www.FreeArabi.com 

أدب

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات


 


 

 

كاتب و كتاب / دراسة و نقد/ خواطر نثرية و مقالات

 الشطرنجي   لخالد السروجي

دراسة بقلم : د‏.‏ صلاح فضل

         قصاص شاب  من الإسكندرية ، حصل علي جائزة الدولة التشجيعية هذا العام عن إحدي مجموعاته القصصية ، و إن كان يعتز بروايته التي نشرت من قبل بعنوان‏'‏ الشطرنجي‏'.‏ وهو يستثمر دراسته الحقوقية في استقصاء القضايا التي يتناولها وإعداد ملفاتها المستوفاة بخبرة ودهاء ورغبة في خلق عوالم مستقلة موازية ومتراسلة بطريقة شفيفة مع هذا العالم الذي نعيشه‏.‏ وقد عمد في هذه الرواية القصيرة إلي دراسة لعبة الشطرنج واختار لها صوتا يتخذها وسيلة لتحقيق طموحاته وتحدياته الشخصية والطبقية‏.‏ وصب في صفحاتها التي لا تبلغ المائة خلاصة مقطرة ومجسدة لإحباط جيل الثورة من منظور راو ينتمي للجيل اللاحق ويرقب لحظات الزهو والانكسار في مسيرة آبائه‏.‏ وقد عمد إلي إقامة جسر التواصل معه بطريقة سردية سلسة إذ يقول في مطلع الرواية‏:'‏ علي الرغم من كوننا أبناء شارع واحد إلا أنني لم أقترب منه إلا علي مقهي‏'‏ النيل‏'‏ بالمنشية حيث يتجمع أفضل لاعبي الشطرنج من أبنـاء المدينة يكبرني علي الأقل بعشر سنوات وكان انطباعي عنه أنه شخص صموت ومقفل وممتلئ بالشجن وكثيرا ما كنت أشعر به خلف ظهري يتابع دورا ألعبه وكنت أفعل معه ذلك أيضا فهو لاعب من طراز فريد لم أشهده ينهزم أمام أحد‏.‏ جاءني صوته يوما من وراء ظهري‏:‏‏-‏ تعجبني طريقتك في اللعب‏!‏استدرت إليه مبتسما ودعوته إلي الجلوس‏'.‏هكذا تتوطد بينهما أواصر صداقة حميمة يعززها أنهما من أبناء حي واحد هو القباري‏.‏ حتي يفاجأ به الراوي يوما يدفع إليه أجندة زرقاء تحوي مذكراته الشخصية ليقرأها‏.‏ وينسج من بعض فصولها ومتابعاته لأحوال صاحبها وتقلباته وحكاياته قصة حياة هذا الشطرنجي المفعمة بالدلالات‏.‏حكمة اللعب والحياة‏:‏يبدأ الراوي كتابته بسيل وفير من المعلومات عن لعبة الشطرنج تجعل القارئ المتمرس يتوجس من هذا النزوع التعليمي المبكر للرواية مما قد يؤثر علي جمالياتها لكنه لا يلبث أن يستغرق في امتصاصها الوئيد الممتع نتيجة للطابع السردي المشوق الذي تكتسبه مهما كانت طزاجة معلوماتها‏.‏ فهي في النهاية حكاية اللعبة ذاتها وما يقال عن سر نشأتها‏.‏ فالمقطع الأول من الأجندة الزرقاء يحكي قائلا‏:'‏ أتعجب كلما تذكرت كيف بدأ الشطرنج بملك هندي مولع بالقتال استطاع وزيره الحكيم أن يخترع لعبة الشطرنج ليمارس فيها الحرب ولكن بدون دماء‏.‏ وكيف كان هذا الوزير حكيما عندما طلب أن تكون مكافأته حبة قمح واحدة لأول مربعات الشطرنج تتضاعف حتي تصل إلي المربع الرابع والستين وأن الملك رجاه أن يطلب طلبا آخر غير هذا الطلب البسيط الذي لا يتناسب مع اختراعه العظيم ولكن الوزير أصر علي طلبه‏.‏ فأمر الملك المسئول عن خزائن الحبوب في المملكة أن يلبي للوزير طلبه من القمح علي الأساس الذي ذكره وبدأ الخازن يعد طلب الوزير ليحسب القدر الذي سيعطيه له من القمح وعندما أكمل الخازن الحسبة حتي المربع الرابع والستين هرع إلي الملك جزعا ليخبره بتعذر تحقيق الطلب إذ أن الكمية المطلوبة تزيد عن مخزون المملكة من الحبوب أحيانا أتأمل ذلك وأتساءل‏:‏ هل أراد الوزير الحكيم أن يلقن ملكه بهذا الطلب درسا ما وأتـأمل أيضا هذا المشوار الذي قطعه الشطرنج من الهند إلي بلاد فارس ثم بلاد العرب ثم أوربا ليتحول من لعبة للتسلية إلي علم له قواعده وأصوله‏.'