
للقاص نزار بهاء الدين الزين

بقلم
:
الناقد
الأدبي الدكتور مسلك ميمون

القاص الأستاذ نزار بهاء الدين الزين . من الشخصيات
الأدبية ، التي منّ الله علي أن أتعرف عليه و لو عن بعد . حقا لم يسبق لي
أن التقيت به ـ و كم يسرني ذلك !!ـ و لكن أشعر كأنّ بيني و بينه وشائج
متعددة ، و لقاءات كثيرة ، أسست لعلاقة من القرب و التّعارف الجميل .
عرفت القاص نرار الزين في '' واتا '' و بخاصة في متصفحات القصة القصيرة و
القصة القصيرة جدا . فكانت قصصه تترجم أفكاره ، و تعرب عن خوالجه و
إحساساته ، و رؤيته للحياة . كما كانت ردوده الوديعة لسان حاله الطيب
الودود. و زدت معرفة به من خلال موقعه الإلكتروني .
أعترف أنني استفدت من خلقه الوديع ، و بعد نظره ، و هدوئه و اتزانه . و
أدركـت أنّ الرجل ، ليس من الضروري أن تصافحه و تجالسه .... فإنّ اشراقاته
الفكرية و الفنية و الأدبية كالطيب الرائق المنعش يسبقه إليك . و يفعل في
وجدانك ، و إحساسك ، و سلوكك فعل السّحر ... فلا تملك إلا أن تقدر الرجل ،و
تحترمه ، و تبجله ...و لعلّك تفعل أكثر إذا سمعته يحدثك عن حياته و انتاجه
:
(( أنا ...
ـ نزار بهاء الدين الزين
ـ من مواليد دمشق في الخامس من تشرين الأول ( أكتوبر ) من عام 1931
ـ بدأت حياتي العملية كمدرس في دمشق خمس سنوات .
ـ عملت في الكويت كأخصائي إجتماعي و مثقف عام لمدة 33 سنة قبل أن أتقاعد
عام 1990لإضافة إلى عملي اٌضافي في صحف الكويت .
ـ كتبت أول مجموعة قصصية بعنوان ( ضحية المجتمع ) عندما كنت في الثانوية
العامة عام 1949
ـ كتبت مجموعتي الثانية ( سارة روزنسكي ) 1979
ـ إضافة إلى عشقي للأدب فإنني أهوى الفنون التشكيلية كذلك و قد أقمت معرضا
لانتاجي الفني في شهر أكتوبر 1999في مدينة دمشق / مركز المزة الثقافي خلال
لإحدى زياراتي للوطن ضمت 55 لوحة .
ـ أعيش في الولايات المتحدة منذ انتهاء خدمتي في الكويت أي منذ 1990و أدير
حاليا مع ابني وسيم مجلة ( العربي الحر ) الالكترونية عبر الانترنيت )
نزار بهاء الدين الزين
تتجاوز قصصي القصيرة غير المطبوعة المائة و خمسين قصة و أقصوصة.إضافة إلى :
ـ ثمانية أعمال روائية صغيرة ذات طابع وطني تحت مسمى كيمانسانيا(الكمياء
الإنسانية)
ـ ثمانية أعمال روائية صغيرة تحت عنوان : كنز ممتاز بك .
ـ عمل روائي طويل واحد ، تحت عنوان : عيلة الأستاذ .
ـ عشر حكايات للأطفال .
ـ عدد من الدراسات الأدبية و الفكرية نشرت في الصحف الكويتية ( الرأي العام
ـ القبس ـ الوطن ) و العربية في أمريكا ( أنباء العرب ـ العرب ) و بعض
المواقع الالكترونية المهتمة بالأدب .
قراءة هذه المرة مختلفة جـداً . لأنّها لن تعانق ما جدّ في فن الكتابة
القصصية . و لن تسبح مع سـوانح الحداثة ... و لكن ستركن بعض الوقت في رياض
الكلاسيكية الأدبية . التي ـ رغم كلّ التطور الذي عرفته المعارف و الفنون ـ
لا زالت تعلن للجميع : "أنا هنا" .
و للأسلوب القصصي الكلاسيكي عشاق كثر ، و بخاصة في شرقنــا العـــربي ،
الذي يعشق التراث و الأصالة . و يستعذب نكهة الماضي وما فيها من لمع
الإبداع ، و طيب الذكريات ، و روح المعاني ، و عبق التاريخ ....
و هذه الكتابة ، و إن كانت تبدو للجيل الحاضرغريبة فنيا بعض الشّيء ،لأنه
لم يألفها . و لم يتتلمذ على كتابة روادها . فإنّ أجيالا سابقة كجيلي مثلا
، يجد فيها لذة و متعة ربّمـا لا تيسّرها نصوص حديثة أو حداثية . و المسألة
ليست في حدّ ذاتها إعجاباً بالذي كـــان و نفوراً مما هو كائن . كلا .
فللأساليب الكلاسيكية نكهتها و طعمها . و للأساليب الحديثة في فن القصّ
جدّتها و طلاوتها . و كلّ سام في إبداعه و نسقـه .
و لكن من شدّة ما نرى الحديث و المستحدث ... قد ننسى تراثـا قصصياً لا يقدر
بثمن ، تلفه الكلاسيكية ، و تحتضنه بقوّة ، و كأنّها خائفة عليه من غوائل
الزمان ، و دواعي الضّياع . و جحود الأبناء و الأحفاد ، و أحفاد الأحفـاد .
لهذا حين نقرأ للأستاذ نزار بهاء الدين الزين ، و لو قصصاً قصيرة جداً أو
ومضات في شكلها الحديث ... فنحن لا نخرج من معالم الكلاسيكية الرّائقة. أو
كأنّ الكاتب نفسه و هو يبحث عن الجديد في الشّكل . يأبى إلا أن يمنح نصوصه
روحا كلاسيكية قصصية . و كأنّه يعبّر بذلك عن أصالة
originalité
تأبى أن تفارق قلمه . و عن تراث ضارب جذوره في العمق ، يأبى أن يفارق حبـره
.
