www.FreeArabi.com 

أدب

كاتب و كتاب

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأرشيف
جولات مصورة
مشاركة القراء
أدب
علوم و صحة
الانترنت
المنوعات
دراسات و أحداث إجتماعية


 


 

 

 الأديب تيسير نظمي

 سيرة ذاتية:

الإسم :  تيسير نظمي خليل

تاريخ الولادة : آذار ( مارس ) 1952  

مكان الولادة  : سيلة الدهر

البريد الألكتروني :

tayseernazmi@yahoo.com

تلفاكس:5163612

 نقال:0795646904

الدراسة : أدب إنكليزي من جامعة الكويت

الحالة الاجتماعية: له ابنتان وولد ( إلزا 1978 غسان 1987 ديما 1988  مواليد الكويت جميعاً)

نبذة عن نشاط الكاتب الأدبي :

* يقول القاص خليل السواحري :

الحقيقة أنني كنت أجهل هذه الطاقة القصصية عند تيسير نظمي فقد عرفناه منذ أوائل الثمانينيات كاتباً سياسياً و ناقداً أكثر منه أديباً مبدعاً . قصص هذه المجموعة تضعك في التفاصيل المروعة التي نمر بها جميعاً دون أن نلتقطها أو نلتفت إليها ، وتلك هي مهمة القاص المبدع الذي تتحول اللحظة على يديه إلى سرد قصصي مدهش ، مفعم بالغرابة في سياق لغوي طازج." أما عناوين القصص فقد كانت على التوالي: أيام المستنقع ، الاسم الأول له الإسم الثاني له ، البحر لا ينام في غرفته أحياناً ، النمور في اليوم الـ 23 تشرب ماء العدس ، بالأمس سأكون ما كنت سوف أكون ،آخر النمور ، بيت الذبابة ، بيت الفراشة ، حرب وبحر وبلور ، أصابع منتصف الليل ، شعرها طويل حتى الفجر ، شعرها طويل حتى بابل ،فكرة وسكيران وباب ، الجنرال ، والقصة التي حملت اسم المجموعة لينهي الكاتب بسيدة الكون . وقد شبه الكاتب السواحري عوالم المجموعة بعوالم كافكا " حيث يتحول المعقول إلى لا معقول وتغدو اللحظة النفسية عبئاً على من يعيها "

* نشر أول قصة قصيرة له صيف 1972في جريدة الرسالة الكويتية " شجرة شوك" وقد رأس القسم الثقافي فيها وعمره لا يتجاوز العشرين عاماً بعد إغتيال الكاتب الفلسطيني غسان كنفاني وقد أثارت ثاني قصة له تنشر في مجلة جامعة الكويت معركة نقدية وسياسية أشعل شرارتها د. عرسان الراميني ورد عليه الكاتب د. أحمد الطحان والكاتبة فاطمة الناهض ومنذاك لفت إليه الأنظار وأساتذته في الجامعة مثل: د. علي الراعي و د. طه محمود طه و د. سليمان الشطي والكاتب إسماعيل فهد اسماعيل الذي إعتبره من جيل الريادة الثاني في القصة بعد جيل غسان كنفاني في حين كتب الكاتب محمود الريماوي في الوطن الكويتية عن " الآفاق الجديدة " التي فتحها تيسير نظمي للقصة الفلسطينية متناولاً أول كتاب يصدر للكاتب " البحث عن مساحة " بالنقد والتحليل.

وكتب الكاتب وليد أبو بكر أيضاً عن تيسير نظمي يقول : " أنه أحد الكتاب المهمين على المستوى العربي والذين لم يحظوا بشهرة يستحقونها هو و الكاتب سلمان ناطور لأسباب سياسية " أما الكاتب د. محمد عبد القادر فقد منعت مجلة "كتابات " البحرانية من دخول بعض الأقطار العربية لنشرها مقالته النقدية التحليلية حول كتاب " البحث عن مساحة". هذا وقد استثنى الكاتب بقسوة وصرامة قصصه التي حصدت الجوائز الأولى أو التي أثارت المعارك النقدية من كتبه، مثل " غيوم في السماء" أو " الداخل والخارج" التي رسم لها الشهيد ناجي العلي لوحة خاصة مذهلة نشرت معها في مجلة الجامعة التي كان يتولى إخراجها. وبعد ثلاث سنوات من صدور الكتب الثلاث الأولى في كتاب واحد أقدمت دار نشر " المشرق والمغرب العربي" على نشر الكتاب الرابع " الدهس" 1982 كباكورة إنتاجها فأصدرته وأغلقت تماماً بعد أن ووجه الكتاب بقدر من التعتيم خلال اشتعال الحرب العراقية الإيرانية وتداعياتها. لم يعدم تيسير نظمي الحيلة فترة إيقافه عن العمل في "الوطن" بعد صدور كتابه الرابع ، فقد ترجم رواية الكاتب الأسترالي من أصل فلسطيني فواز تركي إلى العربية ولم تنشر مجلة "الكرمل" الفلسطينية سوى فصل صغير من ترجمة تيسير نظمي الذي سبق أيضاً أن ترجم مذكرات موشيه شارت حال الإفراج عنها عام 1980 والتي نشرتها جريدة السياسةالكويتية. انكفأ الكاتب ودخل في عزلة كان مع محمد الأسعد و خيري منصور و محمد عبدالقادر من أوائل الداعين إليها واستنفذت الحياة العائلية ومهنة التعليم جل طاقاته ولم يفكر بجمع نتاجه الفكري والإبداعي في كتب نحو 22 عاماً، منها 12 عاماً في الأردن.

-  نشرت له كبريات المجلات الأدبية والفكرية العربية العديد من القصص والمقالات مثل: "الآداب" البيروتية و"الطليعة الأدبية "العراقية و"كتابات" البحرانية و"الكرمل" الفلسطينية و"الآداب" في الناصرة ومجلة"عمان" ومجلة "أفكار" في الأردن. ومجلة " ديوان العرب" و " دنيا الوطن" و" فلسطين" و " إيلاف" و " العرب أون لاين" والعديد من المواقع الإلكترونية مثل " المبادرة" و " أمين" و" ألف ياء" – نحو 30 موقعاً -
-  كتب على الإنترنت مسرحية متعددة اللغات "الغرفة 50 للدردشة"
Chat Room 50 (multilingual)

-  تستضيف العديد من مواقع الانترنت مقالاته الفكرية والنقدية حالياً.
-  أسس حركة إبداع للثقافة والإعلام والمتابعة النقدية محلياً وعربياً ودولياً
.

* نشر أول قصة قصيرة له صيف 1972في جريدة الرسالة الكويتية " شجرة شوك" وقد رأس القسم الثقافي فيها وعمره لا يتجاوز العشرين عاماً بعد إغتيال الكاتب الفلسطيني غسان كنفاني وقد أثارت ثاني قصة له تنشر في مجلة جامعة الكويت معركة نقدية وسياسية أشعل شرارتها د. عرسان الراميني ورد عليه الكاتب د. أحمد الطحان والكاتبة فاطمة الناهض ومنذاك لفت إليه الأنظار وأساتذته في الجامعة مثل: د. علي الراعي و د. طه محمود طه و د. سليمان الشطي  والكاتب إسماعيل فهد اسماعيل الذي إعتبره من جيل الريادة الثاني في القصة بعد جيل غسان كنفاني  في حين كتب الكاتب محمود الريماوي في الوطن الكويتية عن " الآفاق الجديدة " التي فتحها تيسير نظمي للقصة الفلسطينية متناولاً أول كتاب يصدر للكاتب " البحث عن مساحة " بالنقد والتحليل. وكتب الكاتب وليد أبو بكر أيضاً عن تيسير نظمي يقول : " أنه أحد الكتاب المهمين على المستوى العربي والذين لم يحظوا بشهرة يستحقونها هو و الكاتب سلمان ناطور لأسباب سياسية " أما الكاتب د. محمد عبد القادر فقد منعت مجلة "كتابات " البحرانية من دخول بعض الأقطار العربية لنشرها مقالته النقدية التحليلية حول كتاب " البحث عن مساحة". هذا وقد استثنى الكاتب بقسوة وصرامة قصصه التي حصدت الجوائز الأولى أو التي أثارت المعارك النقدية من كتبه، مثل " غيوم في السماء" أو " الداخل والخارج" التي رسم لها الشهيد ناجي العلي لوحة خاصة مذهلة نشرت معها في مجلة الجامعة التي كان يتولى إخراجها. وبعد ثلاث سنوات من صدور الكتب الثلاث الأولى في كتاب واحد أقدمت دار نشر " المشرق والمغرب العربي" على نشر الكتاب الرابع " الدهس" 1982 كباكورة إنتاجها فأصدرته وأغلقت تماماً بعد أن ووجه الكتاب بقدر من التعتيم  خلال اشتعال الحرب العراقية الإيرانية وتداعياتها. لم يعدم تيسير نظمي الحيلة فترة إيقافه عن العمل في "الوطن" بعد صدور كتابه الرابع ، فقد ترجم رواية الكاتب الأسترالي من أصل فلسطيني فواز تركي إلى العربية ولم تنشر مجلة "الكرمل" الفلسطينية سوى فصل صغير من ترجمة تيسير نظمي الذي سبق أيضاً أن ترجم مذكرات موشيه شارت حال الإفراج عنها عام 1980 والتي نشرتها جريدة السياسةالكويتية. انكفأ الكاتب ودخل في عزلة كان مع محمد الأسعد و خيري منصور و محمد عبدالقادر من أوائل الداعين إليها واستنفذت الحياة العائلية ومهنة التعليم جل طاقاته ولم يفكر بجمع نتاجه الفكري والإبداعي في كتب نحو 22 عاماً، منها 12 عاماً في الأردن.

* نشرت له كبريات المجلات الأدبية والفكرية العربية العديد من القصص والمقالات مثل: "الآداب" البيروتية و"الطليعة الأدبية "العراقية و"كتابات" البحرانية و"الكرمل" الفلسطينية و"الآداب" في الناصرة ومجلة"عمان" ومجلة "أفكار" في الأردن. ومجلة " ديوان العرب" و " دنيا الوطن" و" فلسطين" و " إيلاف" و " العرب أون لاين" والعديد من المواقع  الإلكترونية مثل " المبادرة" و " أمين" و" ألف ياء" – نحو 30 موقعاً -

* كتب على الإنترنت مسرحية متعددة اللغات "الغرفة 50 للدردشة" Chat Room 50 (multilingual)

*  تستضيف العديد من مواقع الانترنت مقالاته الفكرية والنقدية حالياً.

* أسس حركة إبداع للثقافة والإعلام والمتابعة النقدية محلياً وعربياً ودولياً.

www.originality.jeeran.com

E-mail: Origin_m2000@hotmail.com

 

االخبرات العملية:الصحافة:

-  جريدة القبس: 75-1976/محررا ومترجما -  جريدة الوطن:77 -1983/كاتبا ومحررا ومترجما                                

91-1992/ رئيسا لقسم فكر وفن وعضوا في سكرتارية التحرير

- جريدة الأسواق اليومية الأردنية:1993/كاتبا ومحررا- مدة شهرين ونصف فقط-

- جريدة الأهالي الأردنية:  1995مديراً للتحرير/جريدة الحدث الأردنية: مديراً للتحرير

- جريدة القدس العربي اللندنية :96-1997/كاتبا

- جريدة العرب اليوم + جريدة المسائية + جريدة الرأي  الأردنيات :  98-1999/كاتبا

- جريدة السياسة +جريدة الهدف +جريدة آراب تايمز الكويتيات (مكتب عمان) 99-2000/ مديراً للتحرير

- جريدة الزمان اللندنية:99-2004/كاتبا

bullet

له حالياً كتب قيد الطبع: 1- رواية " وقائع ليلة السحر في وادي رم" 2- المثقفون العرب من الإنقطاع التاريخي إلى الإنهيار االتاريخي

bullet

3-- نحو خطاب ثقافي فلسطيني مغاير 4- المؤرخون الجدد وإعادة تأهيل الصهيونية

bullet

5- الثقافة العربية ومقاومة التطبيع الثقافي

الإعلام و الأنشطة الثقافية :

*أعد وقدم عدة أحاديث أدبية للإذاعة الكويتية وشارك في العديد من الأمسيات القصصية والندوات والمحاضرات  الفكرية في الكويت والأردن.

