دموع الحب
قصة قصيرة
بقلم: مصطفى نصر
تسير
درية بجانب الرصيف، تفكر فيما حدث لنوال، كيف ألقت بنفسها فى النيل، وكيف
رثاها عبد الوهاب بأغنيته الحزينة.
الوقت ليل، تظهر سينما رويا ل، صورة لمحمد عبد الوهاب و نجاة علي معا ،
واسم الفيلم بخط كبير " دموع الحب" من إخراج محمد كريم.
داخل السينما: فكرى (محمد عبد الوهاب) يقف فى الحديقة الكبيرة منتظرا نوال
(نجاة علي) التي تسرع إليه، يضمها لصدره فى حنان بالغ، يبدو التأثر على وجه
فكرى عدد كبير من المشاهدين فى القاعة.، تظهر درية قبل آخر القاعة بقليل ،
تلتصق بمسند مقعد والدها المجاور لمقعدها، يندهش الأب، يترك متابعة الفيلم
وينظر إليها. تتشبث بكم جاكتته. يشير الأب إلى زوجته التى تجلس بجانبه من
الناحية الأخرى، تنظر الأم إلى ابنتها المذعورة مما تراه على الشاشة. تضحك
ثم تعود مسرعة لمتابعة الفيلم يغنى عبد الوهاب " ما أحلى الحبيب بين الميّه
و بين الأغصان“. تغنى نجاة على معه. تسترخي أصابع درية، تترك كم جاكيت
والدها وتسند ظهرها على مسند مقعدها.
أول مرة تدخل درية السينما، والدها شديد الإعجاب بعبد الوهاب، لديه "عود"
يغنى عليه من وقت لآخر ويغنى أغانيه. وقد شاهد فيلم" الوردة البيضاء" – أول
أفلام عبد الوهاب – لكنه لم يسمح لأبنته برؤيته، وعلمت درية أنه أخذ أمها
وشاهد الفيلم معها ادعيا بأنهما كانا فى زيارة عمتها فى السيدة زينب.
بكت درية عندما خُدعت نوال فى الشاب الثرى (سليمان نجيب) تاركة عبد الوهاب.
وضحك والدها من مرآها هكذا وأراد أن ينبه أمها إلى ذلك لتضحك، لكنه وجدها
تبكى هى الأخرى، فعاد إلى مسند مقعده وتابع الفيلم فى أسى.
تخرج الجماهير من سينما رويال . يحيط الأب زوجته وأبنته بيديه ليبعد عنهما
الجماهير. يريد أن يركبوا عربة حنطور، لكن الأم - التى تتحدث من خلف اليشمك
- ترفض الركوب فالجو جميل رغم الشتاء، كما أن الساعة لم تتجاوز التاسعة بعد
والبيت ليس ببعيد.
تسير درية بجانب الرصيف، تفكر فيما حدث لنوال، كيف ألقت بنفسها فى النيل، وكيف رثاها عبد الوهاب
بأغنيته الحزينة: "أيها الراقدون تحت التراب.. جئت أبكى هوى الأحباب".
الأب منشغل عن ابنته - التى مازالت تبكى –بالبحث عن عربة حنطور، والأم تلح
بالا داعي لذلك وتؤكد له أنه أن الجو منعش، وهى لا تخرج من البيت إلا ( كل
حين و مين)
درية ابنتهما الوحيدة، لم ينجبا سواها. أراد الرجل أن يتزوج امرأة أخرى
لتنجب له ولدا أو بنتا أخرى. لكن السنوات مرت دون أن يدري ، وكبرت درية
فغيّر الأب رأيه فدرية عنده بالدنيا كلها.
الرجل ميسور الحال، يعمل موظفا فى وزارة الأوقاف، ألحق ابنته بمدرسة قريبة
من البيت وعزم على أن تستمر فى الدراسة إلى أن تتخرج من الجامعة.
اقتربت الأسرة من البيت. أبتعد الرجل قليلا ليفسح الطريق لزوجته لتدخل قبله،
ثم أدخل ابنته درية وأغلق باب البيت خلفه.
