www.FreeArabi.com 

أدب 2

دراسات - مقالات - حوارات

 

الأبواب
الرئيسية

 

صفحة الغلاف
أدب 1
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

 سيرة ذاتية

نزار ب. الزين


 

- تتجاوز قصصي القصيرة غير المطبوعة المائة و أربعين قصة و أقصوصة
- عشرة أعمال روائية صغيرة ذات طابع وطني تحت مسمى كيمنسانيا ( الكيمياء الإنسانية )
- ثمانية أعمال روائية صغيرة تحت عنوان كنز ممتاز بك
- عمل روائي طويل واحد تحت عنوان عيلة الأستاذ

- إحدى عشر حكاية للأطفال
- عدد من الدراسات الأدبية و الفكرية نشرت في الصحف الكويتية (الراي العام - القبس - الوطن ) و العربية في أمريكا ( أنباء العرب - العرب ) و بعض المواقع الألكترونية المهتمة بالأدب .
أما عني شخصيا فأنا :
- نزار بهاء الدين الزين
- من مواليد دمشق في الخامس من تشرين الأول ( أكتوبر ) من عام 1931
- بدأت حياتي العملية كمعلم في دمشق و ريفها لمدة خمس سنوات
- عملت في الكويت كأخصائي إجتماعي و مثقف عام ، لمدة 33 سنة قبل أن أتقاعد عام 1990، إضافة إلى عملي الإضافي في صحف الكويت .
- كتبت أول مجموعة قصصية بعنوان ( ضحية المجتمع ) عندما كنت في الثانوية العامة عام 1949
- كتبت مجموعتي الثانية ( ساره روزنسكي ) سنة 1979
- و إضافة إلى عشقي للأدب فإنني أهوى الفنون التشكيلية كذلك ، و قد أقمت معرضا لإنتاجي الفني في شهر أكتوبر 1999 في مدينة دمشق/ مركز المزة الثقافي خلال إحدى زياراتي للوطن ضمت 55 لوحة .
أعيش في الولايات المتحدة منذ إنتهاء خدمتي في الكويت أي منذ عام 1990 و أدير حاليا مع إبني وسيم مجلة ( العربي الحر ) الألكترونية - عبر الأنترنيت ؛
و عنوان الموقع :

www.freearabi.com

 

 

  محمد رمضان

فوق عرش من نور

حاكته أرواح الشهداء

دراسة لبعض أعمال الكاتب

 بقلم : نزار ب. الزين

 

       ولد الكاتب في مدينة خانيونس في عام 1960و تلقى تعليمه في مدارسها و شب و ترعرع بين أحضانها و على شاطئ بحرها الجميل, ارتوى من الحزن الساكن في قلوب شيوخها و أبنائها خصوصا بعد أن استيقظ في بواكير طفولته على أحاديث المذابح و المجازر و الترحيل و التهجير التي كان يحكيها أهل المدينة أمامه, عاش يسكنه هاجس الوطن, في سن مبكرة جدا حاول التهام كل ما تقع عليه يده من كتب و مقالات, بل و قطع من اوراق الجرائد القديمة و الممزقة في شوارع المدينة و أزقتها و مخيمها, حيث لم يكن لديه القدرة لشراء الكتب و الجرائد و المطبوعات الأخرى, فدرج على ذلك, و قد كان لوالده الأثر الكبير في توجيهه و تشجيعه, و حيث كان والده يعمل مدرسا و يستعير له كتبا من هنا و هناك,   و التحق بجامعة القاهرة و حصل على الدرجة الجامعية الأولى منها, أثرت فيه حياة القاهرة الصاخبة كثيرا, و تعرف على كافة مناحيها ما بين أحيائها الارستقراطية و أولئك الذين يسكنون في المقابر و على ضفاف النيل, قرأ مئات الكتب الجديدة ما بين سياسية و روائية و قصصية, كتب قصصا و اشعارا و خواطر نشرها في صحف و مجلات مصرية, ثم عاد إلى فلسطين و كتب ايضا في صحافتها في ذلك الوقت ما بين مجلات و صحف. و كانت كل كتاباته تتمحور حول الهم الفلسطيني من زواياه المختلفة, أكمل دراساته العليا في بريطانيا, و استطاع خلال هذه الفترة الاطلاع على الكثير من الأدب العالمي اضافة إلى نشره العديد من المقالات و الخواطر و الأشعار باللغة الانجليزية , و يعمل حاليا بجامعات فلسطينية و يكتب في العديد من الصحف و المواقع الالكترونية.