*كتب العمود اليومي و الأسبوعي للعديد من الصحف والمجلات الكويتية والعربية منذ عام 1972 مثل:اليقظة وصوت الخليج والطليعة الكويتيات    والأهالي والحدث والمسائية الأردنيات  والقدس العربي  والزمان اللندنيات ويساهم عادة بكتابة المقالة النقدية الأساسية للنشرات المرافقة للمهرجانات المسرحية العربية و الدولية باللغتين العربية و الإنجليزية. كذلك الندوات النقدية المصاحبة للمهرجانات المسرحية العربية والدولية.

*عضو الاتحاد العام للكتاب و الصحفيين الفلسطينيين وعضو المؤتمر التوحيدي المنتخب المنعقد في الجزائر عام 1987

من أعمال الأديب تيسير نظمي القصصية

 -1-

أيام المستنقع

            أيام المستنقع، وكان الجو حاراً يسلق كرتوناً كاملاً من البيض دون أن يقليه قلياً إن سقط فجأة بين يديك على مقدمة السيارة ولم تكن جاهزاً لكشط ديناراً من النقود بالسرعة الممكنة، لم يكن أمامك أي وقت ولا وراءك ولا بين بين سوى أن تحسم أمرك وتقرر، إنقاذ ما يمكن إنقاذه، أنت وهي، فإن كنت جملاً على الاحتمال فلن تكون هي غير أنثى الجمل وإن كنت أسداً في الميدان، رغم استحالة ذلك في صحراء مكشوفة، تكون هي لبؤة ذلك الزمان وإن كنت وعلاً –وهذا أيضاً – كانت غزالة، أيام المستنقع، وكان الجو رطباً تنزع النظارات فيه فوراً عندما تنعدم الرؤية فجأة إن انتقلت من التكييف لجحيم أبدي خارج زجاج نافذة السيارة، ما كان ممكناً في تلك الأيام انتظار قارئة الفنجان أو البصارة، فحزمت الأمر تماماً والبنت أيضاً كانت على قدر من الشطارة ، قالت لك أن التنظيم يرى موقفك غير واضح والدنيا ربيع فكيف ستكون واضحاً فيما بعد في أيلول المقبل وأواخر أغسطس المدبر؟ أيام المستنقع، وكان الجو خماسينياً ورياح الغبار والرمل المعزوق في البصر وفي البصيرة، ما كانت الرياح التي تذروك أينما وليت وجهك تترك لكَ أي خيار بين المصطبة والحصيرة، فاخترت ودون أن تنزع النظارة أو تفكر ملياً بالشُّطار وبالشطارة ولا بتحويل العملات ولا التجارة، أيام المستنقع، تلك أيام الشاطرين والشطار والشطارة، ربما كانت هي الدار ولم تتفكر بعد بما هو آتٍ ولا بالدمار، إنما هو الغبرة وهو الغبار وأنت بريء كأنما للتو خارج من الغار، ومن التأملات وصفاء الروح المتجذرة بالحزن والممتدة نحو كل الصروح، من الرومانسية الأسبانية وكتب الفروسية ورواية (الفنار)، قررت ما قررت واخترت ما قررت وكتبت وسرت في الطرقات وسَيَّرتَ كل ما هو ممكن ضدك وكل ما هو – عما قليل- سيصبح ندك، أيام المستنقع، مضيت ولم تسمع، رغم أن الأحبة قالوا: ( إن رحت هيهات أن ترجع) أيام المستنقع، تزوجتها زواجاً ما منه بدٌ، ولا منه حَدٌ، أيام المستنقع، هيهات أن ترجع، سمكة كانت،ولها عين السمكة.

انتشلتها فرحاً وأغدقت الماء، سمكة خشيت عليها من شهقة الهواء، منحتها الحب والبحر والسماء.

عزيزتي السمكة... إياك والفك المفترس، إن أنت غبتِ عن ناظري في هذا اليم، وعليك احتمالي واحتمالك من هذا الغم، فالهم يقتلني الهم، وعدٌ واتفاق وفرحة؟ أجل.. اتفقنا إذن، وحالاً سريعاً الدبكة والزفة والطرحة، وعندما تلدين يا عزيزتي من أقصى الأرض سنأتيك بالقرفة والقزحة.

لا.. لا تقلقين هكذا، فليس في الأمر أية مزحة، أيام المستنقع، تلك.. آهٍ من أيام المستنقع، فلا غيمة في سماء ولا مزاريب تشقع، أيام..أيام.. أيام المستنقع.

وإذ كنت خارجاً لتوي من بيت الذبابة، التقطني الشرطي الواقف وأسلمني وأنا خائف لشرطي آخر في الدبابة، فامتثلت لأنني غادرت منذ سنة تقريباً المستنقع، والفك المفترس، وكل ما هو في غزو البلدان من غدر الخلان وكل ما هو ذلٍ وكل ما هو هوان، مفتشاً عن الأمان مهما تباهظت الأثمان وأياً كانت تحولات المكان الجديد والزمان، فقد قررت أيضاً إن لم ألق وظيفة أن أفتح أيضاً دكاناً وتباً للخلان.

(ادخل) فدخلت، وإذا بثلة من الضباط على أهبة الاستعداد وقوفاً لتوجيه السؤال:

- هل تعرف لماذا جئنا بك إلى هنا؟

قلت:

- لا

وقلتها واثقاً ملء الفلاة.

- وهل تعرف المشتكي أو المشتكية؟

قلت أيضاً بكل ثقة، رغم وجود بعض الخلافات العائلية:

- أكيد ...لا

فتمختر الضابط المسؤول، وراح بين مرؤوسيه يتمشى، حتى قبل أن أتغدى أو أتعشى وشرع في الممر الطويل يصول ثم يجول قبل أن يقول:

- إذن تفضل معي.

فتفضلت لا أدري إلى أين، فأدار مفتاح بابٍ حديدي وقال:

- انزع حزامك وأعطني ربطة عنقك وفتش بنفسك هندامك، وأعطني ولاعتك وعلبة السجائر وودع أحبابك وكل خلانك، فنحن هنا لن نقول لك أن لسانك هو حصانك، وعليك بنفسك أن تفكر من هون لبكره من صانك ومن خانك، هيا أمامي فلا تظن أنني سأمشي طول الطريق قدامك.

وهكذا تعرفت لأول مرة في حياتي على المكان الخانق الذي يسمونه النظارة، وخلعت مما خلعت الخاتم والساعة والنظارة، كأنما كنا في ساحة حرب والكل متوقع، بعد ثوان، بعد ساعة، بعد أيام، سَتُشَنَّ الغارة.

لم أقل لنفسي إرضاء لنفسي من هو الشاكي في تلك الساعة من الليل؟ وحيث لا ماء ولا طعام ولا خيل، ولم أسألها نفسي الطاهرة عن المشتكي أو الشاكي وعن المتصل وعن الحاكي فكل البلاد إن لم تكن زرقاء فهي خاكي، وهكذا من ثقب باب نافذة الزنزانة بت أرقب صبيحة اليوم التالي الرائح من مركز البوليس والجايي، إلى أن أبصرت جلبة وضجة وطرقعة بساطير وهمهمة وهمير والكل منضبط في الخارج وفي الداخل الكل أسير.

فقلت ثمة أمر جلل وثمة ما هو خطير، فلربما القادم مسئول أعلى ولربما سفير، إلى أن دار بالباب المفتاح دون أن ينادي المنادي علي عبد الرحمن أو قاسم أو حسن أو عبد الفتاح و(يا حمير)، أشار العريف بطرف إصبعه عليّ والباب أزاح فبلغت ما بلغت أنا من ارتياح.

أغلق الباب من ورائي على من فيه وبالقيد الذي بين يديه ربط راحتي يديّ بكلتا يديه وورائي راح يدفعني للمسير.

دخلت فوجدت كل الضباط على شكل دائرة تحيط بكائن خطير وقد ابتعدوا قليلاً..قليلاً وبحذر عن تمساح تحدق عيناه المفترستان بي، ولكن دون مستنقع أو ماء، تمساح حقيقي يتضور جوعاً ومن وراء المكتب سألني:

* اسمك وعمرك؟

نظرت حولي فإذا بي أعرف عيني التمساح، وأصابتني الصدمة والذهول، أين أنا، ومن أنا، ومن هم، ومن أين عرفت بقلبي ينزف عيني التمساح فقط وأين السمكة التي أعرف؟

* قلت.. اسمك وعمرك وعملك؟

حدقت هذه المرة في عيني السائل، وكلي شك إن كان يخاطبني أنا أم يخاطب التمساح.

* أنا؟

* وإلا أنا؟

* أنا.

ونظرت هذه المرة للتمساح، أو للفك المفترس، معقول؟

نفس عيني السمكة بعد أن جف من زمن الماء والرطوبة والهواء، لم يعد هنالك مستنقع، وكررت أكاد أجن:

* أنا.... أنا....أنا؟

فقالت التمساح بكل هدوء ومن حولها الدولة:

·        نعم أنت.

-2-

 وليمة و حرير و عش العصافير

 

1- قبل أن تقع الكارثة

 الدودة التي ستتخلق في جثتي لتعيش بضعة أيام  أو أسابيع فقط ، الدودة التي ستدعو غيرها لتلك الوليمة ،  ستتكاثر في صمتي ، الديدان  سوف تسرح وتمرح في جمجمتي في خلايا عقلي ، والتي تعبت أكثر من نصف قرن كي أعتني بها ، أفكر بها ،وفي عيني اللتين دربتهما على الرؤى الخلاقة الجميلة ، نفس العينين اللتين كانتا تدمعان أو تفرحان للقيا الناس، لن يرحمهما الدود المتكاثر في مماتي ، تماماً مثلما لم يرحمهما في حياتي . الدود الكثيف الذي سينغل نغلاً في القبر مسكين وزائل بمجرد أن يصل إلى العظم وتنتهي الوليمة الموسمية و اللحم رغم قلته فإنني اليوم مشفق عليه فلم أستطع أن أوفر له وليمة أفضل تطول ليبقى أو يعيش مدة أطول بغير ناحل العظم وقفص صدري يغطيه الجلد وليس حوله كثيراً من اللحم. الدود الذي سيمخر قلبي ليجد دماً جافاً متجلطاً ، ليس بوسعه الاستفادة من دواء الآيزورديل ولا البافارين والأسبرين ومميعات الدم. الدود سيعيش بمجرد موتي، تماماً مثلما كان يعيش بمجرد صمتي . الدود تحت التراب مسكين ومخدوع لأن الدود فوق الأرض يحاذر ويبقى وله حظ أوفر رغم أنه قد يجوع . الدود الذي سيأتي مغدوراً لن يكون بوسعي مساعدته أو الاحتفاء بوجوده واستقباله والرأفة بمصيره ، ذلك أنني لن أكون موجوداً عندما يأتي ومع ذلك سنبقى أنا وهو ونهاياتنا جميعاً تحت التراب. وفوقنا جميعاً سيدوس العابرون وقد تسقط القنابل وتشتعل الحروب وفوقنا جميعاً سوف تهب الرياح ويتساقط المطر وفوقنا جميعاً ستشرق الشمس، وجميعاً الذين تحت التراب وفوق التراب يدور بنا كوكب واحد في فضاءات مجهولة. يا لوحدتنا وخلودنا الأبدي فكل ما نخشاه أن يندفع كوكب أو نجم آخر دون دقة ودون مواعيد نحو كوكبنا بتهور غير محسوب وبالتالي قد يصطدما ، والنتيجة ، أننا سنذهب أشلاء في فضاء سحيق . يا للحسرة إن حدث هذا واشتاقت عظمة من عظامي للأخرى، فكيف سنتبادل في الفضاء السحيق حينذاك التحيات ونشد أيادينا على أيادي الأصدقاء والغرباء والأشلاء ؟ بل كيف سيتصرف الدود الذي سيبقى على قيد الحياة ؟ هل سيطير رذاذاً في الفضاء مثل أشلاء مركبة فضاء فشلت في العودة ؟ هل سيكون هنالك أوكسجين كاف لاشتعالنا نحن جميعاً والتراب والأخشاب وبقايا ثمر عن شجر لم يتمكن الناس بعد من قطفه ؟ ليس الدود ما يقلقني وإنما المصير الذي نحن ماضون إليه، الغافلون عنه . إن ما يقلقني أن لا تصبح السماء زرقاء وكذلك مستقبل البحر إذا ما كف عن كونه بحراً وتلاشى في حرارة الشمس وصار بخاراً أو ماء لا نفع منه، كيف سوف تفرق حينئذ كائنات فضائية مجهولة بين الدود والماء والسماء؟

