عالم الإنترنت والتكنولوجيا

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
أدب 1
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 موقع العرب على خريطة العصر الرقمي
مشاركة : د.محمد يونس/ مصرالجديدة

 

يقوم أساس الثورة الرقمية اليوم على فكرة الاعتماد على رقمين: الصفر والواحد أو "الآحاد والأصفار" لتحويل المعلومات إلى قيم رقمية يمكن معالجتها من خلال الأجهزة التقنية أو الحاسوبية، وتبادلها عبر ثورة الاتصالات،و ربما يحق للخوارزمي مخترع "الصفر" أن يترحم عليه جميع العرب و المسلمين اليوم، فهو الذي وضع الريادة للعصر الرقمي.
توقف إبداع العقل العربي والمسلم، وانتقلت عجلة الحضارة إلى غيرهم فاستفادوا من هذا الاختراع وغيره من إنجازاتنا العلمية، فهل سنتمكن يوما ما رد الاعتبار إلى الخوارزمي من خلال التزحزح من موقع المستهلكين إلى موقع المنتجين في العصر الرقمي؟
إن الذين يعدون اليوم لقمة مجتمع المعلومات: بوابة العصر الرقمي، يؤكدون أن الأمر ليس فقط مسألة ترويج لتطوير واستخدام التكنولوجيات والأدوات الفنية، إنه بالدرجة الأولى تحد يتمثل في تطوير بيئة من التشريعات والقوانين والسياسات، فكل قطاعات صناعة السياسة تتأثر بذلك، وعليها أن تشارك في إعادة تشكيل إطار العمل على مستوى السياسات:
من السياسة التعليمية والاجتماعية، إلى الاتصالات والصناعة والتجارة، ومن تعزيز وتطبيق الحقوق والحريات إلى الأمن؛ ويجب وضع هذه المكونات المختلفة وجميع الفرقاء المعنيين معاً على المستوى الوطني ضمن سياسة متجانسة وإطار عمل مؤسسي قادر على تقديم إستراتيجية ناضجة لمجتمع المعلومات ضمن منظور شمولي بعيد المدى.
ولأن أساس هذا العصر هو القدرة على الإفادة من المعلومات وتطويرها وتوظيف البحث العلمي، فإنه يتزايد الاعتماد على الثورة البشرية، بل إنها تتقدم على الثورة المادية، فأين موقع عالمنا العربي والإسلامي في هذا المجال؟ خاصة وأن التعليم والبحث العلمي يعدان من أبرز الوسائل الأساسية في بناء القدرات الإنسانية المتعلقة باستيعاب المعرفة ونشرها، فضلاً عن كونه وسيلة جوهرية لتكوين المهارات اللازمة للتعامل الإيجابي مع الثورة الرقمية.
وتشير إحصائيات البنك الدولي لعام 1999م على سبيل المثال إلى أن عدد العلماء والمهندسين العاملين في مجال البحوث والتنمية من كل مليون نسمة (ما بين عامي 1985-1995م) كانت كالتالي في عدد من الدول العربية و الإسلامية: مصر (458)، إيران (521)، ماليزيا (87)، السعودية (29)، باكستان (4)، وأما النسبة المماثلة في الدول الصناعية فهي كالآتي: اليابان (6309)، الولايات المتحدة (3732)، أستراليا (3166)، ألمانيا (2843)، ويتسع الفارق يوماً بعد يوم بيننا و بينهم .
ويؤكد الدكتور إشفاق أحمد من لجنة الطاقة الذرية الباكستانية في دراسة هامة له بعنوان (ثقافة البحوث والتنمية في العالم الإسلامي بين الماضي ومشاكل الحاضر وتوجهات المستقبل)، أن علماءنا يمكن أن ينتجوا لنا ما نحتاجه لو كانت هناك إرادة سياسية قوية ومستقرة مع وضوح الأهداف، والعلماء العرب و المسلمون يستطيعون أن يواجهوا أي تحد علمي وتقني في أي بلد، ولكثير منهم القدرة على رسم إستراتيجيات لأوطانهم في هذا المجال.
ويوضح إن مجموع عدد سكان دول منظمة المؤتمر الإسلامي يشكل ( 20%) من مجموع سكان العالم، بينما نجد أن القوى العاملة في البحوث والتنمية في العالم الإسلامي أقل من (10%) من مجموع عدد العاملين في هذا المجال في العالم.
ولعل المشكلة تكمن في أن كثيراً منا لم يدرك أن ثرواتنا الحقيقية ليست الثروات الطبيعية فقط، ولكنها الثروات البشرية المبدعة والنظام التعليمي الذي يوصل سكان دولنا لمستوى معين من العلوم والتقنية.
وثمة مؤشر آخر يوضح حقيقة موقع العالم الإسلامي في هذا الميدان، يتمثل في أن الناتج المحلي الإجمالي لـ 56 دولة إسلامية مجتمعة يقدر بـ(1200) مليار دولار سنوياً، ولكن فرنسا وحدها لديها ناتج محلي إجمالي يصل إلى ( 1500 ) مليار دولار سنوياً .
