www.FreeArabi.com

علوم /رعاية صحية و نفسية

الأبواب الرئيسية

صفحة الغلاف
أدب 1
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

 


 

 


 

 
 

القلق والتوتر والاكتئاب

 الأسباب والعلاج

د. سليم أبو حويج - الإمارات

قلة هم الشباب الذين لم يعرفوا في ربيع العمر حالات من توتر أو احباط أو اكتئاب، بل إن البعض يذهب إلى حد السؤال عما إذا كان هنالك ما يدعو للتفاؤل في الحياة.

يذكر غالب (30 عاماً، لبنان) أن الإحباط بدأ يتسلّل إلى حياته وهو في العشرين من عمره. كان السبب في ذلك هو حال الروتين التي كان يعيشه والذي قاده إلى الانزواء في المنزل لمدة ثلاثة أشهر متواصلة لم يتحدّث خلالها مع أحد، وإذا ما خرج من غرفته فلمرة واحدة في الأسبوع يسير خلالها في شوارع المدينة من دون هدف، ثم يعود أدراجه إلى سكون غرفته. ولا تدري فاطمة (23 عاماً) الأسباب التي تجعلها في حال من القلق والتوتر الدائمين فلا شيء يكتمل معي بنجاح، وأنا غير مرتاحة. وتعيش أياماً على حالة القلق والتوتر هذه، وكل ما تفعله للخروج من إحباطها، حسب قولها، هو تغيير شكلها إذ أغير لون شعري وطلاء أظافري وألجأ إلى الرقص، إلا أني سرعان ما أعود بعد أيام إلى إحباطي السابق، فكل شيء من حولي يدعوني إلى التوتر والقلق من جديد، الأخبار تحبطني فأبكي ويؤلمني رأسي، وفي إحدى المرات خرجت في تظاهرة لأعبر عن احتجاجي فحصلت مواجهة مع قوات الأمن كُسرت نتيجتها يدي.

 أسباب متعددة

يشير المكتب الإقليمي لشرق المتوسط في منظمة الصحة العالمية إلى أنه في دول شرق المتوسط، حيث يقل عمر ثلث السكان عن 15 عاماً، تكاتفت أسباب العنف والحروب والصدامات لتصبح من المهددات الرئيسية لصحة الأطفال واليافعين النفسية. وتعتبر الأزمات الاقتصادية، وارتفاع معدّل البطالة الموسمية والمقنعة والسافرة، وتأخر سن الزواج، وزيادة معدّلات الفقر من الأسباب الاجتماعية المرتبطة بالإحباط والاكتئاب بين الشباب. ويحذر إبراهيم قويدر، المدير العام لمنظمة العمل العربية أشد التحذير من الانعكاسات السلبية والآثار الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لأخطر مشكلة تواجه الشباب العربي، والتي تتمثل بتفاقم مشكلة البطالة، والتي وصلت نسبتها إلى 18% وفي بعض الأقطار العربية إلى 25% وحتى 70%، والتي بدأت تلقي بظلالها على كل أشكال ومسبّبات العنف وغياب الاستقرار الاجتماعي والسياسي.

حزن أم اكتئاب؟

 