             تتناول الدراسة سبعا من أعماله و هي :

1 الطاحونة

2 -  دم العرايس

3 هدية شارون

4 الطفلة العارية

5 العصفورة

6 دم الزهور

7 عطور الفجر

*****

-1-

الطاحونة

          يصور لنا الكاتب في قصته ( الطاحونة )  المأساة الانسانية المتواصلة ، التي يعانيها الفلسطينيون ، منذ ثلاثينيات القرن الماضي ؛ بلسان  جدة عجوز  كُتب لها أن تعايش حلقات المأساة  واحدة  إثر الأخرى :

*." و هي تدوِّر الطاحونة بيدها اليمنى ، يدور أمام ناظريها شريط حياتها الطويل, من نكبة إلى نكبة و من هجرة إلى هجرة و من حزن إلى حزن "

* " - كان بيتنا الأول في المجدل ، - و كان بيتنا الثاني في مخيم رفح بعد الهجرة ،

 - و لماذا جئت إلى جباليا يا جدتي؟
-
لقد هدموا بيتنا في رفح "

ثم ينقلنا شريط الذكريات إلى بدايات المقاومة متمثلة بعز الدين القسام و رفاق دربه  فرحان السعدي و رشيد حنبلي  و سواهم :
 
* "
لقد كان المجاهدون يأتون عند جدي في ساعات السحر ، و كنت اسمع همساتهم و أتظاهر أني لا أفهم شيئا منها !
آآه ه.... كم أكل فرحان السعدي من فريكة خرجت من هذه الرحى
و لا زلت أذكر - كما أراكم - كيف كان والدي يحمل الخبز و الجبن و الزيت للمجاهدين في الأحراش "
و بينما كانت تطحن العدس و البرغل و الفريكة  بين حجري رحى طاحونتها اليدوية التي قدت "من صخر البلاد" ، مقابل  دريهمات تسد بها الرمق ، كانت تحكي لأحفادها و رفاقهم من أولاد الجيران ، و للعصافير الجريئة التي ما فتئت.".تلتقط ما تناثر من بقايا حبوب "

تحكي لهم عن النكبة بمفرداتها  و  آثارها .

  لقد  نجح  الأديب محمد  رمضان  في  ( الطاحونة )  ببلوغ  هدفه من خلال تعبيرات خالية من التكلف ، و ببساطة  و شفافية  و يسر ! يرافقها جميعا تصوير بديع :

* "  جلست جدتي  أم أحمد كمليكة بثوبها الفلسطيني المطرز "

* " يتجمع حولها أبناؤها و أحفادها الذين جاوز عددهم المائة ،يقبلون يديها و خديها و يتبركون بالنور الذي يسطع من وجنتيها "

* " تتربع أمام بيتها الثالث في مخيم جباليا على جاعد وثير من جلد خروف ذبحه ابنها البكر في آخر عيد أضحى, و إلى جانبها مصحفها الكبير و عصا لوز تتوكأ عليها أو تهش بها على أطفال الجيران أو أحفاد قد يضايقونها أحيانا "
* "
يتحلق حولها صبية المخيم يستمعون لحكاياها و يدورون حولها كما الرحى "

 لقطات بيد مصور بارع يختتمها بلحظة النهاية الحزينة :

* " دار الأطفال دورتهم, و عادوا ، فوجدوا جدتهم منحنية على الطاحونة كأنما هي تقبلها, نصف وجهها يستلقي على الطاحونة و النصف الآخر يستلقي على مصحفها ذي الأوراق الصفراء " .

 

*****

-2-

دم العرايس

          في دم العرائس ، يستعير الكاتب  حكايات  كليلة و دمنة  ، ليصل إلى هدفه في تصوير بشاعة الاحتلال  و ممارساته اللاإنسانية .