وهذه الأرقام كما تبدو مخيفة! وهنا نطرح سؤالنا: لماذا هذا الانخفاض في الإنتاج المحلي الإجمالي للعالم الإسلامي الذي لديه ربع سكان العالم و70% من مخزون النفط، وغير ذلك من النسب العالية في الثروات الأخرى، ومع ذلك لا ينتج بمجموع دوله إلا نصف إجمالي إنتاج ألمانيا وما يقارب ربع إنتاج اليابان ؟! والجواب ببساطة:
إن الدول الصناعية تنفق ما يزيد عن ( 5% ) من ميزانية دولهم في مجال العلوم والتقنية بينما تنفق الدول الإسلامية أقل من (1%) من ميزانيتها على ذلك، وقد تصل ميزانية إنفاق علمي لجامعة أمريكية واحدة ما يقارب ميزانية دولة أو عدة دول إسلامية على العلوم والتقنية.
وهناك حاجة ضرورية لتفعيل دور اللجان التي أسست بعد القمة الرئاسية الثالثة للدول الإسلامية في مكة المكرمة عام ( 1981 ) م ، وكان من المقرر أن تعمل على تأسيس السياسات ورسم البرامج لتقوية التعاون العلمي بين البلدان المسلمة - كما يقول الدكتور إشفاق - لقد عقدت الدول الإسلامية الكثير من المؤتمرات عن التعاون العلمي.في مختلف المجالات ومن جوانب متعددة، وكان المأمول أن يكون الإنتاج 10% كما تحدث المتكلمون عنه، والعيب ليس في العلماء والباحثين والتقنيين، فهم موجودون وجاهزون لأي عمل بحثي، ولكنها الإرادة السياسية، حيث لا تزيد خدمة الساسة للعلوم عن "خدمات الشفاه" في خطبهم.
أما على مستوى العالم العربي فإن الدول العربية تنفق على التعليم أكثر مما ينفقه أي إقليم آخر بمعيار نسبة الإنفاق إلى الناتج القومي، حيث تصل نسبة الإنفاق على التعليم في العالم العربي نحو 15% من النتاج القومي، بينما تبلغ هذه النسبة 8.3% في الدول النامية الأخرى، في حين تصل إلى 2.5% في الدول المتقدمة، وعلى الرغم من ذلك فإن العائد من التعليم متمثلاً في التنمية البشرية يعد واحداً من أقل العوائد في العالم.
ويوضح الباحث المتميز انطون زحلان حقيقة الموقف العربي في مجال التعليم والبحث العلمي في دراسته الهامة (العرب وتحديات العلم والتقانة) فيذكر أنه في عام 1955م كانت دوائر العلوم الأساسية والتطبيقية في الجامعات العربية تضم هيئة تعليم تبلغ نحو خمسين ألف عضو، منهم اثنان وثلاثون ألفاً من حملة الدكتوراه في العلوم و التقانة.
وكان هنالك أكثر من ألف منظمة عربية نشر كل منها ورقة علمية أو أكثر في
عام 1995م، ويمكن زيادة عدد ومدى ونوعية منظمات البحث العربية فوراً إذا تحسن تمويلها وإدارتها، وازداد الطلب على خدماتها.
وقد استثمرت الأقطار العربية في تطوير القوة العاملة المهنية، والجامعات والبحث والتطوير أموالاً طائلة ، ففي قوة العمل العربية المؤلفة من حوالي 84 مليوناً (1977م) كان هناك ما يقدر بعشرة ملايين خريج جامعي، وكان حوالي 35 بالمائة من هؤلاء يحملون شهادات بكالوريوس علوم أو أعلى في العلوم الأساسية أو التطبيقية.
وقد قفز عدد الجامعات العربية من 12 جامعة عام 1950م، إلى 175 جامعة عام 1995م، وأنشئ حوالي أربعين جامعة خاصة خلال السنوات العشر الماضية، وضمت الجامعات العربية ثلاثة ملايين ومائتي ألف طالب (1995-1996م) منهم مليونان ونصف المليون في مستوى البكالوريوس.
ومع ذلك لا يزال الإنفاق على البحث العلمي في العالم العربي قليلاً بالمقارنة بالعالم المتقدم حيث يتزايد الإنفاق على البحث و التطوير إلى ما فوق معدلات التضخم، فالزيادة في ميزانية البحث والتطوير الأمريكية في عام 1999م أكثر بخمس عشرة مرة مما أنفقه الوطن العربي بأسره على البحث والتطوير، وهذا يعطي مقياساً للفجوة التقانية المتوسعة.
