الأدب  ( 8 ) - أخبار أدبية

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

  نادي السرد

 يفتتح نشاطه في مركز

اتحاد الكتاب التونسيين

 

و ضغوط على  حرّية النادي

 

آمال البجاوي

 

amelbejaoui@yahoo.fr

 

        افتتح نادي السرد بمقر اتحاد الكتّاب التونسيين أشغاله يوم الجمعة 17 فيفري تحت اشرف الكاتب الناقد التونسي كمال الرياحي , و قد كانت الأديبة مسعودة أبو بكر ضيفة النّادي في جلسته  الافتتاحية  التي كانت ناجحة  و مستجيبة لتطلّعات النادي و الأهداف  المنتظرة له .

ابتدأت الجلسة بكلمة ألقاها رئيس النادي  الأستاذ كمال الرياحي رحّّب فيها بضيوف  النادي من شعراء  و أكاديميين و روائيين  و اعلاميين  و نذكر منهم على سبيل  الذكر لا الحصر الروائي ظافر ناجي و الروائي حسنين بن عمو و الشاعر الهادي الجزيري  و الشاعر عبد الله مالك القاسمي  , و قد حضر اللقاء الرئيس الجديد  اتحاد الكتاب الروائي صلاح الدين بو جاه   .

و قد بسط رئيس النادي لضيوفه طموحات هذا النادي المتأسس على التعريف بالكاتب التونسي أساسا  و ايصال صوته إلى المنابر العربية أينما كان.

اضافة إلى تطلّه إلى أن يكون هذا النادي لبنة لإنشاء مختبر للسّرديات .

ثم قدّم الأستاذ كمال الرياحي رئيس النادي ضيفته  الأديبة  مسعودة أبو بكر  في أسلوب شعري أضفى  على المكان جوّا رائقا أمتع الحاضرين و شحنهم بمشاعر التواصل  و الاهتمام  و هذا  بعض منه:

امرأة منّا

تلك التي كتبت للفقراء / للمهمّشين /  للمنسيين  في شوارعنا الخلفية و أزقّتنا العارية …

امرأة منّا

تلك التي كتبت للباعة المتجوّلين / للملسوعين  و للذين يحملون جروحا بأحجامهم .

إمرأة منّا

 تلك التي كتبت  للمنبوذين  و للذين ابتلتهم الدنيا و ما جاورها  بشتّى أنواع العذاب .

كتبت للمسحوقين  و للمساجين هنا و هناك  و للأطفال  الأشقياء بذنوبنا .

امرأة منّا

 تلك التي    كتبت وفاء للشعراء  و للحالمين  و للوطن  الأخضر  و للأوطان  الجريحة

تلك التي كتبت للحجر المقدّس في كف الطفل الفلسطيني   و للحزن العربي الكبير .

للكائن المغدور برصاص الصديق

امراة منّا

تلك السمراء  التي تشبهنا

تلك الثائرة الحالمة  الهادئة

تلك الحكّاءة /الشاعرة / الإنسانة

امرأة منّا

تلك التي أذاقت طعم الأناناس للذين لا يعرفون للفاكهة طعما

امرأة منّا

تلك التي  لا يتسلّل الغياب إلى قلبها  و تلك التي  عرّت عرينا  و ما تستّر من جرمنا  في طرشقانه

امراة منا

تلك التي جعلتنا نذبح الدّمعات  مع  أهل الراجين و نحن نشاهد  انهيار  تماثيلنا .

تلك التي  ستهزّ  الذاكرة المنسية  بشذى العنبر في سفر قادم

امرأة منّا

 

امرأة منّا

   تلك التي تجلس بيننا

سيدة القلم العالي  التي ما تنفك تدوّن بالحبر العلني أحلامنا و احزاننا السرية

و تحنو على الغصّة في مكمنها .

غيرها يحكي , كما العجائز , كي ننام و هي تحكي كي نستفيق .

