www.FreeArabi.com 

أدب/كاتب و كتاب

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب- نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات


 

سيرة ذاتية

نجلاء محمود محرم

 www.naglaamehrem.net

naglaamehrem@yahoo.com

 

 *مواطنة عربية مصرية.

·   ولدت فى الثانى من شهر أغسطس عام ألف وتسعمائة وستين ، فى واحدة من محافظات دلتا النيل الخضراء ، وفى مدينة صغيرة جميلة اسمها "ميت غمر".

·        درست إدارة الأعمال وتخرجت من كلية التجارة عام 1982.

·   استهواها الأدب واستهوتها حياة الأدباء وعالمهم ، وعاشت معهم منذ طفولتها على صفحات الكتب ، وكان لها فى مكتبة والدها عالم سحرى فيه تشكلت ككاتبة بعد أن أتيحت لها فرصة غير محدودة للقراءة النهمة فى شتى المجالات وفى مرحلة مبكرة جدا.

·        بدأت بكتابة الخاطرة والقصة القصيرة منذ منتصف السبعينيات.

·        حصلت على العديد من الجوائز فى كتابة القصة القصيرة على المستويين العربى والمحلى.

·   مهمومة بقضايا العرب ويظهر ذلك جليا فى جميع كتبها ، وتطمح إلى التواصل الفعال مع جميع المبدعين على مستوى العالم العربى من الخليج للمحيط.

·        كتبت الرواية إلى جانب القصة القصيرة، كما كتبت الرواية التاريخية.

·   شعرت بعد الانفلات من عنق الزجاجة والولوج إلى عالم الأدب أن دور الأديب إذا اقتصر فقط على الإبداع يصبح دورا منقوصا أعرج ، وأدركت تماما أن مسئوليتها تتخطى تقديم مؤلفاتها الخاصة وانتظار الاستحسان ، وأن عليها المساهمة بدور إيجابى فعال يساهم فى لملمة الشتات الثقافى الذى يعانيه عالمنا العربى.

·        نظمت مسابقة "نجلاء محمود مِحْرم" فى القصة القصيرة منذ عام 2001 وحتى الآن.

·   أصدرت سلسلة كتاب "الفائزون" الأدبية، بهدف التوثيق للأعمال الفائزة فى المسابقة ولأصحابها من كتاب القصة، وذلك عن طريق نشر هذه الأعمال فى كتاب يضمها كما يضم بعض الأعمال المتميزة التى شاركت ولم تفز، وتقارير لجان الحكيم. 

·   أصدرت مجلة أدبية بعنوان "تواصل" تهدف إلى متابعة مسيرة الأدباء الذين قدمتهم المسابقة من خلال دوراتها المختلفة، لكى لا تنتهى علاقة المسابقة بالمتسابقين بانتهاء حفل تسليم الجوائز، بل تظل موصولة وحميمية ولا تتحول إلى بند تذكارى تاريخى فى سيرة هؤلاء المبدعين.

·   أنشأت موقعا أدبيا على شبكة الإنترنت بهدف دعم أنشطتها الأدبية والثقافية، ودعم الأسماء التى تقدمها مسابقتها سنويا، فى محاولة لتوسيع دائرة التواصل بينها وبين كافة المثقفين العرب أيا كانت مواقعهم.

·        عضو اتحاد كتاب مصر ـ عضو نادى القصة بالقاهرة.

·        من أعمالها الأدبية:

مجموعات قصصية:

                 ـ استيقظ

                 ـ تعظيم سلام

                 ـ لأنكِ لم تعرفى زمن افتقادك

     روايات:

                 ـ شرشبيل (رحلة الشاطر مهاود )

                 ـ البئر

                 ـ الغزو.. عشقا


 


 

 

أعمال الكاتبة : 

نجلاء محمود محرم

     كاتبة عربية مصرية تتميز بموهبة رائعة و بغزارة الإنتاج و تناول القضايا القومية و الإجتماعية بشعور عالٍ من المسؤولية و حس مرهف مع ميل إلى الترميز.

    كتبت القصة و الرواية ، و شاركت بعدة مسابقات ، ثم أنشأت موقعها الخاص الذي استضافت فيه الكتاب العرب من جميع أقطارهم ، ثم نظمت جائزة ( نجلاء محرم ) السنوية ، تقديرا لجهود زملائها الكتاب العرب و تشجيعا لهم ، و فتحت موقعها لمشاركاتهم .

 محتويات الصفحة:

 1- لماذا يا مرجانة

 2- حين كبرنا

 3- إنسحاب

 4 - اللعنة

 5 - إستيقظ

 6 - البامية الخضراء

 7 - أطفال للبيع

 8 - نداء الكبيرة

 9 - عودة البك

 10- زارع الرمل

 11- لقاء

 12- قطيع الشطرنج

 13- تحولات

 14- غداً

 15 - بوابات الموت

 16 - بخل

 17 - بوابات الموت

 18 - جدي و أنا

 19 - خروج

  - مقابلة مع موقع دنيا الوطن

 

-1-

لماذا يا "مرجانة" ؟
قصة قصيرة بقلم : نجلاء محمود محرم

www.naglaamehrem.net

naglaamehrem@yahoo.com

*****

            يقولون إن "مرجانة" حين سكبت الزيت المغلى فى القدور.. قتلت أربعين حراميا!
لكننى ـ بقليل من التفكير ـ اكتشفت أن "مرجانة" كاذبة!
واكتشفت أنها أرادت أن توهم سيدها ـ "على بابا" ـ بمهارتها ودهائها..
وأظن أنها أقنعته بأن يستخدم هذا الحدث.. الذى لم يحدث.. ليقنع الناس بقوته وقدرته!

التفاصيل

-2-
حين كبرنا!

قصة قصيرة

 نجلاء محمود محرم


               عم " ريحان " حارس الحديقة العجوز.. كان لايسمح لنا بدخولها.. وكنا نتسلل فى جوف الليل.. ويمتطى بعضنا ظهور بعض.. ونمد أذرعنا الصغيرة عاليا.. ونفرد أكفنا علَّ أطراف أصابعنا تطول حافة السور.. ويأتينا صوت عم "ريحان" ضاحكا:
ـ حين تكبرون ستدخلون حديقتى!

التفاصيل

-3-

إنســحاب

قصة قصيرة

 نجلاء محمود محرم

 

    سـألَتْ الشـقراء فى شـقاوة :

ـ القلب أهم أم المخ؟ دارت الكاميرا لتواجه الطبيب الذى أجاب

ـ القلب طبعا.. أكد جالينوس ذلك منذ القدم..

أَكْمَلْتُ ارتداء ملابسى ولم أَقْـوَ على تجهيز إفطار.. السـرير "منكوش"..

"البيجامة" قطعـة منهـا على السـرير والثانيـة على الأرض.. الصحف ملقـاة فى كل مكــان..

التفاصيل

-4-

اللعنة

قصة قصيرة

نجلاء محمود محرم
 

     انتهى الأمر بنبذ الطفل الأسمر ذى الشعر الأجعد الذى يميل إلى رفع صوته..
وأُجلس فى آخر مقعد فى حجرة الدراسة..
فى بداية عزلته كان زملاؤه يلتفتون إليه.. مواسين بنظراتهم.. أما الآن فقد نسوه..
وتذكروا فقط أن يخفضوا أصواتهم

التفاصيل

 

-5-

إسـتيقظ 

قصة بقلم : نجلاء محمود محرم        

 

قفز الثعلب مختبئا فى الزراعات..

كان واقفا على حافة الطريق حين لمح الصغيرة وأباها قادمين.. ثبت عينيه البراقتين عليهما.. إضواء السيارات المارة تجعل من عينيه بؤرتين تشعان نورا مبهرا.. فهم الثعلب أنهما قادمان باتجاهه فقفز متواريا.. لمحته الصغيرة وهو يقفز فيسبح ذيله فى الهواء فى انسياب جميل..

التفاصيل

-6-

 

البامية الخضراء  

      قصة بقلم : نجلاء محمود محرم         

 

  أريد بامية خضراء على الغداء

ألقي الأمر وهو يخرج من باب الشقة ، فلم يسمع كلمة"حاضر"التي خرجت من بين شفتيها فى آلية غريبة. فى دقائق رتبت ما يمكن ترتيبه في الشقة التى بقيت رغم ذلك مبعثرة! ودست في يد كل طفل عشرة قروش ليشترى لنفسه طعاما حيث لم يتسع الوقت لتجهيز إفطار! 

صرخت فى الصغيرة: 

"العريس لا ينتظر خلف الباب"حين طلبت منها أن تصفف لها شعرها!

هرولت خلف الصغار لتلحق بعملها. رغم حرصها اليومى على عدم التأخر إلا أنها لم تصل يوما فى الموعد. كان التلاميذ في فصولهم.. هرولت إلى فصلها بعد أن سمعت كلمات الصباح العنيفة التى يستقبلها بها الناظر كل يوم. دخلت الفصل فارتمت على المقعد تلهث قبل أن تتمكن من إلقاء تحية الصباح. فلما التقطت أنفاسها لم تلقها أيضا.

 

فى الحصص الثلاث الأول لم تبرح فصول المدرسة، لعنة الله على المدرسة وعلى الناظر وعلى التلاميذ، هل سينتظر السوق حتى الحادية عشرة؟ وهؤلاء البُلهاء الجالسون أمامها هل ستفيدهم عطلتها وضياع فرصتها؟ وهل سينصلح حالهم حين تُتهم كل يوم أنها زوجة فاشلة؟ هكذا كانت تفكر.

بين الحصة الثالثة والرابعة جرت إلى الناظر ترجوه أن يسمح لها بالخروج لتطمئن على أمها المريضة ( جداً ).

  ربع ساعة فقط ياحضرة الناظر.

حضرة الناظر يعمل فى هذا المجال منذ نيِّف وثلاثين عاما. رد بجفاء:

 بعد حصصك.

خرجت تترجرج فى فستانها المجعد و تدعو عليه فى سرها.

الحصة الرابعة كانت مباراة فى الملاكمة حلبتها الفصل الدراسى. مُتَحدُّوها الصغار يسقطون الواحد تلو الآخر أمامها دون تحدٍ! إلا إذا كان تحديهم لها هو مجرد وجودهم فى فصلهم فى هذا الوقت        

 أخرجوا الواجب..

بُهِت الصغار.. إنها أبدا لم تطلب منهم مراجعة الواجب لسبب بسيط هو أنها لا تكلفهم بواجب! لم يُخْرِجْ الصغار شيئا..

 قوموا فِزُّوا.. 

فزّ الصغار.. من خلف باب الفصل أخرجت خيرزانة فتية مرنة.. مد البائس الأول كفيه الصغيرتين لتلهبهما بلسعات خيرزانتها الحراقة.. حين وصلت لسابع البؤساء كانت قد اندمجت! ألقت خيرزانتها وكوّرت قبضتها وصارت تدق الصغار على ظهورهم وأكتافهم، وتختم كل مباراة بصفعة جبارة على الوجه.