تدخل درية الصالة الكبيرة والدموع مازالت فى عينيها. هى حزينة على نوال
التى ألقت
بنفسها فى النيل حزنا لأن حبيبها – فكرى – يرفض حبها
ولم يغفر لها خطأها.
اليوم خميس، المدارس مغلقة غدا، وهى تريد أن تقابل صديقتها هدى لتحكى لها
عما رأته فى السينما لتشاركها أحزانها.
لم تنم درية سوى ساعات قلائل، وخلال نومها طاردتها صور الفيلم، شاهدت محمد
عبد الوهاب يغنى لنجاة على: "يا نوال فين عيونك".
فكرت درية فى أن تتصل – تليفونيا – بهدى، لكن الوقت كان متأخرا وحتما ستكون
الأسرة نائمة.
تصحو درية مع دخول شعاع الشمس من خلال فتحات النوافذ فى حجرتها، تسرع إلى
التليفون، تتحدث بصوت خافت فأبوها وأمها لا زالا نائمين فى حجرتهما. يدق
جرس التليفون دقات كثيرة ولا يجيبها أحد. تزفر درية بضيق وتلقى
السماعةبعصبية . الحل هو أن تذهب إلى هدى فى بيتها، فهي تسكن حي عابدين
مثلها، والبيت ليس ببعيد ، تدخل درية الحمام، يأتي صوتها إلى خارج الحمام
وهى تغنى أغنية من أغنيات فيلم “دموع الحب “. صوتها ليس جميلا مثل صوت نجاة
على.
عندما تخرج، تجد أمها واقفة فى المطبخ تعد الإفطار:
- ما بك يا درية.?
- لا شئ.
- عيناك متورمتان.
- بعد أذنك ، سأذهب إلى بيت هدى لأسألها حول بعض الدروس.
- الوقت مازال مبكرا.
- سأذهب إليها بعد الإفطار.
والد هدى موظف كبير فى الحقانية ( العدل ) ، لديه أربعة أولاد غير هدى.
اثنان أكبر منها. والآخران أصغر. يمتلك والدها بيوتا عديدة فى عابدين وبعض
الأحياء المجاورة. ليس له فى السينما ولا فى الفن. إذا سمع أغنية فى
الراديو يسرع ويغلقه فى عنف ويسب ويلعن.؛ زوجته هادئة، تتحاشى المشاكل معه،
ميالة إلى سماع الغناء وقراءة أخبار الفن فى الجرائد والمجلات، تكره
المشاكل والخناق، فإذا أحست أن زوجها قادم نحوها، تخفى الجرائد والمجلات
وتحدثه فى المواضيع التى يفضلها: مشاكله فى العمل، وقريبه الذى دخل الوزارة
مرة واحدة منذ سنوات عديدة، ومازال يحاول ثانية. وإيجار البيوت ومشاكله مع
سكانها.
تدخل درية وهدى حجرة بعيدة فى الشقة الواسعة، تغلق هدى الباب وتصيح فى
صديقتها:
- مالك، حدث شيء فى بيتكم؟
- لا.
- أنت مهمومة، وعيناك متورمتان.
تحتضن درية هدى وتبكى فى صدرها:
- ماتت نوال، ألقت بنفسها فى النيل، لأن فكرى رفض أن يسامحها.
اضطربت هدى وأبدت حزنا وأسفا واهتماما بالموضوع:
- من نوال هذه، قريبتكم؟
- لا، بطلة فيلم دموع الحب.
تضحك هدى: أمرك غريب يا درية، تفعلين كل هذا من أجل رواية؟
تمسح درية دموعها، تقول هامسة:
- أريد أن أرى الفيلم ثانية.
- لن يسمح لك أبوك برؤيته ثانية.
- نذهب لنراه أنا وأنت دون أن يعلم.
تنظر هدى إلى الباب المغلق فى ذعر: أنا، لا، أبى يقتلنى، أنت لا تعرفينه،
هو لا يحب الغناء ولا سيرة المغنين.