تمثل الفراشات  الشعب الفلسطيني بجميع فئاته : " في وادي الفراش "المقدس", تعيش آلاف من الفراشات, في مودة  و محبة و صفاء و نقاء "

 بينما  تمثل الذئاب الهجمة الصهيونية الشرسة مذ قرر الصهاينة إحلال  شتاتهم محل الفلسطينين العرب :

" - ما رأيكم إذن في دم الفراشات الصغيرة ؟

- آآ ه ه ... إنه من ألذ أنواع الشراب , لقد  دعاني "ثعبان" يوما على حفلة كان فيها هذا الدم هو المشروب الرئيسي , ما زال طعمه الرائع في فمي "

و تعبيرا عن عدم تفريق العدو بين صغير أو كبير في هجمته المسعورة ، يحرِّض أحد الذئاب رفاقه قائلا :

" - إذن علينا أن نذهب إلى وادي الفراش , و نقف أمام المدرسة الابتدائية ونحاصرها و نصطاد الفراشات الصغيرة لذيذة الطعم "

 و في أعقاب كل ضربة ، يلملم الفلسطينيون أنفسهم و يضمدون جراحهم ، ثم  يصر من بقي منهم  على  قيد  الحياة ، على الصمود و المقاومة  :

* " أفلتت بعض الفراشات من بطش "العدو" و ناره السوداء الحاقدة

اختبأت في أنفاق تحت الأرض

بين "ظلمة الدنيا" و" نور إيمانها" بعدالة قضيتها و قداستها

و طفقت في لملمة صفوفها و جراحاتها

صنعت صواريخ بدائية جدا

من بقايا المعدن و الورق و الكرتون "

و يختتم  محمد رمضان قصته بأمل يداعب مخيلة كل فلسطيني و عربي :

"  عادت الفراشات إلى مسقط الرأس في وادي الفراش المقدس و هي تنشد نشيد العودة "

    أفلح محمد رمضان ببلوغ هدفه ، و نجح بتوظيف اللابشر في خدمة غرضه ؛ إلا أن رموزه كانت من الشفافية بحيث كشفت عن هدفها بدون عناء ، و هذا بحد ذاته أحد نجاحاته .

و أستشهد على ذلك   بتعليق للأديب عبد الهدي شلا  قال فيه :

" ما أجمل أن ترى فراشة تتنقل بين الزهور وأنت تغسل هموم  يومك في حديقة الوطن الكبير ، وما أقسى أن ترى خستهم تمتد لتغتال وداعتها وتمزق رقتها إربا إربا ، وتنثر جسدها الضعيف لتشبع شهواتهم وغرائزهم الحيوانية.."

*****

- 3-

هدية شارون

           بعد أن حلق بنا الأديب محمد رمضان في عالم  الرمزية من خلال كليلته و دمنته ، يعود بنا في ( هدية شارون )  إلى عالم الواقع المؤلم ، فغدير التي أكملت سنيها التسع لتقف على أعتاب العشر ، تثيرها المناسبة فتبدأ باتخاذ العدة  للإحتفاء بها كما وعدتها أمها :

* " تعطيها  أمها بضعة دراهم لتشتري فيلما  لالتقاط صور عيد ميلادها "

تقول لزميلاتها :

* " - انتو اليوم معزومات على حفلة عيد ميلادي "

* " - استلفت كاميرا خالي "أبو طارق" و ماما راح تحضر أحلى كعكة "

ثم يصور لنا الكاتب ببراعة حال التلميذات و هن في طريقهن إلى المدرسة جذلات :

* " سارت الزهرات في طريقهن إلى المدرسة, يسرعن في المشي تارة, و يبطئن أخرى, و قطرات الندى تغسل جباههن الرقراقة كالنسيم, و الشمس ترسل باكورة أشعتها الصباحية لتقبل أجمل الوجوه التي تتبختر على الأرض التي بارك الله فيها و حولها "

ثم يذكرنا فجأة أننا لا زلنا تحت وطأة الحصار :

* " ينظرن إلى أبراج المراقبة التي يعتليها جنود الاحتلال و تشرف على المخيم "

و يبدأ جنود العدو بإطلاق الرصاص ، إلا أن الصغيرات ، لا يأبهن ، فقد اعتدن على عربدتهم ، شأنهم في ذلك شأن سكان المخيم جميعا :

* " الجنود يطلقون النار في كل اتجاه وفي كل وقت, و أهل المخيم اعتادوا على أصوات الرصاص و القذائف و الهدم و الصراخ العبري الحاقد... الدبابات تروح وتجيء و هي تطحن الأرض طحنا و تثير في مؤخرتها دخانا و غبارا يعمي العيون و يزكم الأنوف..."

