراءة صحيفة البارغان بحكم تقدمها عن أحجار الجلمود في الوصول ليد عالم الآثار
ذاك .
*****
الصحيفة
النيران تضطرم ………
الريح صرصر تعوي مع خريف الليل
الطويل . المطر يتوارى خلف سحب الانفجار . و سكان البلدة يفرون من المجهول .
التنور يبحر في قلوبهم . يصرخ أحدهم بصوته الأجش متألماً :
- انظروا أمامكم كيلا تموتوا ،
سيروا بأرواحكم .
يصمت و النار تعتمر شعر رأسه
المتطاير . تلفحه ، توسده الأرض الرطبة ، اللينة . يطلب النجدة . يصرخ ، يبكي و
الجميع حذر من العودة للوراء . و عندما يدركون زوايا السفينة تتهادى الأصوات :
- إنها السفينة ، الرحمة .
في هذه الأثناء تعصف النيران مرة
أخرى ، المطر يتساقط مستعراً . الطوفان موت ، الريح تعوي خائفة ، الأرض تتلوى و
تميل . أخاديد عظيمة . الماء يكبر ، يكبر حتى يغطي بقايا بيوتهم . يتصايحون .
يتهافتون على السفينة كذكور النمل البائس ، يتعلقون بأطرافها المحطمة . لكن قوة
الموج تلفحهم . يسقطون جميعاً في وحل الطين . لا يبقى بداخلها سوى أعداد قليلة
، تائهة . و هي تسير بهم في ظلل من الغمام . الأغوار تجتث بقايا الثكنات الضيقة
. الأطفال يتصارعون . الجميع ينشد الرحمة . تباشير الانحراف تطل من الجسد .
يبزغ وجه شيخ القبيلة شاحباً ، يستقبل وجه السماء ، يرفع يديه الثقيلتين ، يرنو
ببصره بعيداً . يتنشق عطر الأرض العطشى . يتمايل تائهاً ، يخفض صدره و يداه
ترتفعان إلى الأعلى . يترنح و صدى شجوه يضرب عمق السفينة ، يهتف :
- يا حكيم ، أحكم ماءك . الماء
غلّ .
و عندما يغلق أطراف فمه المريض .
تنخفض حدة المطر . تخفت شيئاً فشيئاً . لكن الأغوار سحيقة تبتلع ما تبقى من
القرية . الجبل يهتز كعصفور بلله العطش . يتوسطه فتى الظل الميت خائفاً ،
حانقاً و الدمع يجرى على وجنتيه الحمراوين ، يجلس القرفصاء . يبصر الموتى على
الأرض الصلبة . يضرب رأسه بصخرة من الجلمود التي يكرهها . يقذف عينيه حزناً .
يبكي ، ينوح ما تبقى من العاصفة . يرتمي في أحضان عمره ، ينكفئ على وجهه ، و
الثقوب تغدو ضئيلة في وشاح الليل القاتم . يبصره سكان الشق الأعلى من السفينة ،
يهزجون بحزنه ، يتأرجحون على أعتاب شراعه ، ينادونه بأعلى أصواتهم دون أن يجيب
. يهتفون بشيخه ، أستاذه ليأتيّ إليه مسرعاً . يرتفع بريق خاطف بين عينيه يشق
صدر السماء . يبزغ النور في جبهته . يناديه جده :
- يا بنيّ اركب معنا .
يطمئن الفتى ، تنخفض حدة توتره .
ينزل حذراً و تضاريس الوجوه الناعسة تتهلل كلما بدأ الاقتراب يضرب أزمان حياتهم
. الروائح غادية تشدو بأغانيهم . خيوط النهار تبدأ في الظهور . ينادي المؤذن
فيهم . يحضر الشيخ متدثراً سترة المعركة القديمة . يعتمر خوذته البالية . يبصره
الجميع حذراً ، متوجساً . يشدو أحدهم لجاره متخفياً في ثيابه :
- لقد أصاب زعيم قبيلتنا الجنون .
و قبل أن ينتهي من حديثه يشعر
بزلزلة تحت قدميه تكاد تسحقه . يصفعه الريح بين عينيه و الرماد يتطاير على
بقايا وجهه . يستحضر العجوز القبلة . يهتف :
- تيمموا وجه الماء في زمن الجفاف
، و استقبلوا قبلتكم المُثلى .
يصلي بهم جميعاً ، و عندما ينتهي
يأمرهم بالإنصات لشعائره المتصوفة . يخبرهم بالحزن الذي يعلوه ، يطبق على
أنفاسه .
- هذا ما كنزتم لأنفسكم ،
فلتصلّوا على موتاكم .
