هاتف المساء
قصة
سقراط فوزي
جلس
راوي على الأريكة وهو متعب بعد يوم من العمل الذهني الشاق أرهقه وأزهق
قواه..
ثم تمدد وأخذ يتأمل في السقف، وهو يحاول النفاذ من خلاله إلى حيث نجوم
الليل
المتألقة في مساء ذلك اليوم الصيفي الحار.
كان يهوى النظر والتأمل في النجوم
المتناثرة هنا وهناك، إلا أن خيط تأملّه انقطع فجأة بسماع جرس هاتفه
النقّال يرن
بشدة، فاختفى مرأى النجوم من خياله وأخذ حانقا الجهاز ونظر إلى شاشته
فلم يصدّق
عينيه..! كان الرقم المدون على الشاشة هو نفس رقم هاتفه الثابت الذي
بجانب الأريكة
التي يتمدد عليها الآن!!
اعتدل بسرعة ونظر غير مصدق إلى ما حوله وإلى الجهاز
الثابت الوحيد الموجود في المنزل، ثم ضغط على زر الإجابة ودقّات قلبه
تتسارع وأرهف
السمع، لكن هدوءا كاملا عمّ المكان بعد انقطاع رنين الجرس، وعدم سماع
أي صوت
مقابل!
أخذ راوي ويده ترجف سماعة هاتفه الثابت فلم يسمع سوى طنين الهاتف
الطويل المعهود، فاحتار قلبه وعقله، وفرك عينيه غير مصدق.. أهو في حلم!!
كلا
لم يكن في حلم..! بل هو بكامل قواه العقلية، ومع ذلك بحث مرة أخرى في
ذاكرة المتلقي
لجهازه النقّال، فوجد الرقم الأخير وهو نفس رقم هاتفه!
قام وأخذ يبحث في بهو
المنزل وغرفه وهو على يقين بأنه لن يجد أحدا، ومع ذلك شعر بأنه غير
وحيد في هذا
المنزل!!
جفا النوم عن عيونه في تلك الليلة، ولم يستطع رغم تعبه سوى الظفر
بالقليل من دقائق النوم المتقطعة.
وعندما حان الصباح قام على عجل وتناول
لقيمات من الطعام، وخرج ذاهبا إلى عمله... كان يومه شاقا أيضا، إلاّ
أنه سعد بذلك
كونه حرر ذهنه قليلا من التفكير بحادثة الأمس، لكن توتره بدأ يزداد مع
اقتراب عودته
إلى المنزل!
بعد أن ولج المنزل أحكم قفل الباب، ثم أخذ يبحث في كل مكان،
وبعدما تيقّن له اختلاؤه بنفسه تمدد على الأريكة، وأخذ يتأمل في ليلة
الأمس.. ولم
يكد يغفوا قليلا حتى رن جرس هاتفه الثابت فقفز هلعا وتناول السماعة،
إلا أن أحداً
لم يجبه، ولم يسمع سوى الطنين المعهود!
نظر راوي إلى ساعة الحائط، فلفت نظره
رنين الهاتف في نفس ساعة ليلة أمس!
تناول جهازه النقّال وأخذ يعبث بأزراره،
فصعق وأصابه الهول وكاد يفقد حجاه عندما رأى آخر اتصال هاتفي له كان
على هاتف منزله
الثابت!!
لم يستطع النوم هذه الليلة أيضاً، وانصب ذهنه من احتمال رن جرس أحد
الهاتفين.. وجلس ينتظر إلى أن انفلق الصباح فعجز عن المقاومة، واستسلم
في سبات
عميق..!
عندما استيقظ قفز من الأريكة، إلا أنه سعد عندما تذكر بأنه في عطلة
نهاية الأسبوع.. فقرر عدم الخروج من المنزل بل إعداد وجبة طعامه
المفضلة، وهكذا
انقضى النهار!
وفي المساء أخذ ينتظر سماع رنات أحد الهاتفين.. وعندما حان
الوقت المعهود لم يسمع رنات أي هاتف.. بل جرس باب المنزل!
قام على عجل وأسرع
بفتح الباب، إلا أن المفاجأة كانت عندما لم يجد أحداً في الخارج!!
قرر راوي
حزم أمتعته، وعلى عجل أتم مهمته لكن قبل أن ينطلق بسيارته، تذكر جهازه
النقال
فأخرجه من جيبه، وعاد به إلى المنزل، وتركه بجانب الهاتف الثابت وهو
يبتسم ابتسامة
صفراء، فصعق الباب من خلفه وانطلق إلى خارج ضوضاء المدينة، حيث أحضان
الطبيعة
الخلابة!
عندما حل المساء، وجد نفسه يجلس تحت شجرة كبيرة على العشب بجانب
سيارته، وهو يستمتع برؤية حبات النجوم المتناثرة بلا حواجز، وبرائحة
تراب الريف
وعشبه.. وعندما حانت ساعة المساء المعهودة ابتسم ابتسامته الصفراء!
لأنه على
يقين بأن جرس هاتفه لن يرن في هذه الليلة ولا في الليالي الأخرى
المتعاقبة.. بل أنه
لن يسمع بعد الآن سوى صوت الطبيعة الخالصة.. ونفسه الهانئة المطمئنة!!
تعقيب
أخي المبدع سقراط
ظننتك في البداية تقص علينا من الخيال العلمي
أثرت شوقي لمعرفة النهاية
هل يتكلم الأستاذ سقراط عن الجن ؟
أم يتكلم عن مخاطبة الآلات لبعضها بعضا
ليتبين في النهاية
أن الأستاذ سقراط من عشاق الطبيعة
و يدعو قراءه لهجر التقنيات بعض الوقت
للتفرغ إلى عشق الطبيعة
النص مشبع بالفلسفة و لا غرابة فكاتبه "سقراط"
إبداع من مبدع
دمت متألقا
نزار