ما أتعس الدود الذي هو غافل عن هذه الاحتمالات والتوقعات، فقد كنت أظن في السنوات الخمسين الماضية أن لا وجود لمن هو أتعس حظاً مني وإذا به الدود حقاً أشد تعاسة وأكثر قتامة في مصيره منا . بالطبع سوف لا ينتبه الحمار إلى هذه المعضلة، الحمار الصبور الكتوم الذي لم تخطر بباله هذه الفكرة و كل هذه الاحتمالات والتوقعات مع أنها حقيقة . والمؤلم أنها حقيقة لن ندركها أو نقنع البشرية والعالم بأنها قائمة وسوف تأتي ليس شرطاً بالطبع نتيجة أسلحة دمار شامل أو نتيجة قصف على غرار هيروشيما وناكازاكي أو الحرب على العراق، وإنما سوف تأتي يوماً ما على غفلة تماماً مثلما يأتينا الموت الكريم دونما موعد ودونما استئذان، ومع ذلك ، هل الحياة حقاً جميلة أيتها الديدان التي لن أرى ولن أحس بل هل هي جميلة حقاً كما قال ناظم حكمت ذات يوم للديدان التي فوق التراب تنغل أو تحرمه من طعام جاءت به رفيقته له على بوابات سجن بورصة ذات صقيع ولم يعلم به أو يحس سخونته أو يذوقه كي يستعد جسده لإسعاد الديدان ؟ إن في الأمر ما هو مقلق حقاً أيتها الدودة البشرية.

إن الأمر لجد مقلق إذا أيقظتنا كائنات فضائية ذات يوم ما تزال تعبر طريقها إلينا منذ ملايين السنين لتقدم لنا النصيحة والدواء والحكمة وسعة الأفق . فلربما هي أيضاً سترانا ليس أكثر من ديدان إذا ما قورنا نحن البشر بها وبسرمديتها وخلودها . كم أنا سعيد لأنني استبقت طفلاً فضائياً في هذا التعاطف الكوني مع الديدان، فثمة من لا يرى فينا نحن البشر فوق هذا الكوكب أكثر من ديدان فوق التراب، لتراه الديدان تحت التراب . من الحكمة إذن أن نرى الديدان تحت التراب الآن فوراً لأننا سوف لن نراها حين تكون وقد لا نرى من هم خارج إدراكنا الآن وإن كانوا يغذون الخطى ويقطعون المسافات بسنوات ضوئية نحونا قبل أن تقع الكارثة.

 2- دودة القز

قالت لي دودة القز:

لماذا تفترض موتاً عادياً فقد لا تكون أنت الوليمة ؟

وأسهبت منبهة الحمار بداخلي أن من يموتون غرقاً يصبحون وليمة لأسماك القرش ، وبالتالي، وخاصة في حالة عدم العثور على الضحايا فإن أجسادهم مصيرها مصير سمكة همنجوي مجرد هياكل عظمية كما أن حالات تحطم الطائرات قد تبعثر، خاصة فوق المحيطات ، الأجساد نتفاً وأشلاء والعظام كسوراً وأجزاء وشظايا ، وكانت دودة القز حصيفة في استدراكها لما ستؤول إليه الروح والجسد ، كيف لا وهي الدودة صانعة الحرير الذي ما زلت أسمع عنه ولم أشتره أو أقتنيه وهي التي تكمن بعملها الدؤوب وراء رفع الروح المعنوية لمن يرتدون قمصاناً من الحرير الخالص أو يقومون بإهداء سيداتهم تنانيراً وفساتيناً وملابس داخلية مصنوعة من شقاء دود القز . وهكذا توزعت احتمالات ما سيؤول إليه الجسد فقد يسقط قلبي بمفرده بالصدفة نتيجة حادث مفاجئ وعنيف ينزع عنه أعباء وأعضاء الجسد الأخرى والأطراف ، ليستقر هذا القلب فوق شجرة توت مثلاً ويصبح عشاً للعصافير. أو ليس هذا احتمال آخر في كوكبنا الذي بدأنا للأسف نجتث فيه الأشجار ونصطاد فيه العصافير؟ وهنا عتبت على الدودة محدثتي فقلت لها لماذا تخدعن العصافير وأنتن في الأفخاخ وكذلك السمك وأنتن في الصنانير؟ فدافعت بشراسة عن بني جنسها أفهمتني أن ذاكرتها الجمعية بخير عندما قالت: أنتم تصطادوننا وتحبسوننا في الأفخاخ والصنانير ونتعذب مرتين عندما نوضع بفظاظة كطعم وعندما تأتي إلينا فريستكم وتشرع في الوليمة الخادعة، ففي كلتا الحالتين لا نملك إلا أن نستسلم لأقدارنا ، فوق هذا الكوكب ، نعم بودنا أن نصبح طيوراً نحلق في الفضاء أو كائنات بحرية تغوص في الأعماق ولكننا هكذا خلقنا مثلكم لا نملك إلا الأحلام، ولا نملك إلا هذا الجسد العاري لنهبكم الأردية الفاخرة ثم نأكلكم من بطونكم أولاً عندما يتوقف تكالبكم وجشعكم وحروبكم وكوارثكم على وجه هذا الكوكب، فأنتم من دون كل الحيوانات الذين تظنون أنكم أكرمتم لكونكم بشراً وأنتم تعتقدون أنكم الأنضج والأعقل ومن يستحق الحياة فوق أديم الأرض مع أن هذا الاعتقاد نسبي على أية حال، فقد تسببت حياتكم لنا بكوارث الوجود وكوارث الفناء ونعيش بكم وبغيركم من الحيوانات النافقة والدواب، بواقعية وصبر رغم أنكم تعتقدون أننا يجب أن نكون خارج حياتكم، إلا أننا نعرف عنكم الكثير ونعرف أن في فنائكم حياة لنا كما لغيرنا من الضواري والوحوش في غابات حولتموها إلى أثاث فاخر وفي أرواح أرهقتموها لضمان استمراريتكم غير الإنسانية، إن النمل أفضل منكم عملاً وصبراً وتنظيماً ومؤاخاة. كانت دودة القز تتحدث إلي وهي منشغلة بتطريز ثوب فلسطيني ليوم فلسطيني لن أراه ، فقلت: سلاماً هي حتى مطلع الفجر، وخشيت على محدثتي فوق شجرة التوت من أي طير عابث إذا ما غفوت عنها .

 -3-

  بيت الذبابة

 

       لا بوازع اخلاقي و لا برفق أدعيه ابقيت على حياة ذبابة صغيرة اكتشفت وجودها المؤنس على مقربة من وحدتي اللامتناهية. لم يكن الجو يومذاك قائظا إلى الحد الذي يستفز الذباب و لا كانت ثيابي متسخة. لم يكن ما حولي يبرر لأية ذبابة أن تتحرك فوق أجواء صمتي النحاسية. بل كنت ساهما، كعادتي، اتلمس بعيني عالمي في عزلة تنزلق على جدرانها انثى العنكبوت و لا يألفها ذكر العنكبوت. في عزلتي، لا اسمح ، كعادتي، بأي تزاوج يخل بالسلام و السكينة التي أحصل عليها بشق الأنفس وسط عالم متسارع في أجواء تشهد سقوط عشرات الذكور من العناكب كي تستمر إناثها حفاظا على ناموس الكون و إستمرارية الأنواع، سواء كانت هذه الأنواع نحلا أم ذبابا أم عناكب. فقد دربت نفسي منذ الصغر أن أكون مطلق الأنانية عندما يحين وقتي الذي التحم فيه بصمتي واسمع به دقات قلبي و ليس دقات ساعة بليدة من الوقت. هكذا انا الأصلي،  قطعة من السكون المظلل بظلام شفاف تتماوج في عيني الوان من الأسى والخسارات الممتزجة بالسماوي و أحيانا اللازوردي او الكحلي الغامض الذي نادرا ما يزورني أو يهمس في خيالي بغير المتوقع و المعقول و الممكن. و لأن الأمر كذلك، فقد ابقيت في عام ،،1977 في التاسع من آذار على حركة ذبابة صغيرة وحيدة، اشفقت جدا على عينيها الحزينتين اللتين رأيت فيهما بقدراتي الذهنية المجهرية انهما تنتميان لمسحة حزن ظليل حدد لي سماتي النفسية و الانسانية منذ الخليقة بأكثر مما حدده لي حمض الـDNA اللعين. هي غير ضارة و غير مزعجة ،لا طنين لها يعلو أكثر من طنين الصمت و آلام البشرية التي لا يسكنها غير الموت القديم العتيق الأصيل الواقعي الصلب الجيولوجي المتراكم الطبقات من الأجيال  والشعوب اناثها بذكورها صغارها و شيوخها المسنين. هكذا تهاتفت النفس مع النفس نافية فكرة إستخدام  وابل من الكيماويات و المبيدات المخترعة في مصانع الموت ضد ذبابة صغيرة لا حول لها و لا قوة. و هكذا راق لها رغم صغر السن أن تتغذى على الطمأنينة الثقيلة و الهواء الثقيل الذي أكاد اتنفسه بشق الأنفس نتيجة لإصابتي المزمنة بانخفاض الضغط  و نقص الأملاح و هبوط الروح التي أجدها احيانا بين قدمي كعثرة من العثرات التي لا تنتهي أو تزول من دربي. روحي اعرفها منذ أمد بعيد، كرة قدم معدنية غير قابلة للطيران أو التدحرج فوق سطح عالم دبق يأسرها في صدري كمعيق لإستنشاق الهواء الطلق العليل المليئ بأوكسجين الحياة الدافق. و هكذا فكرت بمسؤولية عالية أنني قد أتحمل مسؤولية إنجذاب تلك الذبابة الصغيرة إلى روحي الكسلى عن الحياة. فلست بغباء ذكر العنكبوت كي اقبل دون حكمة أو تعقل على الحياة كي أرشف منها رشفة الموت اللعينة. منذ الصغر كنت أتجنب الأنثى. أراقبها عن بعد إذا كانت جميلة. اشاركها الأسى إن لم تكن جميلة و أستبقي لحظة عينيها بخيالي و بسمتها أو صوتها لمسراتي الخاصة دون ان أقترب و أخوض فيها و في غموضها أو إنقلاباتها المسكونة بمفاجآت  الملل أو الروتين أو الغدر كما لو كانت بمثل ما يقال  عن مثلث برمودا. فكيف لي أن أقترب إذا ما كنت عارفا بأسرار أنثى العنكبوت التي يقتل ذكرها بعد ليلة الدخلة  فتواصل العيش دونه و دون فحولته الغبية. و ما دامت ذبابة فلم أكترث في الرابع عشر من نيسان إن كانت تلك الصغيرة  من ذكر الذباب أم من انثاه، فقلما خطر ببالي تفحص الذباب  أو التفرقة حسب الجنس أو اللون  فقد أدركت أنها صغيرة و غير مؤذية و هادئة بل ووديعة لا طنين لها يعلو على طنين الروح  الثكلى أو الزمن النائم أو السكون المنصوب فوق روحي مثل خيمة في لهيب صحراء الربع الخالي. و هكذا آنست فيها مؤنسا لعالمي  الذي إتسع للضواري و الوحوش فكيف لا يتسع لذبابة! وما ان عدت من يوم عملي الشاق حتى وجدتها قد غيرت مكانها فإذا بها فوق مكتبي. أزحت لها الكتب كي لا أغفل فأغلق عليها سهوا كتابا فتموت. و منحتها مساحة معقولة من المكتب. وفي اليوم التالي عدت الى المكان ذاته لأجدها فوق كرسي المكتب، و لم أرد ازعاجها، فأنتظرت حتى ملت الجلوس فوق كرسي المكتب و أخذت تتمشى على مسنده ثم قفزت إلى كتاب رأس المال لكارل ماركس و بالقرب من اسمه المكتوب على الغلاف جلست دون حراك. فخشيت عليهامن هذا الموقع الخطير و على ذكراه هو أيضا. لذلك مددت يدي برفق نحوها فاذا بها تجلس فوق سبابتي التي أكتب بها. و بقيت ديمقراطيا معها لا أريد ارغامها على ما لا تريده أو تراه مناسبا عقب تدخلي  في موقعها على الكتاب لأسباب أيديولوجية. لذلك ألغيت مشروع كتابة رواية أو قصة حرصا على حسن سلوكياتي و ممارستي مع ذبابة صغيرة لا حول لها ولا قوة، لا حزب لها و لا تنظيم، لا عائلة لها و لا مصدر رزق. بل أنها ربما تعاني عند غيابي عن المنزل من مشاهد الموت المرعبة المتمثلة بعبوات الـDDT والغازات السامة التي جعلتها الحضارة في متناول ايدينا لإبادة الصراصير و البعوض و الذباب و الصمت و الأوكسجين و الحزن و أشياء جميلة لا حصر لها. لكنني في الشهور التالية بدأت الاحظ ما طرأ عليها من تغيرات، فقد غدت كبيرة و أصبح  لها طنين و شرعت تتجول بزهو في المنزل و دون حياء. فقلت لنفسي: أو ليس هذا حقها في النمو و التطور و الفرح والحبور؟ لكن هذا الاعتقاد سرعان ما طرأ عليه ما يزلزله من اساسه المكين. فقد عدت ذات يوم و تحديدا في صيف عام 1982  لأجدها بحجم عصفور يجلس دون وجل على مكتبي و تأكل السكر و تشرب الشاي و بعض الكعك الذي لم يرق لي ان اذوقه بعد ممارستي لعبث الشراء. و لكأنما كنت على موعد مع هذه الطفرة، فالعالم اصبح يستخدم كل مخترعاته  دون حكمة أو تعقل في كل شيئ ، فلماذا لا تكون هنالك طفرة في نمو الذباب أو على الأقل في نمو ذبابة واحدة فقط تعاني مثلي من العزلة و الصمت و الضياع و الحزن ؟ غير أن كل معتقداتي و عقلانيتي وواقعيتي اهتزت اليوم عندما عدت إلى المنزل لأجدها ذبابة بحجم الذئب و بانيابه و بتكشيرة  لبؤة تجلس في مكاني و تقول: من سمح لك بالدخول؟