ويميز المختصون بين الإحباط والحزن والاكتئاب كعاطفة وبين الاكتئاب كمرض عضوي. فالإحباط، حسب تقديرهم، يعتبر حالة نفسية تنشأ نتيجة فشل الإنسان في تحقيق رغباته. بينما يعتبر الحزن عاطفة إنسانية تواجه كل البشر في حال فقدان شخص عزيز مثلاً. وتعرف كل المجتمعات حال الحزن العابر الذي لا يعتبر مرضاً بأي مقياس، لأن الإنسان يعود إلى توازنه النفسي بعد مدة من الزمن. أما الاكتئاب فهو عاطفة سلبية تصيب الإنسان لأسباب عدة. فإذا كانت مصحوبة بأعراض مثل فقدان الحافز والحماس والشهية والسوداوية في الأفكار، يترتب على ذلك اكتئاب عضوي يترتب عليه خلل كيماوي في جسم الإنسان، ويحتاج هذا المرض البيولوجي إلى علاج بالعقاقير. واستناداً إلى بحث نشرته رابطة إدارة التوتر العالمية في  عام 2001 فإن أكثر من نصف سكان العالم يعانون من التوتر وإن 41% ممن سئلوا عن توترهم أجابوا بأنه زاد خلال 12 شهراً.ويفيد تقرير لمنظمة الصحة العالمية WHO أن 25% من الأفراد أصيبوا بأحد الاضطرابات النفسية أو السيكولوجية في حياتهم في البلدان المتطورة والنامية، وأن نحو 121 مليون شخص يعانون حالياً من الاكتئاب. تظهر الكآبة عند الشباب في سلوكهم الذي قد يتخذ أشكال الانعزال والتعصب والانفعال الشديد وعدم القدرة على إنجاز المطلوب من الأعمال وتغيّر في علامات الدراسة والتزام الصمت وضعف المقدرة على احتمال الآخر وسرعة التوتر والفوران واضطراب النوم وفقدان الشهية للطعام، أو زيادتها، والبكاء من دون سبب.وتشير إحصاءات مستشفى الجامعة الأمريكية في بيروت إلى أن 56% من الحالات التي تستقبلها عيادات الطب النفسي في المستشفى هي حالات كآبة وتوتر، على أن المريض الذي يقصد العيادة يفضل الكلام عن العوارض الجسدية التي تصيبه، مثل آلام تنتابه في الرأس والمعدة، محاولاً إخفاء الأسباب النفسية تجنباً لأحكام سلبية قد يطلقها محيطه الاجتماعي دون تأنٍ.وتشير الكثير من البحوث والدراسات إلى أن معظم المشكلات النفسية التي يعاني منها الشباب سببها المشكلات الذي يتعرض لها الشخص داخل المنزل.وتخص التقارير الشابات والأطفال وتعتبرهم أكثر المتضررين من هذه الظاهرة. والمشكلة في هذا الموضوع أن مجال الحديث عن مثل هذه الحوادث ليس مفتوحاً بسبب الخجل أو الخوف من الشخص الذي يمارس هذا النوع من العنف المنزلي الذكوري سواء كان ربّ الأسرة أو أحد الأشقاء.

الأخصائي النفسي أم الصديق الشخصي؟ 

كما أن زيارة الطبيب أو الأخصائي النفسي ليست أمرا محمودا كذلك، والسبب في ذلك يعود إلى أن الكثيرين يعتقدون أن زيارة الطبيب النفسي هي حكر على المجانين، أو أنهم يخجلون من الخضوع لفحص نفسي كي لا ينكشف الأمر في المجتمع. ويعتبر استشاري الأمراض النفسية والعصبية الدكتور أكرم عبدالحميد أنه لا بد من القيام بنوع من التوعية لتغيير هذا الفكر. ويضيف أن فكرة فاقد العقل أو المجنون لا تستند إلى أسس صحية. ويعرف المرض النفسي بأنه اضطراب يشمل أي وظيفة نفسية كالشعور والتفكير والسلوك والإدراك التي قد تؤثر في أداء الإنسان بشكل سلبي بحيث تؤثر في إنتاجيته وعطائه وإنجازاته. ويضيف أن ما يحدث هنا هو أن الشخص قد يعاني من الاكتئاب أو القلق أو الوسواس ويستمر في هذه المعاناة لسنوات طويلة قبل أن يفكر في زيارة طبيب نفسي. وما يسهم في ذلك هو الاعتقاد السائد أن هذه الأمور هي نتيجة الإصابة بالعين (الحسد) أو السحر وأن علاجها يكون عند المتخصصين في فك السحر.