ثم أعطى  منشّط النادي  الكلمة بعد ذك إلى ضيفته  التي لتقدّيم  شهادتها , فأعربت الأدبية بوجودها ضيفة في هذا النادي  ثم انطلقت في تقديم شهادتها الموسومة ب" دوائر الحكاية و المكان "

قالت فيها :"

     أن تروي أن تنسج الحكاية من تفاصيل ذاتك، من تفاصيل الآخر، من تفاصيل الذاكرة، من أضلاع التاريخ،  يعني أن تتحرّر من الصمت من اللامبالاة من خشية ما، يعني أن تتحرر من ورقة التوت الزّائفة ، من وزر الأسئلة التي تعمل في الطمأنينة المخلب والنّاب.

    أن تروي  يعني أن تربك. أن تلقي الحصاة في  صفحة الماء الرّاكد أن تتميّز بالقول، أن تخضع هامة الكلام،  أن تمدّ يدك لتغمس الريشة في دواة المواجهة مواجهة الآخر، أن تجعل الخيال  يلتهب ببهيميّته ..

أن تروي يعني أن تجازف بإعطاء واقعية لغوية للقسم غير المكتوب من العالم على حدّ تعبير الكاتب كارلوس فوينتس.

 

 إبّان فترة الصّبا،كانت الأمكنة تنساب منّي بحكم انتقال الأسرة من مسكن إلى آخر بالإيجار، إذ قلّما تمتدّ بأهلي العشرة مع المحلّ والمكان وبالتّالي لم يكن لذكرياتي وَكَنٌ تستقرّ فيه وتتجذّر فيه مشاهدها، أو زاوية أسكن إليها في دار واحدة مدّة طويلة من الزّمن دون أن أنتزع منها، فأنشأت باكرا بيتي الخاص أو عالمي الخاص بعبارة أدقّ.

كان هذا العالم هو الورق الذي أخطّ على بياضه المغري حكاياتي الأولى وعبر تلك الحكايا مافتئت أصبّ خواطري واعتمالاتي، مسرّاتي وانتكاساتي وكلّ ما لا يمكن أن تنبس به شفتاي لمخلوق ممن حولي. كان فضاء الحكاية أوّل زغب أطلّ في منبت الأجنحة ليصبح لاحقا جناحين يتوقان إلى فضاء الحريّة الرّحب..ظلّت الحكاية الحلم الخارق في التفرّد والكينونة ومعها تفتّق الرفض في ذاتي مبكّرا لواقع هزيل من حولي توازيه رغبة عارمة في خلق عالم جانبيّ.

ثم قالت مسعودة أبو بكر :

 

  " الحياة تعاش بقدر ما تروى " هكذا يقول بول ريكور. وما أكثر حيوات الكاتب إذ ينجز من كلّ تفاصيلها أكرا يحيك  منها نسيجه العجيب. وبناء عليه أعتبر أنّي عبر ما صغت من قصّة ورواية قد عشت أكثر من حياة، وانتحلت أكثر من شخصية، وولجت أكثر من باب، ورفعت أكثر من حجاب، وكسرت أكثر من رتاج واصطدمت بأكثر من جدار، وتعثّرت بأكثر من عتبة، وغصت في أكثر من عمق واقتحمت أسرار النفس ذات الجموح والطّموح و التّوق والشّوق، والاستكانة والرّفض، والنّزق والتقى فكانت المغامرة الحقّة.

و أضافت في موضع آخر من شهادتها :

 

"لا شكّ أنّ عشقي المبكّر للحكاية  مشافهة ثمّ تدوينا، نقلا واختلاقا كان سببه أنّي كنت إبّان تفتّق الوعي أفهم الحياة على أنّها  قصّة ... جملة من الأحداث المتتالية والمختلفة أرى حلقاتها واضحة في النّهار أعايش أبطالها و ربّما شاركتهم اللعبة. ثمّ أحتار بشأن بقيّة حلقات السلسلة التي تعقد ولا شكّ أثناء الليل وبالتالي أتساءل من يضع حكايات الليل؟ ومن هم أبطال أحداثه وقد أجد إجابة في خرافات ألتقطها وجذاذات حكايات بين مجالس الكبار التي لا أتورّع من التلصص عليها. فيها أحاديث عن أهل الليل وهم لصوص وقطّاع طريق وصعاليك وغرباء وهم أيضا أهل الخفاء.. الجن أو "أولاد باسم الله " على حدّ تعبير صنّاع الحكاية في مهد طفولتي  ... وهنا يجد الخيال ضالته الثمينة، فأصل حلقات سلسلة النهار بحلقات سلسلة الليل لأقف أمام السلسلة الطويلة .. القصّة العظيمة التي هي الحياة...