و غير هيابة ، تمضي غدير باستعدادات عيد ميلادها ، فتتوجه إلى استديو القدس لتشتري الفيلم الذي سيحفظ تلك الذكرى المبهجة ، عندما يستأنف وحوش الأبراج إطلاق النار :

* " تهرب الزهرات كل في اتجاه

بعضهن إلى المدرسة

و بعضهن خلف الجدران

تجري غدير لكن الرصاص أسرع

تتدحرج غدير على الأرض "

و إمعانا بوحشيتهم يفرغ أحد جنودهم خزنة رشيشه كاملة في جسدها الغض فيمزقها إربا ، و ادعى  بأن الشهيدة كانت تحمل في حقيبتها متفجرات ، جاء ذلك التبرير السخيف ، على لسان إذاعتهم :

* " يعلن راديو "إسرائيل" أن طفلة قتلت في مخيم رفح و قد كانت تنوي تنفيذ عملية انتحارية حيث كانت تحمل على ظهرها شنطة متفجرات "

و إظهارا لدمقراطيتهم الزائفة أمام العالم ، تمت محاكمة صورية للجندي القاتل :

* " تمت محاكمته أمام محكمة عسكرية و قررت الحكم عليه بالسجن لمدة "شهر" مع وقف التنفيذ !!! "

   نص سردي  كلاسيكي مفعم بالصور القاتمة لمأساة متواصلة  يعيشها الفلسطينيون ، احتلال لا يفرق بين صغير و كبير أو بين أنثى و ذكر ، الحقد الكريه الذي يعشش في نفوسهم العدوانية ، يجعلهم  يرون  في كل فلسطيني -  حتى لو كان طفلا - إرهابيا يسعى لاستئصال إسرائيلهم .

 

*****

-4

الطفلة العارية

       في هذا النص ، يعزف محمد رمضان على أوتار قلوب قرائه لحنا عاطفيا حزينا ، يرغم  عيونهم  على بذل الدمع السخي ، لحن يحكي من خلاله عذابات أطفال  المخيمات .

فراس طفل السابعة من هؤلاء ، يقضي نصف يومه في المدرسة و نصفه الآخر يلاعب والدته التي تتقبل عبثه بصدر حانٍ فتسايره أحيانا و تتجاهله أحيانا أخر :

" تبحث أمه عنه تارة تحت السرير

و تارة أخرى يختبئ منها في دولاب الملابس و ثالثة يتوارى وراء باب هذه الغرفة أو تلك ينتظر أن تبحث عنه أمه هنا أو هناك في لعبة يعشقها كل يوم

و حينما يطول انتظاره لها و هو في مخبئه السحيق يقلد أصوات القطط أو العصافير

كأنما يستحث أمه للإسراع في البحث عن عصفورها "

 و فجأة تكتشف فيه رجولة مبكرة ، طفلها لم يعد ذلك اللعوب ، طفلها أصبح يحس بمشاكل الآخرين و يحزن لحزنهم و يشقى لشقائهم  :

 " - أماه..... هل سمعت ِ؟؟ هل سمعت انفجارات الأمس, اليهود نسفوا بيت سلوى في المخيم الغربي , واحترقت كل ملابسها و دفاترها و كتبها... و جاءت اليوم إلى المدرسة بلا شنطة و بملابس رقيقة و كانت أسنانها تصطك من البرد اصطكاكا. "

و كأم مثالية، تخرج أم فراس صندوق ملابس ولدها ، ثم تترك له الخيار في انتقاء ما يشاء ليقدمه لزميلته سلوى :

 " يتناول فراس "بلوزة" شتوية و بنطالا جديدين, و طاقية من صوف لم يلبسها بعد و ملابس داخلية شتوية جديدة, و شمسية صغيرة أهداها إليه خاله قبل أيام,