- لن يعرف. سندخل حفل الساعة الثالثة بعد خروجنا من المدرسة، سأدعى أنى
أذاكر معك، وتدعى انك تذاكرين عندي.
- لا لا، أبى فى هذه المسائل لا يرحم.
- أرجوك يا هدى. لابد أن أرى نوال وفكري مرة أخرى وإلا جننت.
*****
الثالثة بعد الظهر. مدخل سينما رويا ل يكاد يكون خاويا. يغنى عبد الوهاب –
في الفيلم - تمسك درية ذراع هدى، تتشبث به. تبكى هدى لما يحدث لنوال من
زوجها المستهتر، ومن قسوة حبيبها فكري عليها.
تدخل هدى حجرتها، تريد أن تحكى لأخويها الصغيرين مار أته فى السينما، لكنها
تخاف من أن يعلم والدها بالجريمة التى ارتكبتها.تحدثها أمها عن الطعام وعن
أشياء كثيرة، لكن هدى لاهية عنها، تبحث فى الجرائد والمجلات القديمة عن
أخبار السينما والممثلين. تتبعت الصورة الكبيرة لعبد الوهاب وهو يضع يده فى
جيب بنطاله ويطل بعينيه من تحت طربوشه المائل إلى اليمين قليلا.
يدق جرس التليفون فى الصالة، تسمع هدى صوت أمها تحدث درية، تسألها عن صحة
أمها وأحوالها، تسرع هدى إلى الصالة، تمسك التليفون، تأخذه إلى حجرتها:
ماذا حدث؟
تقول درية فى حدة وتصميم:
- لابد أن أعمل فى السينما.
- أية سينما؟!
- أقصد أن أكون ممثلة.
تتذكر هدى أنها نسيت أ ن تغلق الباب بعد أن أدخلت التليفون الحجرة، فتستأذن
درية وتسرع بغلقه وتعود إلى التليفون: كيف ستكونين ممثلة؟!
- سأبحث عن محمد عبد الوهاب وأطلب منه ذلك.
- وأين ستجدينه؟
صمتت درية للحظات فأين ستجده حقا؟ وهى لا تعرف الذهاب إلى أبعد من حيهم
عابدين.
قالت فى ضجر: لا أدرى. لكنني سأحاول وستكونين معي.
عادت هدى إلى المجلات والجرائد ثانية، وضعتها فوق فراشها وأخذت تقرأ، بينما
أمها تصيح فى الخارج:
- الأكل فوق المائدة منذ نصف ساعة وسوف يبرد.
تقرأ هدى فى إحدى المجلات أن محمد كريم – الذي أخرج فيلم دموع الحب والوردة
البيضاء – قد درس السينما فى روما وبرلين. تقف هدى أمام المرآة، هى ليست
بجمال نجاة علي ولا سميرة خلوصى بطلة الوردة البيضاء (لم تر هدى الفيلم،
لكن رأت سميرة خلوصى كثيرا فى المجلات التى تحب أمها قراءتها(.
درية –صديقتها – جميلة وتصلح ممثلة فى السينما، لماذا لا تفعل هدى مثلما
فعل محمد كريم؟. تعمل مخرجة. لكن محمد كريم سافر إلى روما وبرلين وتعلم
هناك، مما يعنى أنه لا توجد معاهد لتدريس فن السينما فى مصر.
استرخت هدى فوق فراشها وصوت أمها الغاضب يأتي من الصالة: الأكل برد.
تقرا هدى فى المجلات أن أمريكا أكثر دولة متقدمة فى صناعة السينما، لماذا
لا نذهب إلى أمريكا وتدرس السينما هناك؟
*****
فتيات المدرسة الثانوية يسرن فى الفناء، يضحكن ويتحدثن. تقترب درية، تشد
هدى من يدها:
- أنتظرك منذ وقت طويل.
- تعلمين أن أبى يوصلني إلى المدرسة قبل أن يذهب إلى عمله.
تسير الفتيات بعيدا، تصيح هدى فى شبه شرود:
- أريد أن أتعلم صناعة السينما.
