WWW.FreeArabi.Com

مختارات قصصية

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب- نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

 العجوز و الرجال

قصة قصيرة بقلم :  يسري الغول

 إشارة

عندما اكتشف أحد المولعين بالتنقيب عن المجهول صخرة الجلمود المحطمة - ملأَى بالأحرف و الكلمات الغريبة - تائهةً تحت صخور الأرض . أصبح ضرورياً عليه - بعد إزالة الغبار و إجلاء الصخرة - توضيح العبارات الغامضة ، المتوارية عن العين المبصرة ليعهد حينذاك إلى مترجم اللغة الآرامية بقراءة ما على تلك الصخرة المتحجرة . لكن لا أعتقده يحيد عن قراءة صحيفة البارغان بحكم تقدمها عن أحجار الجلمود في الوصول ليد عالم الآثار ذاك .

*****

الصحيفة

النيران تضطرم ………

الريح صرصر تعوي مع خريف الليل الطويل . المطر يتوارى خلف سحب الانفجار . و سكان البلدة يفرون من المجهول . التنور يبحر في قلوبهم . يصرخ أحدهم بصوته الأجش متألماً :

- انظروا أمامكم كيلا تموتوا ، سيروا بأرواحكم .

يصمت و النار تعتمر شعر رأسه المتطاير . تلفحه ، توسده الأرض الرطبة ، اللينة . يطلب النجدة . يصرخ ، يبكي و الجميع حذر من العودة للوراء . و عندما يدركون زوايا السفينة تتهادى الأصوات :

- إنها السفينة ، الرحمة .

في هذه الأثناء تعصف النيران مرة أخرى ، المطر يتساقط مستعراً . الطوفان موت ، الريح تعوي خائفة ، الأرض تتلوى و تميل . أخاديد عظيمة . الماء يكبر ، يكبر حتى يغطي بقايا بيوتهم . يتصايحون . يتهافتون على السفينة كذكور النمل البائس ، يتعلقون بأطرافها المحطمة . لكن قوة الموج تلفحهم . يسقطون جميعاً في وحل الطين . لا يبقى بداخلها سوى أعداد قليلة ، تائهة . و هي تسير بهم في ظلل من الغمام . الأغوار تجتث بقايا الثكنات الضيقة . الأطفال يتصارعون . الجميع ينشد الرحمة . تباشير الانحراف تطل من الجسد . يبزغ وجه شيخ القبيلة شاحباً ، يستقبل وجه السماء ، يرفع يديه الثقيلتين ، يرنو ببصره بعيداً . يتنشق عطر الأرض العطشى . يتمايل تائهاً ، يخفض صدره و يداه ترتفعان إلى الأعلى . يترنح و صدى شجوه يضرب عمق السفينة ، يهتف :

- يا حكيم ، أحكم ماءك . الماء غلّ .

و عندما يغلق أطراف فمه المريض . تنخفض حدة المطر . تخفت شيئاً فشيئاً . لكن الأغوار سحيقة تبتلع ما تبقى من القرية . الجبل يهتز كعصفور بلله العطش . يتوسطه فتى الظل الميت خائفاً ، حانقاً و الدمع يجرى على وجنتيه الحمراوين ، يجلس القرفصاء . يبصر الموتى على الأرض الصلبة . يضرب رأسه بصخرة من الجلمود التي يكرهها . يقذف عينيه حزناً . يبكي ، ينوح ما تبقى من العاصفة . يرتمي في أحضان عمره ، ينكفئ على وجهه ، و الثقوب تغدو ضئيلة في وشاح الليل القاتم . يبصره سكان الشق الأعلى من السفينة ، يهزجون بحزنه ، يتأرجحون على أعتاب شراعه ، ينادونه بأعلى أصواتهم دون أن يجيب . يهتفون بشيخه ، أستاذه ليأتيّ إليه مسرعاً . يرتفع بريق خاطف بين عينيه يشق صدر السماء . يبزغ النور في جبهته . يناديه جده :

- يا بنيّ اركب معنا .

يطمئن الفتى ، تنخفض حدة توتره . ينزل حذراً و تضاريس الوجوه الناعسة تتهلل كلما بدأ الاقتراب يضرب أزمان حياتهم . الروائح غادية تشدو بأغانيهم . خيوط النهار تبدأ في الظهور . ينادي المؤذن فيهم . يحضر الشيخ متدثراً سترة المعركة القديمة . يعتمر خوذته البالية . يبصره الجميع حذراً ، متوجساً . يشدو أحدهم لجاره متخفياً في ثيابه :

- لقد أصاب زعيم قبيلتنا الجنون .