تكوي أمه الملابس, تضعها في حقيبة مدرسية صغيرة, يفرح فراس و يقول:

- كل هذا ل"سلوى" يا أمي ؟! "

و في المدرسة تحييه المعلمة و تكبر فيه أريحيته المبكرة ، أما سلوى فتقابل كرمه بابتسامة عريضة :

" ترتدي "سلوى" الملابس الجديدة,  و تبتسم  و لا  تسعها  الدنيا  فرحا ! "

يتوقف فراس عن اللعب و يتحول تفكيره إلى هموم الآخرين ، و بدلا من اللعب مع أمه أخذ يلحف بالسؤال عليها :

* " -  ما هي دعوتك التي لا يعلمها إلا الله يا أمي؟ "

فتجيبه بعد أن تمنعت طويلا :

" - يا رب هذا الكون من رأى عذابات هؤلاء الأطفال في العراق و فلسطين و أفغانستان من حكام العرب و المسلمين و كل العالم و كان قادرا أن يفعل لهم شيئا و لم يفعل ، فلا تجعله يا رب يشم رائحة الجنة "

دعوة ، لعلها تخرج كل يوم من أفواه آلاف الأمهات ، و في موقف عاطفي غير مسبوق و تعبيرا عن نضوج فراس المبكر ، ما أن تذكر أمه كلمة الجنة حتى يسجد بين قدميها : " و انحنى نحو قدميها يقبلهما, و يشم رائحتهما, و يمرِّغ خديه فيهما, و يعضهما حينا آخر, قالت له أمه:

-" ماذا تصنع يا فراس؟

- أشم  رائحة  الجنة , قالت  لنا المعلمة : ((الجنة  تحت  أقدام الأمهات)) "....

و يختتم محمد رمضان بهذا الموقف الإنساني الشاعري ملحمته الرائعة ،أما أنا فأختتم  بتعليق للكاتبة ( فاطمة ) تقول فيه :     " عذابات أطفال لاتحتملها الجبال..عري وفقر وإصرار على إمساك الشمس..هدم ومخيمات..ضحكات زهور لاتأبه لليد الشيطانية و ترد عليها بالتحدي والتعاون..

ملائكة الجنة بضحكاتهم وبراءتهم تغلف المعاناة وكأنها تقول -

ما  بعد  الضيق إلا الفرج -

قصصك تلامس العقل والروح والوجدان لواقعيتها يا محمد رمضان ."

*****

-  5 -

العصفورة

      في هذه القصة فراس أيضا  ، طفل السابعة هذا  يشفق على عصفور طِفل ، لجأ  إلى نافذته ، فيطلب من والدته أن  يحتضنه حتى زوال العاصفة الماطرة في الخارج ، و يظهر نضوجه جليا عندما تعلمه أمه أن كل المخلوقات  لديها بيوتها :

* "  - نعم يا ولدي, فكل العصافير لها أعشاش كما كل الناس , فهل هناك أناسٌ يا ولدي ليس لهم بيوت؟ "

فيجيبها  واثقا  مما يقول :

* " - نعم يا أماه

- الذيـن هـدم "اليـهود" بيـوتهم!!!! "

تعبير غير مباشر لمأساة شعب يعاني من أشرس أنواع الإستعمار ، عدو لا يستهدف الناس فقط بل البيوت و البساتين و ينابيع الماء .

و كعادته يصل محمد رمضان إلى هدفه تدريجيا بعد عرض صور تعبيرية شيِّقة تشع بالإبداع :

* " تلبدت السماء بالغيوم الكثيفة المتراكمة فوق بعضها البعض و اكفهر وجهها الأزرق الجميل حتى غدا قاتما "

* " هاهو المطر ينهمر و يقفز "فراس" في غرفته مسرورا, و يصرخ مناديا إخوته ليشاهدوا الأمطار تعزف أنشودة السماء "

* " ينتفض العصفور الصغير فتتطاير درر الماء عن ريشه الحريري لتهبط إلى الأرض مع حبات المطر فتزيدها جمالا إلى جمالها "

و بينما كان العصفور  ينثر درر الماء كان محمد رمضان ينثر درر كلماته الحلوة .