و بين التجديد في الشّكل و كلاسيكية الأداء : لغة و أسلوبا ، تنبثق زهور
القاص نزار الزين ، تفوح بأريج خاص جداً . لربما لا يوجد له مثيل إلا عند
ثلة قليلة من قصــــاصي '' واتا '' أذكر منهم : ثروت الخرباوي ، الشربيني
خطاب ، ابتسام إبراهيم تريســــــي ، حورية البدري ، فائزة شرف الدين ،
صلاح م ع أبو شنب ، حسن عبد الحميد الدراوي ، مخلص أمين رزق ، صلاح الدين
محمد أبو الرب ، مرعي حيادري ، أملي القضماني إيمان عبد العظيم ، ريمة
الخاني .....
و البقية لا يستهان بها كلّها من عشاّق الكلاسيكية الأدبية القصصية .. و
لكن بدون تحجّر أو تقوقع ، أو تعسف و تشدّد ...بل بانفتاح على الجديد ،
بحذر و تؤدة و شغف و عناية . و هذا ما نلاحظه في هذه المجموعة من القصص
القصيرة جداً، و هذه الومضات، للقاص نزار بهاء الدين الزين .
شذرات
ق ق ج
نزار ب. الزين*
تحت هذا العنوان جاء الكاتب بأربع قصص قصيرة جدا أو ومضات
(1)الحق على المرآة
صحت السيدة /نوّارة/ من نومها و بعد أن غسلت يديها و وجهها ، لاحت منها
التفاتة إلى المرآة ، فهالها مارأته ، فللمرة الأولى تنتبه إلى تجاعيد
خفيفة حول عينيها ، أحضرت منديلا ورقيا ، ثم أخذت تنظف به المرآة بكل ما
تملك من قوة ، و لكن لخيبة أملها لم تتغير الصورة ..
التفتت إلى زوجها الذي قدم لتوه إلى الحمام متوسلة : " أرجوك يا أحمد غيِّر
لي هذه المرآة بأسرع ما يمكنك !"...
'' الحق على المرآة '' قصة قصيرة جداًvery
short story
تتسم بمتعة خاصة ككلّ القصص النّفسية ، أو التي يكون لها طابع نفسيّ . فهنا
نحن أمام ظاهرة نفسية تعرف في علم النّفس بالاضطراب التّحولي
disorder
conversion
الشيء الذي يؤدي إلى الهلع
panique
فالسيدة نوارة لأوّل مرّة تكتشف تجاعيـد حول عينيها . فبادرت إلى منديل
ورقيّ ، و مسحت المرآة جيـداُ .و لكن التجاعيد ظلّت كمـا هي ، فالتفتت إلى
زوجها قلقة ، و طالبته أن يغير المرآة بأسرع ما يمكن .
ترى ماذا أراد السّارد أن يمرر من خلال هذا النّص ؟ هل المرأة تشكّ فيمـا
تعكسه المرآة ؟ أم تشكّ في المرآة نفسها ؟ هل ما رأته أقلقها ؟ هل هو بداية
خوف من فعل الزّمن ؟ هل النّص يلفت الانتباه إلى علاقة المرأة بالمرآة ؟
هل النص يكشف بعضاً من نفسية المرأة ؟
َأعتقد أنّ كلّ هذا وارد و أكثر . و هذا وحده يكفل نجاح النّص . و يجعله
قصّة تستحقّ القراءة . فالتّجاعيد رمـز لتقدم السن.ذلك التّقدم الذي له
أثره الواضح و الذي قد لا تُخفيه دائماً المساحيق ، و أدوات التّجميل ، بل
ولا عمليات التّجميل ..الشّيء الـذي يؤرق المرأة . التي تعتبر جمالها و
نضارة و جهها ، رأس مال ينبغـي الحفاظ عليه مدى الحياة . و ليت ذلك ممكناً
!! لهذا السّيدة نوارة ترفض ما تـرى من تجاعيد . و تشكّ في المرآة أن تكون
جيدة الصّقل و النظافة.وهي في ذلك كمـن يخادع نفسه . أو يوهمها أنّ الواقع
شيء مختلف . و يأبى الواقع إلا أن يكون واقعـاً .
(2) رجاء
أرجوك يا جارتي العزيزة ، أن تكفي عن نشر ملابسك الداخلية على الشرفة ،
فإنّ بِكري أَنَس دخل مرحلة المراهقة ..
'' رجاء '' ومضة جميلة ، عفوية تلقائية.بسيطة سلسة... و لكنّها عميقة في
دلالتها . نابضة بمعانيها، لا فتة بأبعدها. لا أكتم انّني حين قرأتها
ابتسمت . ثمّ عدت إلى نفسي أعاتبها : ترى لماذ أبتسم من ومضة تحمل زخماً
من الدلالات في بضع كلمات ؟ !
فوجدتني أقف عند العنوان '' رجاء '' و الرجاء : من التّرجي ، بمعنى ارتقاب
شـيء لا وثوق بحصوله . إذاً ( أرجوك يا جارتي العزيزة ) توسل سيبقى معلقا ً
بدون أمل . لأنّ الجارة ،لا بدّ أن تنشر غسيلها، بما في ذلك ملابسها
الداخلية على الشّرفة . و ما دام الأمر يتعلق بالشرفة، معنى ذلك ليس هناك
مكان آخر للنشرغيرها . و مـا دامت علّة الرّجاء تتعلق بالمراهق الابن البكر
أنس ، فالمسألة أخذت مساراً آخر ، فيه خوف الأمّ على ابنها ، و مدى انشغاله
بما يرى على حبل الغسيل ، و في ذلك انجذاب خفيّ إلى الجنس الآخر، و ربّما
في هذا السن (المراهقة) المسألة ليست بالهينة.و خوف الأمّ و إن كان مبالغاً
فيه.و لكن خوف الأمّ دائماً لا يقاس بالمنطق،و الموضوعية، و العقل .