- لماذا؟
- مادمت لا أصلح ممثلة، فسأكون مخرجة مثل محمد كريم.
لا ترد درية عليها، فذلك الأمر لم يخطر لها على بال ولا فكرت فيه.
- ما رأيك؟
- وأين ستدرسين السينما؟
- فى أمريكا.
- أنت تخرفين.
ثم تركتها درية وسارت بعيدا، وهدى أسرعت خلفها وشدتها من ذراعها فى عنف:
- لماذا تستخفين بفكرتي؟
- انه نوع من الجنون.
- لو فى مصر معاهد لدراسة السينما، لالتحقت بها.
- أننا لا نعرف الذهاب لأبعد من مدرستنا.
- نسأل،" واللي يسأل ما يتهشى "
*****
يضع والد درية النظارة فوق عينيه، يفرد الجريدة، والأم تحيك رداء فى يديها.
تقترب درية من أبيها:
- أمريكا بعيدة يا أبى؟
- طبعا بعيدة.
-وكيف الوصول إليها.
- بالطائرات أو السفن.
- أيهما أرخص؟
- السفن طبعا.
يعود الأب إلى جريدته، تقول الأم:
- ولماذا تسألين عن ذلك ؟
- من باب العلم بالشيء.
تذهب درية إلى حجرتها. تمكث قليلا فيها ثم تعود ثانية، تقترب من أبيها:
- لماذا لا يقيمون معاهد هنا لدراسة السينما بدلا من السفر إلى الخارج ؟
. يدهش الرجل لسؤال ابنته، تقول الأم: مالك ومال السينما هذه الأيام؟ يضحك
الأب ويقول: منذ أن رأت فيلم دموع الحب وهى تفكر فيه. أنشغل الأب بجريدته،
والأم بحياكتها، وصاحت درية ثانية:
- وهل لابد للممثلة أن تدرس السينما؟
قال الأب:
- ليس مهما مادام المخرج والمصور وباقي الدارسين يوجهونها. وأكملت الأم:
- لو درست السينما ستؤدى أفضل.
*****
تسير فتيات المدرسة الثانوية فى فناء المدرسة. درية وهدى معا. يبدو القلق
واضحا على وجهيهما. تقول درية:
- أنت صاحبة الفكرة، فلم الخوف الآن؟
وجه هدى محتقن. الدموع تكاد تنبثق من عينيها:
- انك لا تعرفين أبى.لقد كان معارضا لفكرة التحاقي بالمدرسة الثانوية، لولا
إلحاح أمي وأخويَّ.
- اطمئني. عندما يقرأ رسالتك التى تركتها تحت الوسادة سيطمئن. المهم أن
نهرب قبل اكتشاف الرسالتين اللتين تركناهما .
سارت هدى صامتة. قالت درية وهى تربت على ظهرها:
- سنخرج الآن، فحارس المدرسة مشغول مع الناظر.
*****
تخرج الأم من حجرة درية وهى تمسك ورقة فى يدها. تصيح فى هلع:-
ألحق. هربت درية من البيت ،.يرمى الأب الجريدة التى كان يقرأها ويصيح فى
زوجته: كيف حدث هذا؟ تعطيه الزوجة الورقة: " ذهبت إلى أمريكا لدراسة
السينما وسأغيب أربعة أعوام "
تقول الأم وهى تبكى:
- لهذا ألحت فى أخذ مصروفها الشهري قبل موعده. ؛ يغطى الأب وجهه بيديه: يا
فضيحتي.
تسير هدى فى شوارع عابدين خائفة قلقة، ودرية تمسك يدها مشجعة:
- لو سافرنا الآن إلى الإسكندرية سنصل مساء،
وسنضطر للسكن فى فندق.
تتوقف هدى عن السير وتصيح:
- أخاف أن أصل الإسكندرية فى الليل.
- والعمل؟
تتحدث هدى فى ضيق:
- لا أدرى.