تقول الشابة منال (18 عاماً) إنها لم تفكر أبدا في زيارة أخصائي إلى أن أجبرها قريب لها، كان يدرس في الخارج، على ذلك. وتضيف: أتضح لي في ما بعد أنني كنت أعاني من حالة اكتئاب شديد. ولاحظت منال لفترة طويلة احتداداً مفاجئاً في تصرفاتها، وفقدان الشهية للطعام. كما أنها تعترف أن فكرة الهروب من المنزل راودتها أكثر من مرة إلى أن نفذتها حين كانت مع عائلتها في إجازة خارج السعودية، وتسببت بحال من الهلع لدى أهلها. لكن بعد العثور عليها مختبئة لدى أحد الأصدقاء أجبرها أهلها على العودة إلى البيت ولكن من دون أن يضربوها أو يؤنبوها. واعتبر أهلها أن الشيطان لعب بعقلها، عدا خالها الذي أصر على اصطحابها إلى معالج نفسي. وبعد جلسات وحوارات عدة اكتشفت منال أنها تخشى أن تفصح لأهلها عن مشاعرها تجاه موظف متواضع وافد من إحدى البلدان العربية المجاورة، فهي تنتمي إلى عائلة غنية نسبياً وتخشى أن يرفض والدها زواجها من موظف وافد. وانتهى الأمر بنصيحة من المعالج لأهل منال بأن يدعوها للزواج ممن تحب وإلا زادت حالها سوءاً. منال متزوجة الآن ولديها طفلان من الرجل الذي اختارت. وهي تقول إنها سعيدة وتشكر المعالج على تدخله في الوقت المناسب على الرغم من أنها لم تكن مقتنعة بفائدة زيارته في البداية.أما غالب فهو يرفض فكرة اللجوء إلى طبيب نفسي ويفضل البوح بمكنوناته إلى صديق، لأنه يعتبر أن غاية الطبيب هي الربح المادي، على أن فاطمة تعتقد أن فكرة البوح بأسرار شخصية إلى الطبيب النفسي، وهو شخص لا نعرفه، فكرة جيدة فهو لن يحاسبني على أفعالي، على أن المشكلة تبقى مشكلة ثقة لجهة هذا الطبيب الذي قد يبوح بأسراري لصديق مشترك، إن وُجد.

 التأخر في حل المشكلات مشكلة

 يرينا (30 عاماً) لبنانية تعمل في مجال التصميم الجرافيكي، لجأت إلى طبيب أعصاب بعدما ازدادت كآبتها وإحساسها بالتعب أعطاني مضادات للكآبة، وأنا لم أقصد طبيباً نفسياً لأنني لم أشعر أني في حاجة إلى أن أتكلم مع أحد عن مشكلاتي، فأنا أستطيع التعامل معها بشكل شخصي، وإذا فشلت، فسألجأ إلى صديق أو إلى الدردشة عبر الإنترنت لأشعر بالراحة. يقول طبيب الصحة النفسية الاجتماعية الدكتور أحمد مغربي من لبنان: إن من الأسباب الشائعة للإحباط والكآبة لدى الشباب هي التأخّر في حل مشكلات قد تتفجر في مرحلة المراهقة، أو أنها تكمن في عدم القدرة على حسم الصراعات التي يخوضها المراهق أصلا، ومن الأسباب الأخرى أن الشباب في الفترة بين ال20 وال35 عاماً يعتبر في حال تحول لدوره الاجتماعي، فمن ناحية يفترض أنه أثبت وجوده وينطلق نحو أداء دوره على الصعيدين المهني والأسري، مع ما يتضمن هذا الوضع من تغيّرات في الحلقة الحميمة المحيطة بهذا الفرد. وهذا يعني في رأي الدكتور مغربي أن ثمة صراعاً يخوضه الفرد الشاب مع الأطر التي يتحرك فيها ما يولد مجموعة تحديات وصراعات نفسية. على أن قدرة كل فرد على حل الإشكالات متفاوتة، فهناك الآثار المتراكمة من مرحلة الطفولة وماهية التربية التي نشأ عليها الفرد، وعلاقته بوالديه وكيف عاش مراهقته، وكيف ارتسمت علاقاته مع هذه الرموز المنسحبة منذ طفولته حتى شبابه. ويعتقد الدكتور مغربي أن مسألة تحقيق الذات تلعب دوراً كبيراً جداً في تشكيل التحدّيات اليومية التي يواجهها الفرد، ولنفترض مثلاً أن الفرد يعمل في وضع لا يؤمّن مردودا ماليا واجتماعيا يحقّقان الأمان الذي يسعى إليه، عندها تصبح مرحلة تحقيق الذات أكثر تعقيداً من مرحلة المراهقة، وقد تكون مصدر قلق واضطراب ويصبح، تاليا، احتمال تحوله إلى وضع مُرضٍ أكثر سهولة. وغالباً ما نرى في هذه المرحلة العمرية أعراضا تشير إلى وجود أمراض، بما في ذلك أعراض جسدية ذات منشأ نفسي، إلا أن مجرد وجود الأعراض لا يعني وجود مَرَض. وهنا تبرز مشكلة كيف يعرف الفرد أنه يعاني أعراضا فحسب، أم أنه مريض حقا. ويوضح: عندما تظهر هذه العوارض كيف نتعامل معها؟ هل نقصد الصيدلية طلباً لمهدئات أم نقصد رجل دين أم طبيبا نفسيا؟ هذا يسمى سلوك طلب المساعدة، والسلوك المتّبع يلعب دوره في أن تبقى هذه الأعراض محصورة بمجرد اضطراب، أو أنها تدخل في مرحلة مَرَضية إذا لم يتم التعامل معها بجدية.

