|
إسمي راشيل كوري
بقلم : كريم ناصيف
عن الجزيرة
تُعرض علي مسرح
رويال كورت اللندني الواقع في ساحة سلون سكوير حتي نهاية نيسان
(ابريل) الجاري
مسرحية بعنوان اسمي راشيل كوري وهي تروي قصة الفتاة الامريكية
المدافعة عن حقوق
الانسان ذات الـ23 عاما التي استشهدت في غزة عندما رمت بجسدها
امام جرافة اسرائيلية
كانت في طريقها لهدم منزل عائلة فلسطينية.
وتقوم ببطولة المسرحية الممثلة ميغان
دودز ويخرجها الممثل المسرحي والسينمائي المعروف آلان ريكمان
وقد ساعدته في تحويل
اوراق ومذكرات كوري الخاصة الي مسرحية الصحافية في صحيفة
الغارديان كاثرين فاينر.
وتدور حبكة المسرحية حول الاسباب التي دفعت فتاة امريكية عادية
الي ترك منزلها
الامريكي المريح وتعريض حياتها للخطر في احدي اخطر مناطق الشرق
الاوسط.
وقيل ان
ريكمان وفاينر يخشيان ان تحظي المسرحية باطراءات من الجهات
البريطانية المعادية
للتنكيل الاسرائيلي بالفلسطينيين واصدقائهم لكي لا تشن الجهات
الصهيونية حملة ضدها.
بعد حضوري المسرحية، ولدي انتهائها خيم صمت رهيب علي صالة
العرض وكأن الجمهور ما
زال مصعوقا لما رآه. وحتي لدي خروج المشاهدين من القاعة كانت
اقدامهم تطأ الارض
بنعومة خشية احداث ضوضاء. وكأنهم خلال هذه اللحظات كانوا
يتفاعلون مع ضمائرهم في
خلوة شبيهة بخلوات التأمل الديني.
وشعرت وكأن عددا منهم رغبوا بالجلوس وتلقي
التعازي عن روح هذه الفتاة الطاهرة التي شاهدوها في المسرحية
فرحة في منزلها
الامريكي قبل سفرها الي فلسطين، وتابعوا تطورات انتسابها الي
المجموعة التي حملتها
الي الارض المسلوبة، ورأوها في نهاية المسرحية علي شاشة
تلفزيون وهي طفلة في
العاشرة من عمرها تتعهد امام طالبات مدرستها بانها ستخدم
الانسانية.
ولعل
الآخرين كانوا يتساءلون مثلي عن جدوي العيش في هذا العالم في
خضم الشر وقواه التي
تحيط بنا، كما تساءلت كوري في احدي مراحل المسرحية. وربما شعر
آخرون بالذنب لكونهم
سيذهبون الي بيوتهم ومطابخهم وتلفزيوناتهم ويكملون حياتهم،
وكأن شيئا لم يكن، علي
الرغم من ان الشعب الفلسطيني وحلفاءه يستمرون بمواجهة كافة
انواع التنكيل والوحشية
الاسرائيلية، كما تستمر الجرافات القاتلة في التحرك لهدم
المنازل وتدمير الحقول
الزراعية وقتل وترويع السكان.
القسم الاول من المسرحية يصور حياة راشيل في
الولايات المتحدة وتعلقها بوالدتها ووالدها وعلاقاتها الحميمة
مع اصدقائها، وتتحدث
خلاله راشيل عن الامور اليومية التي تتحدث عنها كل فتاة
امريكية عادية، ولكن سردها
النثري يتضمن نفسا شاعريا جميلا وفكاهيا في الوقت عينه ويدخل
متابعي المسرحية الي
عقل وقلب فتاة امريكية من الطبقة المتوسطة ورغبتها في القيام
بالمغامرات وتبديل
حياتها الرتيبة.
اما القسم الثاني فيرينا راشيل في فلسطين، وكيف يتم تفاعلها مع
الشعب الفلسطيني وتتطور علاقتها به، يوما بيوم، وكيف تستقبلها
العائلات الفلسطينية
بمحبة وعطف وشكر وتقدير وتتشارك معها في قوتها وفي القليل الذي
تملكه من دون اي
مقابل.
ونري في هذا الجزء الثاني راشيل تراسل والدتها ووالدها
واصدقاءها عبر
البريد الالكتروني، مما يعطينا فكرة اعمق عما يدور في خلدها
خلال لحظات مقاومتها
السلمية والحضارية للاحتلال الاسرائيلي لفلسطين. ويندمج في هذه
المرحلة العامل
الانساني بالعامل السياسي، اذ نشاهد قلق والدتها ووالدها عليها
وعلي سلامتها وفي
الوقت عينه تصف هي لاحبائها معاناة الشعب الفلسطيني بشكل معبر
ومؤثر وثوري في الوقت
عينه. ويتساءل والداها عن خطورة بقائها في غزة وهي امريكية
الجنسية في وقت يتطور
فيه الغزو الامريكي للعراق. ويأتي ردها ليفسر الشخصية التي
اصبحت شخصيتها في تلك
المرحلة، حيث تقول: كيف يمكن لاحد ان يلوم الفلسطينيين
لاستخدامهم العنف عندما
يتهدد اساس وجودهم كل يوم وتدمر منازلهم وممتلكاتهم بواسطة
الجرافات الاسرائيلية؟
.
واصبحت راشيل توجه رسائل اليكترونية الي اهلها تتضمن روحا
ثورية واضحة في
الفترة السابقة لاستشهادها، حيث قالت في احدي هذه الرسائل كيف
يمكن للانسان ان يجلس
هنا ويشاهد هذا الخرق السافر للعدالة من دون ان يفعل شيئا؟
.
لا شك بان استشهاد
راشيل كوري بالطريقة التي استشهدت فيها لم يذهب سدي. ان هذه
المسرحية تذكّرنا
بالشجاعة الكبيرة الموجودة في كل منّا، وبان لا شيء بامكانه ان
يقتل رغبتنا بتحقيق
العدالة وفي تفجير انسانيتنا دفاعا عن الحق، لا الجرافات ولا
الدبابات الاسرائيلية
ولا غيرها.
واكبر شاهد علي ذلك كان الصمت الوقور والعميق الذي خيم علي
قاعة
العرض بعد انتهاء المسرحية.
وقد نجحت ميغان دودز نجاحا باهرا في تخليد ذكري
راشيل كوري وفي التأكيد بأنها ممثلة لامعة واثبت آلان ريكمان
التزامه الانساني
بالاضافة الي موهبته الفنية. |