يصمت ، يحدق بهم واحداً تلو الآخر
. و الفتى البعيد يحفظ رأسه بين روحه و جسده . يتدثر سترة أبيه . يقوم من مقامه
القاحل كصحراء بيته و الهيبة تحفه . يأمرهم بالإنصات للمبارك الذي أوقف عين
الماء عن المسير . قيثارة صمت تتبدى مع صورته الغريبة . يحدق الرجال بأنفسهم ،
يتساءلون بالولي المبارك . و بعد لحظات ينتصب مجنون القرية على كرسي من الأبنوس
تحفه غمامة دافئة تثلج صدره . يتحدث و نبرات الجزع تحاصره :
- أيها القوم ، يا من تركتم سنة
نبيكم ، ماذا اقترفت يداكم ؟ أجيبوا بالله عليكم قبل أن نهلك جميعاً .
يتوقف دون أن يعرف الرجال عم
يتحدث أو ماذا يقول ؟ آخرون يهذون بالمجنون الحكيم الذي صعد مغارة الروح ،
ليجيبهم وقتذاك متردداً:
- لقد تركتم أرضكم لأعدائكم ،
فررتم . ها هي اللعنة تحفكم . أجدادكم في السماء تبرءوا منكم . فلتعودوا إلى
موطنكم الأول ، دياركم و أقلعوا عما اقترفت يداكم ، و إلا أهلككم الله ببغيكم .
تحاصرهم الدهشة مستعرة ، حب جارف
يحدو صورة الوطن . لم ينبس أحدهم بأي كلمة . يغدو الفتى أمامهم عظيماً ، سامقاً
. يتأبط مصحفه المغبر ، يهتف :
- عودوا إلى دياركم ، السفينة
تقودكم إليها دون قبطان . و اركبوا سلاحكم كجدكم هذا .
يبتسم الجد و الخوذة تتهادى مع
دمعات النور . يعطيهم سلاحه و السماء تعزف سيمفونية العودة الأخيرة . يقوم
الرجال متثاقلين . ينزلون في مكامنهم . يهذي الفتى و شبق الوجه لأم ماتت منذ
أزمان العداء المتعثر تبدو هلامية كظل الجبل الصغير . يتساءل أحدهم :
- كيف لنا أن نقاتل و السلاح
تهالك مع الماء إلى الأرض اليباب ؟!
يغمض جفنيه ، يمط شفتيه ألماً ،
ليأتيه الجواب من البقعة الداكنة في الدهليز الضيق سريعاً .
- هناك ستجدون سلاحكم ، فجهزوا
عزيمتكم .
يصغون و الفتى يتقدمهم . العجوز
يسير خلفهم بخطى وئيدة ، و في إحدى يديه هراوة تقوده إلى مكامن البوح بنصر
الأجداد . و حينما تصبح السفينة في مواجهة المدينة التائهة بعمق النهر . تتساقط
السيوف بأيديهم من أنهار السماء المتراخية . يهلل بعضهم ، يتراقص و الدمع يغزر
الأوداج المتشققة
- لقد جاء الوعد الحق ، و عفا
الله عما كان .
يتقدمون جميعاً و السفينة تحط
رحالها عبر بوابة المستعمرة النائمة . يدخلون بحذر يحملون خوفهم . يسيرون ببطء
، يركضون ، يهرولون مسرعين . الملابس تتمزق مع صورة التل البعيد و عند نهايات
القلعة يجدون كل شيء قد انتهى تماماً و لم يبقى سوى قليلاً من المدن التي تنتظر
فرسانها لبدء المعركة من جديد و إلقاء الجيف القاحلة للحيتان التي انتظرت نذر
الشيخ إليها طويلاً .
صخرة الجلمود
المدينة روح و ريحان …
القلعة ضوء شاحب ، أجزاء مهدمة .
يدخل الرجال بحذر متوجسين بينما يرسل الآخرون هداياهم لسيد البحر . يلقون
بالجثث الميتة للحيتان الجائعة . يمرون بسيوفهم أعلى التل . يحدقون بالشمس التي
لاحت في البعيد مع ظلال موتاهم الغرقى في وحل الطين . يجلس الفتى قصير القدمين
مع المبارك يتدارسون مهمتهم القادمة . يحددون طريق إجلاء المكان و رفع أعلام
الانتصار أعلى القلعة . يهتف الحكيم :
- و اعلم يا أخي أن الصبر مفتاح
كل عسير .
يحدق به الفتى مستغرباً ، تحاصره
الدهشة ، تلفه كل تهاويم الشكوك . يتمتم :
- أخشى أن تكون المرابط الذي
علِمنا بمقدمه منذ عصور الثلج .