إذاً نحن أمام محفّز ( الملابس الداخلية ) للجارة . و ضحية تابع لأهوائـه (
المراهق )
و خوف و قلق يسكن الأمّ . و كلّ ذلك إنّما هو بمثابة رمز لما أصبح عليـه
وضـع مراهقينا . و هم في فورة من الحياة و الحيوية ، لا يجدون أمامهم إلا
ما يزيدهم فوراناً و اندفاعاً ... كالذي نجده في المواقع الإباحية ، و تفشي
الرذيلة ، و الزنا المقنـن و شبه المقنن و غير المقنن.و من هذه الزّاوية
يصبح خوف الأمّ ( رمز لخوف الأولياء ) موضوعياً وجاداً ..فهل تكفّ الجارة
عن نشر ملابسها الداخلية( رمزالإغراء والجنس)؟
أعتقد أنّ من تملك شرفة ، لا يمكنها إلا أن تنشر فيها ما تشاء . و أنّ
المراهق سيبقى متعلقاً بالشّرفة،و ما ينشر فيها.و خوف الأمّ و رجاؤها
سيتواصل ...ما لم نهتم بقضايا المراهق ، فنجد له البديل الذي يصرف فيه
طاقاته و عنفوانه الزائد : كالرياضة و الفنّ و الإبداع عموماً ... و ما لم
يضع حدا لدواعي الإغراء و الفاحشة ...
هكذا يتبيّن أنّ و مضة '' رجــاء '' جاءت ـ رغم قصرها ـ زاخرة بمعاني كبيرة
: تخصّ خوف الأباء عن أبنائهم ، واضطراب حياة المراهق و انحرافها،و
انتشارالإغراء و الفاحشة ....بدون رادع أو مانع ...
(3) تراجع سريع
" إذا تزوجتَ من ديمة، سأحرمك من الميراث " قال له والده .
يُهرع رضوان إلى الهاتف ثم يخاطب محبوبته برنة حزينة : " إنسي رضوان و كل
ما كان "
'' تراجع سريع '' و مضة أخرى على غاية من الإيجاز و الفائدة ، و المتعة
الرائقة :
لفتة إلى الأباء الذين لازالوا يرون حياة أبنائهم ملكا لهم ، كما هي
ثرواتهم و أملاكهم . ينسون أنّ للأبناء حياة خاصّة بهم ، و آراء قد تخالف
آراءهم ، و أذواق قد لا تتفق و أذواقهم . ففي النّص : أب يتوعد ابنه إن
تزوّج ديمة سيحرمه من الميراث . تهديد لم يملك بعده الابن إلا الاستسلام
لرغبة والده ، فيتلفن لحبيبته قائلا : (إنسي رضوان و كلّ ما كان ")
و مضة تحيلنا على قوّة المال ، فرغم أهميتها في الحياة ، كم أصبحت تنجزمن
بشاعة في حياتنا.لدرجة التّخلي عن أسمى عاطفة تجمع البشر( الحب) و في ذلك
رمز للعصر المادّي الذي نعيشه.إذ أصبحت العواطف تقاس بالدّرهم و الدّنار .
وأصبحت المبـادئ تنهار و تتلاشى هباء أمام بريق المال . حقيقـة لا مراء
فيها . لدرجة أصبحـت في دنيـانا الفضيلة ،و المرؤة ، و الحب ... هامش و
استثناء . بينما المال كاد يغطــي كــلّ شيء .
(4) بــــــراءة
قال العجوز لطفلة الثانية عشر ربيعا ، ممازحا : " آه لو كنتُ أصغر سنا ببضع
سنوات ، لما تركتك لغيري ! " ؛ فأجابته بكل براءة : " و الخالة أم عمر كيف
سنتصرف معها ؟! "
'' بــــراءة '' و مضة أخرى تعبر عن الرغبة المستحيلة ، و الرجاء الذي يبقى
سجين دائرة التّرجي . و سواء كان العجوز يمازح فتاة الثانية عشر ربيعاً .
أو كان محقاً . فهي رغبة تكللها الاستحالة . و لكن ما دفع عجوزا لقول ما
قال ؟ هل هي نـزوة و تصابي ؟ هل هي مراهقة متأخرة ؟ هل هو الإعجاب بجمال
الفتاة ؟ قد يكون بعض هذا أو كلّ هذا .
لكن ما يستوقف في هذه الومضة أنّ السّارد قال : ( فأجابته بكلّ براءة )
فكلمة : براءة لا تعبّر عمّا جاء بعدها لأنّ الفتاة تقول : (" و الخالة أمّ
عمر كيف سنتصرف معها ؟! ")
جواب بعيد عن البراءة !! فهو جواب فتاة تفهم جيداً ما يقصده العجوز .
فلو كان جواب الفتاة مثلا : و أين ستـأخذني ؟
أو : ماذا تقصد بغيــرك ؟
أو : كلا يا عمّ ، أحب البقاء مع والدي .
هذه إجابات بريئة . أمّا ( الخالة أم عمر كيف سنتصرف معها ؟ ! ) كلام عـار
من البراءة . و كلام كبيـر !!
(5)إعتـــــــــذار
ق ق ج
نزار ب الزين*
تحت هذا العنوان أورد القاص هذه القصص الثلاث التي يجمعها خيط رفيع ....
ـ أ ـ
أعلنت دائرة اليانصيب الأرقام الرابحة ، فوجئ سعيد بأنه يحمل رقم الجائزة
الأولى و قدرها عشرة ملايين ليرة سورية ؛ هرع و معه شقيقه ، و هما يكادان
يرقصان فرحا .
فوجئ سعيد بلوحة إعلان كبيرة معلقة فوق المدخل ، كُتب عليها : " نعتذر عن
تقديم الجائزة الأولى ، فقد اكتشفنا عطلا بعجلة الحظ ! "
قصة قصيرة جداً ، نجملها في المثل المصري ( يا فرحة ما تمّت ) سعيـد فــاز
في اليانصيب و كانت الجائزة الأولى من نصيبه . ذهب مع أخيه لتسلم جائزته
التي قدرها عشرة ملايين ليرة سورية ، و الدنيا لا تسعهما فرحاً. و لكن عند
المدخل فوجئا بإعلان يُخبر أنّ الجائزة الأولى ألغيـت لاكتشاف عطل بعجلة
الحـظ .