ويوجد في الوطن العربي اليوم أكثر من مائة ألف مؤسسة استشارية وشركة مقاولات، وعشرة ملايين خريج جامعي وسبعمائة ألف مهندس عربي، ومئات من الشركات الصناعية الكبرى(تلك التي تملك قاعدة رأس مال بعدة مليارات من الدولارات)، وخمسون ألف عضو في الهيئات التعليمية الجامعية في العلوم والتقانات يعملون في أكثر من مائة و خمس و سبعون جامعة، وألف منظمة تقوم بنشاطات في البحث والتطوير.
وعلى الرغم من كل هذه الموارد الضخمة، فالبلدان العربية لا تزال غير قادرة على تحسين استخدامها للعلوم والتقانة المتوافرة لها، لماذا؟
ويرى انطون زحلان أن منظومات العلم والتقانة هي منظومات مكونة من شبكات، والنشاط العلمي يحتفظ بمميزاته المشاركة وبالرقابة الحكيمة، ويظل متصلاً بالإنجاز، موضحاً أن شبكات العمل هذه لا يمكن تأسيسها ضمن اقتصاد سياسي ريعي يعتمد المحسوبية، كما أنه لا يمكن لقطر استخدام فوائد وإمكانات قوته البشرية العلمية والتقانية من دون تطوير منظومته الوطنية للعلم والتقانة،
ولا يمكن تأسيس منظومات علم وتقانة وطنية إلا بموازاة التنحي عن ثقافة المحسوبية السياسية، وفي الحقيقة فإن مواصلة عقود المشاريع الجاهزة
وبعبارة أخرى فإن الوطن العربي عمل على زيادة مورد قوة العمل المهنية، ولكنه لم يتبن سياسات تشجع على إقامة منظمات للتوظيف بشكل فعال ومنتج.
ويتضح ذلك أكثر إذا علمنا أن الأقطار العربية قد استثمرت خلال السنوات الأربعين الماضية أكثر من ثلاثة آلاف مليار دولار في التشكيل الإجمالي لرأس المال الثابت، وهذا يعادل 25 بالمائة تقريباً من الناتج الوطني الإجمالي للوطن العربي، ولوحظ أن الناتج المحلي الإجمالي المولد من هذه الاستثمارات صغير بشكل مفرط، ويرجع هذا الإنجاز الضعيف إلى غياب منظومات علم وتقانة وطنية.
ويوضح تقرير التنمية الإنسانية العربية لعام 2002م أن برنامج أعمال البحث والتطوير في المنطقة يحتاج إلى تحديد معالمه في إطار الموارد المتاحة وتأثير الأوضاع الإقليمية والدولية على المنطقة، وتحديد مجالات التركيز البحثي بحيث تشتمل على الموضوعات الأساسية ذات الأولوية للمنطقة.
وتمثل عملية تحديد الأهداف محوراً أساسياً لاستراتيجيات وسياسات البحث والتطوير، إذ لا يمكن للدول الضعيفة والفقيرة والمتأخرة علمياً أن تنشط وتتميز في مختلف مجالات البحث، وإنما قد تبدع في بعض المجالات إذا تم تركيز كل الجهود عليها، وحيث إن الإمكانيات المادية والبشرية للدول العربية محدودة ومتواضعة، وإنتاج الباحثين فيها يشكل أقل من10% من الإنتاج العالمي، فلا بد أن يتخصص الباحثون في ميادين مختارة، وأن تهدف مشاريعهم لتقديم الفائدة القصوى لمجتمعاتهم.
ويقترح التقرير أن يركز برنامج البحث و التطوير العربي على مراكز التميز المحلية، فالنجاح على الصعيد العالمي يجب أن يبدأ وينمو من خلال محلي، (مثل: وادي السيليكون، وتركيز الولايات المتحدة فيما يتعلق بإنتاج الحاسبات وتطبيقاتها، وإنتاج وصناعة الزجاج وتلوينه وتشكيله في إيطاليا).
وإعطاء مزيد من الاهتمام بمجالات التميز، فيجب أن تستهدف الدول العربية الميادين التي يمكن أن تبرز فيها كفاءة متميزة وقادرة على الارتقاء إلى أعلى مستويات العلم والمعرفة في العالم، وأن تركز جهودها على الميادين الحيوية لاقتصادياتها كالزراعة والمياه، والطاقة الشمسية، والبيولوجية الجينية، والصناعات الكبرى البتروكيميائية والفوسفاتية.
والبرمجيات، والمعلوماتية، مع التركيز على المجالات التي تتطلب كثافة العنصر البشري أكثر من كثافة رأس المال، بعبارة أخرى التركيز على ما يسمى "علوم المعرفة" بما فيها المعلومات، وموضوعات البحث في العلوم الأساسية، مثل:
ألفين و خمسمائة مليار دولار بالنسبة لألمانيا، وألفين و خمسمائة مليار دولار مليار بالنسبة لليابان، وأربعة آلاف و خمسمائة مليار دولار بالنسبة للولايات المتحدة.