www.freearabi.com

السنة السادسة

العدد 70

أناهايم / كاليفورنيا

الولايات المتحدة الأمريكية


المنوعات

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
جولات مصورة
مشاركة القراء
أدب
علوم و صحة
الانترنت
المنوعات
دراسات و أحداث إجتماعية

 

إكتشافات أثرية

عودة الروح إلى المقصورة الحمراء في معبد الكرنك
بعد أن ظلت مهجورة 3500 عام
طه عبدالرحمن / دار الخليج


في أعظم المعابد التي شيدها ملوك مصر وهو معبد الكرنك أعيد إحياء مقصورة حتشبسوت، بعد أن ظلت طوال آلاف السنين تعاني من النسيان بعد أن تآمر “تحتمس الثالث” الأخ غير الشقيق للملكة حتشبسوت وأزال كافة آثارها من المعابد والمقصورات، اعتقادا منه بأنها انتزعت عرشه.
ومقصورة حتشبسوت أو ما تعرف بالمقصورة الحمراء، تعد واحدة من أجمل المقصورات بمعبد الكرنك في مدينة الأقصر، بل تكاد تصبح أجملها على الإطلاق، فضلا عن أنها تسجل أحداثا جساماً في فترة حكمها، وترصد عبر نقوشها النهضة التي شهدتها البلاد المصرية في عهدها، إضافة إلى تسجيل رحلاتها الخارجية.
ومؤخرا استطاعت هيئة الآثار المصرية إحياء التاريخ للمقصورة الحمراء بالكشف عن النقوش التي ترصد الحياة في عهد الملكة حتشبسوت، وتطوير المقصورة ضمن مشروع ترميم معبد الكرنك الذي يرى الآثاريون انه سيستغرق مائة عام.
وبحسب تعبير الآثاريين، فإن المقصورة ظلت “مهجورة” قرابة 3500 عام، إلى أن أعيدت إلى الحياة، لتضاف إلى مسلاتها في نفس المعبد، فضلا عن معبدها بالدير البحري بالأقصر.
و”حتشبسوت” يعني اسمها “زعيمة النبيلات” وتصفها كتب التاريخ بأنها كانت فتاة صغيرة، ذات بشرة خمرية، وذقن مستدير ينم عن صلابة، كانت تتمتع بدهاء وذكاء شديدين، جدها الأول هو “أحمس الأول” مؤسس الأسرة الفرعونية الجديدة المعروفة باسم الثانية عشرة، وموحد القطرين القبلي والبحري، وجدها الثاني هو “أمنحتب الأول” ثاني فراعنة الأسرة الثامنة عشرة، أما والدها فهو “تحتمس الأول” الذي تمكن من شن حرب على أعداء البلاد إلى أن انتصر عليهم وطردهم شمالا وشرقا حتى ضفاف الفرات.
والدتها الملكة “أحمس” من السلالة الملكية القديمة التي كانوا يعتقدون أنها من نسل الشمس ذاتها وبعد زواجها من “تحتمس الأول” وتوليه العرش خلفا لأبيه، أنجبا “حتشبسوت” وأختها الكبرى الأميرة “حنيتت” وبعد وفاتها أصبحت “حتشبسوت” هي الوريث لعرش مصر، في الوقت الذي كان “تحتمس الثالث” أخوها غير الشقيق صغيرا، وتصور لاحقا أنها انتزعت منه العرش، فقام بإزالة آثارها من المعابد والمقاصير المختلفة.
إلا أنه عجز عن إزالة نقوشها عن مقصورتها الحمراء في معبد الكرنك، فقام بطمسها، إلى ان ظلت كذلك لأكثر من 3500 عام، حتى جرى ترميمها وإبرازها أخيرا.
ويرى المؤرخ المصري القديم “مانيتون” أن مدة حكمها بلغت 21 عاما وتسعة أشهر، تمتعت خلالها البلاد بالاستقرار، إلا أن عالم الآثار المصري د. عبد الحليم نور الدين يقول إن عصرها شهد بعض الاضطرابات التي لا يعرف عما إذا كانت أسبابها داخلية أم خارجية، إلى جانب بعض القلاقل في سوريا وفي الجنوب.
إلا أنه وبالإجماع، فإن حتشبسوت كانت سيدة عظيمة، تمكنت باقتدار من أن تحكم مصر، غير أنه كان يؤخذ عليها المعاملة السيئة التي عاملت بها “تحتمس الثالث” الذي كان أحق منها بعرش البلاد، والذي نجحت في أن تضعه في الظل طوال مدة حكمها.
وعلى مقصورتها الحمراء في معبد الكرنك سجلت حتشبسوت رحلاتها الخارجية وانتصاراتها العسكرية بنقوش يصفها الآثاريون بالروعة، بينما سجلت في معبدها بالدير البحري الكثير من أعمالها وجوانب من حياتها مثل تصميم المهندس الشهير “سنوت” لمعبدها في الدير البحري وإشرافه على تربية ابنتها.
وحاولت عبر النقوش المختلفة إبراز أنها ابنة الإله “آمون رع” وأنه هو الذي اختارها لتحكم البلاد، وسجلت هذه القصة على معبد الدير البحري، ويضاف إليها تسجيلها لمناظر الرحلة البحرية التي أرسلتها إلى بلاد “بونت” لجلب البخور والمنتجات الأخرى لهذه البلاد وبعض الأشجار لزراعتها في حديقة معبدها.
وهذه المناظر تؤكد أن بلاد “بونت” كانت معروفة للمصريين منذ أيام الدولة القديمة، ويعتقد بعض المؤرخين أنها تقع في منطقة بوغاز باب المندب، وتشمل اليمن من ناحية والصومال وإريتريا من ناحية أخرى.