تبدو القصّة بسيطة . إن لم أقل غير مقنعـة . لأنّ الإعلان عن الجائزة لا
يترك مجالا للشكّ ولا للمناورة، و هي مسألة مال ، و ليست لعبة كباقي
اللّعب. و يمكن للزبون أن يحاجّهم ، و يرفع شكوى ضدّهم . و من المحتمل جداً
أن يربح قضيته ... ولكن لا أظن أنّ القصّة تهدف إلى كلّ هذا ، و لا حتّى
مصداقيتها من الواقع و إنّمـا تحاول تمريـر خطاب ما ، فحواه،أنّ الرزق ـ
بغض النظر عن الحلال أو الحرام ـ لا يمكن أن يحرز عليه المرء إلا إذا كان
من نصيبه : أعلنت النتيجة ، و كان الأوّل ، و طار فرحاً ... و لكن الجائزة
ليست من نصيبـه ، و الحـظ ابتسم ، و لكن لغيـره ....
ـ ب ـ
أعلنت وزارة الداخلية في دولة عربية غنية ، أن من مر على إقامته المشروعة
في الدولة أكثر من خمس سنوات ، يحق له التجنس ، و أن هناك خمسة مراكز
للتسجيل ..
فاندفع المقيمون من مختلف الجنسيات العربية ، و تزاحموا أمام مراكز التسجيل
...
في اليوم التالي ، أعلنت وزارة الداخلية عبر وسائل الإعلام :
" نظراً للأعداد الكبيرة المتقدمة للتجنس ، فقد قررت الحكومة – آسفة - سحب
القرار المذكور ، و إغلاق مراكز التسجيل " .
قصة أخرى تتضمن مفهوم الاعتذار . في دولة عربية غنية تعلن وزارة داخليتها
أنّ جميع من أقام في البلد إقامة شرعية أكثر من خمس سنوات يحق لـه التجنس
فهـبّ المواطنون العرب المقيمون بطلب الجنسية . فهال الحكومة هذا العدد
الهائل . و لربّما تصورت أنّ مواطنيها الأصليين سيصبحون أقلية في وطنهم .
فبادرت إلى إلغاء القرار و إغلاق مراكز التّسجيل . و مرّة أخرى ( فرحة ما
تمّت ) و هذا الذي جـاء في النّص سواء كان خيالا أم حقيقة . فهو أمر جائز .
لأنّ السياسات العربية كلّها تبني صرحها على الارتجال و الآنية و اللّحظة
... و على حافة جرف هار ...
فنيـــا : يطيب للقاص الانسياب اللّغوي البسيط . و لا يهتم بأساليب الحذف و
الإضمار مثلا . ليضفي على النّص نوعاًُ من التّكثيف و الإيجاز و الضّغط .
ففي كلّ ما قرأت له . أجد نفس النّهج : عرض بسيط و قفلة . هل هو اختيار و
اقتناع ؟ أم ترى لم يصادف من النّقد و النّقاد من يقول له عكس هذا المسعى ؟
لست ضد البساطة في التّعبير إن كانت فنية . و لكن لا أفضل أن تكون نهجاً
رئيساً في كلّ الكتابة . لأنّ للنّص سلطة،و سلطة قوية ، تفرض اللّغة
المناسبة، و الأسلوب المتجانس . فالقصة النّفسية لها لغتها و أساليبها، و
كذلك القصّة البوليسة و الاجتماعية و السياسية و حتى القصّة الغرائبية و
قصص الرّعب ... بمعنى أنّ لباساً واحداً لا يمكن أن يكــــــون لباس الجميع
!! ومن تمّ تبقى حتمية التنوع المرتبط بالنص واردة .
ـ ج ـ
في مكرمة ملكية ، قررت الحكومة تقديم علاج مجاني لمرضى الإيدز و السرطان ..
في العام التالي : أبلغت وزارة الصحة المنتفعين بهذا القرار تحريريا : " أن
علاجهم المجاني سوف يتوقف بعد أشهر ثلاثة . و أضاف معتذرا ، بأن الدولة
قررت خصخصة الجهاز الطبي الحكومي و بيعه لشركات استثمارية أجنبية " .
و تأتي القصة االتالية في باب الاعتذار دائماً و في بند ( فرحة ما تمّت ) و
تبعاً للقصتين السّابقتين من حيث الفكرة . جاء في النص : قرّرت الحكومة
امتثالا لمكرمة ملكية علاج مرضى الايدز و السّرطـــان مجانـاً . و بعدعام
ليس إلا . اعتـذرت الحكومة للمرضى و أخبرتهم أنّ العلاج سيتوقف بعد ثلاثة
أشهـر . لأنّ الدّولة ستخصخص الجهـاز الطبــــي العمومي. بمعنى . جهزوا
أنفسكم للموت بعد ثلاثة أشهر من الآن .
و هكذا تنصلت الحكومة من واجبها. وأنّ المَكرمة الملكية ليست وصلة مستمرة
إلى الأبـد. و على جميع المرضى الاعتمــاد على أنفسهم في مقاومة مــرضين من
أخطـــر الأمراض و أفتكها بالبشريـــة .
فنـيـــا : كانت القفلة جيدة ، و كادت أن تكون أجود لو جاءت بدون شرح أو
توضيـح ... مثلا : ( الدولة قررت خصخصة الجهاز الطبيّ الحكوميّ . ) و
الاستغناء عن الجملة التالية : ( و بيعه لشركات استثمارية أجنبية )
فالخصخصة كافية و هي تعني ما يليها . و لا يهم أن يكون المشتري محليا أو
أجنبيا . فالذي يُفهم من الخصخصة أنّ الدّولة رفعت يدها . و تركت المجال
للآخرين ، الذين لا يعرفون إلا المال و لا شيء غير المال .