كثرة في الضغوط وتنوّع في التعامل معها

 عند مدخل أحد شوارع العاصمة المصرية، التي يزيد عمرها على الألف عام، تظهر آثار الضغط النفسي بوضوح على الشباب المصري الذي يشكل نحو 41% من إجمالي المواطنين البالغ عددهم قرابة 70 مليون نسمة. هذا ما عكسه شعور عمرو (18 سنة) طالب في الجامعة الأمريكية، حين تحدّث عن الضغوط النفسية التي يعاني منها بسبب تفكيره الدائم في مستقبله بعد التخرج ورغبته في الاعتماد على نفسه لتحقيق ذاته، فقد كشف في حواره أن وراء هذا الشخص الذي يحمل ملامح شاب في مقتبل العمر إنسان آخر يزيد عمره على عمر عاصمة بلاده العتيقة!

يؤكد عمرو أن الدراسة لا تسبب له ضغوطاً نفسية تذكر، ووافقه على ذلك أصدقاؤه الستة الذين كانوا في صحبته، مشيرين إلى أن الاستذكار والامتحانات تمثل بالنسبة إليهم عملاً ضرورياً للتخلص من أعباء مرحلة الدراسة تمهيداً لبدء حياة جديدة، وأن ماهية وظروف هذه الحياة هي التي تشغل بالهم أكثر من أي شيء آخر، وهم يعتقدون أن أحلامهم ستصبح أكثر قابلية للتحقيق إذا ما استطاعوا السفر إلى خارج البلاد.

ويقول خالد (18 عاماً) وهو طالب: أنا وعمرو وهؤلاء الأصدقاء نسعى إلى التخلّص من تلك الضغوط عن طريق تدخين المخدرات وقضاء أوقات الفراغ في رحلات خارج القاهرة. أما في سؤالهم إذا ما كانت هذه الطريقة المدمّرة تساعدهم على التخلص من الضغوط النفسية والتوتر، فإن الحيرة والحزن بديا في عيونهم، وقالوا: نحن ننتظر اليوم التالي لنفعل الشيء نفسه، قالوها بملل وحسرة.

غير أن مجموعة عمرو وخالد لا تمثل القاعدة الأساسية في مجتمع الأثرياء الشبان، فهناك الكثير من أقرانهما، استطاعوا أن يتخلصوا من ضغوطهم النفسية عبر اتباع سبل مفيدة من خلال الاندماج في أنشطة رياضية وثقافية واجتماعية ذات فوائد عظيمة لهم ولمجتمعهم. يقول محمد إبراهيم (22 عاماً): استطعت أن أستفيد من نعمة الثراء التي أعيشها والتي جنبتني الكثير من الضغوط النفسية الناجمة عن المشكلات الاقتصادية، وأوظفها في مساعدة الآخرين قدر المستطاع. كما أنه يتسنى لي ممارسة الرياضة في شكل منتظم، لافتاً إلى أن ذلك يشعرني براحة نفسية بالغة. وتستغل مروة (24 عاماً) وفرة المال لديها من وظيفتها، في دراسة اللغات. وتقول: إن ذلك يجنبني التفكير في أمور خارج إرادتي، مشيرة بذلك إلى الزواج. فمشكلة العنوسة باتت تؤرق المصريين بعد أن قدّرت الإحصاءات عدد الذين تجاوزوا عمر ال 35 من دون زواج بنحو 9 ملايين شخص بينهم 962.3  مليون شابة. وتأتي مشكلة البطالة التي ارتفعت هذا العام لتصل من 7 إلى 10% طبقاً للتقديرات الرسمية. والضغوط المعيشية هي في مقدمة الأسباب التي تغذي الضغوط النفسية.