 

-4-

البحر لا ينام في غرفته أحياناً

 

             يهدر البحر أحياناً لأنه يضيق ذرعاً بمتأملٍ على الشاطئ أغراه انحساره ولم يحرك ساكناً وكأن البحر خُلق للرسم والتأملات والأحبة في ضوء القمر. ويهدر البحر أحياناً ليحمي كائناته وقد نأى عنها ما يكفي معرضاً إياها للخطر والمتسكعين والفضوليين غير الآبهين بأن بعض الكائنات لا تعيش طويلاً خارج مياهها.

ويعوي البحر أحياناً نواحاً على سمكة جريحة. يتقدم البحر هائجاً أحياناً انتقاماً من تشفي السواح من تراجعه وتقهقره إلى الخلف لأنهم لا يغامرون من وهنهم بمواجهته بسواعدهم وأجسادهم. لكن البحر في عمان ثائر لاعتقاله سنتين متصلتين داخل الحب أحياناً وداخل القبو أحياناً أخرى أو داخل الوظيفة أو داخل الكومبيوتر أو في علاقة تنز أوهاماً بالتحاقها بمشاريع خدمة الحاشية وإجادة العولمة. والجوع في كل الأحوال كافر بالبلاط والوهم والحاشية والشاطئ وبالبحر أيضاً. ماذا يفعل البحر وهو يفترس الشاطئ ويبري الصخر ويجلد الزمن؟

الأرجح أنه ينظفه من ليلة الأمس أو ما تسبب به الانحسار الأخير.البحر الغاضب أيضاً يكنس الجرائد والمجلات والبيانات والورق فقط لأن الخارطة لا تذكره بقدر تغنيها ببحر ميت تزدان به ويأتي لمرآه القاصي والداني من سواح العالم للتفرج عليه وهو ميت ولركوبه وهو ميت وللاستلقاء عليه وهو ميت وقلما يغوص أحدُْ عموماً في بحر ميت، فلماذا تريد الفتاة بحراً ميتاً؟ ولماذا تريد أجهزة الأمن والسيطرة بحراً لا يهدر ولا يتقدم ولا يغضب ولا يستنكف ولا يتمرد ولا يثور على أغلاله؟ وفقط تريد مراقبته وهو يدخل في غرفته  كزنزانة مفردة وحيدة دون ضوء أو ماء أو كهرباء ودون نوافذ ويُحكم إغلاقها عليه بعد دفعه للأجرة الشهرية في بداية كل شهر. وتريد منه كذلك أن يظهر للعيان كأن يذهب إلى الوظيفة ليوقع توقيعي الحضور والانصراف ويطلعهم كذلك على كل أفكاره وخلجات قلبه أثناء عزلته في القبو. يا إلهي. هل يعتقلون البحر في عمان هكذا ؟وإذا كان الأمر كذلك في عمان فما بال البحر الأبيض المتوسط هائج وبحر يافا متمرد وبحر حيفا ممتد حتى الكر مل وبحر غزة ضائع في مخيماتها وبين الجرافات يعلو هديره هديرها وبحر القدس يفتش بين الصخور عن بقايا مسلمين ومعابد وكهنة تائهين انصرفوا عنها لاستكمال كتابة مخطوطاتهم داخل كهوف قديمة في قمم جبال تطل على بحر مات ومات آلاف المرات ولم يشبع لا موتاً ولا سائحين .للبحر بحر يؤويه من العسس والمخبرين والانتهازيين ، وللسمكة ما ترى . وللعاشق ما يعشق وللميت صمت الصخور القديمة تحت شمس لاهبة .

للبحر أيضا ما يريده في سكناته وتقلباته واندفاعاته . إرادة البحر فوق كل الحيتان وأسماك القرش والغواصات النووية ولوث المدن وأوساخ العواصم ، لا تعلوه سوى نوارس الحياة السابحة في فضاء الحرية والباحثة عن الحياة في الحياة ذاتها.

هكذا بموازاة قمم الجبال العالية وإرادة الشعوب التي لا تقهر هكذا أطول عمراً من المشاريع الاستعمارية التي سرعان ما تتدحدل بضربة حجر . الأبله الوحيد الأصم في كل ما يجري هو برج إيفل العاجز عن رؤية الجزائر رغم عنفوانه وشهرته وطوله الفارع . الحديد الوحيد الذي لا يستفاد منه في أيدي العمال ، والحديد الوحيد الذي لم يرغم العمال على صنع قاصفة ميراج منه للمشاركة في نهب النفط ودغدغة بلاد الشفط وإسباغ الوعود الوردية للراغبين في اللهط على فتات موائد المعونات الأجنبية بحلة وكوفية عربية مزدانة بدق المهابيش ووعود الخلاص من الخرابيش للفتاة الأمريكية . أي رباط مقدس يا ترى سيوفق البحر والشاطئ في الحياة الزوجية. شاطئ يداس بمن فيه ومتسخ كماضيه وبحر غاضب على من فيه؟

  -5-

النمور في اليوم الـ23 تشرب ماء العدس  

       داخل المشهد، تبدو التفاصيل ذات أهمية. خارج المشهد تبدو الرؤية ذات أهمية. و ما بين خصوصية التفاصيل و عموم المشهد تتجلى رؤية الحقيقة. 23 يوماً كافية حد الضجر للإمساك بالانتهازي متلبساً. و بالمخبر ساهما و بالمدعي متهاويا على الغنيمة. 23 يوما كانت تحتاج لكتاب أرسطو the poetics ليقصقص حسب نسب الطول و القصر اللازمة ما فاض عن حاجة الموضوع من خارجه. و كانت اكثر من كافية لسيدة تجيد فن الطبخ و تقتصد في الكلام لتشير على كل ذي بصيرة أن الطبخة تفسد كلما أكثرنا من طباخيها.

و حلو هذا الملح، مالح هذا السكر، و بعض الأمعاء خاوية بلا طائل أو مبرر غير هذا الصدق الأهبل أو "المسكين!" . أما وقد : " قضي الأمر . مسرح غادرته في ختام المشهد الأبصار" فقد اصبح للكتابة الآن من خارج المشهد ما يبررها كي نحاول الاقتراب من بيت شعر لسميح القاسم في القصيدة يقول فيه:" حائر أنت. هل أجدت أداء أم تخلت عن دورك الأدوار؟" . هو ذا واقع 23 يوما بدأت بـ"  لم  تمثل. كنت الجماهير فردا، و استعار الممثل النظار". و في الطريق إلى المشهد كان بصحبتي من الشباب اثنان أقول لهما مستدركا خيبة النهايات و إنكساراتها ان الاضرابات كالثورات يفكر لها دهاة و ينفذها الشجعان و يقطف ثمارها انتهازيون. راقت لهم الفكرة التي سيتذكرونها خلال اقل من شهور. فالشجاعة ضرورة  الجائع لرغيف خبز و المتحرق لسيجارة. فما زاد من الضرورة أتلفها و جعل الرغيف منقوعا و عائما بماء دالع. و عندما يأتي إلى عرين الشجعان قادم و في جيبه وصفة النهايات، لا بأس من أن يلعب دور الممثل لشجاعة تخطف من غيره الأضواء.

و مع أن  استفزاز النمور في يومها الحادي عشر أمر غير محبذ إلا أن من بيده مفاتيح الكهوف و الهواتف و الفاكسات و الأختام على شكل مقر محروس من الداخل والخارج يجعل الأسود الجريحة تغني لمحمود درويش: حذار حذار من جوعي ومن غضبي، بعد أن اصبح  لحم المغتصب لهوية روحك لحما ملتبسا غير قابل لا للأكل و لا للنزف. فلا بأس إذن أن تعود بسرية تامة لسميح القاسم المحارب لتنشد معه: " لم تمثل. نزفت روحك حرفا تلو حرف. و في العروق أوار. فانسدال الغيوم بات يقينا، فسل الشك هل همت أمطار؟" النمور في يومها السادس عشر كانت و ما تزال تأوي الى الصمت و في عداد ايامها غير الرسمية قبل أن يستلمها المروضون، تحاول ما امكنهاان تفلت من التفاصيل اليومية الداعية في نهاية المطاف للاستسلام لأية وظيفة بأية شروط و بأية وعود و قد باتت تتربص بها نمور زكريا تامر  في يومها العاشر حين صار القفص مدينة/ دولة و صار النمر مواطنا صالحا.

كانت النمور القليلة، و أنا ابصر تفاصيلها، قد شرعت تنفصل عن دلالاتها و عن معناها. و كان معناها آخذ  في الابتعاد  عن جدواها. و كان جدواها ليس اكثر من ماء وملح.أو من ماء محلى بما انفصل عن الفاكهة من عصير لا  يحيلك إلى الشجرة إن تيقظت حواسك على  المجريات بين الغرف أو على الشجرة خارجها،حيث لم تعد دلالة الجزء متصلة بالكل. هذه شجرة إن أردت و لكنها معتقلة في باحة المبنى و ليست غابة. بينما غابة  فتاكة من الأسماء على الورق تتكاثر و تتناسل و لا تقطر ثمن علبة سجائر في احسن الأحوال.

