الأدب  ( 2 )

 

هناك و هنا
أقصوصة
نزار ب. الزين*

 

قراءة نقدية
أجراها الأديب المغربي :

 
محمد داني




التاريخ 21/آذار- مارس/2025

هناك

• تم إعلان الإتحاد الفدرالي بين جميع الدول الناطقة بالإسبانية في
 أمريكا اللاتينية .

 • تم إعلان الإتحاد الفدرالي بين جميع الدول الأوربية و أصبح
 إسمها الولايات الأوربية المتحدة .

• إنضمت كندا و إسرائيل إلى الولايات المتحدة الأمريكية فأصبحت
 بذلك 52 ولاية .

• تم إعلان الإتحاد الفدرالي بين الصين و تايوان و هونكونغ و
 الكوريتين الشمالية و الجنوبية .

• تم إعلان الإتحاد الفدرالي بين دول الهند الصينية فيتنام و
 كمبوديا و لاوُس و تجري المفاوضات لانضمام تايلند إليها .

و الإتحادات العالمية جارية على قدم و ساق .

هنا

• انقسمت العراق إلى ثلاث دويلات طائفية و عرقية.

• انقسم لبنان طائفيا إلى أربع دويلات منفصلة .

• تم تكريس الإنقسام في فلسطين إلى دولة غزة و دولة رام الله .

• انقسم السودان إلى ثلاث دول طائفية و عرقية .

• انقسم المغرب إلى دولتين عرقيتين .

• انسحبت دول مجلس التعاون الخليجي من جامعة الدول العربية ،

و تلا ذلك انفراط عقد الجامعة و تساقط مؤسساتها .
و التفتيت العربي جارٍ على قدم و ساق.

الأبواب
الرئيسية

 

صفحة الغلاف
أدب 1
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

سيرة ذاتية

نزار بهاء الدين الزين

  
 

- تتجاوز قصصي القصيرة غير المطبوعة المائة و خمسين قصة و أقصوصة
- عشرة أعمال روائية صغيرة ذات طابع وطني تحت مسمى كيمنسانيا      ( الكيمياء الإنسانية )
- ثمانية أعمال روائية صغيرة تحت عنوان كنز ممتاز بك
- عمل روائي طويل واحد تحت عنوان عيلة الأستاذ

- إحدى عشر حكاية للأطفال
- عدد من الدراسات الأدبية و الفكرية نشرت في الصحف الكويتية (الراي العام - القبس - الوطن ) و العربية في أمريكا ( أنباء العرب - العرب ) و بعض المواقع الألكترونية المهتمة بالأدب .
أما عني شخصيا فأنا :
- نزار بهاء الدين الزين
- من مواليد دمشق في الخامس من تشرين الأول ( أكتوبر ) من عام 1931
- بدأت حياتي العملية كمعلم في دمشق و ريفها لمدة خمس سنوات
- عملت في الكويت كأخصائي إجتماعي و مثقف عام ، لمدة 33 سنة قبل أن أتقاعد عام 1990، إضافة إلى عملي الإضافي في صحف الكويت .
- كتبت أول مجموعة قصصية بعنوان ( ضحية المجتمع ) عندما كنت في الثانوية العامة عام 1949
- كتبت مجموعتي الثانية ( ساره روزنسكي ) سنة 1979
- و إضافة إلى عشقي للأدب فإنني أهوى الفنون التشكيلية كذلك ، و قد أقمت معرضا لإنتاجي الفني في شهر أكتوبر 1999 في مدينة دمشق/ مركز المزة الثقافي خلال إحدى زياراتي للوطن ضمت 55 لوحة .
أعيش في الولايات المتحدة منذ إنتهاء خدمتي في الكويت أي منذ عام 1990 و أدير حاليا مع إبني وسيم مجلة ( العربي الحر ) الألكترونية - عبر الأنترنيت ؛
و عنوان الموقع :

www.freearabi.com

 

الدراسة :

إننا أمام نصوص الأستاذ الأديب نزار ب. الزين ، نقوم بالحفر فيها لتجلية بعض جماليات هذا المبدع الشامي المغترب. تقودنا مجموعة من الأسئلة التي تلامس جوهر المتخيل القصصي في صيرورته عند الأستاذ الزين.
هذه الصيرورة تحققها مجموعة من القيم، التي يتداخل فيها السياسي بالاقتصادي، بالاجتماعي. فيخلق بذلك مجتمع مشبع بالانكسارات، والغياب، والتمرد، والإحباط. وبالتالي فالأستاذ نزار يعري في قصصه عن بؤس في الحداثة العربية كلها. إنه يكشف عن المخيال الجمعي الغربي الجريح في ظل خلفية تهدف إلى جعل الأديب العربي مثقفا يحمل هم التغيير ، والإفصاح عن الجرح مهما كانت فداحته.
والأستاذ نزار واحد من هؤلاء الأدباء الذين حملوا شعار الوعي، والخلق الأدبي، والمساءلة التاريخية من اجل التغيير، والفضح، والإدانة.
والاستاذ نزار:<< كذات كاتبة يتحول إلى متلق لرسائل واقع يدخل معه في جدل ثقافي، وتاريخي>>( محمد الدوهو، حفريات في الرواية العربية، منشورات سعد الورزازي، ط1، 2005، ص: 11).
ويرى إدوارد سعيد في كتابه( الثقافة والأمبريالية، ترجمة كمال أبو ديب، ط 2، 1988، ص: 66)، أن الموضوع السردي هو فعل اجتماعي، وإنه بهذه الخصيصة يملك داخله سلطة التاريخ والمجتمع، أو يستند إليها.
فالأديب نزار يتمثل كل هذه الأشياء ليعطي لنصوصه السردية واقعيتها، وحركيتها، داخل ظروف ذات دلالات إحالية ووجودية.