   

الأطفال تكوموا فى ركن الفصل يتدافعون للخلف.. كل منهم يحاول الاختباء خلف  زملائه.. وهى مازالت فى جنونها.. وبين الحين والحين كانت تقول شيئا عن البامية وزوجها الذى لايتسامح وأطفالها المحبوسين فى الشقة!

   

ارتمت الصغيرة فجأة تحت قدميها بتأثير ضربة قاضية من قبضتها المكورة.. ركلتها صارخة     

 قومى فزِّى..  

لم تفز الصغيرة.. ركتلها ثانية.. لكن الصغيرة ظلت ساكنة دون حراك.. ارتكزت على ركبتيها تتفحصها.. مدت يدها تنهضها لكنها كانت جسدًا  بلا حياه!

 يا مصيبتي 

قالتها بصوت خافت وهى تكتم صوتها بكفها المرتعش.

 يا مصيبتي 

رددتها بصوت أخذ يرتفع شيئا فشيئا حتى صار صراخا.

ساعدها كورال بكاء الصغار الفزعين فى سرعة وصول الغوث من باقى أرجاء المدرسة.

ماتت  الصغيرة..

"بسبب خيبة التلاميذ"

(هكذا قالت المعلمة)!

-7-

أطفال للبيع !
قصة بقلم : نجلاء محمود محرم


- 1 -


لم يعد فى البيت الفقير شىء يؤكل.. الصغار يعوُون جوعا.. والأم تجرى هنا وهناك باحثة عن طعام.. تبش الأرض.. تهدم الجدران.. تنفض الملابس الممزقة باحثة عن شىء يؤكل..

فى الجهة المظلمة يعيش اللص فى كهف يحرسه تنين.. اللص طويل اليد يمد اليد يصطاد الخبز!
الأم تستجدى الجيران.. والجيران يستجدون الجيران.. والجوع يفرك الجميع.. واللص فى كهف يحرسه تنين يصطاد القوت..
الأم.. تدور وتدور.. تبحث عن شىء يوقف موت الأبناء.. وأبدا لاتذهب للص.. هى تخشى التنين وتخشى اللص.. هى تعرف أن اللص يسرق قوت الأبناء لكن لاتذهب.. الابن يموت وراء الابن ولاتذهب!
تحمل موتاها فى عربة يد خشبية.. تدفع عربتها وتسير.. تقطع مسافات وتصل للبلدة البعيدة.. ترفع صوتها وتنادى :
أطفال موتى للبيع!
أهل البلدة لايهتمون.. تظل تنادى وتنادى.. وتجوب الأسواق.. تطرق كل الأبواب..
يا أسيادى.. من منكم يحتاج لجثة طفل يحنطها ويزين مدخل قصره؟!
اقترب الرجل المكتظ بلحمه.. وضع على كتفها كفاً أبيض مزداناً بخواتم من دُرّ
يا امرأة، ماذا نفعل بالأموات؟
جرَّت فى يدها أطفالا أحياء.. وصاحت
أطفال أحياء للبيع
عادت للبيت حاملة خبزاً - هو ثمن الأبناء - لتطعم باقى الأبناء.
لكن اللص مد اليد.. وسرق الخبز من أفواه الجوعى!

-2-

يحيا الأطفال المباعون فى البلدة البعيدة.. يبحلقون بعيونهم ويتعلمون.. هذا ذهب. ليس الذهب كالحديد. نحن حديد. نحمل أثقالا. نتلقى الطرق فلا نتفتت. نحن حديد. رخاص السعر كبار العزم. منا تصنع أعمدة الدور وأفران الخبز. منا تفتل قضبان السجن وسيوف الجلادين. هل يمكن يوما أن تُبنى دار فوق أساس من ذهب؟ أن يُخْبزَ خبز فى فرن من ذهب؟ هل تقطع رأس بسيف من ذهب؟
نحن حديد. لكنا نسجد للذهب المتراخى! نمسح نعليه.. نسلك أذنيه نصفف شعره وندلك جسده. نحن عبيد.. باعتنا الأم مقابل بعض الخبز! لماذا ياأم ونحن أساس البنيان؟
قالت :
هل آكل صلبا؟ هل أرضع أطفالى مصهور الفولاذ؟ ائتونى يوما بحفنة قمح لأ لملم شمل الأشتات!

لكنّا ياأم لم نجد القمح. الذهب يروح ويأتى الخبز. فى البلدة البعيدة ياأم لايوجد قمح. يوجد ذهب! نحمله فوق الأكتاف لقصر الحاكم. نسكبه فى بئر الحاكم. يلقون إلينا أرغفة الخبز. نحملها ونعود ليأكل أسيادُ الذهب.
قصر الحاكم أسواره بلا نهاية. ترتفع حتى تختفى بين الغيوم.
لاندرى ياأم ماخلف الأسوار. لانعرف إلا بئر الحاكم نلقى فيها الذهب. وطاقات السور يلقى منها خبز أو عطر أو شرائط شعر ملونة!

- 3 -

الأم مازالت تبيع الابن وراء الابن مقابل بعض الخبز..
واللص مازال يعيش فى كهف يحرسه تنين..
اللص مازال يمد ويسرق أقوات الجوعى..
وبئر الذهب يصب فى قصر الحاكم..

- 4 -

فى أحد الأيام.. ظهر الحاكم من إحدى طاقات السور..
يا للهول.. الحاكم يسكن فى كهف مهجور.. يحرسه تنين.. ويمد اليد.. يصطاد الخبز من أفواه الجوعى‍!!

-8-

نداء الكبيرة     

قصة بقلم : نجلاء محمود محرم       

حين فقد ذراعه فى الحرب.. منحوه نجمة من معدن.. علقها على صدره.. وصفق له الجمهور.. وحكى عنه أهل قريته.. ورفع الأطفال رؤوسهم يرنون إليه بإعجاب كلما سار أمامهم، حتى فتيات القرية المتناثرات فى الطرقات وعلى شاطئ الترعة كن مولعات بمراقبته وملاحظته!

عقب الحرب.. عقب فقد الذراع.. كان"متولى"سعيدا"!

   

*  *  *

تقدم"متولى"لخطبة"محاسن".. إحدى المعجبات اللاتى كن يرقبنه وهن يغسلن الأوانى على حافة الترعة.. كل شىء نصيب.."محاسن"مازالت صغيرة على الزواج.

عاد"متولى"يهمس لنفسه:

 هل"محاسن"هى التى مازالت صغيرة على الزواج؟ أم أننى أنا الذى صغرت؟

أرغت أمه وأزبدت.. ورمت"محاسن"وأهلها بكل صفات قلة الأصل وانحطاط الأخلاق.. وتوصلت فى النهاية إلى أنها ليس لها فى الطيب نصيب!"متولى"جالس يرنو إلى أمه فى صمت.. مدليا كُمّا خاليا.. وأبوه منكس الرأس.. معصور الفؤاد..

رفض"متولى"عروض أمه.. وامتنع عن التقدم لخطبة أى فتاة أخرى..

لم تعد ذراعه المبتورة مثارا للإعجاب.. بل أسفرت عن حقيقتها وباحت له باسمها الحقيقى..

انحصرت حياة"متولى"بين الحقل والدار.. والخروج للسوق أحيانا.. يمناه المبتورة لاتمكنه من أداء الكثير.. لكنه لايركن إلى التكوم كبقايا إنسان منتظرا  التحلل.

عاتبه أبوه :

 تأخرت كثيرا يا"متولى"وأنا بحاجة إليك.

ابتسم"متولى"فى رضا: معذرة يا أبى ها أنا قد جئت

"رعاك الله يا أبى.. هل تظن أنى أصدق أنك تحتاجنى حقا؟""تمتم متولى لنفسه.. نهض فخلع جلبابه.. ظهرت بقايا عضده.. خاض فى حقله.. لم تفتر رغبته فى العمل.. ولم يفت فى عزيمته أن أداءه لم يكن فى كفاءة الماضى.. لم يلعن العجز.. ولم يتخذ منه فوهة يطلق منها قذائف يأس وكره على الدنيا والناس.

 سامحها الله"محاسن".. أفقدته الرغبة فى الزواج!

* كل شىء نصيب ياأم"متولى"

قالها أبوه وهو ينظر إليه بطرف عينه فى إشفاق.. ويشير لأمه بيده أن تصمت!

 وبعد يا أبا"متولى"؟ ألم يخلق الله غير"محاسن"؟

الأم المغتاظة لا تعير انتباها لمشاعر الإبن.. فهو ليس أقل من أى شاب آخر.. بل هو أفضلهم جميعا.. بما فيهم زوج"محاسن"! ليس الأفضل لأنه بطل مضح.. بل لأنه ابنها.. وهى تراه كذلك!

* ياأم"متولى"كل شىء بأوان..

ثم هامسا :"كفى عذابا"

 عذاب؟! أنا التى لا أريد له العذاب!

نهض الأب يائسا من صمتها

 هيا يا"متولى"ستفوتنا العشاء..

قام"متولى".. سرى مع أبيه إلى المسجد.. أثناء الطريق لم ينطق أى منهما حرفا.. أفكار وتساؤلات.. رغبات وتخيلات.. تموج وتتصارع فى ذهن"متولى"..

لماذا لم أزر حمودة الشحات حين مرض؟ لماذا تخاذلت عن الاسراع إلى دار أبى السعود حين ارتفع فيها العويل؟ ولماذا أتظاهر بعدم الانتباه لأتهرب من تحية البعض؟ ربما  بسبب ذراعى؟ أشفق على نفسى من ظهور عجزها أمام الأخرين؟ وهل تبادل التحية يحتاج الى ذراعين اثنين؟ يبدو أننى تغيرت! لكن لماذا أظل كما كنت؟ وهل ظل الغير كما كانوا؟ عندى ما يدعوني للتغير.. لكن ما الذى غيرهم؟ هل الإنسان مجرد ذراع؟ وحتى لو كان كذلك.. فمن أجل من ضاعت؟ ألم أتركها فى الميدان من أجل الجميع؟ لا! لابد وأن أكون أكثر صدقا.. أنا لم أتعمد التضحية.. لم أكن أختار.. كنت مدفوعا.. لم يكن هناك سوى طريق واحد  يسير فيه الجميع؟ لا سبيل للرجوع.. لم أفعل هذا من أجل"محاسن".. لم أضح بذراعى فى سبيل شخص.. كانت الحرب.. لماذا ألوم"محاسن"؟ أكان من الممكن أن تختار العاجز وأمامها السليم المعافى؟ ألا أستطيع نبذ اعتقاد البطولة وأعتبر نفسى أصبتُ فى حادث؟"

    بعد الصلاة.. وفى طريق العودة للدار.. سأل أباه: ما رأيك فى أن نزور حمودة الشحات يا أبى؟  

   

    تمدد"متولى"فى فراشه الخشن وهو يسأل نفسه:  

     لماذا زرت حمودة؟  لماذا أرعى شعور الآخرين وأحد لم يرع شعورى؟"

أخرج"متولى"الوسام اللامع من علبته المخملية.. قلبه بأطراف أصابعه حتى استوى على راحة يده.. جلس يتأمله.. تذكر الاحتفال.. وتهنئة القائد الأعلى.. صورته فى الجريدة.. (البطل المجند"متولى"أبوالعلا حامل وسام"....")  لقد ذهب كل شىء.. لم تبق إلا تلك القطعة المعدنية.. تذكره بكل ما ضاع.. تثير فيه الاحباط والخذلان.. لم لا تذهب هى الأخرى وتتركه بدون بطولة؟ تتركه شخصا عاديا لاينتظر عرفانا ولايتطلع لشكر؟ 

خبطها بعنف وهو يضعهافى علبتها.. ثم ألقاها فوق ظهر الصوان المترب!