أعمال حتشبسوت: ومن أبرز أعمالها إعادة استخدام قناة تربط بين النيل عند نهاية الدلتا بالبحر الأحمر، حيث قامت بتنظيف هذه القناة بعد ان حفرها المصريون أيام الدولة الوسطى وذلك لتسيير أسطول مصر البحري بها ليخرج إلى خليج السويس وبعدها إلى مياه البحر الأحمر.
وكانت الرحلة تستغرق وقتها ذهابا وإيابا عامين، كما أعادت العمل في مناجم النحاس في شبه جزيرة سيناء، واحتفلت بعيد “الحب” أو عيد توليها العرش، وكان ذلك في العام الخامس عشر من حكمها.
ونجحت في إدارة ملك البلاد، غير أنها كامرأة لم تعرف غير الحزن والخسارة وكانت علاقتها مع زوجها تزداد سوءا كلما مرت الأيام وتقدم في العمر وأحس بخيبة أمل في عدم توليه عرش البلاد.
كما ماتت ابنتها الكبرى “نفرو-رع” الأمر الذي جعلها حزينة دائما، إلا أنها رغم ذلك شيدت مسلتين كبيرتين في معبد الكرنك، وأمرت ببناء سفينة كبيرة رسمية لكي ينتقل بها الناس على صفحة النيل من معبد الكرنك أثناء الاحتفال بعيد النيل وصولا إلى الشاطئ الآخر.
وعن مقصورتها الحمراء بالكرنك، يؤكد الأثاري صبري عبدالعزيز رئيس قطاع الآثار الفرعونية ل “الخليج” أن إحياء المقصورة استغرق أربعة أعوام وتم بالتعاون مع مركز الآثار الفرنسي وبتكلفة بلغت 4 ملايين جنيه.
ويقول: إن التعاون مع الخبراء الفرنسيين جاء لإشرافهم على أعمال الترميم الجارية بمعبد الكرنك، حيث يقوم هذا الفريق بأعمال الترميم طوال العام باستثناء الفترة من مايو/ايار وحتى سبتمبر/ايلول وانه كان ضروريا الاستعانة، خاصة ان نقوش المقصورة كانت شبه مطموسة تماما بفعل “تحتمس الثالث”، وإن كان يمكن القول إنها أفضل من غيرها، حيث أزال “تحتمس” كل آثارها من جميع المعابد والمسلات إلا النادر منها، الذي يبدو أنه نسيها أو واجه جنوده صعوبة في إزالتها.
ويضيف ان “تحتمس” كان حريصا ألا يذكر التاريخ أعمال “حتشبسوت” اعتقادا منه أنها انتزعت الملك منه، والذي كان هو أحق منها بالفعل، بالرغم من صغر سنه، وكانت هناك سابقة أخرى في تولي “توت عنخ آمون” عرش البلاد، وكان صغيرا، فإن “حتشبسوت” نفسها كانت قوية للغاية، حتى إنها كانت تحاول دائما أن تنسي الرجال أنها امرأة، فظهرت في هيئة الرجل، وكانت تشير إلى نفسها بضمير المذكر، بل وحملت ألقاب الرجال نفسها، وسواء أقنعت الرجال في مصر آنذاك بحكمها أو لم تقنعهم كما يقول فإن ما فعلته كان أعظم بكثير مما فعله بعض الملوك من الرجال.
ويضيف ان إحياء مقصورتها الحمراء بالاستعانة بالكتب التي تؤرخ لحياتها الملكية، حتى إننا وجدنا أحجارا ناقصة، ربما تكون قد فقدت أو تم تشويهها بفعل “تحتمس” حتى عثرنا على أحجار شبيهة بها في أسوان، وتمت إضافتها إلى المقصورة لتناسب بقية الأحجار، وهذا أمر وارد في أعمال الترميم أن يتم الاستعانة بمواد ترميمية من نفس النوع الأصلي، بالشكل الذي يحافظ على طبيعة الموقع، وفي الوقت نفسه لا يخل بأثرية وطبيعة هذا الموقع.