و قبل أن ينتهي من حديثه يشعر بزلزلة تحت قدميه تكاد تسحقه . يصفعه الريح بين عينيه و الرماد يتطاير على بقايا وجهه . يستحضر العجوز القبلة . يهتف :

- تيمموا وجه الماء في زمن الجفاف ، و استقبلوا قبلتكم المُثلى .

يصلي بهم جميعاً ، و عندما ينتهي يأمرهم بالإنصات لشعائره المتصوفة . يخبرهم بالحزن الذي يعلوه ، يطبق على أنفاسه .

- هذا ما كنزتم لأنفسكم ، فلتصلّوا على موتاكم .

يصمت ، يحدق بهم واحداً تلو الآخر . و الفتى البعيد يحفظ رأسه بين روحه و جسده . يتدثر سترة أبيه . يقوم من مقامه القاحل كصحراء بيته و الهيبة تحفه . يأمرهم بالإنصات للمبارك الذي أوقف عين الماء عن المسير . قيثارة صمت تتبدى مع صورته الغريبة . يحدق الرجال بأنفسهم ، يتساءلون بالولي المبارك . و بعد لحظات ينتصب مجنون القرية على كرسي من الأبنوس تحفه غمامة دافئة تثلج صدره . يتحدث و نبرات الجزع تحاصره :

- أيها القوم ، يا من تركتم سنة نبيكم ، ماذا اقترفت يداكم ؟ أجيبوا بالله عليكم قبل أن نهلك جميعاً .

يتوقف دون أن يعرف الرجال عم يتحدث أو ماذا يقول ؟ آخرون يهذون بالمجنون الحكيم الذي صعد مغارة الروح ، ليجيبهم وقتذاك متردداً:

- لقد تركتم أرضكم لأعدائكم ، فررتم . ها هي اللعنة تحفكم . أجدادكم في السماء تبرءوا منكم . فلتعودوا إلى موطنكم الأول ، دياركم و أقلعوا عما اقترفت يداكم ، و إلا أهلككم الله ببغيكم .

تحاصرهم الدهشة مستعرة ، حب جارف يحدو صورة الوطن . لم ينبس أحدهم بأي كلمة . يغدو الفتى أمامهم عظيماً ، سامقاً . يتأبط مصحفه المغبر ، يهتف :

- عودوا إلى دياركم ، السفينة تقودكم إليها دون قبطان . و اركبوا سلاحكم كجدكم هذا .

يبتسم الجد و الخوذة تتهادى مع دمعات النور . يعطيهم سلاحه و السماء تعزف سيمفونية العودة الأخيرة . يقوم الرجال متثاقلين . ينزلون في مكامنهم . يهذي الفتى و شبق الوجه لأم ماتت منذ أزمان العداء المتعثر تبدو هلامية كظل الجبل الصغير . يتساءل أحدهم :

- كيف لنا أن نقاتل و السلاح تهالك مع الماء إلى الأرض اليباب ؟!

يغمض جفنيه ، يمط شفتيه ألماً ، ليأتيه الجواب من البقعة الداكنة في الدهليز الضيق سريعاً .

- هناك ستجدون سلاحكم ، فجهزوا عزيمتكم .

يصغون و الفتى يتقدمهم . العجوز يسير خلفهم بخطى وئيدة ، و في إحدى يديه هراوة تقوده إلى مكامن البوح بنصر الأجداد . و حينما تصبح السفينة في مواجهة المدينة التائهة بعمق النهر . تتساقط السيوف بأيديهم من أنهار السماء المتراخية . يهلل بعضهم ، يتراقص و الدمع يغزر الأوداج المتشققة

- لقد جاء الوعد الحق ، و عفا الله عما كان .

يتقدمون جميعاً و السفينة تحط رحالها عبر بوابة المستعمرة النائمة . يدخلون بحذر يحملون خوفهم . يسيرون ببطء ، يركضون ، يهرولون مسرعين . الملابس تتمزق مع صورة التل البعيد و عند نهايات القلعة يجدون كل شيء قد انتهى تماماً و لم يبقى سوى قليلاً من المدن التي تنتظر فرسانها لبدء المعركة من جديد و إلقاء الجيف القاحلة للحيتان التي انتظرت نذر الشيخ إليها طويلاً .

صخرة الجلمود

المدينة روح و ريحان …

القلعة ضوء شاحب ، أجزاء مهدمة . يدخل الرجال بحذر متوجسين بينما يرسل الآخرون هداياهم لسيد البحر . يلقون بالجثث الميتة للحيتان الجائعة . يمرون بسيوفهم أعلى التل . يحدقون بالشمس التي لاحت في البعيد مع ظلال موتاهم الغرقى في وحل الطين . يجلس الفتى قصير القدمين مع المبارك يتدارسون مهمتهم القادمة . يحددون طريق إجلاء المكان و رفع أعلام الانتصار أعلى القلعة . يهتف الحكيم :

- و اعلم يا أخي أن الصبر مفتاح كل عسير .