- نذهب بتاكسي إلى بنها، تقضى الليلة فى فندق ونسافر الإسكندرية مبكرين.
*****
موظف الاستقبال فى فندق بنها، يرتدى قفطانا وفوقه جاكيت، وطربوش قديم فوق
رأسه، ينحني الموظف ويدون فى دفتر كبير أمامه وهو واقف..تدخل درية بثقة
وخلفها هدى المرتبكة. عندما يحس الموظف بوجودها يرفع رأسه إليهما، تبدأ
درية الحديث: نريد حجرة بسريرين لليلة واحدة.
- لكما؟
- نعم.
تنظر هدى إلى باب الفندق الواسع. يمر رجل أمام الفندق، فترتعد خائفة، فقد
ظنته أبوها.
مازال الرجل يتفحصهما فى دهشة. يقول مبتسما:
- متى ستأتي باقي الأسرة؟
- أننا وحدنا.
يصيح الرجل فى هدى التى تحرك ساقيها ناحية باب الفندق الواسع استعدادا
للهرب وقت اللزوم:
- ما اسماكما؟
يدون الموظف بياناتهما في دفتره الكبير وينادى : صالح، صالح .
يأتي رجل مسن، يحدثه موظف الاستقبال: افتح لهما حجرة 12 .
يسير صالح أمامهما. ينظر إليهما من وقت لآخر فى دهشة.يترك موظف الاستقبال
عمله ويشرد فيما رآه، ثم لا يجد سوى أن يضرب كفيه بعضهما ببعض.، يدخل صاحب
الفندق الذى يرتدى جلبابا من نوع غال. ينظر إلى موظف الاستقبال، يسأله:
أراك مهموما.
- آخر زمن. فتاتان فى عمر الزهور تهربان من أهليهما وتجيئان إلى هنا للنوم.
- وطردتهما طبعا؟
- لا، مازالتا فى حجرتيهما .
- تريد أن تخرب بيتي. بوليس الآداب يأتي فى أي وقت.
- لكن، أظنهما من عائلتين طيبتين.
- فتاتان شابتان، تأتيان للنوم فى فندق وحدهما، وتقول لي "من عائلتين
طيبتين؟!
ثم صاح فى غضب: يا صالح، يا صالح.
جاء صالح من أعلى السلم، وقف ينتظر أوامر صاحب الفندق الذى قال :
-آتنى بالبنتين.
عاد صالح ثانية فليس فى الفندق بنتان غيرهما، وجلس صاحب الفندق واضعا ساقا
فوق ساق، تحدث مع موظف الاستقبال.
تأتى درية وخلفها هدى المرتبكة الخائفة. يتابعهما صاحب الفندق باهتمام
ويزداد دهشة عندما يراهما بملابس المدرسة، فقد ظنهما فتاتان من الباحثات عن
المتعة. وقف الرجل عندما اقتربتا منه. قال: لا تؤاخذاني، فوجودكما هنا يثير
الريبة.
قالت درية:
- أننا ننوي السفر إلى الإسكندرية فى الصباح.
- ولماذا تسافران وحدكما؟
قالت هدى وجسدها كله يرتعش:
- لنذهب إلى أمريكا نتعلم السينما.
أقترب الرجل منهما وقد أثارته الكلمات:
- تذهبان إلى أمريكا وحدكما؟!
قالت درية:
- وما الغريب فى هذا؟
- أنتما فى سن ابنتي وأخاف عليكما، عودا إلى بيتيكما. قالت درية فى تحد:
- لا، سنسافر إلى أمريكا لدراسة السينما.
قال موظف الاستقبال لصاحب الفندق: " الوقت متأخر وستصلان القاهرة قرب
الفجر". قال صاحب الفندق بنفاد صبر: " أذهبا إلى حجرتيكما. "
سارتا معا. درية مشدودة القامة، وهدى تنظر إلى صاحب الفندق فى خوف من وقت
لآخر.
قال صاحب الفندق لموظف الاستقبال: لكي أخلى مسئوليتي، سأتصل بالبوليس الآن
ليتصرف.