صارح"متولى"بالحقيقة نفسه..

 نعم.. أنا نادم على ما راح منى.. لم أجنِ غير الخسارة!

بعد أن صارح نفسه صار أشد جفاء.. وأكثر نفورا.. لم يعد يكتفى بالصمت حين تجرى سيرة"محاسن"على لسان أمه.. بل أصبح يلقى بعض الكلمات العدوانية اللاذعة.. لم يعد يبرر تقصيره فى أداء الواجبات الاجتماعية.. بل صرح بأن"الناس لايستحقون"!

***

 

فوجىء أهل البلدة بالطائرات تئز فوق رؤوسهم.. وتلقى حممها فوق دورهم.. علا الصراخ.. وتناثرت الدماء.. اختلط الأهالى بالجنود.. واختلطا معا بجند الأعداء وأعمل الجميع القتل!

"متولى"جاثم فى داره لايخرج

 مالى بهم؟ دافعت عنهم مرة فليدافعوا هم مرة..

تصل إلى أذنيه صرخات.. ونداءات.. وأنات.. تتدفق إلى مشاعره وخزات أليمة حين يسمع صوتا مألوفا.. أكثر من مرة نهض.. ثم قرفص ثانية

 أولاد الكلب.. ما الذى أتى بهم ثانية؟

صوت فَزِعٌ يتسلل الى قلبه فيلسعه

ينهض"متولى"ثم يقرفص ثانية

 فلينقذه أبوه!

* ياعم"متولى"!

هَبّ"متولى"واقفا فتطوَّحَ كمُّ جلبابه الخالى..

* ياعم"متولى"!!

 محروس؟ محروس ابن محاسن؟

    تجمد"متولى"فى مكانه لحظات.. أيترك محروسا لمصيره؟ أيخرج اليه  الى ابن محاسن  مضحيا بذراعه الأخرى أو بساقه أو بعينه؟

فكر"متولى"وزأر بصوت كالرعد

 لاتخف يامحروس

جرى فاتحا باب داره مواجها الموت.. أمه تصرخ وراءه:

 إرجع يا"متولى"

فى الحارة الضيقة يقف محروس باكيا.. مفزوعا وعلى بعد أمتار منه يقف جندى قاسى الملامح.. مشهرا بندقيته..   

اندفع"متولى"فى وثبة نمر.. رفع الصغير بذراعه الوحيدة.. وقبل أن يلج إلى داره.. استقرت رصاصة في أحشائه.

ارتمى فى فناء داره.. عويل أمه وبسملة أبيه وصراخ محروس يلفونه بجو مشحون بالحب..

الرضا والسرور يكسوان وجه متولى.. عادت السعادة تشرق من عينيه الغاربتين..

 

ناداك ابن محاسن فقتلت نفسك يا ولدى

قالتها أمه بنغم العويل الممطوط

ابتسم"متولى"الراضى عن نفسه وتمتم :

بل نادتنى الكبيرة يا أمى..  

 

 

-9-

عودةالبك   

قصة بقلم : نجلاء محمود محرم       

     يوم قدوم البك"حسان".. جَرَّتْ"باتعة"الولد"حسان"لتنتظر البك فى قصره.. منعوها من الدخول.. فجلست أمام بوابة الحديقة تحكى لولدها الحكاية!

أيام كانت هى والبك"حسان".. طفلين.. مجرد طفلين فقيرين فى قريتهم هذه.. وكان والده يرقبه من بعيد وهو يعمل فى الحقل.. يراه وهو يحمل التراب إلى الحظيرة.. ويسوق الجاموسة التى تدير الساقية كلما هدأ دورانها.. وهو مطمئن وراضٍ بانصياع ابنه للأمر وتركه مذاكرته!

لو اقترب قليلا لتبين الأمر على حقيقته.. الابن كامن فى مخبئه الأخضر وسط أعواد الذرة.. وفى يد كتابه! والصديقة الصغيرة تعمل بدلا منه!

تضحك"باتعة"فى جذل وهى تحكى لولدها"حسان"

"كنت أرتدى جلبابه وطاقيته وأعمل بدلا منه.. وهو يعصب رأسه بمنديلى المطرز ويرتدى ثوبى المشجر ويقرأ فى كتابه!"

كثيرا ما حملت"باتعة"التراب والسباخ وأكوام الحطب وأجولة التبن ليقتنص"حسان"ساعات يمضى خلالها نحو النجاح وهو متنكر فى جلبابها المشجر.. لم تكل.. ولم تسأم.. ولم تبح بالسر.. وظل الأب يراقب برضا انصياع ولده ويغبط هيمنته وسطوته عليه..

وحين نجح"حسان".. رحل إلى المدينة الكبيرة حاملاشهادته الكبيرة متطلعا نحو أحلامه.. وانقطع عن قريته.. وظلت"باتعة"ترقب عودته.. وحين كانت تصلها أخبار نجاحخ يزغرد قلبها.. فلها فى هذا النجاح نصيب!

"قالوا إن حسان بك لن يعود.. وهاهو قد بنى سرايا فى وسط البلد.. أصبح لنا سند يا حسان"

اغتبط الصغير بصلة أمه الوثيقة بهذا الهابط من سماء المجد إلى قريتهم! ودبر فى نفسه أسلوبا جديدا للتعامل مع الأطفال الذين لم تكن لهم ولا لآبائهم يوما صلة بالبك صاحب"السرايا"!

"قال لى جميلك فوق رأسى يا باتعة"

قلب الصغير يرفرف.. يا بركة الله.. أخيرا أصبحت له درجة ودرجات على باقى الرفاق المتعالين عليه وعلى فقره.. وكيف لا ولأمه الفضل على البك نفسه؟

"أسميتك حسانا على اسمه"

الولد"حسان يكاد يطير..

"إسمى على إسم البك يا أمه؟"

 

جاء الركب..

نزل البك من إحدى السياراتعابسا.. لم يحاول ان ينظر إلى قريته التى هجرها منذ سنوات..

اخترقت"باتعة"الصفوف مجرجرة"حسان"فى يدها.. وقفت قبالة البك ضاحكة متهللة.. لمحتها عينا البك فعرفها.. تردد أمامها برهة ثم استدار نحو ضيوفه العظام..

"تفضلوا.. تفضلوا"

عبرها إلى داخل"السرايا"

 "باتعة"والولد"حسان"واقفان بمفردهما أمام السراى..

جرَّتْه فى يدها ومضت نحو دارها صامتة!

والولد يسأل فى حيرة:"لماذا لم تكلميه يا أمه؟" 

-10-

زارع الرمل    

قصة بقلم : نجلاء محمود محرم       

 

 تمرالليالى.. وتنصرم الأصبحة..

آلاف الأفدنة أمامى.. صفراء.. لاتنجب إلا شوكا.. ماذا يعنى أن نموت من أجل تلك الرمال؟ لو أنها تنجب عيدانا الخضرا.."الأرض عرض.. لكن أى أرض؟ أرضنا السوداء الولادة.. أم تلك الصفراء العاقر؟ آه يا أرضى الحبيبة.. أتلهف لرائحة عيدانك الخضراء ولملمس طينك  الولاد 0

أدهشنى كلام الضابط.. فعدت أسأله ونحن جالسون على شاطئ القناة.. يتطلع إلينا قمر سيناء الصافى..

أإذا مر أحد فى حقلى.. وأمضى به وقتا يجئ يوم ويقول لى"هذا الحقل ملكى"؟      

ابتسم الضابط

* على رسلك يا فلاح.. الأمر أعقد

_ ولو يافندم.. لكل أناس أملاكهم.. وأرض غيرى ليست أرضى.. حتى لو كنت قد مررت بها.. وأكلت من ثمرها.. بل حتى لو أقمت فيها..

* السؤال الآن لمن كانت هذه الأرض منذ البداية؟

_عليك نور يا فندم.. لمن؟

* لنا يا على..

***

 

ضربت أمى على صدرها لما علمت أنك ياسيناء أرض صفراء لاتنجبين العيدان الخضر.. وصاحت

_ يروح الشباب من أجل أرض بور؟

لكنها كادت تلتهم جارتنا التى استولت على"الكوز"المخروم الملقى فوق سطح دارنا.. والذى تظن أمى أنه من الممكن إصلاحه.. همست إليها

ما هو إلا"كوز"مخروم يا أمى

صاحت بتحَدٍ وهى تزيحنى عن طريقها

_ حقى! إذا سكتُ على ضياع المخروم.. سيضيع السليم يا عبيط!

***

 

لو أن فيك عيدانا خضراء يا سيناء.. قمرك فقط مثل قمر حقلى.. لكنك لست مثله.. مريضة أنت بداء لاأعرفه.. شاحبة.. كئيبة.. تركتِ ثوبك الرملى للرياح تذروه هنا وهناك.. تتبدل ثيابك الرملية دون رغبة منك.. فتعلو هنا وتهبط هناك.. وأنت ملقاة على البر الآخر.. تزداد صفرة رمالك.. وتتكاثف أشواك كآبتك.. أتُراكِ يئستِ من الغوث فرقدت فى انتظار النهاية؟ لكن الزمن لايبخل عليك بهبة ريح شرقية..  فتصحو رمالك.. تتكوم فى كثيب طويل أمامى.. تبرق حباتها.. تضئ وتنطفئ فى غمزات بعيونها الذهبية.. تهمس لى:

_ حية أنا فى انتظارك.. لا يَغُرَّنَكَ تماوتى!

أفلا تستطيع حبات رمالك الغمازة الهامسة أن تنجب عيدانا خضراء؟

***

 

وتطأ قدماى رمالك الذهبية.. أصيح مهللا.. أحمل فوق كتفى مدفعا كان ثقيلا قبل هذه اللحظة.. أطير به وسط الصياح والوغى.. أسمع ترحيب رمالك.. أزرع الراية.. وغدا أزرع عيدانا خضرا..    

أتانى صوت ضابطى القائد يصيح:

_ مبروك ياعلى

لم أتبينه فى غبار الرمال ودخان المدافع.. لكنى عثرت عليه بعد ذلك جريحا.. غارقا فى دماه.. حملته واستترت وإياه

_سلامتك يافندم

* هيا.. واصل يا على

_ وسيادتك يافندم؟

* سأسقى لك تلك البقعة لتزرعها يا فلاح..

"الكوز المخروم حقك يا امه"

مدفعى على كتفى يذب الآفات عن أرضى.. وأرضى تتسع.. والآفات تتفرق وتتساقط.. والساقية تدور فتسكب الدماء..

لكن مالأرضى قد توقفت عن الاتساع؟ وما تلك البؤرة الشيطانية فى هذا الجدار الملعون التى تصب لهيبها؟ مالها تحصد بنيرانها الجند وتكومهم كحزم القمح الذهبية؟

علا صوتى

"اتسعى ياأرضى"

تسابقت قدماى..