و أختَتِم ببعض تعليقات أدباء ( دنيا الوطن ) :

* " عصفورتك متماسكة ، واثقة الخطى ، بعيدة عن التطويل و الهتاف و الوعظ ، قريبة من الوجدان ، تنساب بيسر عبر ذلك الطفل العصفورة ،الممتلئ مطراً و فرحاً و ثباتاً.

قد يتمكن الغزاة من ردم الأعشاش والبيوت و السقوف لكنهم لن يتمكنوا من هدم الأحلام و الزغاريد المشبوبه .هكذا تعلنها العصفورة الطفلة و الطفل العصفورة .

تقديري و اعتزازي.

زكي العيلة  "

* " يأتي العصفور الذي يغني أنشودة الخير و فرح الارض ليعطي قصتك التصاعد الدرامي المطلوب و المقصود, حين يحمي الطفل خدينه في البرءاة و يطلقه بفضاء الحرية ، لنصل إلى السؤال الذي تعرف الأم إجابته لكنها تريد أن تختبر وعي طفلها المبكر, الذي يقدم إجابة فيها كل الحزن و المرارة و الإدراك ، و دمت مبدعاً

.سليمان نزال"

* " لقد عصرت أجسادنا وأخرجت منها الحزن ..مطرا ينهمر

نحن العصافير..في غربتنا..بيننا وبين الوطن ..زجاج شفاف ..نراه من خلاله فنرسمه في قلوبنا زخارف وأهازيج

فرح كبير ..وحزن عميق..نمنحه للبيت الكبير ( الوطن  ) من خفقان قلوبنا أنغاما وألحانا..وعصافير .

عبد الهادي شلا . "

* " رصدك الإنسانى يتفوق على نفسه.. وتقفز من عمل إلى عمل نحو سمو إنسانى لانهائى..

أخى محمد..

وكأنك تعيش فى قلب طفل.. ترى رؤاه وتحلم أحلامه وتلهو لهوه وتفرح فرحه..

وكأنك اخترت الطفل ليكون رسولك نحو قلوب قرائك .

نجلاء محمود محرم "

*****

- 6-

دم الزهور

          ينقل لنا محمد رمضان في قصته ( دم الزهور ) كعادته - الواقع المؤلم  الذي يعيشه الفلسطينيون و يصيغة شعرا منثورا ، يبتدئ كعادته بتصوير الحياة على طبيعتها ، و من خلال تصويره ثلاثي الأبعاد ، يعرفنا على بطلة قصته  سماح ، ذات التسع سنوات  : طلاقة لسانها ، نضوجها ، دقة ملاحظتها ، معرفتها بالمخاطر حولها ، مبادراتها  التي تجعلها زعيمة لأترابها دون قصد منها :

* " - و هل هناك أحلى من أن يموت الإنسان شهيدا

تغنيان معا و بعفوية طفلتين بريئتين:

"على القدس رايحين......... شهداء بالملايين"

تنتبهان فإذا عشرات من الأطفال يسيرون خلفهما و يرددون نفس النشيد حتى طغى على صوت الزنّانة اللعينة "

* " تنخرط المعلمات و ينشدن وراء سماح

تسيل دموعهن على وجناتهن أنهارا..... أخذت جدران المدرسة تهتز و تردد الغناء كما الأشجار و الورود و الزهور في ساحة المدرسة "

و بعد أن يغني محمد رمضان نشيد الحياة مع تلميذات مدرسة طارق بن زياد  نستمع معه و مع معلمات و مديرة المدرسة ، إلى خطاب سماح :

* " و استمرت سماح في كلمتها و مديرة المدرسة و المعلمات مشدوهات مأخوذات بما يسمعن من عمق ، في كلمة طفلة تقف على أعتاب زهرتها التاسعة, و كأنها ابنة العشرين أو يزيد ,"

      و يتصاعد الكاتب في نصه رويدا رويدا إلى أن يبلغ الذروة  في لحظة المأساة ، عندما تسقط  قذيفة إسرائيلية على تسع من الزهرات و معلمتهن ، كن يعددن العدة لحفل تكريم  سماح  لتفوقها  في فن الخطابة

* " ..... ترتمي الزهور و معلمتهن على الأرض و دمهن يفور من الأنف و الفم و جروح تملأ أجساد النعناع.."