......

ثم تحدثت الروائية عن رواياتها  قائلة :

"عبر روايتي الأولى " ليلة الغياب " أفردت فائقة محفوظ جناح التحرّر من خوفها الباطني وهي تقف على شفا الفراغ بلا أرضية ترتكز عليها بلا رسم يحيل إلى جذور.  

 حاولت في روايتي الثانية " طرشقانة" أن أنحت شخصية مراد الشواشي التي تختزل كلّ معاني التمرد والتغيير. تغيير الجنس والفكرة وفضاء الحلم ومساحة التحرك وخطاب الزيف وأوراق اللعبة العادية. حوله تدور الشخوص الأخرى   وتبرز أوجاع المجتمع و عاهاته.  طرشقانة يتعدّى دور الشّاذ الجنسي  كما فهم البعض بنظرة أحادية دونية ، نظرة أعتبرها قاصرة نظرة أرض /أرض إن صحّ التعبير. الظاهر في الرواية حالة  باتت منتشرة  تدقّ على بوّابات مجتمعنا لا بشكلها القديم المعروف  عبر التاريخ،  تاريخ الغلمان و البلاطات و الخناثة في الإسلام،  بل رغبة في التغيير الجذري للجنس لجوءا إلى الطبّ  .. هذا من المسائل التي لم يسبق للمجتمع العربي الإسلامي أن عاشها  و بدأت هذه الحالات تبرز في عقره رغم ندرتها و التكتّم عليها . أمّا  باطن المعنى فهو البحث عن الوجه المسلوب الحلم الأسمى بالتغيير والبحث عن الهويّة الصّحيحة.

 

  . قوبلت هذه الرواية إبّان صدورها بالسّكوت والتجاهل إلاّ في ما ندر.. لم يكن الموضوع مستساغا لدى البعض. وفي كلّ ذلك كنت أرشف حرية التقدّم في مساحة الإرباك بنوع من الرّضا الجوّاني جعل التعاليق على الطّرح تنزلق على أديم تقبّلي بسهولة دون ما خدوش. أدركت أنّ في العمل الفنيّ أكثر من أيّ مضمار آخر ليس من السّهولة الحفاظ على تلك القيمة النّبيلة العظمى قيمة الحريّة، من الحصار الخارجي ومن الأيدي التي تمتدّ من الظّلام لخنقها.

 وتشحذ المغامرة إصرارها مع كلّ مشروع رواية جديدة وتشتدّ الرغبة في المواجهة تأكيدا لمقولة بليغة:

" إنّ الفنّ ليس سوى صرخة تهيب بالإنسان أن يكون حرّا"

 

في روايتي " وداعا حمورابي.. استجبت لاستفزاز الأحداث التي تستهدف الهوية العربية وحضارتها وذلك الإرث الحضاري للعرق الأوّل الذي تجري دماؤه في شرايين الذّات فتستصرخ الرّفض لبشاعة الإنسان يهدّ كيانه بيده. استصرخت من جبيني المنتكس إلى الأرض، نقمتي على الهوية والنكسة والهزيمة.

           

أعود إلى البدء لأقول : بدأت الكتابة يوم فقدت الأمكنة التي تفجّرت أمام وعيي المتدرّج بحقائق الحياة وأمام غول العزلة المفروضة استحضرت الأمكنة الواسعة من صندوقي الداخلي .. صندوقي السحري.