نهاية ملكة: ويتعرض خبير الآثار د. عبدالحليم نور الدين في كتابه “تاريخ وحضارة مصر القديمة” إلى الفترة الأخيرة من حكم “حتشبسوت” بقوله: لا نعرف كيف انتهت حياة هذه الملكة، وعما إذا كانت قد ماتت ميتة طبيعية، أم أنها قتلت على يد “تحتمس الثالث” أو بإيعاز منه، والظاهر أنها لم تمت ميتة طبيعية، لأنه لم يعثر على مومياء لها في مقبرتها بوادي الملوك في الأقصر.
ويضيف مهما يكن من أمر، فإنها تركت آثارا عدة مثل مقصورتها الحمراء في معبد الكرنك والتي يبدو أنها صالة كبيرة مجزأة إلى قسمين، ربما كانت تستخدم لطقوس دينية، أو أنها بنيت للتأكيد على ترك آثار لها تحكي تاريخها وحياتها الملكية.
ومهما يكن من أمر “حتشبسوت”، فإن الآثاريين يعتبرونها واحدة من قليلات من السيدات في العالم القديم اللاتي وصلن إلى قمة الإدارة في بلادهن، بذلت كل الجهد لتقنع الرجل في عهدها بأن يقبلها كامرأة تحكمه، خاصة أنها أدارت دفة البلاد بقوة واقتدار.
وبرحيلها ظهرت قلاقل في البلاد، بعد رفض الملك الشاب “تحتمس الثالث” مشاركة أحد في سلطانه ونفوذه، فأعلن الموظفون عدم رضائهم عن أن يتخلوا مختارين عن مجد تنعموا به طوال حياة ملكتهم “حتشبسوت” إلى أن نجح “تحتمس” في إدارة دفة البلاد وأصبح من أعظم ملوك الأسرة الثامنة عشرة، بل من أهم الملوك الذين حكموا مصر، ومن أشهر الأبطال الذين خلدهم التاريخ.