الاندفاع نحو الموت ليس رهيبا كما كنت أتصور..

هلمى ياقدمىّ..

اتسعى ياأرضى

سائل دافئ يتصبب من فمى.. يتدفق من صدرى..

لزوجة تغطى جسدى..

الخرق أمامى.. لكن الكوز صدئ.. الخرق يصب الهلاك.. ألقيت بنفسى فيه.. امتدت أمامى السهول الخضراء.. وحفيف العيدان المتمايسة يداعب أذن الهدوء.. والساقية تدور دافقة الماء اللجى.. وأنا مشمر جلبابى أرعى نبتات أرضى..  

 

-11-

لقاء

قصة بقلم : نجلاء محمود محرم


        في الشارع الضيق المتعرج.. وبين برك صغيرة موحلة.. وفي مهب رائحة الفقر العطنـة.. وقفت السـيارة السـوداء الفارهة في تأفف.. برز منها سـائق يرتدى الزى الرمـادى ذا الصـفين من الأزرار..
حين فتح الباب هبت رائحة عطريـة كدرت تناغم مفردات الشارع المســكين..
انحني السائق مـاداً رأسه الي داخل السـيارة:
"
لن أتأخر ياسـيدى.. وأرجوك لا تفتح النافـذة.. أرجوك ياسيدى "
أومأ الصغير بعدم اكتراث وعيناه مشغولتان باستطلاع أشكال البيوت الغريبـة.. المائلـة
والبارزة والمشـقوقة.. يخفض رأسـه ويثني جذعه حتى يتمكن من رؤية سطح أحـد البيـوت..
أدهشته الدجاجات الواقفات على بقايا سوره المتداعي..
وصله رغم الزجاج المغلق صوت امرأة تصرخ وتزمجر متنقلة علي أوتـار صوتهـا كأمهـر
العازفين.. مهددة امرأة أخرى تطل من شرفة خشـبية.. تعاطف مع امرأة الشـرفة الطيبـة..
وصفق بيديه صائحا في ظفر لما ألبست ذات الصوت المهدد إناء مليئـا بالقمامة والماء
القـذر في رأسها!
عينان سـوداوان هيـّابتان ترقبانه عبر الزجـاج..
وكفـان صغيرتان قذرتـان تلتصقان بزجاج السـيارة اللامع..
ارتعد لما رأى المتلصص الصغير..
الأعين البريئة تتعامل.. تركز وتفحص.. وبعد برهة أرسـلت أولي إشارات التفاهم: بسـمة
بريئة من الوجه القذر الملتصق بزجاج السيارة..
مدَّ طفـل السيارة كفيه.. وضعهما على الجهة الداخلية من الزجاج ليقابلا الكفين
الصغيرتين.. اتسعت البسمتان..
التصق رأس ذو شعر مصفف بالزجاج.. فنطح الزجاج رأس ذو شعر مغبر مشـعث..
وانبعـث للبسـمات صوت..
امتدت شفتان حمراوان ترسلان قبلة عبر الزجاج.. فتلقتها شفتان سمراوان أحدثتا تلوثـا فى الزجاج..
وعَلَت الضحكات..
انفتح الزجاج قليلا..
ـ اسمى محمد
=
واسمى أيضا محمد!
ازداد نزول زجاج السيارة..
ـ هل تلعب يا محمد؟
=
ألعب ماذا ؟
ـ عندى حصان!
جرى الصغيـر إلى باب متكسر وأحضر عصا طويلة مربوط بها مزق من القمــاش..
ـ هذا حصانى!
=
رائع.. شعره طويل وجميل!
ركب الحصان.. وقفز.. وقفز.. وهو يحدث بصوته صهيلا.. ودبيبا..
=
هل أركب معك ؟
ـ إنزل..
ونزل
وركب الحصان.. وتعالت صيحاته وهو يشعر بأنه يخلق الحياة للعبة الصمـاء.. راح وجاء
خائضا فى وحل الشارع.. شعر بنفسه فارسا يتحكم فى حصانه.. لايخاف السـقوط.. ولا تقصر
رجلاه عن متكأيهمـا..
=
مـاذا عندك أيضا من اللعب ؟
ـ هل تلعب السيجة ؟
=
نعم.. علمني..
ـ هيـا اجمـع الحصى..
اليـدان القذرتـان تجمعان في نشاط ودربة.. واليدان البضتان الناعمتان تقلدان..
جلس فى تلقائية على الأرض فجلس رفيقه.. امتد أصبع أســمر مدبب نحو التراب يخطط ويقسم
الملعب الصغير..
* * * *

صرخ السائق:
-
إمش ياشوارعى يامتشـرد
قفز المحمدان..
ارتفـع الكـف القـاسى وهـوى على خـد أحدهما..
بكى وتسـاقطت دموعه تغسل وجهه الملوث..
ودلف الآخر إلى محبسه المتحـرك..
وجرت السيارة

الكف الصغير بداخلها يلوح..
والوجه البائس فى الخارج تغسله الدموع !

naglaamehrem@naglaamehrem.net
naglaamehrem@yahoo.com

 

تعليق 
 

تصوير رائع

للتناقض بين الفقر المدقع و الغنى الفاحش

للتناقض بين براءة الأطفال و تجبر الكبار

حيث ينجح طفلان بما يعجز عنه الآباء

فبثبتان انهما أخوين في الإنسانية

هنيئا لك قلمك الحاني و إحساسك المرهف

نزار ب. الزين

-12-

قطيع الشطرنج                        

قصة بقلم : نجلاء محمود محرم   

 

 

استيقظ.. ففوجئ بها واقفة إلى جواره تبتسم مدعية الحنان.. لما رأت الفزع في عينيه مسحت بيدها الثلجية على رأسه وسألته..

"هل يفزع أحد من أمه؟"

نزل من فراشه.. عيناه مثبتتان على أمه الجديدة.. ذات الطراز البراق.. انتعل نعليه.. هرول خارج حجرته باحثا عن أمه ذات الثوب المهترئ الباهت..

البيت الكبير امتلأ بالناس.. ألوانهم كثيرة.. أطوالهم متفاوتة عيونهم فزعة.. يهرولون هنا وهناك بحثا عن أمهاتهم الطيبات.. فلا يجدون إلا الأخرى ذات الطراز البراق..

   

يوم جاءت الكاذبة.. ضاعت الأمهات.. ترى أين ذهبت بهن؟

لما اكتشفوا أن أمهاتهم تحولن إلى خادمات لدى الكاذبة.. ثاروا.. وتوعدوا.. لكن بصوت خفيض.. فلو سمعتهم الكاذبة ستغضب.. ولو غضبت فلا خبز ولا ماء ولا دواء..

"سننتقم.. لكن دون أن نغضب الكاذبة"

وتسمعهم الكاذبة فتبتسم في استخفاف وتحدث نفسها "قولوا ما شئتم مادامت أمهاتكم مازلن خادماتى"

الخادمات لم يعدن يُثرن عواطف الأبناء الذين اعتادوا أن يروا أمهاتهم خادمات.. ومثلما تشرق الشمس.. وتلسع النار.. ويزقزق العصفور.. فهؤلاء خادمات!

   

لكن ذا الشارب.. لم يعتد الأمر.. ظل حنينه إلى الماضى ودفء البيت القديم.. يؤجج مشاعره.. أخفى أعواد الثقاب تحت سريره.. وإلى جوارها عيدان الحطب.. وأمل الحرية يجعله أكثر حماسا في عصر الزيتون ليجلب قطرات الزيت 0 ولما اكتملت الخطة.. ولم يبق إلا إشعال النار فى حزمة الحطب الملطخة بالزيت وقذفها في وجه الكاذبة.. فوجئ بالنيران تشتعل تحت فراشه 0

وبالكاذبة تصرخ في سكان الدار.. أن يبتهجوا.. فقد أنجتهم من الخائن الذى خطط لهلاكهم.. صفعوه وركلوه.. ومع كل صفعة أو ركلة ينظرون للأم مستطلعين مدى رضاها عنهم..

   

    تسلسلت الأعناق فى قيد الأم.. أصبحت تسحب كل سكان الدار أينما ذهبت.. وهم يهرولون خلفها على أيديهم وأرجلهم.. وإذا تباطأ أحدهم تلقيه بشعاع حارق من عينها الحمراء يحرقه ويحرق من حوله.. الجميع يدفع الجميع وراءها.. وإذا حكمت على أحدهم بالموت جوعا أو ذبحا.. لا أحد يسأل.. ما عادوا يتحدثون.. لم تعد تهمهم الأسباب.. الكل يفر إليها من الموت!

   

يقفون كَقِطَعِ الشطرنج.. تمد يدها.. تحركهم.. تقدمهم.. تؤخرهم.. أو تقتلهم.. هى تلهو؟ ربما! وهم ينتحرون؟ ربما!! لماذا لايهربون من رقعة الشطرنج؟! هل أصبحت حقا بلا نهاية؟

 

الأم صارت بلا أبعاد.. ممتدة من أقصى اليمين الذى لم يعرف بعد.. الى أقصى اليسار الذى لم يعرف بعد أيضا.. طولها لا نهائى.. الأم صارت فى كل الأنحاء..

   

ماذا تفعل قِطَعُ الشطرنج.. غير أن تنام على مربعاتها السوداء أو البيضاء.. وتحلم كل يوم أنها تقتل الأم؟ 

 

-13 -


تحولات    
قصة بقلم : نجلاء محمود محرم
 

   سمعوه فى هدأة الليل
يفح صوته..
يتسرب إلى خلاياهم..
"أيها النائمون.. لم يكتمل النصاب"
تقلب النائمون فى فراشهم..
فُتِحَتْ العيون وبحلقت..
تمتمت ألسن تستعيذ من الشيطان..
بحثت أرجل عن مداساتها..
تسربوا فرادى وجماعات خارج الدور..
كلٌ يسأل الباقين :
_ هل أديتم ما أنتم به مكلفون؟
_ لماذا لم يكتمل النصاب؟
  
منذ أن ارتفع البناء الصارم فى وسط البلدة.. سمعوا فحيح صوته الكريه مرتين.. هذه هى المرة الثانية..
  