ظللت أحمل الأمكنة في صدري  ولم يطمئنّ إليّ مكان واحد وطرحت على نفسي ذات حنين لمغامرة روائية رابعة  تلك الأسئلة التي طرحها الدكتور باسم الزغبي في مقدمة كتاب صدر في الأردن حديثا بعنوان " كتاب المكان"  جملة من الأسئلة  وهي:

-      ما المكان ؟

-      هل تبعث الصلة قسرا بالمكان؟

-      ما العلاقة التي تربط المبدع به ؟

-      ما المكان الذي يعنيني كمبدعة ؟

-      هل هو المكان الذي أنتمي إليه بحكم الولادة أو السّكن بحكم الإنتماء أو بحكم الهويّة؟

-      كيف تتشكّل الأواصر مع المكان؟

 

وتحسّست بعض الإجابة في روايتي الجديدة التي ستصدر قريب عن دار سحر للنشر حيث أنصت إلى حكايات ترويها المدينة العتيقة إلى عشق تأصّل  في كياني 

منذ اكتشفتها وأنا تلميذة في الثانوية قادمة من قرية منفتحة على الشمس والحقول وثغاء الخرفان ورائحة الدواب .

و ختمت الروائية شهادتها قائلة :

"في خاتمة هذا الحديث أقول أريد أن أستمر ولن يكون ذلك بالنسبة أليّ إلاّ كتابة."

و قد استحسن  الحضور شهادة الضيفة  و استمتع بما قدمته  مع سحر المكان الذي تتحدث عنه .

و من التقاليد التي أراد  الرياحي تركيزها  عرض أهم  الاصدارات  العربية  المنخرطة  في خانة السرد  على الحضور  فعرض   روايات عربية  نذكر منها   كتاب الأمير لواسيني الأعرج  و ناره لسميحة خريس  و  نيران صديقة لعلاء الأسواني و حورية لحافظ محفوظ  و مجموعة أشياء لظافر ناجي  و ملامح لزينب حفني  و معبد ينجح في بغداد لرشيد الضعيف .

و بعد كلمة كل من  منشط النادي و ضيفته  فسح المجال أمام الحضور  حتى يتقدموا بأسئلتهم  و استفساراتهم و آرائهم , و لا يفوتنا هنا الإشارة إلى أن بعض الأدباء و النقاد العرب تدخلوا عبر شبكة الانترنت لتقديم أسئلة للكاتبة و نذكر منهم الروائي الليبي محمد الأصفر و الناقد و المغربي  محمد معتصم  نقلها إليها الرياحي أثناء الجلسة  .

و تعددت التدخّلات و تنوّعت حسب الاختصاصات  فهذا سؤال  سؤال شاعر و هذا سؤال روائي و هذا استفسار صحفي و ذاك تدخّل مختصّ  في علم النّفس , فكان التنوّع  و الثراء  و الجدل المتحضّر و النقاش الرّاقي ميزة الجلسة الافتتاحية  لنادي السرد  و قد شارك فيها بوجاه بوصفه كاتبا , و كانت  الأديبة الضيفة  ترد  بعد كل دفعة من الأسئلة برحابة صدر و بكلّ لطف و مودّة مما سرّ له الحضور و لم يشعروا بمرور  الوقت إلى أن أعلن  رئيس  النادي انتهاء الوقت المحدد  لهذه الجلسة  المتميزة  و التي دامت زهاء الساعتين  شاكر للحاضرين  حضورهم  و تفاعلهم  واعدا اياهم بالمحافظة على ذات المستوى  الراقي للنادي  .

و صفوة القول  أن الجلسة الافتتاحية  لنادي السرد كانت في مستوى تطلّعات أصحابها نوعية حضور  و تفاعلا  و مشاركة في النقاش  و هو ما يبشّر بنجاح هذا النادي الفتي إن تركه اخوة يوف الذين يحزّ في أنفسهم أن يتحرّك المشهد الثقافي التونسي يد أنملة و قد سمعنا خلال الأسبوع  أن النادي يتعرّض إلى ضغوط لتغيير اسمه  و تحويله إلى نسخة بائسة من نواد كثيرة عرفناها , كما سمعنا أن  كمال الرياحي هدد بالإستقالة منه إذا ما تواصلت هذه الضغوطات و قيّدت حريته  في اختيار ضيوفه و طريقة آداء النادي.