   كان هاجس سماح  حتى و هي مضرجة في دمها ، أن تدخل الفرح إلى قلب أمها المكلومة بفقد شقيقها :

* " و سماح تشطح بفكرها و في ذهنها كيف يكون غدا أجمل أيامها و أيام أمها, تود أن تزرع الفرحة في قلب أمها بعد الحزن الذي أصابها في السنة الماضية و ذلك بعد استشهاد أخيها أحمد "

أطفال يحبون الحياة و لكن وحش الاحتلال يجثم فوق صدورهن

يعرقلها ، يعوقها  ، أو يخطفها  ، دونما تفريق بين أنثى و ذكر أو بين كبير و صغير !

بكلمات بسيطة خالية من التكلف كعادته دوما -  يرسم لنا الأستاذ محمد رمضان لوحة  تعج بالحياة بواقعيها الحلو و المر .

*****

7

عطور الفجر

 

           في أسلوب مبتكر ، سينتهجه الكاتب فيما بعد في سلسلة قصصية أطلق عليها الأستاذ الأديب و الناقد ، زكي العيلة : سباعيات محمد رمضان . يستنطق الكاتب الفراشات و  الأطيار و الأزاهير و الرياحين  و العطور  ،  و أشجار الزيتون  و سنابل القمح ، التي تعترف  له  جميعا أنها من عبق الشهداء الأطفال  ، و برمزية غير معقدة يستشفها القارئ بسهولة ، و بعبارات هي أقرب إلى الشعر تهز عواطف القارئ و تستدر دموعه .

و هكذا استطاع محمد رمضان أن يخلد صغار الشهداء  ... كمحمد الدرة  و إيمان الهمص 

و غيرهم كثير : *" قالت السماء: لست أنا من يطير إنما تحملني أرواح الشهداء في فلسطين و العراق و الأفغان "

و لم يفت الكاتب أن يغمز من خمول  بني يعرب فيقول على لسان عبير :

 *" قالت السماء: لست أنا من يطير إنما تحملني أرواح الشهداء في فلسطين و العراق و الأفغان "

    و يختتم الكاتب قصته بنص شاعري  رائع حين يقول على لسان عبير أيضا :

* " تساقطت الحروف من السماء كلآلئ المطر

ملأت الكون من عبيرها الفواح عطرا "

* " جمعت عبير آلافا منها في حجرها المنسوج من عروق الندى

زرعتها و قريناتها على شاطئ الشهادة الممتد على طول المدى

* " نبتت الحروف على  الأرض و  زينتها على  شكل  لوحة  مكتوب عليها  بالأقمار "الشهيد حبيب  الله "

" ذهبت عبير إلى أمها و أبيها و قالت:

- أماه... أبتاه.... أريد أن أموت شهيدة "

و أختتم بتعليق رائع كتبته القاصة ميسون أبو بكر  حول ( عطور الفجر ) قالت فيه : " الأطفال كالرياحين تنبت على أرض الوطن تنمو من مائه أو تسقي الأرض من دمائهم الطاهرة حين يغتصب طفولتهم المحتل ، دماؤهم الغالية تسقي الشجر، ويحمل عبقها البحر، ونسائمها تعلل السماء في عليائها !

فيصبح الوطن يحمل ملامح أولئك الشهداء هم ماتوا ليحيى الوطن .

لا أقدر أن أقف عند جملة أو جملتين مما كتبت لأقول لك سيدي كم هي مؤثرة، فكل ما كتبت حساس رائع ، كلماتك كالموسيقى كلآلئ السماء، كدموع البحر  ، كالندى

دام قلبك طاهرا ونقيا ليسكب كل هذا الطهر في آنية قلوبنا ! "

 

*****

 و صفوة القول :

تتمحور قصص محمد رمضان في خطين رئيسيين :

أولهما : التعبير عن معاناة شعب يعيش تحت أشرس أنواع الإحتلال.

ثانيهما : تمجيد الشهداء و خاصة منهم الشهداء الأطفال و إحياء ذكراهم  .