المرة الأولى
فى هدأة الليل سمعوه..
يفح صوته..
يتسرب إلى خلاياهم..
"أيها النائمون انهضوا..
سَكَنْتُ اليوم بلدتكم..
ولى تقربون القرابين..
فاحذروا لعنتى إن لم تتم القرابين نصابها"
لما أشرق الصباح.. كانت العيون مرهقة.. والوجوه شاحبة..
ولما بدأت الألسن تتناول سيرة الهاتف المجهول.. اختلفت الآراء.. وتُبودِلَت الاتهامات..
ثار شجار عام..
ارتفعت أذرع وهوت أكف ورفست أرجل..
سالت دماء وتفتتت عظام..
وأُغْلِقَت الأبواب على أحقاد لم يكن لها بالأمس مكان..
***
 
أشرقت شموس واكتملت أقمار.. ولم يُسْم_عْ الفحيح المجهول..
ظل البناء الملعون قائما فى قلب البلدة..
وظلت الأحقاد كامنة فى السرائر..
وهاهم الليلة بعد طول سكون.. يسمعونه..
سألوا أنفسهم :
_ أى نصاب هذا الذى لم يتم؟
اقتربت الخطوات خائفة من مقره المُصْمَت..
صاح صائح :
_ ماذا تريد منا؟
أطبق الصمت فى انتظار رد..
_ يا ساكن الدار اخرج وحدثنا
قصرت فترة الصمت..
_ مع من تتحدثون؟ إنها جدران صمّاء!
ألجمتهم جرأة العبارة..
_ صه! لا تستفزه!
_ جبناء
_ بل أنت الأرعن
_ تلتمسون الرحمة من الأحجار يا أغبياء؟
الجميع اتجه نحوه..
ارتفعت أكف وهَوَت..
سقط جسد وسالت دماء..
وأشرق صباح ثقيل.. وقد ازداد ارتفاع البناء الأسود!
 تغيرت مشاعر البشر.. وشاهت ملامحهم..
 صارو أكثر قدرة على ملاحظة ما يكرهونه فى بعضهم البعض!
 اختنق جو البلدة.. توقف هواؤها عن الحركة.. وأصبحت له رائحة تضيق بها الصدور..
 حتى نَبْتات الأرض.. أخذت أشكالا مستفزة.. ألوانها حمراء وصفراء.. صارت بقعا مثيرة كريهة..
***
 
فوجئ الناس بالشاب يعلن أنه لن يتزوج مثل من سبقوه.. وحلف برحمة أبيه أن يقيم فرحا تحييه الغوازى!
_ فرح تحييه الغوازى؟
_ هنا فى تلك البلدة المشئومة؟
صاح بهم :
_ أى شؤم يا أهل العقل؟
فرح.. وسهر.. وطبل.. وزمر!!
 يالها من فكرة!
 
 تَحَلَّقَ الناس حول البساط الذى فُرِشَ لتتراقص فوقه  الغوازى.. كل الناس جاءوا.. لم يبق بالبيوت أحد.. جلسوا بدون تحية.. كل ينظر أمامه ويحاول ألا تنحرف عيناه يمنة  ولا يسرة.. دقت الطبول ورنت الصاجات.. وخطت الغازية فوق البساط تترجرج.. نهض العريس يرقص أمامها..  تجرَّأت بعض الأكف وصفقت.. التفتت أعناق.. ابتسمت    شفاه.. تمتمت ألسن :"عقبال عندكم".. علت أصوات تهنئ العريس.. تسربت حياة إلى قلوب أماتها حزن مشئوم.. شقت زغرودة طويلة قلب الليل.. وغرق الناس فى فرحهم..
 
سمعوه فى صخب الليل!
يفحّ صوته فى قلب قلوبهم..
"لم يكتمل النصاب"
انتفضوا.. اختطفت الأمهات صغارهن وطوقنهم   بأذرعهن.. رقعت الغازية بالصوت.. البناء الأسود بدا كعفريت يطل عليهم.. الأقدام تجرى نحو دورها.. جرَّ الأب ابنته العروس فى يده..
_ طلاق ثلاثة ماأزوجها لك!
= ماذا تقول؟
_ ماسمعته!
= لماذا؟
_ لماذا؟ كان قدمك أغبر!
= ولكنى كتبت عليها 
_ طلاق ثلاثة ماتاخذها!
= أهو لعب عيال؟
_ ليلتك سوداء! لن تأ خذها!
= سآخذها!
_ لن يحدث!
 
تشرب رماد الأرض دماء سالت..
وأغلقت الأبواب على كره قد بلغ مداه..
ولما أشرق الصباح كان البناء المشئوم قد ارتفع حتى اختفت قمته بين السحب..
 
***
لكن فحيح الصوت لم يعد يفزعهم!   
لم يعودوا يسمعونه؟
صاروا يدّعون كذبا أنهم لايسمعونه؟
تَشَرّبُوه فى خلاياهم؟
صار كالدم يجرى فى أجسادهم؟
 
***
وياله من يوم كان.. هذا الذى دكّت فيه صاعقةٌ البناء الأسود الصارم.. فتكوم مثيرا عواصف الغبار التى خنقت الكثيرين من أهل البلدة.. والتى حجبت النور عنها أياما   وأياما..
 
الغريب حقا.. أن أنقاض البناء تحولت إلى رماد أسود ناعم.. تطاير وغطى مساحة واسعة فى قلب البلدة.. وأن أهل البلدة صاروا يتبركون بهذا الرماد التماسا للشفاء والسعادة والذرية!!
 

 

 -14 -

 

غدًا 

قصة بقلم : نجلاء محمود محرم

كنتُ سعيدا جدا..

وكنتَ تستطيع.. حين تنظر فى عينى.. أن تسعد أنت أيضا..

كل صباح.. أخرج وإخوتى مع أمنا.. تهرول.. ونحن وراءها نهرول بسيقاننا الصغيرة فلا نستطيع اللحاق بها.. لكنها تتوقف بين الحين والحين ناظرة لبعيد.. رافعة رأسها.. إلى أن تستشعر اقترابنا فتبدأ فى الهرولة من جديد..

تتوقف أحيانا لتشمشم فى كومة من "كل الأشياء".. نَطْرَبُ نحن للتوقف.. ننقض على الكومة فى حماس وسرور.. نشمشم لترانا أمنا ونحن نشمشم! لكننا لا نستطيع كثيرا تمييز الأشياء مثلها.. وقارها واتزانها يجعلنا أكثر طيشا!

تستخرج لنا من الكومة خبزا وعظما ولحما طريا! نكف عن الصخب بينما تقف هى إلى جوارنا شامخة ترقب بعينيها العسليتين ما حولنا..

لما ألقى لنا الكائن الذى يطل علينا من أحد الصناديق الكبيرة المرصوصة على جانبى الطريق قطعا عديدة من العظام.. أكلناها.. وصارت أمنا تأخذنا كل يوم إلى جوار الصندوق الكبير الذى يطل منه.. ونقضى وقتا طويلا أمامه إلى أن تتساقط علينا قطع الخبز والعظم.. نحدث صخبا عظيما لننادى من يكون منا بعيدا هناك..

وحين نزل ساكن الصندوق الكبير.. حاملا إلينا الطعام بنفسه.. توجست أمنا.. أمرتنا بنظراتها أن نبقى بعيدين.. وسمعنا صوت هريرها المخيف يتردد محذرا.. لكننا سمعنا نداءه: " كش كش كش ".. فعَدَوْنَا بسوقنا الصغيرة المفتوحة ونحن نجاوبه: " هوْ هوْ هوْ "! حتى وجدنا أنفسنا أمامه.. وأمنا وراءنا!

بَدَرَ الطعام أمامنا فدُرنا وهمهمنا وهززنا ذيولنا وأكلنا.. وقف هو يتابعنا بينما أمنا ترمقه ولا تحيد بنظراتها عن عينيه.. ولما اختفى داخل صندوقه دَسَّتْ أمنا "بوزها" فى فرونا تتشممنا بقلق..

لكنها فى اليوم التالى.. اقتربت معنا من الطعام المبدور وتناولت بعضًا منه.. وهى تنظر للواقف بجوارنا.. ويتخذ جسمها وضعا متحفزا..

صرنا نأكل ببطء.. واطمئنان.. ونطرب لِكَفِّ مطعمنا حين تتحسس فرونا.. وصارت أمنا تسمح لنا بالابتعاد عنها والاقتراب منه!

وحين حملنى.. وقربنى من صدره.. استخفنى الطرب.. وضربت بذيلى.. ومنحته " لحسات " كثيرة بلسانى اللاهث سعادة.. لكنه وضعنى ثانية على الأرض.. فدُرْتُ حول نفسى مفتقدا سعادتى التى كانت.. والتف حولى إخوتى يهنئوننى على ما نلته من شرف.. بينما ظلت أمى تدس أنفها فى فروى وتتشممنى بعمق..

صار يحملنى.. ويحمل إخوتى.. وصارت أمى تتمدد وتغمض عينيها بعد الوجبات.. بينما نلعب نحن مع مطعمنا ونصخب وننبح بمرح.. بل صرنا ندخل وراءه داخل صندوقه الكبير.. وندور حوله لنمنعه من تركنا..

لست أدرى لماذا كَفَّ عن حملى وتقبيلى.. بعد أن وضع فى عنقى هذا الطوق اللعين.. وربطنى فى مدخل صندوقه الكبير.. وأغلق الباب بينى وبين أمى وإخوتى؟

ولست أدرى لماذا كَفَّ عن إطعام أمى وإخوتى وصار يطعمنى وحدى؟

وحين يسمع بكائى وعويلى ونباح أمى وأنينها.. ينزل وعيناه مملوءتان بالكره.. فيرفسنى ويقذف أمى التى لا تفارق الصندوق بطوب موجع..

ولست أدرى أيضا.. لماذا صرت لا أحب قربه.. وأنتظر بفروغ صبر أن أكبر.. وتشتد أنيابى.. لأعقره؟ 

 

-15-

هل يمكن ؟ بقلم:نجلاء محمود محرم

      كانت لحظة فارقة..

حين انغرس فى قلبها أنبوب.. وبدأ عصيرها الحلو فى الانجذاب نحو الخارج..

لحظة انتظرتها طويلا.. منذ تجمعت مكوناتها وتشكلت فى صورتها النهائية.. ورُصَّتْ مع

أخواتها فوق هذا الحامل تنتظر أن يقع عليها الاختيار.. لتمنح مكنونها السكرى وتؤدى

دورها..

كانت تضغط جوانبها.. تنطوى على نفسها أكثر وأكثر لتدفع كل قطراتها الحلوة نحو الأنبوب..

ولما منحت كل ما لديها.. فوجئت بنفسها تُلقى.. وتطير وتطير.. وترتطم بالأرض.. وتتقافز

عدة قفزات ثم تستقر مطروحة مطوية مرشوق فى قلبها أنبوب!

تعصف بها المركبات الهائجة..

وتشوطها قدم ثم تلحق بها لتشوطها من جديد..

وحرارة الشمس تشقق غلافها.. وقطرات الندى تذيبه..

لم يكن صوت الانفجار الذى انطلق حين سحقتها عجلة السيارة.. إلا صرخة قلبها الذى انشق!

صارت مجرد "رقيقة" ورقية ملقاة..

اكتسبت لون التراب..

تبعثرت ذراتها..

ما عاد مظهرها يشى بأى ماضٍ كان..

