
-5-
بيرت روتان يتحدى «ناسا»
ويصمم طائرة صاروخية مأهولة
للسياحة الفضائية
مهندس عبقري ينافس مشاريع الوكالة الفضائية وتمتلئ جعبته بشتى
المشاريع الجريئة الجديدة
لندن: نديم نحاس
بعد يوم من سماح الحكومة الأميركية لاول مرة لشركة تجارية بالطيران الى حافة
الغلاف الجوي للارض في طائرة تجريبية قد تصبح نموذجا لطائرات تحمل سائحين الى
الفضاء. حلقت طائرة صاروخية الخميس الماضي في ثاني تجربة عملية لها تمهيدا
لبلوغ هدفها النهائي, أي بلوغ ارتفاع 100 كيلومتر الذي يعتبر عتبة الفضاء.
لقد أصدرت ادارة الطيران المدني الاتحادية رخصة لرحلة مأهولة تطير داخل مدار
الارض لشركة سكيلد كومبوزيتس التي أسسها بيرت روتان في ولاية كاليفورنيا عام
1982.
وتتنافس الشركة في مسابقة خاصة مع 26 فريقا آخر على جائزة قدرها 10 ملايين
دولار لارسال طائرة يمكن اعادة استخدامها تحمل ثلاثة أشخاص في رحلة ذهاب وعودة
الى حافة الغلاف الجوي للارض.
ويتعين تكرار التجربة في غضون أسبوعين للفوز بالجائزة.
والرخصة الحكومية التي صدرت في الاول من ابريل (نيسان) الحالي سارية لمدة عام.
ومنذ اعوام تتلقى شركات خاصة حجوزات لرحلات سياحية فضائية الا أن المعوقات
القانونية والافتقار الى تقنية غير باهظة التكاليف وقفا عائقا أمام السفر
التجاري. ويقود روتان مشروع المركبة «سبيس شيب وان» ذات جناحين تعمل بالدفع
الصاروخي, وهي مصممة لتنطلق من ارتفاع 50 ألف قدم (15240مترا) من على متن طائرة
أخرى. وأتمت المركبة حوالي 12 اختبارا في الجو وكسرت حاجز الصوت العام الماضي
في الذكرى المئوية الاولى لقيام الاخوان رايت بتحليقهما الاول في التاريخ.
وتهبط مركبة روتان كطائرة عادية.
وسجل 27 فريقا متسابقا من سبع دول انفسهم في المسابقة التي صممت على غرار جائزة
اورتيج التي كانت قيمتها 25 ألف دولار, وحصل عليها تشارلز ليندبرج بعدما طار
وحيدا من نيويورك الى باريس عام1927 قاطعا الاطلسي. وترسل ادارة الطيران
والفضاء الأميركية (ناسا) روادا الى الفضاء منذ أربعة عقود لكن لم تستطع هيئة
خاصة حتى الآن القيام بذلك.
إن بيرت روتان اسطورة في عالم الطيران. وهو يحث الخطى الآن لفتح عالم الفضاء
للتحليقات المدنية الخاصة, اي صنع مركبة مدنية خاصة تقل ركابا أو سياحا قادرة
للوصول الى هناك.
لكن الصحراء القاحلة الواقعة على مسافة 150 كيلومترا من الى الشمال الشرقي من
مدينة لوس انجليس في الولايات المتحدة حيث يقع مقر شركته كانت في يوم من الايام
حوضا لبحر قديم حيث تشقها حاليا الطرقات السريعة.
ولكن بقرب مطار واقع قرب مدينة قديمة للتعدين في صحراء موجافي اصطفت خطوط طويلة
من طائرات الركاب النفاثة المهجورة تصطليها الشمس ودرجة الحرارة العالية.
لكن في نقيض لهذه الصورة القديمة تنفتح هنا نافذة عريضة للمستقبل على شاكلة
مركز مدني للاختبارات الجوية مع مجموعة من احدث الطائرات في العالم. فعلى مدى
60 سنة الماضية فإن أكثر العوامل جذبا كانت تلك القبة السماوية الواسعة حيث
يتمكن ملاحو الجو من الرؤية الى مسافة 50 كيلومترا على مدار العام بأكمله. إنه
عالم الطيارين ومقر قاعدة إدواردز للاختبارات الجوية التابعة لسلاح الطيران
الاميركي والمكان الذي استطاع فيه الجنرال ياغر لاول مرة تحطيم حاجز الصوت في
السرعة.
إن صحراء موجافي هذه كما ذكرنا هي مقر المهندس والطيار اللامع بيرت روتان الذي
هو المكان ايضا الذي يزدحم فيه طيارو التجارب لمختلف الطائرات الحربية وتلك
التابعة لـ«ناسا». لقد تمكن هذا المهندس اللامع من إثبات قدراته على أنه من
اشهر المصممين الاميركيين من ذوي الرؤية البعيدة. فهو الذي صمم الطائرة «فويجر»
التي سمع العالم كله بها والتي تحتل مكانها حاليا في المتحف الوطني للجو
والفضاء في واشنطن. وكانت هذه الطائرة التي تعمل بالمراوح العادية قد دخلت
التاريخ في العام 1986 عندما حلقت من دون توقف حول العالم في خزان واحد من
الوقود.