يقول أحمد عبد الحميد (32 عاماً): إنني أواجه الضغوط النفسية بالانغماس في العمل. وكل ما أحلم به، حين أعود إلى منزلي، هو أن يأتي سريري بدلا من أن أذهب إليه.. حيث أجد صعوبة بالغة في أن أقطع مسافة بضعة أمتار أخرى لأصل إلى الفراش بعد عناء يوم طويل. ويضيف عبد الحميد: إن ذلك يبدو مرهقاً، إلا أنني أفضل الإرهاق الجسدي على الإرهاق النفسي، مضيفاً أنه من خلال العمل الدؤوب استطاع أن يحصل على مساحة من الأرض المستصلحة يشاركه فيها أحد زملائه، وهو يرى فيها ترجمة عادلة ومُرْضية لعمله اليومي الشاق.

حلول على شبكة الإنترنت

وتتجه نسبة متزايدة من الشباب إلى الإنترنت كوسيلة مفضلة للتحدّث عن مشكلاتهم، ولتفريغ الضغوط النفسية التي تنوء بها قلوبهم. وتعد صفحة مشاكل وحلول للشباب على موقع إسلام أون لاين Islamonline.net الإلكتروني من أكثر المواقع جذباً للشباب المتحدّث باللغة العربية. ويقول الدكتور أحمد عبد الله مستشار القسم الاجتماعي بالموقع ومسؤول الصفحة: أصبح الشباب أكثر إقبالا على الإنترنت لما يوفر لهم من وسيلة آمنة تحفظ لهم خصوصيتهم وتجنبهم الحرج حين يتحدثون عن مشكلاتهم الخاصة. توفر الصفحات الاجتماعية والنفسية لمستخدميها على الإنترنت إمكانية الحصول على الاستشارات المناسبة لحالاتهم إضافة إلى إرشادهم إلى الطرق الأفضل لحل مشكلاتهم، إلا أنها لا توفر علاجاً جازما لهم. ويشير الطبيب النفسي أن رواد عيادته النفسية من الشباب في عمر 18-35 عاماً، يمثلون ما نسبته 40-60% من إجمالي المترددين عليها للعلاج.

 تونس: خوف من وصم أم مواجهة المشكلة؟

 لا تختلف حال الشباب في المغرب العربي عن حالهم في مشرقه، فالشعور بالتوتر والإحباط والكآبة يصيب كل الأشخاص بغض النظر عن أعمارهم وظروفهم. عمار السويطي، طالب الدراسات العليا في العلوم الاجتماعية في جامعة تونس، أقر بطبيعية أن يمر الإنسان بهكذا ظروف نتيجة الروتين المتكرر، يقول: النفس أحيانا تعيش نوعاً من الضغط ولا تجد ميداناً للتنفس والترويح عنها، ما يؤدي إلى أعراض نفسية كالتوتر والإحباط والاكتئاب.أما مصباح عاشور الذي يدرس الصحافة، فسبب توتره هو خلافه مع والده. وحين لا يتمكن من القيام برد فعل مباشر، بسبب احترامه له، فإنه يلجأ إلى الانفراد في غرفته وتناول بعض السجائر كمتنفس وحيد لإخراج ما في صدره.فقدان المرشد أو المعين أو الحلول للمشكلات هو سبب الضغط النفسي الذي يواجهه الشاب التونسي نبيل المشني في حين أن الدراسة هي السبب المباشر لقلق الطالب ضياء العزة وتوتره. وتختلف تعبيرات القلق والتوتر النفسي بين شاب وآخر؛ فاللحية الطويلة والوجه العابس من بين هذه المظاهر بالنسبة إلى الشباب، وعدم وضع ماكياج وملامح الحزن هي بعض المظاهر بالنسبة إلى الفتيات، وثمة رغبة بالعزلة وفقدان الحماس والخمول واليأس وفقدان الشهية واضطرابات النوم. أما فكرة الذهاب إلى الطبيب النفسي، فقد جوبهت إما بالرفض أو الإيجاب. ولكل مسبباته ونتائجه.