(6)رجعيــــــني
أقصوصة
نزار ب. الزين*
قالت نوال ذات السابعة لأمها بكل جدية و تصميم :
- ماما ، ألم تقولي أنني جئت من بطنك ؟ أريد أن أعود إليه ..
ضحكت الأم ، ثم أجابتها :
- و لكن ما الذي يدفعك لهذا الطلب ؟
أجابت نوال و قد بدأت قطرات من الدمع تنبثق من مقلتيها :
- أبي يضربني إذا لم تكن درجاتي الشهرية كاملة ، وأنت تضربينني إذا لم أنفذ
بدقة ما تأمرينني به ، و المعلمة تضربني لأتفه خطأ قد أرتكبه في القراءة أو
الإملاء ، و البنت الكبيرة من الصف الخامس تضربني إذا لم أعطها مصروفي
اليومي ....
ثم أجهشت بالبكاء قبل أن تكمل قائلة :
و بابا بالأمس ضربك ، يعني عندما أكبر و أتزوج سيضربني زوجي ؛ و أنا لم أعد
أحتمل الضرب .
أرجوك يا أمي رجِّعيني ..
'' رجعيني '' قصة تختار كتيمة لها العنف ( الضّرب ) طفلة في السّابعة تضيق
ذرعاً بما تعانيه من الضّرب:من طرف الأب، إذا تهاونت في المدرسة . و من
الأم إذا ساء سلوكها و من المعلمة لأتفه خطأ . و من البنت الكبيرة في الصّف
التي تبتزها مصروفها اليومي .. ثمّ إنّها لاحظت أباها يضرب أمّها . فحلّق
بها خيالها بعيداً ، كيـف ستكون في يـوم ما زوجة ، و يضربها زوجها . فأحست
أنّ العنف يلاحقها مدى الحياة . و أنّها كانت في يوم من الأيّام أمنة
مطمئنة في رحم أمّها . فلو عادت لاستراحت من العنف المسلط عليهــــا .
طبعاً نحن نعرف أنّ رجوعها مستحيلا . و لكن في نفس الوقت نعلم الآن أنّ
ضربهـــا و ممارسة سادية الكبار عليها ، شيء لا يقبله العقل و المنطق .
فالنّص إذاً بمثابة جرس يدقّ بقوّة . ينبه لخطورة العنف ضدّ الأطفال . بل
وضدّ الكبار أيضاً ( كضـرب الــزّوج زوجتـه) ز فتربية العنف ، لا ينجم عنها
إلا النفور و البغضاء و عدم التساكن ....
يبدو أن الخطاب قد مرّر بسلاسة ويسـر .
(7) البـــــــويجي
أقصوصة
نزار ب. الزين*
في يوم قائظ ، كان يجلس في ركن ظليل من أرضية مبنى كبير و أمامه صندوقه
المُلبَّس و المزخرف بالنحاس البراق ، مشكلا قطعة فنية تلفت النظر ؛ تقدمت
منه فرحب بي ، ثم باشر على الفور . و بينما كان منهمكاً في عمله المتقن ،
تقدم منه طفل في العاشرة ، فناوله بضعة قروش و هو يقول له مبتهجا :
- ( بابا ) لقد بعت جميع الأكياس ، هل أذهب إلى البيت ؟
يجيبه :
- (إولا)*... لا زال اليوم في أوله ، خذ مجموعة أخرى و اسرح بها ، و إلا
...
بعد دقائق قليلة ، تقدم منه طفل في الثامنة أو التاسعة من عمره :
- ( بابا ) بعت خمسة أمشاط و مسبحتين ..
ناوله القروش التي جمعها ، ثم مضى يكمل مهمته .
أثناء مباشرته بتلميع ( فردة ) حذائي الأخرى ، قدم طفل ثالث في السابعة من
عمره و بيده حلوى يأكل منها متلذذاً ، فتناول منه القروش التي جمعها بيد و
صفعه باليد الأخرى فألقاه أرضا و قد علا صياحه.
--------------------------
البويجي : ماسح الأحذية
إولا : ويل لك
'' الوبيجي '' ماسح الأحذية ، قصة تعالج موضوع تشغيل الأطفال .التي يلجأ
إليها بعض الأباء لزيادة دخل الأسرة . فماسح الأحذية الذي قصده السّارد ،
له ثلاثة أولاد أكبـرهم في العاشرة،و أصغرهم في السّابعة . كلّهم يشتغلون
في بيع الأكياس و الأمشاط و المسابيح و كلّما باعوا و عادوا إليه يصرفهم
مرّة أخرى للبيع. و أصغرهم اشترى حلوى و جــــاء يتلذذ بها ببراءة ، فسلّم
القروش إلى أبيه ، و تلقى صفعة قوية ألقته أرضاً . لأنّ ـ حسـب الأب ـ ما
كان عليه أن يشتري الحلوى . بل عليه أن يستبقي كلّ القروش .
فنيــا : قصة تصويرية ، الغرض منها التنبيه لمسألة تشغيل الأطفال . و
استغلال براءتهم في أعمال ليسوا مأهلـين لها ...
يحافظ الكاتب على طريقة الوصف ، و اللّغة السردية البسيطة العادية . بعيداً
عن التقعّر اللفظيّ ، أو الغوص في المضامين ، أو الالتفاف بالرّمز و
التّكثيف ، أو اعتماد أساليب الإيحاء و التّأويل ...
لقد نجح السّرد في إيصال جشع الأب ، و عدم الرّفق بأبنائه . كما نجح في
إبراز مدى المعاناة التي يقاسيها أطفال في عمر الزهور ، كان الأولى أن
يكونوا في المدرسة ، و أن يشبعوا لعباً و مرحاً مع أقرانهم ، و أن يتمتعـوا
بطفولتهم التي لن تعود أبـداً.و قد بقي السّارد محايداً ، و إن كان مشاركاً
، و هو بذلك رمز للمجتمع في وضعه السلبي ، الذي يقف وقفة غير المهتم ، و
غير المبالي . و كأنّ أمر تشغيل الأطفال لايهمه في شيء !! و كأن الأطفال
ليسوا هم بناة المجتمع غداً ، و أطيافه المختلفة ... !!