عم تبحث يا فتى الأوديسة المكسور؟ كان لابد من درويش و قد تركنا سميح القاسم لشعب يحميه و نحن كأجمل الرجال الغرقى في تفاصيل المكان. و كان لابد من قصيدة سميح القاسم " الممثل" كي نحذر و نحاذر عندما يعلمنا نحن التلاميذ:" لا تمثل. تحت المنصة لغم، فوق المنصة لغم، و فيك انفجار". و كنا ثلاثة قد أدركنا بواقعية مبتذلة  يا احمد دحبور أننا نجتاز صبرا عناوين خلافات مضت كي نعلو، رغم أن "العالي يصلب دائما" حاضر في التفاصيل كقصيدة و كفراشة. ماذا نقول للناس و قد انتقانا المكان ليجعلنا 1+1= مفردا  بصيغة الجمع ؟ و غريبا تاهت عن خطواته الطريق! ما تلك الإشارة؟ تساءلت: هل هي أوامر من مراتب حزبية أعلى؟ اهو الإرهاق بلغ من الشباب مبلغه فلم يعد الواحد منهم يفرق بين نهاية و نهاية!  هل يرجو المثقف السلطة كي تحتويه؟ هل أصبحت الأحزاب أقل فاعلية من جمعية خيرية من أهدافها البر والتقوى؟ ولأكثر من مرة كانت التحذيرات تشير: أنت أيها الإقليمي( المقصود الفلسطيني!) إما أن تبقى ضيفا مؤازرا و إما أن....(المقصود استدعاء الجهات المختصة). و أخيرا: اخرج .... إلى.... غادر  إلى بيتك .. حتى رؤيتك في الشارع العام باتت استفزازية في منتصف الليل!  و روموك في بئر و قالوا لا تسلم ! قال لهم ببرود أعصاب و هو في الشارع: لو كان لي بيت مثلكم لما أضربت، بل لكتبت أو أبدعت. يقول سميح القاسم:" لم تمثل. صغت الحياة فلا كتاب نص و المخرجون ابتكار". و هكذا يخرج الحائر من المشهد ليراه و يعود صديقا لسميح إذ يقول:" كنت من كنت في الجحيم رسولا، ضاع، لا هجرة و لا أنصار" فما أشهى الآن شوربة العدس بعد 18 يوما من الإضراب عن الطعام. " كنت من كنت. ألف دور و دور و النهايات خيبة و انكسار. و لم تمثل، أنطقت قلبا جميلا فتح الورد فيه و الجلنار".

 -6-

بالامس سأكون ما كنت سوف أكون

           في كل ليلة يتمدد جسد أمامي كجثة هائلة من الحزن النبيل. ولا أحد ينتبه إلى تضاريسه الممتدة من المغرب إلى الخليج الدافئ  الرطب. ولولا أن  الشمس تشرق لتعفن هذا الجسد و لانبعثت منه روائح لنباتات و أعشاب منقرضة. لا أوقظه عندما ينام منطرحا أمام عيني فهو على الأقل لم يطلب مني ذلك، و لم يشر علي بأية فكرة أو  ايحاء من هذا القبيل. لعلي ألفت هذا المشهد و اعتدت على الصمت و التأمل و عدم التدخل، خاصة عندما أكون نزيلا لفندق شعبي غير مأهول في الزرقاء التي تسمي نفسها مدينة. و بالتحديد عندما يثقل كاهلي شاب الفندق  الفتي و الكسول بسؤاله عن أجرة المبيت. و في مثل تلك اللحظات يكاد هذا الجسد الخرافي أن يتململ و ليته يفعل . و يكاد يتثاءب لكنه لا يفعل. انه حزن  ثقيل فقط. حزن اكبر من أن تحتويه عين. لكنني موقن و ما اعمق يقيني بأنه نبيل. لا يريك ملامح وجهه كي لا تعتاد عليه فتمل رؤيته او يضجرك حضوره البهي. لكأن آلهة الإغريق اختبات فيه قبل وفاتها بلحظات و لكأن سيزيف ما يزال يحتضر فيه. فقد اختفى بروميثيوس و شعلته في هذا الليل. أو لعلي لا أدرك أن برميثيوس ما يزال يتعذب على سفح جبل تطوقه الأسلحة النووية و الجرثومية و الكيماوية و قد كتب لمناقير الطيور الجارحة ان تزداد صلابة و قساوة في توالدها المستمر كي تورث مهمتها الإلهية . هل قيل انها مناقير الصقور أم النسور؟ لا أدري، فلا جدوى من ان أدري فثمة لا فرق لبرومييثوس الآن  بعد مرور السنوات دون ان ينبري أحد للتدخل في ما آلت اليه اقداره" سارق الشعلة" هل قيل: سارق؟ لا بأس ، فتلك رواية التاريخ و قلما يعترض تواترها احد في زمن يتناسل و يكف فيه الأنبياء عن الظهور العلني . هكذا أمضى الليل  في الزرقاء في الفندق  في الأردن في الشرق الأوسط في ما أصبح يخصني من أدوية الآم الصدر و القلب و تصلب الشرايين و التوق لأن لو لم أكن بحاجة للتدخين و النقود و النوم جنبا إلى جنب مع جثة الحزن النبيل. ماذا يخبئ هذا الجسد الهائل؟ و ماذا لو استيقظ فجأة منتصبا لتتساقط الطائرات على كتفيه مثلما يتساقط الذباب! إنها إحتمالات النائم الجميل في بلاد كل ما فيها جميل لولا تزاحم البشر مع الذئاب و إندهاس الحمام في لجة الفوضى و اندغام الهديل بالعويل. انها احتمالات لا ترقى إليها عبقرية المتخيل لاجمل الرجال الغرقى. لعلها احتمالات و كفى أو لعلها وهم بالي الجذور كي ينقرض الشجر الضخم و لا ينتمي الحزن لهذا الكون. هذا الكون الشاسع الكبير المتسع المسافر الثابت البهي المتعادل المعتدل المتوازن المتسق الحكيم، إنني الكائن البسيط الصغير غير المرئي في حضرة هذا الجسد. ليل جثة الحزن البهيم. إنه حزن عميق و كفى. حزن كائن و مجرد و متكامل . حزن لا يشبهه من هذه المخلوقات شيئ لله وحده الكائن في صيرورته و تحوله و إتساع رؤاه. من عظام البسطاء أمثالي تتكون الصخرة و الكلس و الحجر. هل يتدفق الماء في خرير يشبه ما قبل البدء؟ و هل سأقوم بعمل ذي جدوى لاكسب فرصة تسديد أجرة الفندق و ما يطمح إليه فتى الفندق الكسول؟ سأفكر في كل  هذا غدا و بطفل يناديني : بابا، و بعيني ديما، ابنتي، الغرقتا بدمع الحزن المبكر.

حزن ديما النبيل. فقد شاهدتني بصمت و فهمتني بصمت كما الزا دون أن تقول أي منهما:" بابا". أشهد الآن انني  رأيت ذلك و ليس في الأمر أي تصعيد للخيال. ابنتاي تعيشان، تنامان، تصحوان ، على مسافة أمتار من فندق أقيم به و في الزرقاء. فلماذا حدد مركز البوليس ساعتين كل خميس لمشاهدتهما؟لا أدري. لعلهم اتفقوا مع من تولدوا منها على : " فراش الزوجية الصحيح" أن يتم تعييني حارسا لهذه الجثة الطريحة المتضاخمة و المترهلة من آثار حزن عربي غير نبيل. و هل هناك أحزان غير نبيلة؟ الحزن هو الحزن . الوعي هو الوعي. و ما أراه في وحدتي ناصع مثل شمس واضحة لكل ذي بصر و دافئة لكل ذي بصيرة. أما رؤاي  فجرداء عارية مثل هذه الصحراء التي لا تكف عن الامتداد . صحراء في الجبل صحراء في الوديان في القلوب و في نفوس البشر. و جفاف يا ديما لولا دمعة عينيك، صحراء في حي رمزي في المركز في المحكمة الشرعية الجنوبية في بيوت الأصدقاء في الشارع المؤدي إلى مادبا في عمان  في كل ما هو ليس بحرا، وليس نهرا ، وليس فضاء، وليس سماء و ليس غيما، وليس أنا . غدا سأرى لأكون. فإما أن أكونه هذا أو لا  أكون .بابا..بابا.... سأناديكم في الضباب المخيم على مادبا و ذيبان و لب و مليح و العريش و الجرينة و الجبل . أين الجبل في هذا لضباب الشتائي القارس؟ في لجة الضباب الكثيف؟ و أين أنتم و أين النقود و أين التاريخ؟ خذوا التاريخ كله و ادعاء امتلاك الحقيقة و اقتسموا حصتكم و أمكم. فلن أنسى ما رأيت أو ما أرى. ليكون نجما و يكون قمرا و يكون ليلا و يكون نهارا، ليكون بعدا ليكون فقرا فيكون حزنا، غدا، سأكون أو لا....

و غدا سأختفي في الضباب الكثيف المتراحل الندي البارد الهارب إلى لا مكان. غدا سأكون الأدرياتيكي غارقا في الكحلي لعلي اجدني في تريستا بعد أن مللت من انتظار ضباب سيلة الظهر و تين سيلةالظهر و أن ينمو عرق اخضر في قرميتي الرومية من زيتون عريق أمام منزل لم أسكنه بقدر ما سكنني نحو ثلاثين عاما. غزة للرمل و النقود. في غزة فقر و مخيمات و نقود و لا يكون بحر . و في سيلتي أنا جبل وسماء و زيتون و أسماء و يكون غول. وفي الزرقاء أمن و استقرار و محاكم  فتكون نقود و تكون مدينة  ويكون هاتف تغلقه ابنتي الكبيرة و ابنتي الصغيرة و الابن الوحيد في  وجهي بناء على تعليمات صارمة فأكون حزنا و أكون جسدا و أكون دخانا و يكون الحزن الكوني يلف  العالم بالدفء  و يتركني وحيدا في العراء والصقيع. بالأمس سأكون ما كنت سوف أكون . تحترق ببطء.

 -7-

بلدي تسكن آخر النمور

            كنت أتأمل الترتيبات ، بدءاً من المقصات والطعام وإبر التخدير ، وليس انتهاء بما يشبه السرير الحجري الذي أقيمت بالقرب منه شجرة نخيل من البلاستيك الصلب دون بلح حقيقي ودون سعف ذابلة أو ناشفة توحي بالسقوط لو جاءت ريح قوية بما يكفي لتحريك النخلة قليلاً كي تميل بشكل طبيعي غير مفتعل لتنسجم مع المشهد الذي يذكرك بحدائق الحيوان.