فأحمد أسعد، طالب الدراسات العليا، يوافق زميله عمّار على ضرورة الامتناع عن الذهاب إلى الطبيب حتى لا تضطرب صورته أمام أهله وأصحابه، فيُلقّب بالمجنون. أما عرابي فيقول: إن الطبيب النفسي لا يقدّم سوى الحقنة المهدئة ذات المفعول المؤقت، والتي قد تتحوّل إلى حالة من الإدمان. ولا يؤمن مصباح بالطب النفسي. وهو يعتقد أن مفتاح الحل لأي مشكلة بِيَد صاحبها؛ فهو يلجأ إلى الاختلاء بنفسه في غرفته ويفكر بمشكلته، أسبابها ونتائجها، وهو يدخّن بعض السجائر. أما ضياء العزة ونبيل المشني وإيمان العبروقي فقد اتفقوا على أنهم لن يترددوا في زيارة الطبيب عند الحاجة فهو صاحب الحل ولا حياء في الدين. إلا أن رأيهم لم يردع أيا منهم عن ابتكار طريقته الخاصة لعلاج نفسه ذاتيا. فضياء يلجأ إلى الانعزال في غرفته والاستماع إلى موسيقى هادئة. بينما تفضل إيمان الموسيقى الصاخبة وخصوصاً الأجنبية إضافة إلى السير قليلاً على شاطئ البحر. أما نبيل فمتنفسه هو الأصدقاء الذين يرى فيهم السند الدائم.

 تردد وتخوّف مقابل إقبال واستفادة

 يحجم الكثيرون في العالم العربي عن زيارة المعالجين النفسيين لأسباب، منها اعتقاد بعضهم أن علم النفس هو ابتكار غربي يهدف إلى محو المعتقدات والتقاليد العربية. فالشاب أشرف حامد (21 عاماً) يعتقد بأن معظم المعالجين النفسيين يضرّون، في بعض الأحيان، أكثر مما ينفعون، مستدلاً بما يسمعه بأن بعض المعالجين في الولايات المتحدة قاموا بإقناع مرضاهم بضرورة التحوّل إلى الشذوذ الجنسي أو تحويل جنسهم كلياً. لكن، في المقابل، نجد بين الشباب من يعترف بأهمية علم النفس كما يقول الشاب أحمد (24 عاماً) الذي يعتبر أن زيارة المعالج النفسي لدى الشعور بالاضطراب تساوي في الأهمية مراجعة أي طبيب في أي تخصص لدى الإصابة بأي مرض. ولا يمانع أحمد في التحدث عن تجربة شخصية مرّ بها، شرط أن لا يكتب اسمه بالكامل. فأحمد المتخرّج حديثاً اكتشف أنه يعاني من الوسواس، حيث لا يستطيع أن يتخذ قراراً من دون أن يعود عنه أو أن يتردد بصورة مَرَضيّة. ولا تقتصر هذه الحال على القرارات الهامة فقط، مثل قرارات العمل، بل تتعداها إلى أبسط الأمور مثل اختيار طبق من قائمة الطعام أو اختيار الملابس. ولم يستطع أحد من أهله إدراك حجم المشكلة إلى أن فقد أحمد عمله بسبب هذه العلة حيث كان يتراجع عن كل قرار يتخذه. بعد ذلك توجه الشاب إلى أخصائي نفسي فشخّص حاله، ونصحه بضرورة إجراء دراسة لكل قرار مهم يتخذه، محاولا حصر الإيجابيات والسلبيات، ثم التمسّك بأحد الخيارات وإقناع نفسه بعدم النظر إلى الوراء. أما بالنسبة إلى الملابس فأصبح يختارها كل مساء قبل خلوده إلى النوم، ويضيف وهو يبتسم: أما بالنسبة إلى الطعام فلا مانع من تجربة كل شيء.