(8) لا تخاطبني بالعربية
ق ق ج
نزار ب الزين*
حدثني صاحبي فقال :
نتردد أنا وزوجتي من حين لآخر على نوادي المسنين ، للتعارف أو المطالعة ، ،
و نتناول طعام الغداء هناك أحيانا ؛ و ذات يوم اشارت لنا إحدى معارفنا نحو
رجل يجلس في وسط القاعة ثم قالت لنا : " إنه عربي مثلكما ، و إسمه فوزي ! "
، فتوجهت على الفور نحوه ..
ثم ..
قلت له مهللاً فرحاً : " مرحبا يا سيد فوزي !! " و لذهولي و دهشتي ، أجابني
ممتعضا و بكل جفاء : " أرجوك ، لا تخاطبني بالعربية "
'' لاتخاطبني بالعربية '' قصة عن الاستلاب الفكري و الثقافي . إذ لم يحدث
أن كان العربي مستلباً كما هو في زماننا . أحاطت به الفرنكفونية
la francophonieو
الأنجلوساكسونيةanglo-
saxonne
فأصبح عبد حضارات غريبـة عن تراثه و ثقافته و لسانه . فانغمس فيها إلى درجة
التحلّل و الذّوبان و بخاصة مغتربينا . و كأنّ الأمر ليس الاستفادة و
الإفادة و التبادل و الأخذ و العطاء . و إنما الخضوع و التبعية .... إذ لم
تعد تربطه بالأصل إلا هذه البشرة السّمراء الداكنة التي لو أمكنه لاستبدلها
ببشرة أخرى بيضاء ناصعة ، و شعر ناعم أشقـر ، و لا بأس من عدستين زرقوتين
...
فالقصّة ـ رغم بساطتها ـ تكشف الغطاء عن سوءتنا . و ما آل إليه بعضنا من
التّردي في الاغتراب و الاستلاب :
حكى صاحب الراوي أنّه يرتاد ناد للمسنين هو وزوجته قصد التّعارف و
المطالعــــة و الأكـل . فنُـبّه ذات يوم إلى وجود عربيّ في النّادي فحنّ
الرجل لدمه و فصيلته ، فاقترب منه بعد أن عرف اسمه مهللا مستبشراً قائلا :
مرحبا يا سيد فوزي !
و لكن الضيف العربيّ بادره ممتعضاً و بجفاء :( أرجوك لا تخاطبني بالعربية.)
هكذا ينسلخ بعضنا عن جلدته، كما تفعل الثّعابين و الحياّت، و إن كانت هذه
الأخيرة تبقى على أصولها. بينما بعضنا يفقد أصله ، فترفضه و تنبذه باقـي
الأصول الأخرى . فيبقى في مهب الرّيح بدون أصل يميـزه.
و لكن ماذا لو أمعن السّارد في السّخرية من هذا المستلب المسكين و جعله
ينطق القفلة : بدل :(أرجوك لا تخاطبني بالعربية ) بـ (Please,
do not Takatabni Arabic)
ففي ذلك مزيد من تعرية شخصية المستلب . الذي ينطبق عليه ( مشية الغراب )
يقال أنّ الغراب حاول تقليد مشية الحمامة ، و حين حاول الرجوع إلى مشيته
نسيها ، و حين حاول العودة إلى مشية الحمامة نسيها، و أصبح ينطّ نطّاً
غريباً .
(9) بلا بيت و جائع
ق ق ج
نزار ب. الزين*
كثر الحديث ، عن المشردين – و يطلق عليهم في أمريكا " هوم لِس " أي من لا
بيوت لهم – و كيف أنهم انتشروا مؤخرا عند تقاطعات الإشارات الضوئية بشكل
لافت ، و فيهم نساء و رجال ، شبان و شيب .
" لعل ذلك راجع للأزمة الإقتصادية التي تمر بها البلاد" علق رئيس تحرير
صحيفة " الزمن " اليومية ، ثم كلف الصحافي "دنييل " بكتابة تقرير متكامل عن
هذه الظاهرة ..
و لكي يكون تقريره صادقا ، أراد "دانييل" بداية أن يختبر الناحية الربحية
لهؤلاء ، فترك العنان للحيته لتنمو عدة أيام ،
ثم ...ارتدى ملابس رثة ،
ثم .... كتب بيده على قطعة من الورق المقوى " بلا بيت و جائع " كما يفعلون
،
ثم .....انتقى أحد التقاطعات ،
ثم ......وقف في إحدى زواياه ..
بعد حوالي ثلاث ساعات ، ترك موقعه و توجه إلى سيارته ليأخذ قسطا من الراحة
، فشعر بثقل جيوبه الملآى بمختلف الفئات النقدية المعدنية ، و لدهشته
الشديدة تجاوز ما جمعه منها حين أحصاها ، المائة دولار !
في اليوم التالي ، و بدلا من أن يقدم لرئيس التحرير تقريره ، قدم له
استقالته !.
'' بلا بيت و جائع '' قصة قصيرة جداً ، و إن كانت أطول من سابقاتها. حقاً ،
لم تعمد إلى التكثيف اللّغوي كما هو سائر عند جلّ كتاب هذا النوع من
السّرديات . و حقاً ،أنّها تعتمد أسلوباً لا يختلف كثيراً عن أسلوب القصة
القصيرةshort
story
و لكن في جميع الأحوال لا يمكن إلا اعتبارها قصّة قصيرة جـداً.
الكاتب يتمتع بأصالة
originalitéفكرية
و فنية و أدبية خاصة. و في كلّ ما قرأت له ـ و كا أسلفت ـ يكاد لا يحيد على
ما يؤمن به كنسق
enonciation
في الكتابة .