إن قصص المبدع نزار ب. الزين نجدها مشحونة بالتوتر، لما تتضمنه من شخوص مهمشة، تشعر بالدونية والتهميش، والإذلال، والاستصغار. أي إنها مسحوقة بشعور " العيش خارج التاريخ"، وهذا - كما يقول الأستاذ محمد الدوهو- يؤدي بها إلى فقدان الإحساس بالتواصل مع الزمان والمكان( المرجع السابق، ص: 13). وهذا يولد نوعا من السلبية ، والفشل والإحباط.
هذه السلبية بمكوناتها – كما أسلفنا- تخلق نوعا من الغربة والاغتراب. فتنزع الذات ن وتتزعزع ثقتها وإيمانها. هذا يسبب شرخا كبيرا قلما تستطيع الشخوص العمل على درئه.
إن الأستاذ نزار يحاول في واقعيته الجريحة هذه، أن يستنطق الذات المكلومة، ويستنطق استيهاماتها، ليجعل القارئ/ المتلقي ينفتح على حكي، وسردية صلبة، ومتصلبة، تؤثث تجربة الأستاذ نزار القصصية والسردية.
إن ما يعبر عنه الأستاذ نزار في قصصه الواقعية، هو في الواقع عبارة عن غربة جوانية ، يقابلها واقع اجتماعي صلب ، براني. وهذا يولد لدى الكاتب ن ولدى المتلقي نزعا من الإحراج Aporie. الأول- أي الكاتب- في تعرية هذا الواقع، والتعبير عنه. والثاني- المتلقي- في تقبل هذا الواقع بهذا التحول والمسخ Métamorphose الكبير.
وأمام هذا الصراع، يظهر الجمالي، والإبداعي في سرد نزار بهء الدين الزين، وهنا يظهر الإصرار في التحدي، وتغيير الواقع.
وعندما تأتي إلى قصته( هنا وهناك)، نجد الزمان يرتبط بالمكان في القصة بعلاقة ترابطية، تنبني على بنية عميقة، تعكس التناقض الحاصل ما بين الذات والوجود. هذا التناقض الذي يقوم فيها الإنسان في ( هناك)، ويتطور ويرتقي. ويقوم فيها البناء، ويتم الهدم، والانقطاع، والتفرقة والانقسام في ( هنا)، حيث يضيع الإنسان، وتتهاوى الذات. وبالتالي في هذا الفعل الوجودي الذي تنبني عليه القصة( هنا وهناك) يتم في الأولى( هناك) قبول المكان. وفي الثانية( هنا) يتم رفضه. حيث عن الأولى ( هناك) تنهض القيم، وتبنى. وفي الثانية( هنا) تضيع القيم، وتنمحي، لتحل محلها التشوهات، والمسوخات المخيفة.
من هنا تكبر في الثانية الغربية والخوف والقطيعة. وتكبر في الأولى الألفة والحميمية، والانتماء، واتساع الهوية.
وفي هذه الغربة تتقمص الذات أشكالا ، ومسوخا كثيرة، تشبه الهيولى. وأمام هذا ، تتمنى الذات من خلال صوت السارد/ الكاتب أن تحدث قطيعة بينها وبين هذا الفضاء الثاني ( هنا)، بل وان تتعمق. بعكس الأولى( هناك)، إذ يتحول الفضاء فيها إلى فضاء استقطاب ، وخصوبة، وإثبات الذات وتحقق الهوية.
هذه القطيعة التي تتمناها الذات، هي نوع من الرفض لهذا الفضاء المتفسخ، المليء بالأزمات، التي ينتج عنها توتر يستشف من كرونوطوبية السارد/ الكاتب. وهذا مؤشر قوي على أن هذه القطيعة ، والتفتيتية أو الذرية لا توجد إلا في عالمنا العربي والإسلامي. من هنا يمكن القول، بأن الفضاء العربي والإسلامي ، فضاء هامشي، وثانوي. ولا وجود له في حركية الكون. إذ يمثل فضاء العنف ، وفضاء القلق والتهميش، والفراغ، واللاانتماء.
وهذه الروتينية التي يعيشها عالمنا العربي كفضاء، تجعل منه فضاء دائريا. تتكرر فيه المآسي في فضاءاته المشمولة Englobés ، إذ :<< لا يحدث فيه شيء ذو أهمية، ويتكرر فيه المألوف، إذ يحرم فيه الزمان من نموه التاريخي، ويتحرك في دوائر ضيقة تتشابه فيه الأيام والأسابيع والشهور>> ( المرجع السابق، ص: 22). وبالتالي يشير ضمنيا الأديب نزار إلى أن هذا الفضاء العربي المتفتت ينعدم فيه الزمان، ويكتنفه الغموض. لأنه يصبح زمن الفوضى، يصبح زمنا فارغا ن لا يسمح بالشعور بالأمن والخلق والحياة، والانتماء، والاستمرارية.