" هل يمكن أن يلاحظ هؤلاء اننى كنت يوما زاهية جميلة مكتنزة بالرحيق الحلو؟"

         تعليقات حول القصة

* نجلاء

هي الأم الحانية

و هي الشجرة

و هي النحلة

و هي الشمعة

تعطي كل ما لديها ولا تنتظر "شكرا"

لكن من يرضع و من يأكل و من يشرب عليه أن يشكر

"و من لا يشكر الناس لا يشكر الله"

 دام قلمك مثمرا

محمد رمضان

* الأخت نجلاء

العطاء السامي دائما له طعم حلو

وحين نمنح بعضا منا للآخرين بحب ونقاء سريرة.. تكون أخلاقنا سامية

في القصة درس في العطاء

ودرس للاختيار

ويبقى الدرس الكبير في فهم الهدف السامي من الفكرة في جوهر القصة

قصتك سلسلة..رموزها لا تشقي القارئ..تمنحه فرصة للتفكير في قيمة الذين بمنحون ( عصيرهم ) ليروي عطش الآخرين

دام قلمك

شلا

* الأديبة الأستاذة / نجلاء محرم

قصة ( هل يمكن ؟) اختيار للحظة المناسبة المحملة بالتكثيف و الإدهاش و نحن نتتبع أريحية مظروف اُلتقط من فوق حامل بغرض سحب عصيره الحلو ، حيث نتلمس عطاءه الإيجابي و هو يضغط جوانبه راضياً مرضياً ، ليدفع قطراته المكتنزة للآخرين دون مَن أو بخل ، لتأتي المكافأة ، حين يُلقى بالمظروف بعيداً ، تعصف به المركبات و تحدفه الأقدام ، تشققه الشمس بشواظها ، تدوس عجلات سيارة قلبه ، تحيله إلى نتف مشوهة مبعثرة لا يشي مظهرها بأي ماضٍ كان " هل يمكن أن يلاحظ هؤلاء اننى كنت يوما زاهية جميلة مكتنزة بالرحيق الحلو؟"

ما الذي تريد نجلاء أن توصله ؟ هل تريد أن تقول إن الحياة عطاء لا محدود دون انتظار المقابل مهما كانت النتيجة ؟

أم أن النص توكيد على عبثية الواقع ، حين تحول ذلك الأنموذج مثال العطاء حالما انتهت وظيفته إلى جثة مقددة تتقاذفها الأيدي و الأقدام و المركبات و نيران الشمس دون أي اعتبار لماضيه و تاريخه الحافل بالأصالة ، بحيث أضحى الوفاء عملة نادرة لا تصمد أمام أولئك المتربصين الذين لا تحركهم سوى مصالحهم الذاتية .

ليبقى السؤال ( هل يمكن ؟) مفتوحاً جرحاً لا يعرف الاندمال ، و هو يدفعنا إلى مراجعة ذاتنا أولاً ، توطئة لمجابهة أكبر مع واقع الغابة الذي يكاد يسمم إنسانية الإنسان وكل الأشياء الحلوة .

الرائعة / نجلاء

دامت حروفك زاهية مكتنزة بالعطاء.

زكي العيلة

 * كأني بك تغوصين في أعماق الطبيعة ، فتتلمسين عن قرب سعادة النحلة ، و عطاء الوردة ، و خلود الجميل و الفعل الحسن .
لقد أجدت و أبدعت يا نجلاء
نزار ب. الزين

 

-16-

بُخْـلٌ

 قصة قصيرة بقلم : نجلاء محمود محرم

8/ نوفمبر – تشرين الثاني / 2004
ــــــــــــــــ

 

حملت قطراتها العجاف وطافت..
وكلما طال الطواف.. كلما اكتنزت القطرات واكتظت..
أحست نفسها سحابة متميزة..
رمقت ما تحتها بازدراء ورفضت أن تتخلى عن قطراتها!
"
هذه صحراء ستبتلع مائى ولن تعترف لى بفضل"
"
هذه غابة مزدهرة جدا لا حاجة بها لقطراتى"
"
والأرض المتشققة هذه.. كسول كفت عن الإنبات وشاخت"
"
وهؤلاء العطشى العجاف بأجسامهم اليابسة وضلوعهم النافرة أحقر من أن أمنحهم قطراتى"
طالت الرحلة.. وثقلت القطرات..
وتحول لون الغيمة إلى اللون الرمادى..
ولما ثقل حملها ولم تعد قادرة على مزيد من الترحال..
سكبت قطراتها..
لكن المحيط الذى استقبل عطاءها.. لم يشعر حتى أن هناك أى إضافة لمائه الغزير جدا..

******

تعليق1

الأخت نجلاء

ما أجمل عطاؤك

ما أجمل هذا التجريد والزهد

قطعة نثرية..حوت المعاني الرفيعة على شكل غيمة طافت الأرجاء لتمنح خيرها لمن يستحق

فكانت الصدمة

لا أحد يستحقها

وحده المحيط سمح لها أن تنهمر دموعا فوق أمواجه العاتية..فما شعر بها

أختاه

لقد أحسنت التصوير وأحسنت التقدير

لك مودتي

شلا

*******

تعليق2

بعضهم يدفن القمح و الذرة أو يحرقهما ، حفاظا على الأسعار ، تماما كما فعلت غيمتك الظالمة عندما ألقت ماءها فوق المحيط

الجياع و العطاشى يملؤون كل مكان على وجه البسيطة ، يمنعون عنهم حبوبهم الفائضة ثم يتبجحون بالعدالة المطلقة .

سلمت و سلمت يداك يا نجلاء

نزار ب. الزين

 

*******

تعليق3

الاخت الرائعة المبدعة

نجلاء

لله انت ما أجمل ما كتبت

وما تعودت منك الا الجمال والروعة.

يحضرني بيت زهير بن أبي سلمى:

ومن يك ذا فضل فيبخل بفضله

على قومه يُستغن عنه ويُذممِ

تحياتي وانبهاري

عبدالوهاب القطب

 

*****

تعليق4

قصة ( بُخل ) هذه القطعة الفنية المشعة تقول لنا إن العطاء الحقيقي لا يستقيم إلا إذا طلع من قلب يعشق الإنسان و رائحة الشمس .
فتلك السحابة المثقلة أنانية تزدري الآخرين (الصحراء ، الغابات ، الأرض المتشققة ، العطشى العجاف ) مستكثرة عليهم الخصب ، لتظل تحشر ينابيع الخير في داخلها ، تحاصر الإنسان الكامن فيها ، حتى تصل إلى مرحلة لا تستطيع فيها السيطرة على حبات النماء المتمردة على براميل الإغلاق ، فتتخلص منها كيفما كان فوق محيط هادر لا يأبه بقطرات مخنوقة بالمن الرمادي .

نجلاء تريد أن تقول إن العطاء لا يكون مِنة ، و إن من يحاول أن يقتل الإنسان في داخله يقتل نفسه بدايةً .
كارهو الإنسانية زائلون دونما أسف ، و لن يبقى في الأرض غير حجارتها ، لن يحرثها سوى نواطيرها الممتلئين عشقاً للتقاوي الناهضة و تلك هي القضية المفصل .
الأديبة الرائعة / نجلاء
لتبقَ حروفك غابة من العطاء و النماء .
مع تقديري الخالص.
زكي العيلة

 

*******

تعليق5

نجلاء

قطعة رائعة
و نص متكامل
و جمال
و نهاية مؤلمة
و هي نهاية المتكبرين

دمت متوهجة
محمد رمضان 

 -17-

بوابات الموت  

قصة بقلم : نجلاء محمو محرم

   طفلنا شعره أسود.. مثل كل أطفالنا..
عيناه سوداوان.. مثل كل أطفالنا..
قدماه صغيرتان.. صوته مصوْصِوٌ.. مثل كل الأطفال..
طفلنا ليس ككل الأطفال..
طفلنا جائع.. يأكله المرض..
طفلنا الذى لايجد القوت.. غنى!
لكنه حين يحاول شراء الخبز من التاجرة.. ترفض كنوزه.. تقول له :
ـ افتح لى بيديك الصغيرتين بوابات القصر الكبير.. لأعطيك ما تريد
يرتمى طفلنا فى فراشه منتظرا..
والغاشمة تحمل فى يدها قنبلة.. لاتضعها أمام بوابات القصر الكبير.. لكنها تعبس فى وجه طفلنا.. وتُلوِّحُ له بها..
العيون الكثيرة ترقب طفلنا..
عيون زرقاء وخضراء.. أما العيون السوداء كعينيه.. فهى تبكيه..
حين يموت الطفل.. قد تجف دموع العيون السوداء.. وقد تنهار بوابات القصر الكبير بفعل فاعل أو من تلقاء نفسها.. وقد يجد أطفال آخرون هنا أو هناك من يرفض عذابهم..
لكنى سأظل أذكر أن التاجرة تلذذت بموت طفلى.. وسيزداد كرهى لثوبها المخطط بالأبيض والأحمر كل يوم!

-18-

 جَدِّى  وأنا!

قصة قصيرة بقلم : نجلاء محمود محرم

زأر أبى يوما وحكى لى الحكاية..
قال : إن جدنا البعيد البعيد كان يتبختر فى الغابات وفوق التلال!
سألته : ألم يكن يعيش فى قفص يا أبى؟
تحشرج زئير لائم فى حلقه :
ـ من ذا الذى كان يجرؤ على حبسه فى قفص؟

كنت أعرف مواعيد حكايات أبى.. فأجرى إليه.. أربض بجواره ساكنا.. وبعد أن يستريح وتهدأ نفسه المعذبة يبدأ فى الحكى :
ـ كان جدك حاكما.. له تخضع الرعية.. ولرهبته يسود النظام.. ولعدله تحل الطاعة..
نظرتُ إلى الكرباج الملقى هناك.. خارج القفص واندهشتُ!
ـ ألم يكن هناك من يضرب جدى بالكرباج؟
غضب أبى غضبا شديدا.. هز رأسه بحدة فاهتزت لبدته.. أطلق زئيرا مرعبا جعلنى أتراجع إلى أقصى ركن من القفص!

بعد كل عرض أعرف أن موعد الحكى قد حان.. فأُسْرِعُ إلى جوار أبى العطشان للذكرى الحبيبة..
ـ كان جدك أول من تسيد الأرض.. وعلم الآخرين النظام..

بدأت أفهم أن أبى يتداوى بالذكريات.. وكنت أرى عينيه العسليتين ترقان وتهدآن للحكى.. وتعلمت ألا أغضبه بأسئلتى الجارحة..
ـ مملكة جدك كانت حراما على الآخرين.. لا يجرؤ أحد على المساس بطرف من أطرافها.. وإذا حدث وتجرأ طائش من الطائشين.. لا يحل المساء إلا ويكون قد استقر فى معدة جدك!
بدأت تنتابنى نفس النشوة التى تنتاب أبى.. كنت أنظر لزملائى ذوى الأجنحة والحوافر وأنفخ صدرى قائلا لنفسى : " أنا حفيد جدى ".. وأخطر بكبر إلى أن يفْجَأَنى صوت المدرب فأعود " أنا " من جديد!

ـ كل يوم يخرج جدك للصيد.. يترصد الأسمن والأضخم لتشبع رعيته.. يأكل من الفريسة ما يشاء ثم يبتعد ليتقاطر الباقون فينالون نصيبهم من اللحم الطازج الشهى..
الحمير المريضة والنافقة هى طعامنا.. قال لى أبى : إن جدى كان يفضل لحم الغزال.. واندهشت للكلمة : " يفضل "! يالها من كلمة غريبة!