لاحظ الطبيب المختص شرودي وحياديتي الساكنة المستسلمة للانتظار والترقب فأومأ وهو يخفف من كمية السائل في الحقنة بين يديه، أن الأمر سيكون لطيفاً وحضارياً رأفة به وبما يعانيه من آلام . ثم وقد اطمأن لعدم احتجاجي:

* ما فعله الشباب كان لا بد منه، فلم يبق غيره وظروفه الصحية سيئة للغاية، هنا ستكون الحياة أقل صعوبة له وأكثر رحمة ، الصحراء قاسية والجو مغبر وقد راقبوه تائهاً بعيون محمرة إذ يبدو أنه لم يذق طعم النوم منذ فترة طويلة ولا لقي العناية الكافية- ظل يتحدث الطبيب- وأنا منصت لا ألوي على شيء مما شجعه لأن يواصل حديثه وقد شرع يستبدل حقنة بأخرى دون أن أسأله عن مبرر تجهيز نحو ست حقن في آن واحد مختلفة الأحجام ولون السائل بداخلها – فقال: العلم تقدم يا أستاذ، فإذا كان جسده لا يحتمل هذه الحقنة فإن هنالك حقنات أخف، لكنني كما ترى أخشى من ردة فعله فقد يأتي بحركة ما قاتلة بالنسبة لنا جميعاً، ربما ظل الطبيب يتكلم لفترة أطول من قدرتي على التركيز على ما يثرثر به، لكنني وقد مضيت بعيداً أتخيل كيف يقومون الآن بمطاردته، وكيف يقاوم وكيف يهرب، بل كيف يتحدى ويتعثر أو يكبو أو يزمجر ويهاجم ولو تكتيكياً وقد أعيته الصحراء بعرائها المكشوف حيث لا غابات ولا أنهار ولا كهوف ولا جبال وعرة ولا وديان سحيقة بل بسيطة ممتدة وصحراء من كل الجهات حوله من أمامه من خلفه ومن اليمين واليسار، بل ربما أطبق الأفق الآن عليه وهم يطاردونه بسياراتهم المجهزة بالسهام والرماح وإبر التخدير، يطاردون على مهل وتروٍ آخر من تبقى منهم ذلك الغير آبه لمصيره دون صحاب دون مؤنس لوحدته في هذه الساعات التي تكاد تلفظ أنفاسها وثوانيها كأنما الوقت يبكي والعقارب تتقارب خجلة من عدم توقفها دقيقة حداد عليه . ربما كان الطبيب ما زال يثرثر ويتحدث عن خبراته العلمية ومطالعاته في علوم التدجين وقد بدت بعض أدوات ومباضع الجراحة أكثر صلافة مما كنت أظن وأنا أتخيل دون كيشوت على شكل نمر اجتثت غابته فيتكشف للجميع دون بيت أو مأوى فإذا كان لدون كيشوت ثمة صاحب يسير معه طائعاً محباً مضحياً لقائده العظيم فإنه الآن وحيد يطارده الصيادون من كل جانب ويرسمون الخطط بدهاء لإيقاعه في الفخ، ويناورون ويصرخون ويتبادلون المهمات ويبدلون المواقع كي تكلل جهودهم ومغامراتهم تلك بالنجاح، كيف لا ولم يبق اليوم غيره ؟ إنه آخرهم ، ربما ، كان أجملهم بل ، ربما كان أقواهم على الصمود والتحدي ، لكن أين سيتجه وكل صحراء وراءها صحراء خلف الصحراء أيضاً صحراء وما وراء آخر صحراء سراب من كل الجهات سرعان ما ينقشع عن لاندروفر يخب في الرمال ويثير من ورائه غلالات الغبار و رشقات الرمل تطرقع في معدن يحيط بالعجلات العريضة الضخمة ، في حين أنه الآن يتمترس متحدياً أو يقفز أو ربما يحفر الأرض بقدميه أو برجليه وبيديه اللتين أظنه الآن يتمناهما جناحي طائر شرس سيحلق عالياً لينقض على وجوههم بمخالبه وأظافره وبعينيه الصقريتين، كنت ساهماً مستغرقاً في المشهد لولا أنهم وقفوا في الباب بلباس الكاوبوي المستحدث لمثل هذا اليوم ولمثل هذه الساعات والدقائق عندما وجدتهم يتضاحكون دونما رحمة أو رأفة يتناولون المقصات والطبيب إذ فَهِمَ أن مهمته حانت يرتدي قفازاته السميكة ويتبعهم نحو كائن شبه مخدر على قيد وعي قديم ..قديم بأنه قبل ساعات فقط كان نمراً ومغبراً وتائهاً حيث لم يعد في الفضاء سوى العثرة تلو الكثبان تلو العثرة الثانية وهكذا من نهوض إلى إعياء ومن إعياء إلى تمرد ومن ثم هروب ولكن: أين.. أين ولا يرد على صرخاته  سوى سهم يستقر في صدره يجعله يخور يترنح قبل أن يتهاوى يتخدر قبل أن يأتوه بالمقصات يقلمون له أظافره قبل أن يجتثوا شعره كبرياءه قبل أن يدخلوه  القفص ذلك النمر الذي ربما ردد كما ردد علي بن محمد في القرن التاسع الميلادي قائلاً:

"سلام الله عليك يا خير منزل

خرجنا وخلفناه غير ذميم

فإن تكن الأيام أحدثنا فرقة

فمن ذا الذي من ريبهن سليم ؟"

فإن تكن السهام أحدثن غفوة

فمن ذا الذي من غدرهن سليم

وهكذا تنادى الشعر والثائرون الذين ما انكسروا يوماً وتنادت الأهوار وبحر هائج ولفحة هواء مرت بملامح الموتى حملت معها آخر تنهيدة لرجل فقد حياته للتو، وتنادت ملائكة وراءها عسس مخبرون تنادت الشجرة التي بكت عندما سمعته يعوي في البرية ولا من مستجيب لآخر وأجمل عواء في أرض كانت يوماً ما غابته في بلد كان كل ما فيه أسود، وتناهت الساعات والأجراس مثل كاكات دجاجات منتفخات بالبيض وضاعت أظافر النمر التي شرعت المقصات والأيدي تقلمها كي يتأقلم وتدجنه قبل أن يتدجن ويفتحون له القفص كي يدخل فلا يدخل.. أجل ، لا زلت أذكر كيف أدخلوه إلى القفص ودمعة تنحدر من عينيه المفعمتين يأساً وحزنا ًوانكساراً ، لكن الطبيب لم يفرح كثيراً ولا الصيادون ، فقد حاولوا إيقاظه فيما بعد وحاولوا حقنه بإبرة مزيلة للتخدير منشطة لجسده ووعيه لكنه منذ دخل القفص مات.. مات ثانية وثالثة دون أن يذكره أحد وكان واحداً وأحد لم ير في زماننا له أماً ولا ولد ، وكان نمراً وكان البلد ، لكأنما وأنا صامت أسلمني روحه وأناخ الجسد.

 

 -8-

حرب وبحر و بلور

 1- سماء حرب وبحر و بلورتنهمر و غيمة

الشاب الذي يحب البحر،  يحلم بالبحر، أعد العدة للبحر، رتب أيامه و حاجياته و ودع القليل جداً من أصدقائه و جيرانه و غادر مودعًا أهله و أحبابه، غادر وحده للبحر. ألقى بنفسه وحده في البحر. البحر وحده أيضا كان البحر. الشاب الذي مضى وحده في البحر ما كان يعلم أنه خلال دقائق معدودة سيكف البحر عن كونه بحراً، فقد أغلق البحر عليه أمواجه و جمد متحولاً إلى طبقات من البلور اللامع و بحر. حدث هذا و الشاب تارك ثيابه على شاطئ البحر. ومنذ عام 1977 و الشاب عاري من ثيابه داخل البحر. عيناه شاخصتان لسماء زرقاء و غيمة بيضاء فوق بحر. ما تحرك و لا اشتكى و لا أنكر البحر. ما بلي جسده و لا تحلل في البحر. منذ ذلك الحين و هو ساكن في بحر من البلور و مصغ لانهمار السماء و تساقط الأسماء. عيناه شاخصتان لا لشيئ سوى أنه أحب البحر و يحب البحر. متجمدتان بلوريتان محدقتان بغيمة و نوارس بحر. لا لشيئ أو من أجل شيئ أحب البحر. الزرقة تتساقط فوق عينيه و فوق جسده نتف من الغيم تنثال غير عابئة بالحب و بالبحر المتجمد الشبابي.

2- العائد من الحرب

سيعود الزوج الذي قاتل، منتصرًا أم منهزمًا سيعود من ساحات المعارك. سوف لن يكون بحاجة لأن يحمل كل سلاحه معه. فلسوف يترك الدبابة و المدفع و الرشاش و المجنزرة و الذخيرة  الحية و القنبلة و الراجمة و الشهداء و الرايات و بتخفف من بعض ملابسه و زوادته الثقيلة و مطرة الماء. سيعود لا لشيئ سوى أن وراءه إمرأة يحب و طفلة يشتاق و صديقا وفيًا بانتظاره و بانتظار أخبار الحرب، تفاصيل الحرب، جرحى الحرب. سيعود ليحيا من جديد. فقد طال غيابه و طالت الحرب.  كان قد أرسل لهم الرسائل بين كل حرب و حرب و لم تصله ردود الرسائل  لأنها  الحرب. كان يكره الحرب ، فما أبشع  الحرب و ما أقسى. إنه لا يحب الحرب. فقد قاتل و استبسل و دافع و أنقذ جرحى و لم يحب الحرب. لكنه عندما سيدق باب منزله بعد عشرين عامًا من الحرب سوف لن يرد أحد عليه و لن يستقبله أحد كعائد من الحرب. فالزوجة التي غادرت و الإبنة التي كبرت فتزوجت والصديق الذي انتحر لا يعلمون جميعًا أنها انتهت الحرب . فالحرب حرب لا تبقي ولا تذر الحرب. و من يذهبون لا يعودون من الحرب.ولسوف يسأل نفسه الآن: لماذا عدت من الحرب؟ لن يسمعه أو يرد عليه أحد فالكل مشغول بالحرب.

3- المرأة أدركت

المرأة التي لم تبال بالبحر، لم تكترث للحرب ، ظلت هناك ، وراء. و ظلت تنتظر لا شيئ محددًا. فما دام هنالك رجال يذهبون بكل شيئ، بسواعدهم، بقاماتهم، بشواربهم و شعورهم المصففة أو الكثة حليقي الرؤوس أو بخوذاتهم الواقية و أحزمتهم الناسفة ، ثمة من يبقى ورائهم ينتظرهم أو لا ينتظرهم أن يعودوا أو لا يعودوا. و ما دام هنالك رجال يذهبون للبحر بكامل هندامهم و لياقتهم و مايوهاتهم و صحتهم البدنية و النفسية للاستمتاع بالبحر  أو للسباحة في البحر، للإستلقاء على الشاطئ أو للغوص، فثمة من ينتظرهم أن تجف أجسادهم و يتناولون فوطهم لتغطي أبدانهم إذا ما هم خرجوا من البحر منتشين مملحين و ملوحين بشمس البحر. المرأة لن تبالي و هي تربي أطفالها و تصفف شعر بناتها و تعد ملاقط حبالها، لا لن تبالي و هي تعد أجيالها، صغارًا كانوا ثم كبروا، صغيرات كنّ ثم تفتح التفاح فوق خدودهن و نضج فوق صدورهن الأجاص و الخوخ و الرمان. المرأة لن تكترث إن ذهب غدًا إبناً لها للبحر أو للحرب، إن كبرت لها إبنة و تزوجت، لأنها لو جاعت لن تأكل مثل البحر أو مثل الحرب مرةً واحدة أولادها . المرأة أدركت، أنها، هي الحرب و هي البحر.