وتتفق جيسيكا (19 عاماً) وهي طالبة في إحدى الجامعات اللبنانية مع زميلها أحمد (22 عاماً) على أن خيار الطبيب النفسي يجب أن يقتصر على الحالات المستعصية، وذلك بسبب الكلفة الباهظة لكل جلسة معالجة في العيادة، من دون أن يسقطا أهمية الدور الذي يؤديه. وتعطي جيسيكا الأرجحية للخلاص من توترها وكآبتها من خلال الحوار مع والدتها ثم صديقتها، وهي كانت قد قصدت، في فترة ما، رجل دين لسماع إرشاداته لكن نصائحه كانت مثالية. تقول: إن المجتمع لا يتقبل فكرة الذهاب إلى طبيب نفسي، ويفضل الناس تسميته ب(المساعد الاجتماعي)، مع قناعتي بأهمية أن يستمع إليّ شخص متعمق بدراسته، فهو المتخصص المؤهل لوضع اليد على جذور المشكلة وإيجاد حل ناجع لها. ويكشف أحمد أنه قصد طبيباً نفسياً في فترة مراهقته من دون أن يعلم أهله بذلك. وكانوا، حين أصيبت شقيقة أحمد باكتئاب حاد، قد قصدوا رجل دين لمساعدتها، ولم يفلح بذلك. حينها أصر أحمد وشقيقه على اصطحاب شقيقتهما إلى طبيب نفسي نجح فعلا في معالجتها.

ويعتقد أحمد أن المجتمعات الشرقية توفر للفرد معالجة ضمن حلقة الجماعة على عكس المجتمعات الغربية التي تنزع إلى الفردية. فنحن نتعلم من أخطاء بعضنا ما يساعدنا على الخروج من أزمتنا، كما يقول. على أنه يتمنى لو أن المدارس والجامعات تحرص على تأمين الطبيب النفسي مثلما تحرص على تأمين الطبيب الصحي، ومردّ هذا القصور إلى غياب ثقافة الصحة النفسية.

كانت منال، (25 عاماً) وطالبة الدراسات العليا في علم الاجتماع، تعتقد أن الحرب اللبنانية لم تترك فيها أثرا نفسياً يذكر، لكنها وجدت نفسها ذات يوم في حال من قلق وتوتر شديدين حين سماعها لأزيز تحليق مروحية ذكّرتها على الفور بلحظات مأساوية مرت بها خلال الحرب، وأيقنت أنها لم تتمكن من نسيان أحداث الحرب على الرغم من مرور السنين. وهذا الحادث ليس مصدرا وحيدا لتوترها. فهي تشعر أن الفرص أمامها تضيق وإذا وُجِدت، فإن الحوافز تغيب بسبب الفوضى والفساد ما يجعل الأشياء كما تقول بلا معنى. وهي تتمنى لو تستطيع أن تقصد الطبيب النفسي لولا أن كلفة جلساته قد تفوق مجموع ما تتقاضاه من راتب شهري بسيط. وإذا كان أهلها وجيرانها ما زالوا يعتقدون أن الطبيب النفسي هو لمعالجة المجانين فثمة من تعرفهم يتباهى بالذهاب إلى هذا الطبيب لاستعراض إمكاناته المادية.

يقول الدكتور مغربي: لا نعترف في مجتمعاتنا العربية بالمرض النفسي، وغالبا ما ننسبه إلى مسببات لا علاقة له بها، وكل هذا يؤدي إلى سوء استعمال الأدوية النفسية وصولاً إلى وجود كم كبير من الأمراض النفسية غير المعالجة، وبالتالي فإن الفرد والمجتمع يدفعان الثمن المعنوي والمادي. وما سوء المعاملة والعدوانية ضمن أفراد الأسرة من جهة، والاضطرابات في معدل إنتاجية العمل من أخرى، سوى بعض من نتائج المرض النفسي.