لما نبتت لى لبدة.. وغلظ صوتى.. كنت قد تعلمت التراجع والخضوع والطاعة.. وأصبحت جاهزا لأداء دورى.. وصرت أقفز خلال حلقات النار وأجلس كالقط فوق كرسى صغير وأنام على الأرض وأتمرغ.. وصرت أكثر احتياجا لسماع حكايات جدى.. أجرى بعد كل عرض إلى أبى العجوز فيحكى ويحكى.. وأتداوى بالماضى..
صرت نجما.. وصرت أفهم تصفيق المتفرجين وأنتشى له.. وأنتظر الوجبة الاستثنائية من لحوم الحمير التى أنالها كلما زادت حرارة التصفيق..
واستمر فخرى واعتزازى بعراقة أصولى! حتى وأنا أقفز من خلال النار وأزدرد لحم الحمير الميتة.. كنت أشعر بعراقة أصولى! لكن أحيانا ينتابنى شىْء من الخجل!
ماذا لو رآنى جدى وأنا أُضَرُب بالكرباج؟
ماذا سيفعل لو رآنى أدخل القفص بأقدامى دون اعتراض؟
أجرى نحو أبى.. يرمقنى بعينيه الكسيرتين.. يدرك وقوعى فى فخ الطعام والخوف.. يكف عن الحكى..
ـ احْكِ لى يا أبى عن جدى
=
لا فائدة يا بنى.. لا فائدة.. ربما يكون أبناؤك....
ويصمت أبى فى تشكك..
وأخرج للعرض.. أتأخر فى تأدية الحركات.. يكثر زئيرى ورفعى لكفى مشهرا مخالبى.. كل شىْْء يثيرنى.. هذا الكرباج.. وهذه النار.. وهذا المدرب.. وقبل كل شىْء هذا الخوف الذى يحتل كيانى..
ماذا لو رفضت القفز؟
وأقفز!
ماذا لو رفضت الجلوس؟
وأجلس!
ماذا لو رفضت المرور نحو القفص؟
وأمر.. وأثناء مرورى.. والغضب يتفجر داخلى.. ونظرة أبى تقتلنى.. وتاريخ جدى يسحقنى.. اعترضنى شىْء.. أطبقت عليه فكىّ.. قضمته.. فتته.. أكلته.. فى ثورة غضبى اجتاحتنى الأمنيات.. سأكون حفيد جدى.. لكننى بعد لحظات رأيته.. ما زال واقفا هناك.. بساقيه الاثنتين كاملتين.. وفى يده الكرباج!

 19

خروج

قصة قصيرة بقلم : نجلاء محمود محرم

 

لا شك أنه فوجئ..

مسكنه الدافئ.. الناعم.. يثور.. تضربه حوائطه.. تدفعه.. تنطره

وبحيرة " خمارويه " الأسطورية التى كان يسبح فيها يغيض ماؤها.. ويصبح ملقيا فى قاع مسكنه.. تطبق عليه الجدران.. تفعصه.. تنتبه حواسه.. يعرف معنى الألم! يتقلب داخل بيته.. يرتطم أماما وخلفا.. تكاد الجدران تخنقه.. كفاه الصغيران لم يعرفا التشبث بعد.. تتسارع حركة الجدران الثائرة.. لا فرصة للراحة.. الضربات توجع ظهره البض.. وتحتدم الثورة.. ويزداد الضغط.. ويصاحب الألمَ اختناقٌ.. يعرف معنى الاختناق..

تعانى مؤخرته ضغطا هائلا.. بيته اللين يتصلبُ.. يَدْفَعُ.. يَطْرُدُ..

ينفلتُ خارجًا!

فى نفس لحظة انفلاته.. تخترق صرخة حادة أذنيه.. يعرف معنى الصوت.. تقبض على ساقيه قوة.. يشعر بلسعات على جسده.. يُؤخذ.. يُقْلَب.. يغمر فى الماء.. يطمئن.. يظن أنه عاد لبحيرته الأسطورية.. يُرْفَع.. شىء يتردد فى حلقه.. يُخْرِجُ صوتا.. يرفعه ويرفعه.. يعلن الغضب.. يعرف معنى الغضب.. ترفس القدمان البضتان.. ينقبض الكفان.. ينثنى الكوعان فى ضيق.. ينسكب شعاع الضوء فى الحدقتين الصغيرتين.. فتميزان النور.. ينزعج أكثر.. يتقارب الحاجبان الزغبيان فى تقطيبة مؤثرة.. يرتفع الصوت.. تزداد الرفسات عنفا.. تتسارع حركات الذراعين المتبرمتين.. تبخرالأمان وانفتحت طاقات الرعب.. يعرف معنى الخوف.. ينقبض القلب.. تتلألأ الدموع المنحدرة على الوجنتين البضتين..

يسـتند الجسـد المتألم إلى صدر دافئ.. تمتص الشفتان حلمتين تجودان برحيق الراحة.. يستكين القلب الصغير لهمسات قلب كبير.. يتسرب الخدر إليه.. ينام.. وشهقات الخوف تنفض جسده المكدود..

 

مقابلة

مع الكاتبة المصرية نجلاء محرم

دنيا الوطن


 