-9-

  مناقيش بعيدة
قصة بقلم : تيسير نظمي
 


قالت وعيناها دافئتان بالمعنى والفهم والترقب:
• إنها قصتك ، ألم تحس بذلك ؟
وبقيت تنتظر ردة فعلي على عرضها المسرحي . أما أنا فأبقيت عينيّ على العرض الذي أخرجته هي وتنتظر مني الآن أن أبدي وجهة نظري به سلباً أو إيجاباً وفي نفس الوقت كنت قد أدركت من نغمة صوتها بصدق أن ثمة فهم خاص ما يزال عميقاً من نظرة عينيها ومن دفء صوتها الذي خاطبتني به عاتبة على هذا الصمت الذي أوصلني إليه العرض.أدركت ان كثيراً من المعاني الإنسانية ما تزال دفينة لديها و لم يتمكن العرض الذي أخرجته بنصه و قدرات ممثليه و طريقته من إيصال كل ما لديها إليّ أو للحضور . لذلك بقيت صامتاً طالما أن العرض يتعلق بالمرأة. وقبل أن نقول شيئاً آخر حان موعد تحرك الحافلة التي ستغادر بها و بفريقها المسرحي إلى دمشق فودعتها على أمل أن أفرغ بعد جلبة المهرجان و اختلاط الحابل بالنابل مما هو غير حقيقي و أن أتصل بها هاتفياً كي أتعرف إليها أكثر.
" إنها تجربتك، ألم تلحظ ذلك؟"
و بعد أسبوع أدرت ذات مساء أقراص الهاتف الدولي فاستجاب في الحال بسرعة تمنيت لو ترددت قليلا أو كان خطها الهاتفي مشغولاً بمكالمة أخرى.
• ألو مساء الخير
• مساء النور ،
جاء الصوت طفولياً لأعرف فيما بعد أن المتحدثة على الطرف الآخر تكون إبنتها .
• و متى ستعود الماما عمو؟
• خلال ساعة، و ستأتي لنا بالمناقيش التي وعدتنا بها.
• إذن ابلغيها أنني سأتصل بعد ساعة أو بعد ساعة و نصف ريثما تأكلون المناقيش مع الشاي الساخن،
فضحكت إبنتها الكبرى مقترحة أن أتحدث أيضاً إلى أختها الصغرى فأكون قد تعرفت على العائلة و كنت قد علمت من المكالمة الأولى أن الصديقة تعيش لدى والدتها مع أطفالها دون وجود علاقة زوجية سابقة و دون عيش والد بناتها معها فازددت تفهماً لها و لم تعد علاقتي بها منذاك علاقة كاتب أو ناقد بمخرجة مسرحية. ثمة معاناة إذن وراء العرض المسرحي تجعل القصة اثنتين في واقع تجربتها هي و ربما من واقع تجربتي أنا أيضاً الذي كف منذ زمن طويل عن لعب دور الزوج في حياته المتأخرة في السن و الذاهبة عميقاً في العزلة.
بعد ساعة ونصف أعدت الاتصال فاستجاب الهاتف بسرعة أيضاً .

• مرحباً عمو.. هل عادت ماما؟
و فجأة أسلمت الفتاة سماعة الهاتف لجدتها لأمها.
• مساء الخير ياابني
• مساء النور.. كيف حالك و كيف صحتك؟
ثم قمت بالتعريف بنفسي فلقيت الترحيب المناسب و الاعتذار عن تأخر إبنتها التي ذهبت بمفردها لإحضار المناقيش. و لم أخف قلقي رغم أنني و والدتها حاولنا كل أن يبعث الطمأنينة في نفس الآخر حول التأخير في جلب المناقيش. فلربما التقت في طريق الذهاب أو الإياب بصديق أو صديقة و انخرطا في حديث و شجون المسرح و الإخراج و المهرجانات أو الاتهامات و كل ما هو مأمول و مرتجى في نفوس و عقول و أحلام الفنانين. و هكذا أعربت محدثتي أيضاً عن شكرها لاهتمامي و عن قلقها على موازنتي الهاتفية حيث أن المكالمات الدولية عادة ما تكون مكلفة لأمثالنا عندما يتحدثون بحميمية و دفء لا يحسب للمال حساب في مثل هذه الحالات. أغلقت السماعة و قد ازداد قلقي على تأخرها.
في الساعة الثانية عشرة ليلاً اتصلت رغم أننا اتفقنا في نهاية المكالمة الثانية على أن ترن رنة واحدة على هاتفي لتشعرني بعودتها عندما تعود و المناقيش التي أشك أنها ما تزال مناقيش ساخنة صالحة للأكل الشهي في تلك الساعة . رن الهاتف عدة رنات دون أن يجيب عليّ أحد أو أن يرفع السماعة على الطرف الآخر فأرجأت الاتصال لليوم التالي معللا ذلك بأنني ربما تأخرت في الاتصال الثالث و ربما ذهب الجميع في النوم و ربما لا يكون هاتفهم بقادر على الإرسال الدولي. لكن هذه التعليلات كلها لم تكن مقنعة لي تماما و كانت مجرد تبريرات لما هو غامض و مقلق، خاصة و أنها المبادرة الأولى لي في الاتصال بأي كان بعد نهاية المهرجانات التي تجعلنا أقرب إلى الإفلاس المادي منا إلى الأنتعاش . و عادة ما نحقق الانتعاش الفكري و الروحي و نحقق دفء الإنسان بالإنسان في حياتنا الوجدانية و الفكرية و الروحية التي نعيشها في الفن و الثقافة دون أن نكون قادرين على التجارة الحقة في حياتنا و تحقيق المكاسب المادية و الضرورية لتسيير عجلة الحياة بشكل اعتيادي. قلت لنفسي " يالها من مناقيش تلك التي ذهبت لتشتريها" و وضعت احتمالات أخرى لنوعية طازجة و مميزة منها و أبعدت المسافة ما بين منزل الصديقة و المطعم الذي يصنعها. بل تخيلت أن الصديقة ذهبت بعيداً بعيدً في جلبها و ربما إلى حيفا لولا أنني أدركت استحالة هذا الاحتمال لأن الصديقة لا تستطيع الذهاب إلى حيفا أو يافا أو عكا لمجرد شراء طبق من المناقيش لعدة أفراد . و في الشهر التالي دون أن يرن هاتفي و دون أن يتصل بي أحد طوال تلك الفترة أدرت قرص الهاتف قبل أن يفصل و قد فرغ الجيب تماماً من إمكانية سداد فواتيره، لأسمع ذات الإجابة :
" ذهبت لشراء مناقيش يا ابني و لم تعد"
و فجأة أدركت أن المناقيش التي ذهبت صديقتي لشرائها ليست كأية مناقيش عادية. ليست متوفرة لا في سوريا و لا في الأردن و لا في أميركا و لا في أوروبا و لا في كل الأماكن التي نعرف. إنها المناقيش التي هي تعرف و التي هي تريد و التي هي تحلم، فكل ما أعلم حتى الآن رغم مرور سنوات على تلك المكالمات و بعد أن انقطعت عني كل أخبارها و بعد أن لم يعد لديهم هاتف يرن أو لدي هاتف يرسل أنها مناقيش بعيدة مناقيش بعيدة فقط مناقيش فقط بعيدة .

* مهداة إلى رولا فتال

 مقابلة

شاعر القصة القصيرة المبدع تيسير نظمي

في لقاء معه حول الكتاب الخامس (وليمة وحرير وعش عصافير)

حاوره :  حسين جلعاد

 

          تيسير نظمي مبدع وكاتب اشكالي، تتبنى كتاباته رؤية «المهمّشين والمسحوقين»، كما أنه يحوز ثقافة ادبية وفكرية فريدة في اطلاعها وتمحيصها لمستجدات الحياة والفكر، وهو بين هذا وذاك يثير في طراز تفاعله مع الأوساط المحيطة صورة أقرب الى بطل سيرفانتس

"الدون كيخوته» الذي أنفق عمره يقاتل طواحين الهواء، فاختلفت في تفسيره الرؤى والاقاويل كل حسب شروطه وموقعه وثقافته يرى كثيرون في تيسير نظمي «كائنا مهرجانيا»؛ فهم لا يكادون يرتادون مهرجانا، الا ويفاجأون به حاضرا قبلهم، فيما يرى فيه آخرون «حالة كرنفالية» تشيع الفرح؛ بسبب من نقديته وسخريته العالية التي يوزعها اينما حل واتجه غير ان الجميع يتفقون أنه حالة إبداعية لافتة، سواء في كتاباته الابداعية والصحفية او آرائه النقدية والتي قد لا تروق الكثيرين بهذا القدر او ذاك. أصدر نظمي مؤخرا مجموعته القصصية الخامسة « وليمة وحرير وعش عصافير»، بعد انقطاع عن الاصدار دام سنوات طويلة، كما انه يتهيأ لإصدار روايته الأولى «وقائع ليلة السحر» التي كتبها بوحي من زيارته الى وادي رم برفقة مبدعين عرب  وأجانب وأردنيين في رحلة

نظمتها ادارة مهرجان جرش الصيف الماضي . الحقائق التقته وكان الحوار التالي حول مجموعته القصصية الجديدة

*هناك تفاوت في الأساليب السردية للمجموعة وبنائية قصصها، ففي الوقت الذي نجد أن معظمها قائم على التكثيف واستعارة لغة مقتصدة ضمن حدود التجريد كما في "فكرة وسكيران" أو "بيت الفراشة"، فان جزءا آخر يقوم على أسلوب شعري فتمتد الحالة في أكثر من نص كما في "شعرها الطويل"، وثمة صنف ثالث اتكأ في بنائيته على الواقعية الصرفة كما في قصة " أصابع منتصف الليل"... كيف تفسر ذلك؟ 

 

لو لم أكن أعرف أن لك تجربة سابقة في كتابة القصة، لقلت لك أن ملاحظاتك النقدية الدقيقة جداً، المطروحة بإخلاص شاعر ، لا تأتي من كاتب قصة ، لكنها أتت حقاً من ناقد موهوب.

أجتهد الآن معك كناقد لأقول أن السؤال لو طرح على كاتبه قصة لأحسنت القول بأن تجيب: " كلهم أولادي و بناتي و لا أعرف تماماً لماذا جاء هذا قصيراً و ذلك طويلاً و تلك عصبية المزاج و آخر كسولاً " أما و أنا لست بتلك فأقول أن استجابتي الحسية و الفكرية للموضوع اقتضت في كل مرة أسلوباً يتناسب و مقاسات الموضوع الذي أعالجه. الاستجابات الحرفية منها و الشعرية- أنت الذي شجعتني كشاعر دون أي ادعاء مني- و الطبقية حتى. ربما تسعفنا هنا أطروحة ت.س. إليوت عن المعادل الموضوعي فأقول لكل قصة و موضوع معادله الموضوعي بمعنى معادله الأسلوبي أيضاً . في " فكرة و سكيران و باب" المستوحاة من غرفة الرفيق حسين في إربد أيام كان جان دمو يتلطى في وسط البلد و لا يملك أجرة مبيت في فندق الليلة بدينار، جاءت القصة بنية و أسلوباً لتحمل إحساسي بالعام و الخاص، بالأيدولوجي و بالوجودي أيضاً. هذه القصة التي وقع اختيار أستاذة الأدب الانجليزي و رئيسة القسم في جامعة فيلادلفيا الدكتورة و القاصة أمنية أمين فترجمتها و نشرتها في الجوردان تايمز، حملت قدرتي على تفكيك و إعادة ربط و دمج ما تم تفكيكه في سيطرة شبه تامة على المادة التي يصعب السيطرة عليها . لكن فنياً يمكن السيطرة و التحويل. السكيران، الليل، الموت، الحياة، الباب، تبدو كلها منفصلة عن بعضها البعض ظاهرياً. لكن الوحشة هي ما يجمع هذه الأشياء. الكل يحس بالعزلة و الوحدة و المصائر الفردية التي انتهت بصديقنا جان دمو أن يموت في أستراليا كما تعلم و بآخر مثل عبد الأمير جرص في كندا، و كان  الوطن وما يزال موجوداً. لكن الباب الخشبي يريد العودة للغابة، لكينونته الأولى كشجرة و أخشاب مرتبطة بالأرض و هكذا فقد الباب صفاته الأولى و ما تحول إليه. أن تكتب عنه بمفرده كباب فلن يصدقك أحد أو يقرأ لك، تتحول إلى نسخة أخرى من كتابات ناتالي ساروت ، و لكن السكيران و الزوار الفقراء المحبين لأغاني فيروز كانوا غافلين عن الباب مما جعلني أشفق عليه و أشركه في القصة. و بالمناسبة، رغم أن القصة مركبة من خمسة أجزاء، لكن فقرة الباب وحدها أذهلت الدكتور صلاح القصب الذي راح يتحدث عنها فقط للوفد العراقي في عمان و من ثم في بغداد و قطر. و هو المختص بمسرح الصورة وأثق بذائقته و هو الأكاديمي من جامعة كاليفورنيا المشهورة بأقدم أشجار في التاريخ. بمعنى أن مشاهدات وثقافة القارئ و الكاتب تلعب دوراً في الأثر الفني لما سيقوله و يوحي به أي معادل موضوعي. و أية قصة تكتبها لابد أن تختزل ثقافتك و تجربتك، سواء في العمق و الفلسفة أو في الأسلوب. هذه القصة تحديداً لا أدري لماذا لم يتطرق لها مثلاً الصديق عبد الستار ناصر و هو كاتب قصة و ناقد أيضاً و أحد المبادرين لتكريمي أولاً في حفل توقيع الكتاب الخامس، مما يؤكد على أن الذائقة متباينة بين كاتب و آخر و كذلك الأسلوب.قصة" شعرها طويل حتى الفجر" وليدة  ليلة حب حقيقية و لكن على الهاتف.تصادف يومذاك أنني كنت أعيد قراءة الكتاب المقدس و خاصة سفرالتكوين. و مع أنني أحمّل شوارد الذهن ما تبقى من قراءتي لرواية حليم بركات" عودة الطائر إلى البحر" إلا أنني تجاوزت تلك الرواية بنحو ربع قرن على الأقل لأحمل في أسلوبها لغة تضاهي الشعرية في سفر التكوين إن لم أر أنها تفوقها واقعية. أسلوب الحب هو أسلوب في التكوين أيضاً لكن البعض ممن لا علاقة لهم بالكتاب المقدس لم يروا فيها غير الجنس و أنا مسرور لذلك، لأن الجنس أيضاً يحمل قداسة من نوع خاص و مع ذلك نخجل من الحديث عنه بتلك الشعرية التي هو ملهمها، أو هي ملهمة التكوين القصصي و الأسلوب الشعري. و ليتني أهديت تلك القصة لمن كانت الطرف الآخر. الواقعية الصرفة جاءت مع نجار، أي مع الطبقة العاملة و هي أيضا تم إساءة فهمها. الطبقة العاملة حياتها متقشفة و لا وقت لزوجة النجار لتسريح شعرها خاصة بعد فقدان زوجها أصابعه في المنجرة. المفارقات مأساوية لأن الشغيل لديه في ورشة الكهرباء هو  صاحب العلاقة و الحالة نجمت عن مكالمة خطأ وصلته فكشفت عن توق لنساء بورجوازيات مترفات، لكنها انتهت نهاية إنسانية بوفاء النجار لزوجته و طبقته. و قديماً كان يعاب هذا الجفاف على أدب الدول الاشتراكية و الاتحاد السوفياتي، لكنني لم أكن جافاً إلى هذا الحد رغم كوني واقعياً نقدياً- كما يذهب إسماعيل فهد إسماعيل في كتابه عن  القصة في الكويت. السخرية و المفارق تخفف بعض الشيء من جفاف و بؤس الواقع  مهما كانت نشارة الخشب جافة.