عبثية الزمن، وعدميته تجعل قصة( هنا وهناك) تغرق في رمزيتها، وفي سوداويتها. الشيء الذي يجعل الذات متقزمة جدا. وبالتالي تظهر الدونية أمام الفضاء الأول( هناك)، وزمنه. دونية مطلقة الحضور.
إن السارد/ الكاتب يصف الحال العربي، متحسرا من التفاوت، واللاتطابق ما بين ( هنا) و( هناك). فهو:<< يقف متفرجا على فصول مهزلة التخلف العربي وبطء الدينامية التاريخية للمجتمعات العربية أمام زحف العولمة الثقافي والتقني>>( المرجع نفسه، ص: 28).
إن( هنا) تعيش الهامش، وتنتج أنساق التخلف، والتشتيت والتشرذم، والنعرات الإقليمية، والطائفية والعنصرية.
إن( هنا) تتحول من خلال المنظور التطابقي للسارد/ الكاتب ، إلى ذات صفر. أي إلى شكل فضاء مفرغ من معناه، ومن محتواه. لا تتولد فيه إلا المآسي. فهو بؤرة للتوتر والألم، والفراغ.
إن مثل هذا الفضاء الانقسامي، لا ينتج كقيم إلا قيم العنف، والكراهية، والعنصرية. والأمثلة كثيرة. وطل قيمة تنتج خطابها، وإيديولوجيتها لكائنات معطلة، ومتوترة، ومنقسمة.
ومن هذه المطابقة، والموازنة، نستشف ما سرده السارد/ الكاتب من موازنات، غياب صوت الوعي، والذي تمثله النخبة، وطبقة الانتيلجنسيا، والذي صوتها لا يتجاوز كل المآزق. من هنا نوقن بان قصة( هنا وهناك) ، ينعدم فيها المفتوح والخارج، أي إنها اهتمت في جدليتها، وانجذابها بالداخل والمغلق. كما تعطينا إحساسا أيضا بأن تيمة الصمت صفة ثابتة، وملازمة لهذه النخبة المثقفة في ( هنا)، ليس لأنها لا تعرف، ولكنها لا تستطيع أن توقف هذه المسوخ، وتعترض على الانقسانات، والتشوهات، لأن لا سلطة لها. فتتعطل المعرفة أمام الجهل، والعنصرية، والطائفية، والتوتر، والانقسام، والتفتيت.
والسؤال الذي يطرح نفسه، هو: هل السارد/ الكاتب يعتبر نفسه من النخبة؟. ويعتبر صوته من صوت الانتيلجنسيا العربية؟. هل صوته يسمع؟. هل يرفض تيمة الصمت، ويخرق بذلك المألوف؟.
إن الجواب على هذا الركام من الأسئلة، يجعلنا نجزم أن الكاتب الأستاذ نزار ب. الزين يبحث عن الحلم العربي، ويبحث عن المجتمع الفاضل، ويبحث عن الأزمة التاريخية يستعرضها لتكون بارودا يلهب النفوس، ويدفع بها إلى درء ذات الصدع. وما هذه المطابقة والموازنة إلا محاولة لإيقاظ الهمم، ولفت الانتباه للاندحار الشديد الذي تسير إليه الأمة العربية.
ولكن الجميل هو أن هذه الموازنة تمت بنوع من السخرية:<< والاتحادات العالمية جارية على قدم وساق(...) والتفتيت العربي جار على قدم وساق>>( القصة: هنا وهناك).
وهذه السخرية قد أعطت للقصة بعدها الدرامي، وفجرت بنيته، ليسقط قناع التقية الذي استعمله، وتسقط بالتالي رمزيته لينكشف الجرح عميقا، وتتكشف واقعية القصة المأساوية جليا.
هذا الانكشاف يؤكد إثبات واقعية الحدث المتضمن في القصة، ويؤكد واقعيته. إذا جاءت القصة في خطابها وسردها أشبه بالتقرير من القصة، أو على الأصح ، جاءت أشبه بالنتيجة الحتمية.
لكن الشيء الذي يبين براعة الأديب المبدع الأستاذ نزار القصصية، وتملكه زمام القصة القصيرة، وفنيتها، هو: أنه نقلنا من حالة التوازن السردي والواقعي إلى خالة اللاتوازن التي تعيشها الذات الساردة، والمتلقية. وذلك باعتماد التقريرية، والموازنة، والمطابقة، بالإضافة إلى الترميز والتكثيف، والإيجاز، والاختصار.
إننا فعلا أمام أديب كبير يعرف كيف يجعل قارئه يستمتع بفن القصة القصيرة..//..