القاهرة - صوت الوطن
نجلاء محمود محرم كاتبة وأديبة مصرية من الأسماء المرموقة في دنيا الأدب والقصة القصيرة وخصت دنيا الوطن بإبداعاتها كما تخص دنيا الوطن بهذا الحوار والذي يسجل رحلة سيدة عربية في مجال القصة القصيرة ككاتبة ومبدعة وتعترف فيه بأنها كاتبة صنعتها الجوائز وتلقي الضوء على جائزة نجلاء محرم للقصة القصيرة والتي منحت لأدباء عرب ولاسيما الكاتب السوري محمد عبد الرحمن يونس:
=
أين تضع نجلاء محرم نفسها بين كتاب القصة والرواية الآن؟
ـ دائما يشعر الأديب بعدم الرضا عن نفسه.. ودائما يعيش حالة قلق وترقب وأمل حين ينتظر وقع كتاباته على القراء.. ولذلك فمن المستحيل على الكاتب تحديد مكانه بالضبط فى سجل الكتاب.. اللهم إلا من خلال قرائه ونقاده
=
وماذا قال القراء والنقاد عن نجلاء؟
ـ أظنهم قالوا أنها تكتب كتابة تصلح لأن تقرأ
=
نعيش هذه الأيام حالة من انقطاع الحوار بين الأدباء وبين المواطنين.. فهؤلاء فى واد والناس فى واد آخر.. بماذا تفسرين هذه الحالة؟
ـ أظن الأدباء مسؤولون مسئولية شبه كاملة عن هذا الوضع.. فقد أصبحوا يتحدثون لغة لا يحب المواطن العادى أن يتعاطاها.. وأسقطوا القارئ العادى من حساباتهم وصاروا يكتبون للخاصة سواء من النقاد أو من زملائهم الأدباء.. وأصبح الإغراق فى الرمز وفى الحيل الأسلوبية وفى الإلغاز عائقا يحول بين جمهور القراء وبين النص الأدبى.. لدرجة أن النص الذى يُفهم بالكامل صار سبة فى جبين كاتبه والنص الذى لا يفهم إطلاقا لا يعيب كاتبه (فى حين أن الأول أفضل من الثانى).. من هنا لجأ الكتاب إلى الإبهام والإلغاز والصياغات الأسلوبية والجمالية الغريبة ليصوغوا نصوصهم.. فتخرج مجهدة للقارئ.. تضنيه حتى يفهمها.. وبالتالى انفض القراء عنا.. وصرنا نكتب لأنفسنا ونقرأ أنفسنا! لأننا نسينا الهدف من الكتابة.. ونسينا أن الفن رسالة يجب أن تصل إلى المتلقى.. وإذا لم تصل فما نكتبه ـ مهما كان مدهشا وغريبا ومهما كنا نفهمه ـ لا يستحق قيمة الورق الذى كتب عليه.. ولن يعيش إلا لحظات قراءته فقط.. إذا حالفه الحظ ووجد من يقرؤه
=
ومن أين نشأت ـ فى رأيك ـ هذه الفجوة؟
ـ هناك أسباب كثيرة.. منها العشوائية الثقافية التى نحياها.. فقد ضاع الهدف واختلطت الأمور.. ولم يعد لنا ثوابت لا سياسية ولا فكرية ولا خلقية.. وبالتالى تشتتت الخطى.. وقل الدفع للأمام.. وصار كل جيل يأتى أضعف من سابقه نتيجة إهدار الطاقات فى أهداف زائفة ومعارك مفتعلة.. وصارت لدى كل جيل الرغبة فى البناء من الأساس.. لأنه يرفض ما سبق.. وبالتالى تنفلت السنوات دون تقدم حقيقى بل على العكس يأتى التدهور..
أيضا من أسباب هذه الفجوة اللهاث وراء الفكر الغربى.. والنظريات النقدية الغربية.. بغض النظر عن مدى ملاءمتها لواقعنا الثقافى والفكرى.. وبغض النظر عن تقبل القراء لها أو لنتاجها الأدبى.. صرنا ككتاب نهندس أعمالنا وفقا لقوالب ليست لنا.. وانتقلنا بكتاباتنا انتقالة فجائية متعمدة لم يتهيأ لها القراء.. ولم تأت نتيجة إفراز طبيعى لتطور الكتابة.. فرفضها القراء.. ونشأت الفجوة
أيضا الحالة الاقتصادية قد لا تسمح لقطاع كبير من المواطنين بمتابعة المطروح من الكتب.. فقد صار الكتاب نوعا من الترف لأن هناك أساسيات حياتية تحتاج أكثر للنقود التى ستدفع فيه.. والطبقة الوسطى صاحبة الدخل المحدود كانت هى المشترى الأول للكتب
أيضا تعدد وسائل قضاء الوقت ما بين التليفزيون والسينما والمسرح.. والكمبيوتر والإنترنت.. إضافة إلى تيسر وسائل السفر والترحال والسياحة
=
بمناسبة ذكر الإنترنت ما رأيك فى النشر الإلكترونى وهل سيغنى عن الكتاب والورقى التقليدى؟
ـ لا أظنه سيحتل دور الكتاب التقليدى بحال من الأحوال.. لأن الكاتب نفسه سيظل يحتاج إلى توثيق كتاباته فى سفر ورقى.. ولأن القارئ لأسباب صحية وتأملية سيظل يفضل القراءة من الورق.. لكن النشر الإلكترونى هوعبارة عن نشرة إخبارية أدبية.. ومعلومات سريعة.. ونماذج متفرقة من الكتابات.. حين يعجبنا فيها شئ نسأل عن الكتاب الذى يحتويها.. وحتى إذا كان الكتاب بالكامل موجود على النت.. فنحن نطبعه ونخرجه ورقا لنقرأه..
=
مَن من الكتاب تأثرت به نجلاء محرم؟
ـ الأدب الروسى بصفة عامة أثر فىّ تأثيرا بليغا.. خاصة ما كتب منه فى الفترة ما بين منتصف القرن التاسع عشر وحتى قيام الثورة البلشفية عام 1917 .. وهذه الفترة ضمت أعلام الأدب الروسى: دستويفسكى وتولستوى وتشيكوف وغيرهم.. وهؤلاء الأدباء العظام لا يستطيع من يقرأ لهم إلا أن يشعر بالعجز أمام إبداعهم الأدبى والإنسانى.. كانوا أنفسهم فعلا.. رصدوا عصرعم وحياتهم بأمانة وكانوا أنفسهم فعلا.. وكانوا أول مطبق لأفكارهم التى ينادون بها.. وأظن تأثرى البالغ بهم نابع من الحس الإنسانى الفياض والشامل الذى تنضح به كتاباتهم.. والذى أخرجها من حيز المحلية.. بحيث أصبح كل إنسان على وجه الأرض يرى نفسه بصورة ما فى حروفهم.. رغم اختلاف البيئة واللغة والزمن.. وهذه هى سمات الفن الخالد
أيضا من الكتاب العرب قرأت كثيرا لتوفيق الحكيم.. ورأيت كيف يطرح أعقد القضايا وأصعب الأفكار بأسلوب سلس بسيط رائق.. لا يتعالى على قارئه ولا يستعرض قدراته الفذة..أيضا لنجيب محفوظ دور غير خاف فى تشكيلى.. خاصة أمام انبهارى بقدرته الفائقة على تشكيل حياوات وعلاقات وأواصر قربى حتى تكاد شخوصه تخرج من رواياته لتتحدث معنا ! أما يوسف إدريس فقد جعلتنى كتاباته أنحاز تماما إلى جانب المهمشين والكادحين
=
تعتبر جائزة نجلاء محرم من الجوائز التى لاقت صدى طيبا فى السنوات الأخيرة.. ما الذى دفعك إلى تنظيمها؟
ـ أظن هناك سببين.. الأول أننى بعد أن تحققت إلى حد ما ككاتبة.. وجدت أن دورى هكذا يكون منقوصا.. ولم أرض عن كونى مجرد كاتبة تقدم ما تكتبه للساحة وتنتظر التقدير.. وتساءلت أين هو دورى الفعال؟ وكيف أستطيع أن أقوم بدور حيوى فى خدمة الحياة الثقافية والأدبية؟
السبب الثانى : أننى كاتبة صنعتها الجوائز! فقد كنت أخجل من أن يطلع أحد على حرف مما أكتبه.. وأخفيه حتى عن أقرب الناس لى.. إلى أن فوجئت ذات يوم بخطاب تهنئة بفوزى فى مسابقة الدكتورة سعاد الصباح.. وذهلت.. كيف فزت وأنا لم أتقدم؟ واكتشفت أن زوجى قدم قصصى دون أن يخبرنى.. كانت مفاجأة لكنها بعد أن انقشعت قلت لنفسى كان فوزى مجرد صدفة! ولكى أتأكد تقدمت على استحياء لمسابقة تنظمها جريدة أخبار الأدب.. وفزت.. وتوالى فوزى فى المسابقات الأدبية إلى أن تأكدت أن الفوز ليس مجرد صدفة وانه قد تكون هناك أسباب أخرى!
وسألت نفسى بعد فترة: ترى كم من الكتاب يحتاجون إلى جرعة الثقة التى حصلت أنا عليها؟ وفكرت فى أن أقدم للغير ما سبق وقدمه لى غيرى
=
وماذا قدمت المسابقة حتى الآن؟
ـ انقضت من المسابقة أربع دورات قدمت خلالها سبعا وعشرين فائزا.. وأربع أعداد من كتاب "الفائزون" التوثيقى الذى يصدر سنويا متضمنا الأعمال الفائزة وبعض الأعمال المتميزة وتقارير لجان التحكيم.. وقد ضمت الأعداد الأربعة من هذا الكتاب قصصا لخمسة وسبعين كاتبا.. أيضا قدمت المسابقة عددين من مجلتها التذكارية "تواصل" التى تصدر خصيصا بهدف استمرار دعم المسابقة للكتاب الذين سبق وقدمتهم.. وحتى تبقى الصلة موجودة بين كل من شارك فى المسابقة من كتاب ونقاد.. ولا تتحول المسألة إلى مجرد بند تذكارى فى السيرة الذاتية للكاتب.. وأرجو أن تساهم مجلة تواصل وكتاب "الفائزون" فى لملمة بعض من الشتات الذى تعانى منه حياتنا الأدبية.. وبالمناسلة فالمجلة والكتاب ليسا للبيع وإنما يتم إهداؤهما لجميع الصحف والدوريات الأدبية والأدباء والنقاد والصحفيين والجمعيات الأدبية وكل من له اهتمام أدبى
=
هل الاشتراك فى المسابقة قاصر على المصريين؟
ـ المسابقة مفتوحة أمام جميع المبدعين العرب فى مجال القصة.. وتصلنا مشاركات فى جميع الأقطار العربية ومن الأدباء العرب فى المهجر.. وهذا العام تحديدا فاز أديب سورى متألق وهو الدكتور محمد عبد الرحمن يونس بالمركز الثانى.. كما احتوى العدد الرابع من "الفائزون" على قصة لأديبة مغربية شابة اسمها منى وفيق
=
هل ساعدت المسابقة بشكل ما فى تقديم أصوات متميزة فعلا للساحة الأدبية؟
ـ لا شك أنها ساهمت فى ذلك.. إضافة إلى موهبة الأديب وعزيمته ودأبه وتركيزه.. فهى بلا شك ساهمت فى دعم من لديه الاستعداد.. وعلى سبيل المثال فقد فاز الأديب خالد السروجى بجائزة الدولة التشجيعية فى القصة القصيرة.. (وهى أعلى جائزة تمنح فى مصر لهذا النوع من الكتابة) عن مجموعته القصصية "ابتسامة الوجه الشاحب" وهى تحمل نفس عنوان القصة التى فازت بالمركز الأول فى مسابقتى فى دورتها الأولى
=
نجلاء.. والأدب النسائى.. ما العلاقة بينكما؟
ـ لا علاقة.. فأنا لا أعرف اصلا ما هو الأدب النسائى؟ وماهو الأدب الذكورى؟ كل ما أعرفه أن هناك أدبا يكتبه إنسان.. يتناول فيه حياة الإنسان واهتماماته وآلامه وأحلامه.. يجئ هذا الإنسان رجلا أو امرأة أو طفلا.. هذا لا يغير فى نوع الأدب.. أما هذا التمييز القاصر والمسئ فلا أعرفه ولا أتعامل انطلاقا منه
=
معنى هذا أنك لا تعترفين بالتمييز ضد المرأة فى مجتمعاتنا العربية
ـ نعم لا أعترف بهذا التمييز.. لكننى أسلم بوجود موروث اجتماعى قد يعيق المرأة قليلا.. لكنه ليس تمييزا متعمدا.. والمرأة حين تثبت كفاءة وتفوقا تجد الترحيب الموازى لهذه الكفاءة ولهذا التفوق.. المسألة أن خروج المرأة للحياة العامة مازال حديثا.. لكن بمرور الوقت.. وبسعيها نحو الإجادة وبالدأب والمثابرة ستستطيع ترسيخ دورها أكثر وأكثر.. لا بالصراخ والمطالبة والتشكى.. فالتطور الاجتماعى لا يأتى بالصراخ وإنما يأتى بالتغيير الحقيقى الملموس حيث تنتخب المجتمعات العناصر الأفضل لتحمل المسئوليات.. وأظن أن هذا الخلاف بين الرجل والمرأة والاضطهاد الذى تتحدث عنه بعض النساء مبالغ فيه جدا.. أو هو ـ أحيانا مختلق من الأساس ـ لأننا لكى نحكم حكما صحيحا فى أمر ما .. ولكى نضع تصورا للتغيير والتعديل.. لا بد وأن نأخذ كل معطيات الواقع السياسى والتاريخى والدينى والأخلاقى فى اعتبارنا.. لا أن نقتطع جزءا من الكل ونصرخ مستنجدات لأننا نتعرض لاضطهاد.. خاصة وأن الوضع الآن لا يسمح بهذه الخصومة المفتعلة بعد أن ظهر جليا أن هناك بعض القوى الاستعمارية تتخذ هذا التمييز المزعوم كذريعة للتدخل فى شئوننا ونحن سادرات متماديات فى الشكوى.. غير عابئات بما قد يجره جموحنا هذا على شعوبنا وأمتنا.. حتى الأديبات للأسف.. منهن من يركبن هذه الموجة لأنها تيسر لهن الولوج للعالمية كما يتوهمن.. ولتترجم أعمالهن ويقدمن كواجهة للأدب العربى المستنير
=
أصدرت فى سبع سنوات ستة كتب.. وبهذا تعتبرين من أكثر الكاتبات المصريات إنتاجا
ـ ربما فى خلال السنوات الأخيرة.. لكننى بدأت النشر متأخرة.. فأول كتاب صدر لى وعمرى سبع وثلاثون سنة.. وبالتالى لو وزعنا الكتب على عمرى بالكامل فلن أكون أكثرهن إنتاجا
=
ولماذا تأخرت فى النشر؟
ـ تفرغت بالكامل لمدة خمسة عشر عاما لرعاية أسرتى وأبنائى.. كانوا صغارا ويحتاجون لمتابعة وجهد وتربية وتوجيه ما كان يسمح بوجود وقت للإبداع
=
معظم كتاباتك تدور حول محور الوطن.. لماذا؟
ـ ربما لأننى حين تفتح وعيى كانت هناك أحداث جسام تمر بالأمة العربية.. مثل حرب 67 وحرب الاستنزاف وحرب أكتوبر.. وكان الإعلام والصحافة والمناهج الدراسية والمناخ العام كله فى هذه الفترة موجه لهدف قومى راسخ وواضح.. لم يكن فيه لبس ولا تمييع.. وبالتالى نشأت وأنا مقتنعة تماما بأن إسرائيل عدوى والعرب اخوتى.. هذا ما ربانا عليه جمال عبد الناصر.. وحين حدثت التحولات الجسيمة بعد ذلك واتفاقيات السلام مع إسرائيل والتطبيع ورفض التطبيع.. ثم اغتيال السادات وما سبقه وما لحقه من غليان.. وحتى وقتنا.. كنت قد تشكلت فعلا.. أو على الأقل تشكلت لدى الخطوط الفكرية العريضة.. فلم أتأثر كثيرا بما يدور.. ولم يضع منى الهدف.. وبقيت أرى عدوى كما هو وأرى صديقى كما هو.. حتى لو حاول البعض خداعى
=
ما آخر إصداراتك الأدبية؟
ـ رواية تاريخية بعنوان "الغزو عشقا" تتناول كفاح منطقة محددة تقع على واحد من فروع النيل.. فى زمن الحملة الفرنسية.. وهى تستند لواقعة تاريخية حقيقية.. وتسقط أحداث الماضى على حاضرنا
ـــــــــــــ
نجلاء محمود محرم
عضو اتحاد كتاب مصر
عضو نادى القصة بالقاهرة
صدر لها:
استيقظ ( مجموعة قصصية ) عام 1997
تعظيم سلام ( محموعة قصصية ) عام 2000
شرشبيل ( رواية ) عام 2001
لأنك لم تعرفى زمن افتقادك ( مجموعة فصصية) عام 2003
البئر ( رواية ) عام 2003
الغزو عشقا ( رواية ) عام 2004