- لكن ذلك سيسبب فضيحة لأهليهما.
فأجاب باستخفاف:
- فضيحة؟! الفضيحة حدثت منذ أن هربتا من منزليهما.
*****
بهو شقة هدى ممتلئ بالأقارب والجيران. ووالد درية وأمها يجلسان على الكنبة.
والد هدى يصيح فى زوجته التى تبكى: كله منك. أفسدتها بالمجلات والجرائد
التى تقرئينها وتخفينها عنى.
وتجيبه باكية:
- أريد ابنتي. أعيدوا لي ابنتي.
ويتحدث والد درية:
- أهدأ يا حمدي بك، أهدأ لنحسن التصرف.
وتكمل زوجته المتماسكة مثله:
- ليتكما تسافران إلى الإسكندرية للبحث عنهما.
يصيح والد هدى: " سأقطع رقبتها على فعلتها هذه. "
يقف والد درية وأمها: " سأحضر فى الصباح لنسافر سويا إلى الإسكندرية. "
دقات على باب شقة درية. الضوء الخافت فى الصالة ينبعث من لمبة صغيرة فى
السقف.
*****
يخرج الأب من حجرته مسرعا، يضع طاقيته فوق رأسه، وتتبعه زوجته. يسرع الأب
ليفتح الباب . يأتى صوت العسكري: منزل إسماعيل دياب؟
يجيب الأب وهو مازال يشد الطاقية فوق رأسه: نعم، أنا إسماعيل دياب.
- ابنتك فى قسم شرطة عابدين، وحضرة الضابط فى انتظارك.
تصرخ الأم:
- ابنتى. ابنتى.
*****
تضم والدة هدى ابنتها لصدرها جزعة. والبنت تتابع والدها فى خوف. يشدها
الرجل من بين أحضان أمها ويضربها و هو يصيح بها:
- الشارع محرم عليك، والمدرسة محرمة عليك ؛ تذهب الأم إليه، تشده عنها : "
كفى، دعها لي، دعها .
يشد البنت ثانية ويصيح:
- زواجك من ابن عمك هذا الأسبوع. لابد أن أمنع الفضيحة.
تبكى درية فى بيتها وأبوها وأمها يجلسان على كنبة مقابلة للكنبة التى تجلس
عليها. تصيح الأم فى أسى:
- سببت لنا الفضيحة والعار.
ويجيب الأب:
- الحمد لله أنها عادت سالمة.
- ليتها ما عادت. تجيبه الأم باكية .
تبكى درية بصوت مرتفع، يقترب الأب منها، يحدثها فى هدوء:
- وكيف ستعيشين فى أمريكا، مصروفك الشهري ينتهي فور وصولك الإسكندرية.
تبكى درية ولا تجيب، ويكمل الأب:
-- أنا لا أعارض إذا جاءتك الفرصة للعمل فى السينما. لكن السفر لخارج
البلاد، لا.
تصيح الأم:
- أنت
الذى أوصلتها لهذا بعودك (تشير إلى العود المعلق) وبغنائك الدائم أمامها.
مازال الأب يحدث ابنته وكأن زوجته غير موجودة:
- سأساعدك كي تعملي فى السينما، مادامت هذه رغبتك، والآن أذهبي لتنامي.
*****
نشرت جريدة الأهرام فى 30 ديسمبر 1935 أن طالبتين اختفتا من منزل ذويهما فى
حي عابدين بعد أن أخذتا مصروفهما الشهري وتركتا خطابين لذويهما قالتا فيه
انهما ستغيبان أربع سنوات. وقد سافرتا إلى بنها فى طريقهما إلى الإسكندرية،
فنزلتا فى أحد الفنادق، فاشتبه صاحب الفندق بأمرهما فأبلغ البوليس، و عندما
سألهما عن سبب حضورهما إلى بنها.، أجابتا بأنهما تريدان السفر إلى أمريكا
لتعلم صناعة السينما. وقد أعادهما بوليس بنها إلى العاصمة، و سلمهما بوليس
عابدين لذويهما.
*****