أما اللغة : فتمتاز بشاعريتها و ببساطتها و خلوها من التعقيد مع ترميز شفاف يظهر على الأخص في سباعياته .

و على  العموم  نحن  أمام  أديب مبدع  يمتاز بغزارة  إنتاجه ، أستحق  بجدارة ، أن  يعتلي عرشا من  نور  .

-----------------------------------
*
نزار بهاء الدين الزين
سوري مغترب
عضو إتحاد كتاب الأنترنيت العرب
عضو الجمعية الدولية للمترجمين و اللغويين العرب
 ( ArabWata)
الموقع  www.FreeArabi.com  :
البريد  nizar_zain@yahoo.com  : 

 

 

أوسمة   

-1-

أستاذنا الأديب الكبير : نزار الزين .
تحية حب و مودة .
كلمات الشكر تصغر أمام هذا الجهد الذي منحنا دراسة تدل على ذائقة فنية عالية و نفس إنسانية تمتلئ عطاءً و نبلاً .
لقد تجشتم الصعاب و أنتم تنقبون و تمنحون النصوص من فيض روحكم المشعة و هذا استمرار لعطاءاتكم النبيلة خاصة و انتم تفتحون موقعكم العربي الحر
http://www.freearabi.com/
نافذة يلتقي عبر فضاءاتها المبدعون العرب كافة .
الشكرلكم و لإبداعاتكم و الشكر أيضاً لدنيا الوطن التي استطعنا من خلال جسرها الذي شاده الربان عبد الله عيسى أن نتتبع نتاجات أقلام أدبية نعتز بها ( نزار ، نزال ، محمد رمضان ، عبد الهادي شلا ، نجلاء ، ميسون ، ناصر ، تيسير ، سمر و سيدة التعليقات فاطمة و المعلق الرزين عقلاني ....و القائمة تطول بأسماء المبدعين و المبدعات .
أستاذنا الأديب الرائع نزار :
حفظك الله و أبقاك راية نستضيء و نفخر بها .
المحب لحروفكم .
زكي العيلة

******************************

-2-

 ما أجمل اللحظات التي نقرأ فيها لمحمد
تحملنا كلماته نحو الغيم .. نحو عالم رائع مليء بالطفولة والبراءة والألم الذي يسكنها ويصوغه بكلماته كالشعر .. نحن نقرأ شاعريته وشفافيته من خلال قصصه ، أعتقد أن أسلوبه مبتكر .. جديد نوعا ما
كلماته أحيانا معدودة لكنها تحمل ألقا ومعان كثيرة .. كثيرة
أستطيع أن أدعوه مارد الطفولة ،
أشكر الأخ نزار على هذه الدراسة الرائعة لقصص محمد ، وبانتظاركم جميعا دائما
مع كل الحب والتقدير
ميسون أبوبكر

---------------------------------------------

-3-

أستاذي الكريم

تخجلني بكلماتك الأبوية الحانية,

و والله انني احس فيك يا سيدي أبا و أستاذا,

و انسانا قبل كل ذلك و بعده,

مقالك هذا هو وسام احتفظ به على صدري

و اعتز به ايما اعتزاز,

و اعذرني و سامحني في تأخري عليك في ارسال السيرة الذاتية

فهناك العديد من المشاكل التي تواجهنا

في هذه البلدة الصغيرة التي نعيش فيها,

لا أدري ماذا اقول اكثر من ذلك,

لكن الفضل سيدي يعود في هذا كله لله أولا

 و للوطن الذي علمنا و يعلمنا الحب الحقيقي,

و الشهداء الذين قدموا دمهم مهرا لأغلى العرائس,

قبة الأقصى و الخد المرواني بيت الصخرة المشرفة,

استاذي الكريم

لقد قرأت كلماتك فأحسست كاني أقرأ كلمات تتنزل طرية ندية 

بتأثير غريب و جميل لكنه يسكب الدمع من العيون,

الوالد و المربي و الاستاذ

يتوقف اللسان و القلم أحيانا

و لا يجيد الانسان سوى الشكر الصامت البالغ في بلاغته

دمت كريما و اصيلا و جميلا

و بعافية و صحة

ابنكم

محمد رمضان