في هذه القصة : اهتمّ رئيس تحرير صحيفة ( الزمن ) بظاهرة المشردين '' هوم
لس '' فأرسل الصحافي دانييل ليعدّ تقريراً صحفياً . فارتأى الصحافي أن يدخل
التّجربة ليعرف كم يحصل المتشرد المتسول من مال في اليوم . فترك لحيته و
أهمل ملابسه ثم كتـب على قطعة من الورق( بلا بيت و جائع ) فوقف عند أحد
التقاطعات و بعد ثلاث ساعات من التّسول التّنكري أحصى أكثر من مائة دولار
حصل عليها.اندهش.وعاد إلى رئيس الصحيفة باستقالة بـدل تقريـر صحافي .
فنيـــاً :
1 ـ القصة من النّوع الأحدي البعد . تشير إلى أنّ الظاهرة لم تنتشر لو لم
يكن من ورائها ربح سهل . و ما تحول دنييل ( الصحافي ) إلى متسول إلا لكونه
وجدها عملية مربحة ، قد تذرّ عليه ما لا تذرّه الصحافة، مهنة المتاعب .
2 ـ عمدت القصة إلى الشّرح و الجمل التّوضيحية : (و يطلق عليهم في أمريكا "
هوم لِس " أي من لا بيوت لهم )
3 ـ توظيف الأسلوب الغربي في الكتابة ، الذي لا يجاري الأسلوب العربي( "
لعل ذلك راجع للأزمة الإقتصادية التي تمر بها البلاد" علق رئيس تحرير صحيفة
" الزمن" اليومية)
4 ـ استعمال الكاتب لحرف العطف ( ثم ) بشكل لافت. مع أنه من الممكن
الاستغناء على الأخيرة منها . ( ثم ......وقف في إحدى زواياه ..) و عموماً
لو أعيد النظر في الصياغة لهذب النّص و مال إلا الكثافة .
5 ـ أشدّ ما شدّني في هذا النص : القفلة . ما توقعتها أبداً و ما انتظرتها
. و هذا جميل جداً : ( في اليوم التالي ، و بدلا من أن يقدم لرئيس التحرير
تقريره ، قدم له استقالته !. )
(10) التربيـــة
ق ق ج
نزار ب. الزين*
تحت هذا العنوان أورد الكاتب ثلاثة نصوص تدور في فلك واحد
-أ-
كانت إصابات الفتاة بالغة استدعت إدخالها غرفة العناية المركزة ، في أثناء
ذلك استدعيت والدتها إلى غرفة المحقق
"من اعتدى على ابنتك بهذا الشكل الوحشي و كاد يفتك بها ؟ " سألها المحقق ،
فأجابته و قد ترقرق الدمع في عينيها : "إنه والدها ، نعم والدها ؛ تنامى
إليه – و قد كلف أحدهم ليتجسس عليها - أنها مشت إلى جانب أحد زملائها أثناء
الإنصراف من ثانوية البلدة ، و أنها كانت تتبادل معه أطراف الحديث ؛ فجن
جنونه ، و أصر على ذبحها و الشرب من دمها ، و لولا استغاثتي و تدخل الجيران
لفعل ، إنه مهووس ، إنه وحش آدمي...!"
أغلق المحقق المحضر ، و هو يقرر قائلا : " إنه والدها ، و من حقه أن يربيها
!"
كأني بالكاتب قد حنّ لعمله الأول التربية و التعليم . فعاد يستقي النظريات
التي ينبغي أن تكون ، و الأخرى التي ينبغي أن تزول ، في مجتمعاتنا العربية
المترهلة بما فسد مــــن التقاليد العتيقة . و الأفكار المتجاوزة . و
العقليات المتأخــرة .... و بخاصة فيما يتعلــق بتربية الفتاة و تنشئتها :
كانت البداية في غرفة الانعاش و العناية المركزة . حيث نقلت تلميذة في
الثانوي . و قد أصيبت إصابات بالغة . سأل المحقق الأمّ عمن فعل بابنتها هذه
الفعلة الشنعاء الوحشية . فأخبرته بأنّه والد الفتاة . إذ علم أن ابنته
تكلم زميلا لها في الثانوية. فجنّ جنونه فأصرّ على ذبحها و شرب دمها لولا
تدخل أمّ الفتاة و الجيران.فما كان على المحقق إلا أن غلق المحضر قائلا :
(" إنّه والدها ، و من حقّه أن يربيها !") هكذا تقرّ السلطة التي تحمي
المجتمع . و كأنّي بالقفلة تحيلنا على سؤال كبيـــر : هل هكذا تكون التربية
؟
النّص لا يجيب ، و لا يعطي بديلا . و هذا شيء جميل في النّص الإبداعي.ولكن
هناك إحساس بالبحث عن البديل.بديل:تربية الضرب و العصا و الترهيب و الوعيد
و الغيرة العمياء التي تعمي البصيرة و البصر.وقد تؤدي إلى الإجرام و سفك
دماء المحارم . فإذا كان النّص يهدف فقط ؛ إلى استنهاض العزائم بغية تغيير
وضع الفتاة ، والنظرة إليها ، و إلى تربيتها بعناية و اهتمام ....فهذا
منتهى ما يراد ؛ و غاية الهدف و المسعى .
فنيـــا :
ـ تبقى اللّغة البسيطة . و الأسلوب الوصفي ، و الجمل التفسيرية بمعنى أنّ
النّص ـ لولا رغبة الكاتب في الإسهاب ـ لاختزل إلى أقلّ من حجمه ، و يأتي
على شكل ومضة نافذة مؤثرة .
ـ كما أنّ أسلوب الحوار في القصة الغربية متبع هنا أيضاً : ("من اعتدى على
ابنتك بهذا الشكل الوحشي و كاد يفتك بها ؟ " سألها المحقق)
ــ القفلة ، كانت معبرة و ملائمة ، و صادمة ....