وروتان هذا من اشهر مصصمي الطائرات الصغيرة الذي يستخدم المواد المركبة الخفيفة
في منتجاته مقرونة بأفكار جريئة. ثم أن طائرته التي صنعها في منزله وضعت
مستويات جديدة للسرعة والمسافة والاقتصاد في الوقود.
واليوم وقد بلغ هذا المهندس القدير الستين من العمر يستعد مرة أخرى ليلهب مخيلة
الناس عن طريق تطبيق مهارته في صنع الاشياء بنفسه في سعيه الدائب لغزو الفضاء
بعيدا عن وكالة الفضاء والطيران الاميركية «ناسا». من هنا يعتقد الخبراء بعد
سنة كاملة على فقدان مكوك الفضاء كولومبيا والاعلان عن حلم واشنطن في استعمار
القمر والمريخ ان أشخاصا عاديين مثل روتان هم الذين سيقومون بوضع المسات
الاخيرة في غزو الحدود الاخيرة .. الفضاء.
ويعتزم روتان بتمويل من مليونير مايكروسوفت بول الين إرسال ثلاثة طياري اختبار
مدنيين في طائرة صاروخية الى عتبة الفضاء مرة أخرى, أي الى إرتفاع 100 كيلومتر
مرتين خلال اسبوعين بغية الفوز بجائزة «إكس» العالمية التي تبلغ قيمتها عشرة
ملايين دولار نظمها فريق من المتحمسين لغزو الفضاء قبل ثماني سنوات. وقد وضعت
هذه الجائزة على غرار جائزة قديمة قدرها 25 الف دولار التي الهبت حماس الملاح
الجوي تشالرز لندبيرغ لكي يثبت في العام 1927 انه من الممكن قيادة طائرة من قبل
شخص وحيد عبر المحيط الاطلسي.
لكن روتان لا يرغب فقط في تحطيم الارقام القياسية وصنع التاريخ, بل يرغب ايضا
في تحطيم الاعتقادات السائدة حول عدم قدرة المشاريع الخاصة إرسال أشخاص عاديين
الى الفضاء.
في هذا الصدد يقول بيتر غاريسون الذي يشارك في تحرير مجلة الطيران «فلاينغ»
الذي يعرف روتان منذ 30 سنة « انه من دون أدنى شك المصمم الاكثر إبداعا في عصره».
ويبدو ان روتان الذي يعرف مكانته على المسرح العالمي راغب في إثبات انه كان
الاول في العالم الذي طور برنامجا شخصيا لغزو الفضاء, وبالتالي تسليم المفاتيح
الى جيل جديد من الرواد الذين سيجوبون أطرافه بمركبات مأهولة.
لقد أكد روتان لمجموعة من طياري الاختبار في لوس انجليس في سبتمبر (أيلول)
المنصرم ان برنامجه الفضائي الذي سيكلف في حدود 25 مليون دولار لا يستخدم
أموالا ولا مختبرات حكومية, كما انه لاعلاقة له البتة بأي زبائن رسميين, ومن
دون أية مساعدة فنية من قبلهم. «إنه المرح بعينه» كما أكد لهم.
وعندما أزاح روتان لاول مرة الستار عن طائرته الاختبارية أمام الجمهور في أبريل
(نيسان) الماضي, أي منذ سنة تماما فإنه في الواقع أحيا مشروعا قديما في استخدام
الطائرات الصاروخية بدلا من الكبسولات والمركبات التي تقبع على رأس صاروخ لغزو
الفضاء.
لقد صنع روتان طائرته الصاروخية من مواد خفيفة جدا مكونة من الغرافيت
والايبوكسي مع أجنحة قصيرة للسرعة العالية.
ويقول المراقبون انه حتى ولو نجح روتان في مشروعه هذا فإنهم لا يستطيعون أن
يقيموا مدى قدرته على إزاحة «ناسا» من الطريق الصعب رغم أن دانيال غولدن المدير
الاداري السابق لهذه الوكالة وصف الاول بالعبقري الذي لامثيل له, لأن هدف روتان
ورفاقه في النهاية هو السياحة الفضائية, بينما صممت «ناسا» منذ البداية لأغراض
الاستكشافات العلمية الصعبة والخطرة. من هنا سيكون لكل طرف من هذين الطرفين
هدفه الخاص به والمستقل عن الآخر. لكن المهم ان جعبة روتان ما زالت مليئة
بالعديد من المشاريع الجديدة الجريئة التي يطمح الى تنفيذها مثلما حصل معه مع
مشروع الطائرة «فويجر» والطائرة الصاروخية الاخيرة «سبيس شيب وان» التي تنتظر
فرصتها للقفز الى الفضاء.