‏ ويمضي اللاعب في هذه التأملات عن فلسفة الشطرنج لينتهي إلي أن الذكاء البشري قد أحرز إنجازات فائقة من خلاله عبر الخطط والرؤي المنتظمة‏'‏ فالشـطرنج هو الحياة كما تريدها‏.‏ أنت سيدها ومدبرها‏.‏ تمشي وفق أفكارك وخططك إن ما يفعله لاعب الشطرنج يقارن كعمل عقلي بما يفعله المخترع المبدع سواء كان عالما أو شاعرا وعندما يستخدم اللاعب عقله في العمل الشطرنجي فإنه لا يحكمه أية عوامل أخري سوي تشابك الموقف الذي أمامه ولو أن هناك حرية إرادة في النشاط الإنساني فإن ذلك يكون في الشطرنج فحسب‏'.‏مع أن لعبة الراوية لم تكد تبدأ بهذا المشهد فإن اعتصار الحكمة المتوازية من الشطرنج والحياة في مقدمتها يحدد طابعها الفكري سلفا بقدر ما يضعنا أمام فرضية أولية ينبغي أن تنفتح علي المجهول وتترك للقارئ حرية الفهم والتأويل‏.‏ ولو كان الكاتب قد بث هذه الرسالة عبر المواقف ذاتها دون استطرادات معلوماتية لكان أشد نضجا في توصيلها بالدهاء الروائي اللازم وأكثر إقناعا لنا بأسرار التخطيط وأهداف الحركات السردية ومراميها البعيدة مثلمـا يفعل اللاعبون في إخفاء مقاصدهم ومداراة فخـاخهم لكنه وقد أعد‏'‏ ملف‏'‏ اللعبة غلبته نزعة المحامي الذي يفترض معرفة القاضي‏/‏ القارئ بالتفاصيل فيتصدي مباشرة للمقصود من دفاعه البليغ‏.‏حكاية اللاعب‏:‏أما حكاية اللاعب فهي أشد تشويقا لأنه نشأ في منتصف القرن في بيئة متواضعة وعلمه أبوه أصول اللعب ووضع بين يديه كتبه ومراجعه فاشبع خياله بحكايات‏'‏ كابابلانكا‏'‏ الكوبي الماهر أحد أبطال العالم ومعجزاته الشطرنجية الذي انتزع البطولة من الدكتور‏'‏ لاسكر‏'.‏ وحكي له عن الروسي‏'‏ أليخين‏'‏ أكبر عقلية هجوميـة في تـاريخ الشطرنج ثم انتقل به والده إلي مرحلة التدريب علي الأدوار الشهيرة كانت تستهويه الأدوار الهجومية واللمحات العبقرية خاصة الدور الخالد‏'‏ لأندرسون‏'‏ والدور الشهير لمارشال والمعروف بالنقلة الذهبية‏.‏ وعندها أخذ صاحبنا يحرز بطولات الناشئين ثم اشتد طموحه فاصبح بطل الكلية والجامعة واستطاع بتألقه أن يخطف قلب زميلته الحسناء‏'‏ ليلي‏'‏ لكن منافسه الأرستقراطي‏'‏ شوكت‏'‏ أخذ ينازله بضراوة دون أن يستطيع التغلب عليه‏'‏ كان شوكت دائما رفيقه في المباراة النهائية وأطلق عليه الشطرنجي لقب الملك الأسود فشاع وأصبح يثير حنقه كلما سمعه أدمن الانتصار علي شوكت إلي الحد الذي أصبح معه يعتبر هذا الانتصار جائزة إضافية إلي جائزة البطولة‏.‏ كتب في أجندته‏:'‏ عندما أتذكر ذلك الآن يبدو أنه كان نوعا من الانتقام من بشرته البيضاء المحمرة وأناقة ملبسه واستعلاء والده‏.‏ وكنت دائما أحرص علي إرضاء والدي بالانتصار علي شوكت بالذات لأنه قال لي ذات مرة‏:‏ لقد أخذوا كل شيء المال والسلطة والبرلمان ويريدون الآن أن يأخذوا الشطرنج ثم أردف محذرا‏:‏‏-‏ إياك أن تخسر أمام شوكت ويفوز بالكأس‏'.