-ب-
" هيا ، أحضري ما طلبه منك أخوك في الحال ، أما و إلا .....! " قالت لها
أمها آمرة و بلهجة متوعدة ؛ فسألتها جارتها الزائرة هامسة مستغربة : " و
لكنه أخوها التوأم ؟! " فأجابتها و قد رسمت على شفتيها ابتسامة الواثق مما
يقول : " و لكنها أنثى و هو ذكر ! و أنا إنما أربيها منذ الآن لتكون زوجة
ناجحة ! "
ومضة أخرى في مجال التربية تتعلق بتفضيل الولد على البنت، و إن كان أخوها
التّوأم. و الغاية عند الأم أن تربي ابنتها على تقدير و خدمة الجنس الآخر
الذي سيكون منـه زوجها مستقبلا ( أنا إنما أربيها منذ الآن لتكون زوجة
ناجحة ! ")
و لكن السؤال الذي تثيره القفلة.هل مفهوم التربية الحقّة الحديثة،يفرض هذا
المنطق ؟ أم ترى للتربية منطق آخر أنفع و أجدى ؟ هل تربية الخضوع و الخدمة
على عهـد الحريمأنفع ؟ أم تربية التعاون و العشرة الطيبة التي أساسها
الاحترام المتبادل ؟ النص يثير أسئلة ، الغاية منها تغيير هذا المفهوم .
بمفهوم أكثر و عيا و مسؤولية ...
فنيـــا :
ـ فضلا عن النهج المتبع في النص السابق : اللّغة الوصفية البسيطة ، و
الأسلوب الغربي في الحوار (" هيا ، أحضري ما طلبه منك أخوك في الحال ، أما
و إلا .....! " قالت لها أمها آمرة و بلهجة متوعد ) فقد جاء النص مقتضباً
محققاً قدراً من الاختزال و الابتعاد عن الاسهاب و الاستطراد . و كم كان
بودي لو أنّ الومضة بالغـت في الاختزال و حذفت منها عبارة (أنا إنّما
أربيها منذ الآن لتكون زوجة ناجحة! ) فإنّ القارئ النبيه سيصل إليها من ذات
نفسه.و تكون القفلة:( و لكنها أنثى وهو ذكر! )
-ج-
" الفارق يا أختاه يزيد على الثلاثين سنة ، ابنتك لا زالت طفلة في الثالثة
عشر ، و هو تجاوز الأربعين ، و حتى التفكير بزواجها في هذا العمر حرام ،
فما بالك إذا كان مع فارق عمري كبير ؟ " قالت سلمى لشقيقتها ، التي أجابتها
في الحال : " الزواج ستر الفتاة – يا أختي - و وقاية لها من تيارات هذا
الزمان ، أما فارق السن الكبير ، فهو لصالحها أيضا ، إذ يجعل زوجها مهابا
أمامها ، و قادرا على تشكيلها كيفما يشاء !" .
الومضة الثالثة في التربية : حوار بين أختين حول زواج بنت إحداهما في
الثالثة عشر لرجل في الأربعين.الأخت ( الخالة) تعارض هذا الزواج لفارق السن
.( حتى التفكير بزواجها في هذا العمر حرام ) أمّا الأخت ( الأم ) فتبارك
هذا الزواج : (" الزواج ستر الفتاة – يا أختي - و وقاية لها من تيارات هـذا
الزمان ، أما فارق السن الكبير ، فهو لصالحها أيضا ، إذ يجعل زوجها مهابا
أمامها ، و قادرا على تشكيلها كيفما يشاء !" )
عموماً
، مثل هذه المسألة لم تعد تطرح في المدن بحدّة ، و إن كانت موجودة بنسب
متفاوتة في مدن الخليج العربي .و لكنها لا زالت تعشعش بكثرة في البادية و
الأرياف و الأماكن النائية . وكيفما كان الحال فإنّ وجود الظاهرة بشكل أو
بآخر ، يتطلب إعادة التربية ، و تغيير الأفكار السائدة . ففارق السن ، و
العقلية ، و المستوى الثقافـي و الاجتماعي ... كلّ ذلك بمثابة قنابل موقوتة
؛ قد تنفجر في كـلّ لحظة مخلفة ضحايا : من أطفال و أرامل و خراب بيوت ...
كان من المفروض أن تكون بيوتاً قد أسست على التقوى ، و الحب ، و حسن العشرة
، و الدوام ، و الاستمرارية ...
إذاُ
؛ ثلاث و مضات لاستنهاض الهمم ، من أجل تغيير النظرة الاجتماعية ، في سبيل
تربية فاعلة واعية . الهدف منها إعداد الفتاة لعشرة التآلف ، و التّعاون ،
و التّساكن . لا عشرة الخضوع ، والاذلال ، والسّـــخرة ...
بعد هذا ، يمكن أن نخرج بملاحظات نجملها في التالي :
1
ـ ما اطلعنا عليه كان في أسلوب كلاسيكي من حيث السرد .
2 ـ في هذه المجموعة تبدو الفكرة هي الأساس.
3 ـ يلاحظ سكونية و استقرار نمطية البناء القصصي .
4 ـ يلاحظ أن القفلة قد تخرج عن دائرة المنطق .
5 ـ يلاحظ أن القفلة قد تشرح و هذا يمنعها من إمكانات التّشظي التّأويلي .
6 ـ اللغة النمطية لا يجوز أن تكون لغة جميع النصوص .
7 ـ الوصف ينبغي أن يخدم الحدث ، والحدث ينبغي أن يكون في ارتباط بالقفلة .
فرغم
هذه الملاحظات الفنية . تبقى نصوص نزار بهاء الدين الزين من النصوص القصصية
الإجتماعية التي تخرج عن دائرة الكلاسيكية شكلا . و تبقى وفية لروحها .
تستمد قوتها من قضايا المجتمع ، و هموم الناس . في عصر تماوجت فيه الأفكار
و تصادمت ... و تلاقحت فيه الآراء و تنافرت ... فالنصوص تحاول الوق
وف عند بعض االقضايا، و أهمها التربية و الإصلاح الاجتماعي، لقد جند لهما
الكاتب معظــــم حياته ولا زال ينافح كتابة و إبداعا . و رسما و تشكيلا .
د. مسلك ميمون - المغرب