موجة حرّ
قصة
سعيد محمد الجندوبي
رأت
فيما يرى النّائم مدينتها وقد كادت تغمرها
الرّمال.. خلت الشوارع والساحات من النّاس، وجفّت النوافير والبرك من
الماء، وتشقّق
الإسفلت وكذلك جدران الواجهات.. وحدها بعض الكلاب والقطط الهزيلة كانت
تجري هنا
وهناك لاهثة، فيما تكدّست في مداخل المدينة، السيّارات وقد استحالت إلى
هياكل
ينخرها الصديد..
وقفت لاهثة وقد غارت عيناها، وتشقّقت شفتاها، ويبس لسانها
من فرط العطش.. أخذت الصور تتماوج أمامها؛ ورأت في الجانب الآخر من
الساحة الكبرى
هيئة كهيئة البشر.. استبشرت، وظنّت أنها النجاة.. اقتربت ببطء، وكلّما
ازدادت قربا،
خفّت التموّجات وبدت الصورة أكثر وضوحا.. كان يرتدي برنسا أسوادا، وكان
منكّس
الرأس، وقد استند إلى منجل طويل.. ناداها باسمها بصوت كأنّه يصدر من
أعماق الكهوف..
ارتدّت إلى الوراء..
صرخت بأعلى صوتها، فلم تتجاوز صرختها الحنجرة.. حاولت
الفرار، فكأنّ أثقالا وأغلالا كانت تكبّلها..
* * *
استفاقت مذعورة،
فقفزت من الفراش لتسند ظهرها إلى الجدار.. كانت لا تزال تلهث عندما رأت
باب شقّتها
مفتوحا على مصراعيه، وكذالك النوافذ.. رأت رجالا ونساء بأزياء مختلفة..
كانت على
رؤوس بعضهم خوذات فضّية لامعة، وعلى رؤوس آخرين قبّعات رجال الشرطة،
وارتدى البعض
الآخر سترا بيضاء، وقد غطّت وجوههم الأقنعة الواقية.. اقتربت من امرأة
كأنّها
ممرّضة، وسألتها:
-
من أنتم؟ وماذا تفعلون هنا؟
لم تجبها.
سألت آخر، وآخر،
وأخرى، فلم يجبها أحد..
ثمّ إنهم غادروا الشقّة وهم يحملون على محفّة، كيسا
أسودا، نادتهم صارخة، ولكن صرختها لم تتجاوز منها الحنجرة.. حاولت
اللحاق بهم،
فكأنّ أثقالا وأغلالا كانت تكبّلها..

هامش: عمّت فرنسا في صائفة 2003 موجة حرّ، قضى خلالها ما يزيد على
الخمسة عشرة ألف
مواطن
ومواطنة، جلّهم من المسنّين.. قتلتهم العزلة والوحدة، واتّهمت الدولة
والمجتمع الإنحباس الحراري..
تعقيب
أخي المكرم سعيد محمد الجندوبي
تصوير رائع لموت عجوز ،
تحت تأثير موجة حر قاتلة
سلمت يمناك و دمت متألقا
نزار