‏وطالما حام شوكت حول ليلي لإغرائها لكن فورة الحب والشباب ومثاليته أبعدتها عنه حتي تغيرت الظروف بعد التخرج فقد ذهب الشطرنجي إلي التجنيد الإجباري في الجيش وقلت لقاءاته مع ليلي بحكم تباعد إجازاته وانشغاله في الجبهة الملتهبة وعندما انفجرت حرب السابع والستين انكسرت كبرياء الجنود‏'‏ فخرج من التجربة مضعضعا كانت الظاهرة الغريبة التي بدأ يشعر بها هي فقدانه لمشاعره الجنسية لاحظت ليلي ذلك مما كان يحدث بينهما من تجاوزات صغيرة كالتي تحدث عادة مع المحبين لم تعد تحدث فلا قبلات ولا أحضان ولا لمسات لم يعد قادرا ولا راغبا في ذلك‏.‏ ولم تواته الجرأة لفعل ذلك ولو بدون رغبة‏.‏ ليلي أيضا تغيرت استشعر فتورها‏.‏ كان يدرك بأنه لم يعد البطل المرموق ولا حتي ذلك الرجل الذي يشعرها بأنوثتها عندما فاجأته بأن كل شيء قد انتهي بينهما كانت تلك ضربة موجعة للغاية‏.‏ فبعد أن فقد إحساسه بالبطولة أصبح لأول مرة عسكريا مهزوما‏.‏ وفي ظل فقدان التوازن كانت ليلي هي الأمل الوحيد لانتشاله‏.‏ قالت له‏:'‏ لم تعد الرجل الذي عرفته‏!'.‏ أدرك أنه فقد موقعه وأوهمته الهاجرة أن هناك شابا آخر يعمل بالخليج تقدم لخطبتها وأنه مستعد للزواج خلال شهر واحد‏.‏ وكان عليه أن ينتظر زمنا طويلا حتي يفطن إلي أن من تزوجته ليلي كان غريمه شوكت وأنها كذبت عليه لتغطية موقفها‏.‏ومن اللافت أن‏'‏ الشطرنجي‏'‏ ليس له اسم في الرواية فهو المواطن البسيط الذي نبت له ريش الحلم والبطولة في الخمسينيات والستينيات ثم استيقظ علي قسوة كابوس النكسة الذي نسف كبرياءه وعصف برجولته من هنا يكتسب فقدان الرغبة بعدا رمزيا يكتمل بالشق الآخر الذي يمثله شوكت الهارب من الوطن والقادر علي اغتصاب الحب والمستقبل علي حساب الآخرين هنا تبدو الشخصيات نموذجية في تمثيلها لمستويات الواقع ودلالات الرمز في آن واحد وجمعها بين الخاص والعام في بؤرة يمتزج فيه مصير الفرد بمصير الجماعة كلها‏.‏مفارقات الحياة‏:‏وإذا كان الروائي الشاب خالد السروجي قد أحكم توجيه استراتيجية لعبتي القص مع الشطرنج بتطابق الشروط وتوحيد الأبطال فإنه ألمح بطريقة ذكية إلي مفارقتين يستحقان التأمل إحداهما إمكانية التحكم في ملابسات الرقعة الصغيرة للشطرنج واستحالة ذلك في رقعة التاريخ بعوامله المتشابكة والأخري هي ما يسميه‏'‏ عقدة لاعب الشطرنج‏'‏ وتتمثل في اختلاف ظروف الحياة أيضـا عن اللعب فإذا مـا تعود علي حســاب المواقف والاحتمالات تأني في اختيار الردود الملائمة لكن إيقاع الواقع لا يسمح بهذا التأني ولا يطيقه مما يجعل الخسران محتوما في اللعبة الكبري‏.‏وهذا ما يحدث للشطرنجي فقد دارت الأيام وأدمن الإحباط وأصبح يصر علي الوصول إلي‏'‏ الباطة‏'‏ أو التعادل دون أن يطمح للفوز فلا يتقدم خطوة واحدة في حياته الشخصيـة أو العملية لا يتزوج ولا يرقي في وظيفته المتواضعة وتصل مأساته إلي ذروتها عندما يعود غريمه شوكت في ظل عصر الانفتـاح ويصبح صـاحب شركات ومؤسسات استثمارية طائلة يعود حتي بالألقاب التي ألغيت والجاه والثروة التي كانت بديلة عن البطولة فيصر علي منازلته في قصره المنيف في مشهد أخير ومع أن الشطرنجي يستجمع كل قوته وخبرته لينتصر عليه في رقعة اللعب فإن الواقع الذي يحيط به وموته محزونا بعد ذلك يشهدان بأن شوكت قد انتصر عليه بحكم التاريخ‏.‏ وبين حكم التاريخ وحكمة الشطرنج تدعونا هذه الرواية المكثفة الجميلة إلي تأمل مصير جيل بأكمله في خلاصة مسيرته‏.‏