يضحك الآخر بينما تنزلق دمعة على
خده . يخبره بضعف حيلته ، أمنيته بادراك الرجل الذي يقول . و في غمرة هذا
الحديث تسطع تجاويف القادم مع الريح . كان الشيخ قد حمل أمتعته و قدم إليهم .
تبسم في وجوههم . تحدث بتؤدة :
- هيا أيها الفتى ، ستعود إلى أمك
ينتفض صدر الصغير ، و شدو الصوت
يتردد صداه في أذنه . يحيطه الخوف . الوجه نصف ميت . لم يعرف سوى أن أمه قتلها
الجند بجواره ، كانت تترنح ، تهذي بأقوال الجدة تتلو آيات القران الذي هجره
الجمع .
- كل نفس ذائقة الموت .
ترتمي في حضن الأرض ، تتوسد وشاح
الدمع و الفتى يغوص بعينيه يستجلي بقية الحدث . رآها تصفعهم واحداً ، واحداً و
نصل الخنجر يخرج من الجزء الآخر في الجسد . حمله الأعداء دون أن يراها أو
يودعها . يصرخ :
- لم فعلت ذلك أيها الجد ؟! لا
أريد ما مضى .
يتبسم العجوز . يضحك و الدمع فرح
القادم الجميل . يتمتم :
- البارحة ، جاءني الهدهد
بالرسالة . أخبرني بأمك التي ظلت تقاسي الألم ، حتى ساعدها ذئب القرية اليتيم .
إنها الآن في مروج الظل المرتقب .
ينشرح صدر الفتى ، تنجلي ضبابته .
يعتمر الخوذة الضيقة . يصرخ في الجند آمراً بالتحام الصفوف و عندما تحين الساعة
يتوجهون جميعاً أعلى القلعة . تتجلى أمامه مزرعة أبيه الميت ، يبصرها كبيرة
تجوس قلب القرية المخضبة بالدماء ، التائهة كلوحة الاشتياق المتوسدة عنق النهر
. و قبل أن يدلفها . يطرق شقاً من جدار ذاكرته حلم النهوض . يظهر أبوه أمامه
مرتدياً بزة عسكرية بالية .يبتسم في وجهه و الجبهة علامة الإيمان المترعرع في
نفس الآخر . يشدو له بأغنية كان يحبها في صغره و الفتى لم تحمله قدماه . يسقط
مطرقاً لترانيم الأب :
- لقد رفعت رأسي عالياً يا ابن
أمك .
ينتهي حديثه . تذوب الصورة ، و
الرجال يحدقون بالفتى الذي ظل يحدث نفسه ساعات طوال هائماً مع الوهم . يقوم و
الريح تلفح وجوههم جميعاً . يدخلون غير آبهين ببقايا السفينة المتهالكة على
الأرض . يجري الفتى و سعف النخيل تتمايل طرباً مع روحه . يصل جدار منزلهم
القديم . يصدر صفيراً حاداً . يصرخ دون أن يكون في الخارج أحد . تحاصره الشكوك
. يظن سوءاً بالجد المتفرس تقاطيع الجبهة القاتمة . يطرق الباب مرات و مرات
لينتهي عند صوت ناعس يدعوه للولوج . يدلف المكان . يبصر أمه طريحة الفراش .
يجري نحوها باكياً . يقبل قدميها ، رأسها . يخبرها بنفحات الوصول المتأرجح على
جرحه . ينبسط وجهها ، تنتشي تلابيب صدرها . يأخذ بيدها الناحلة تجاه التل . و
على سفوح الساحل تلوح المئذنة منتصبة وسط السفينة ، تشق كبد السماء . الآذان
يرتفع مرة أخرى . الساعة ضخمة تجوس قلب المئذنة . بندولها يغور يميناً و شمالاً
. الجميع يركض مهللاً . رافعاً رأسه كأنه قد نسي ما كان بالأيام القلائل التي
مضت . يخلع الفتى ملابسه بجوار أمه . يرتدي بزة أبيه القديمة . يشدو معهم ،
يترنم ، يهذي ، يقبل رأسها من جديد ثم يخبرها ببقايا الأرض المنتظرة سيوف الروح
لتحريرها من أيدي أعدائها ، ورفع رايات البلاد المدمرة في بقاع البسيطة .
وقتذاك تخرج روح الأم مع الفتى الذي صفع الريح بوجهه و غار مع نجوم الظهر إلى
رمال البلدة القديمة سائراً مع الشيخ و المبارك يتقدمون الحشد كله .