 

*  سخريتك التي تصبغ أجواء المجموعة، تستدعي في الذهن أسلوب كبار كتاب الأدب الساخر وفي ذهني التركي عزيز نيسين، هل كتابتك على هدي من هذه الخصيصة شكل آخر من الصدام أو الاحتجاج؟

 

أستدرك فأذكرك بموليير الذي تأثر به الأديب الراحل اميل حبيبي و سيرفانتز صاحب" دون كيخوتة" و كذلك عزيز نيسين، لكنني سأضيف إلى هؤلاء من بعد إذنك مارك توين أيضاً. هؤلاء جميعاً قرأت لهم.

أثروا بي لأنهم الوحيدون الذين كان بإمكانهم إضحاكي و أنا في أشد لحظات الحزن، أما على الصعيد الشخصي فقد كنت لا أضحك سوى من المفارقات المعيشية للصديق محمود الريماوي، رغم أن أدبه يستفزني و لا يضحكني و لعل في ذلك أيضاً مفارقة عجيبة. الصدام أو الاحتجاج لا أفكر بهما، السخرية لدي رد فعل.لا  يمكن أن أسخر من إنسان متعوس مثلي. لكن عندما  يظهر هذا المتعوس بثوب ليس ثوبه فإن الجميع سيضحك فما بالك بالكاتب شديد الوعي؟ بعض الكتاب لدينا يفتعلون السخرية، أسميت كتابات بعضهم سقاعة، أحياناً ترقى لسماجة مثل نكتة مسموعة منذ عشرين عاماً، لأن مصدرها غير عميق. السخرية إبداع و تتطلب كشف الزيف و المفارقة معاً. كما لا يمكن لكاتب مرفه أن يسخر إلا من نفسه. السخرية ثمنها غال جداً. بالنسبة لي أسخر من نفسي أحياناً و من طيبتي فأنا فلاح لا يجيد الفلاحة و مدني لا يجيد التمدن و لا بحوزتي تكلفته. ماذا أفعل إذن. لا بد أن أسخر و أشرك الناس في هذه المكاشفات. فالناس لولا الضحك لانفجرت من هول ما يجري حولها.

 

*  على النقيض من السخرية، ثمة فنتازية سوداء في كتابتك.. هل تخلق عالما آخر في مقابل العالم المعاش الرديء... هل ما يزال الأدب جزءا من منظومة تغيير العالم بعد أن تحول الكون إلى بارجة بفعل العسكرة ؟

 

دعنا نعود للفولكلور الشعبي مع كلمة " فنتازية" نحن الفلاحين اعتدنا أن نقول: فلان يتفنطز، بمعنى فيه من ادعاء البرجزة، أي الظهور بمظهر طبقة غير طبقته، و بالمثل لو كنت ابن مدينة أصيل و أدعي أنني فلاح، أيضاً هنا أنا أتفنطز. و إذا سمينا المصطلح الغربي" فنطزة" فليس لدي ما يبعث و الحمد لله على هذه الفنطزة. الحمار لا يدعي أنه حصان  و إلا تفنطز. و لو قلت أنها فنطزة بيضاء لأنكرت عليك وجود هذا في قصصي. و ما دامت سوداء فهذا مقبول- لكنني لم أقصد أن أكون ممارساً لتلك الفنتازيا، ربما قصدت هنا بعض تأثري بما كانت تنشره مجلة الأدب في الاتحاد السوفايتي. فقد ترجمت ذات مرة قصة لأناتولي تاشنكو عن تلك المجلة التي كانت تعنى في السبعينيات بأدب الخيال العلمي. و هذا النوع من الأدب لفت انتباهي على ممكنات المستقبل. و أظن أن صنع الله إبراهيم مهتم بهذا النوع من الأدب. الخيال العلمي قد يغدو حقيقة، و نحن فوق هذا الكوكب نرتكب، خاصة الرأسمالية، جرائم بحق الإنسان و الحيوان و الطبيعة و قد ندمر هذا الكوكب بأيدينا، فما بالك  بفقدان الغلاف الجوي أو الجاذبية لأي سبب ما و لو بعد ملايين السنين. هذه الاحتمالات قائمة و موجودة في قصة" سيدة الكون" كما هي موجودة و إن بشكل ساخر في روايتي الأولى،" وقائع ليلة السحر" أما مسألة الأدب و التغيير فهي من طموحات المد القومي و المد اليساري في أواسط القرن الماضي. بالنسبة لي كقاص أعيد هندسة الواقع بشكل جمالي و إنساني. أما أن ننتظر من كتاب أدب تغيير العالم فهذا صعب و إن كان جائزاً. الكتب التي غيرت العالم كانت إما علمية أو فلسفية و للأسف لم تكن أدبية. صحيح أن الفنون تهذب العالم و تؤنسنه  و لكنها من النادر أن تغيره. سنسهم في تغيير الذائقة وتوسيع المدارك و تنشيط الضمير و دق ناقوس الخطر، لكننا لن نكون كارل ماركس و لا داروين أو آينشتاين و بالطبع  لن نكون نوبل مخترع الديناميت. نحن نخترع الحب و الثورات و نمهد لها و للتغيير و للمستقبل الذي نراه. و لكن ليس التغيير الذي تقصده. نغير اللغة ممكن، و تراكيب العبارات ، ممكن ، المعنى ممكن، لكن الواقع نفسه هو الذي يمكنه أن يغيرنا و لذلك الجأ للاحتماء بالعزلة، خشية أن يغيرني للأسوأ. و عملاً بنصيحة العجوز الفرنسي في مظاهرات الطلبة في باريس أواخر الستينيات الذي قال للبوليس: شباب العضلات المفتولة الذين فرقتموهم إلى بيوتهم كانوا يطمحون لتغيير العالم أما أنا فأطمح من بقاء لافتتي مرفوعة أن لا يغيرني العالم.

 

 *  إلى أي حد يمكن أن يشفى المبدع من رتابة الواقع، وجروح الحياة حين تستعاد على نحو إبداعي في الكتابة؟

 

 

سؤال في الصميم، دعك من الكتابة فهي علاج للمبدع كتحصيل حاصل. لكن في الحياة أدعو كل موهوب أن يكون جريئاً. أن يحاصر حصاره بالجنون و بالجنون، كما يذهب محمود درويش. الواقع موبوء و ظالم و فاسد و تعسفي و الآخرون في الشرق بكل تخلفهم و تهافتهم قد يصبحون جحيماً للمبدع بكل سطحيتهم و شح مواهبهم. نختلف جداً مع جان بول سارتر في الكثير مما جاء به و لكننا لا نقول عنه أنه كان عبثياً. و لا كان سطحياً. سارتر و الوجوديون جاءوا رد فعل على مرحلة و واقع، و يجب أن ننظر إليهم بتاريخهم لكنهم دافعوا عن إنسانية الإنسان. في واقعنا العربي نطمح أن نعامل كما تعامل الحيوانات في أوروبا و كما تعامل الكلاب و القطط لدى  الأرستقراط أو لدى بريجيت باردو مثلاً. بالنسبة لي يكفيني لعلاج جنوني إما الكتابة التي تؤبد الحزن و السخرية و الألم معاً و إما الرقص  مع من يفهمون معناه كشكل من أشكال التعبير الجسدي و الروحي، و ربما الصوفي كما رقصت آخر مرة في آخر مهرجان. الكتابة وحدها  لا تكفي كي تتقي الجلطة أو السرطان.

 

* تناولت في مجموعتك حالات بشرية يكاد المرء لصدقها الفني أن يتعرف على شخوصها الحقيقيين، فيما أيضا كتبت عن البحر والفراشة والعصافير والذبابة والباب الوحيد وغير ذلك من الحالات "غير البشرية" ولكنها الأكثر إنسانية من بعض الأناس الذين عالجتهم.. هل صحيح انك تقدم "جردة حساب" بوجه العالم الواقعي الأصم ، وأن أنسنة"الأشياء"  في التقييم الأخير ملجأ من لا ملجئ له بين البشر؟

 

أنت أجبت ياصديقي، و ما دام الأمر كذلك فلسوف أضيف لك هذه الحكاية الواقعية التي لم أكتبها بعد مثلما كتبت أيضاً عن " الغراب  في محنته" فذات ليلة من الصمت المطبق على عزلتي سمعت قارض من القوارض في غرفة نومي . حددت مكان تواجده و تبين أنه لا طعام أو بقاياه في المكان. فأشفقت عليه، لذلك بدأت بالتحري عنه إن كان ثعباناً أو فأراً أو صرصاراً. فقط لأجل العناية به أو الإفراج عنه إن كان مزنوقاً. و عندما فشلت و هو أخلد للصمت بدأت محنتي لأنه إذا تصرف دون درايتي في وقت هو الذي يحدده قد يرتكب حماقة بحقي. قارنت بينه و بين رئيسي في العمل فوجدت الكائن أكثر رحمة من الإنسان، فصاحب العمل يقوم باستغلالي و هو يعلم، و يقوم دائما بإرتكاب حماقات  في الوقت الذي يشاء، و لا يؤنس عزلتي بل يدمرها. و صاحب العمل مؤذ ليس لي فقط بل لزوجته التي تعشق الفن  و هو يعشق المال و رأس المال. أين الفأر الحقيقي في الموضوع؟

.