يحدق به الفتى مستغرباً ، تحاصره الدهشة ، تلفه كل تهاويم الشكوك . يتمتم :

- أخشى أن تكون المرابط الذي علِمنا بمقدمه منذ عصور الثلج .

يضحك الآخر بينما تنزلق دمعة على خده . يخبره بضعف حيلته ، أمنيته بادراك الرجل الذي يقول . و في غمرة هذا الحديث تسطع تجاويف القادم مع الريح . كان الشيخ قد حمل أمتعته و قدم إليهم . تبسم في وجوههم . تحدث بتؤدة :

- هيا أيها الفتى ، ستعود إلى أمك

ينتفض صدر الصغير ، و شدو الصوت يتردد صداه في أذنه . يحيطه الخوف . الوجه نصف ميت . لم يعرف سوى أن أمه قتلها الجند بجواره ، كانت تترنح ، تهذي بأقوال الجدة تتلو آيات القران الذي هجره الجمع .

- كل نفس ذائقة الموت .

ترتمي في حضن الأرض ، تتوسد وشاح الدمع و الفتى يغوص بعينيه يستجلي بقية الحدث . رآها تصفعهم واحداً ، واحداً و نصل الخنجر يخرج من الجزء الآخر في الجسد . حمله الأعداء دون أن يراها أو يودعها . يصرخ :

- لم فعلت ذلك أيها الجد ؟! لا أريد ما مضى .

يتبسم العجوز . يضحك و الدمع فرح القادم الجميل . يتمتم :

- البارحة ، جاءني الهدهد بالرسالة . أخبرني بأمك التي ظلت تقاسي الألم ، حتى ساعدها ذئب القرية اليتيم . إنها الآن في مروج الظل المرتقب .

ينشرح صدر الفتى ، تنجلي ضبابته . يعتمر الخوذة الضيقة . يصرخ في الجند آمراً بالتحام الصفوف و عندما تحين الساعة يتوجهون جميعاً أعلى القلعة . تتجلى أمامه مزرعة أبيه الميت ، يبصرها كبيرة تجوس قلب القرية المخضبة بالدماء ، التائهة كلوحة الاشتياق المتوسدة عنق النهر . و قبل أن يدلفها . يطرق شقاً من جدار ذاكرته حلم النهوض . يظهر أبوه أمامه مرتدياً بزة عسكرية بالية .يبتسم في وجهه و الجبهة علامة الإيمان المترعرع في نفس الآخر . يشدو له بأغنية كان يحبها في صغره و الفتى لم تحمله قدماه . يسقط مطرقاً لترانيم الأب :

- لقد رفعت رأسي عالياً يا ابن أمك .

ينتهي حديثه . تذوب الصورة ، و الرجال يحدقون بالفتى الذي ظل يحدث نفسه ساعات طوال هائماً مع الوهم . يقوم و الريح تلفح وجوههم جميعاً . يدخلون غير آبهين ببقايا السفينة المتهالكة على الأرض . يجري الفتى و سعف النخيل تتمايل طرباً مع روحه . يصل جدار منزلهم القديم . يصدر صفيراً حاداً . يصرخ دون أن يكون في الخارج أحد . تحاصره الشكوك . يظن سوءاً بالجد المتفرس تقاطيع الجبهة القاتمة . يطرق الباب مرات و مرات لينتهي عند صوت ناعس يدعوه للولوج . يدلف المكان . يبصر أمه طريحة الفراش . يجري نحوها باكياً . يقبل قدميها ، رأسها . يخبرها بنفحات الوصول المتأرجح على جرحه . ينبسط وجهها ، تنتشي تلابيب صدرها . يأخذ بيدها الناحلة تجاه التل . و على سفوح الساحل تلوح المئذنة منتصبة وسط السفينة ، تشق كبد السماء . الآذان يرتفع مرة أخرى . الساعة ضخمة تجوس قلب المئذنة . بندولها يغور يميناً و شمالاً . الجميع يركض مهللاً . رافعاً رأسه كأنه قد نسي ما كان بالأيام القلائل التي مضت . يخلع الفتى ملابسه بجوار أمه . يرتدي بزة أبيه القديمة . يشدو معهم ، يترنم ، يهذي ، يقبل رأسها من جديد ثم يخبرها ببقايا الأرض المنتظرة سيوف الروح لتحريرها من أيدي أعدائها ، ورفع رايات البلاد المدمرة في بقاع البسيطة . وقتذاك تخرج روح الأم مع الفتى الذي صفع الريح بوجهه و غار مع نجوم الظهر إلى رمال البلدة القديمة سائراً مع الشيخ و المبارك يتقدمون الحشد كله .

 

Anaheimer