قراءة
في أدبية وقصائد الشاعرة
والاديبة سولارا الصباح
بقلم : جمال السائح
(الحلقة الاولى)
......
مقدمة وتلويح
عند محاولة تطريز السمع بنافلة الاصغاء الى حكي اللغة في داخل
القصيدة التي يشتمل عليها مبضع الفكر او مشرط الحس لدى
الاستاذة سولارا الصباح ، فان للقارئ ان يجد نفسه امام عوالم
رهيبة ، يتفاقم فيها الكلام ، ويتعالى فيها الصدح ، بل يتأوه
فيها الطير ، ويتثاءب عندها الفجر ، وترنو بين اشيائها كل
الخلجات التي لها ان تتحرك بين الفينة والاخرى وهي تعلو ما بين
رحبة من الكلمات وعبارة من الجمل التي تستهدي بها نحو امتلاك
اصقاع من الاديم الوارف ..
يحس القارئ انه قد خرج من عزم القراءة الى عزم المشاهدة ، كما
لو ان ثمة تحويلة في سكك القطار تتم من دون ان يشاهدها الراكب
، لكن تلتمسها عجلات عرباته كما لو كانت تسير بفعل عاصف من
البخار المطرّد والعصف المضطرد ..
عوالم من الغرابة ، لا تحمل معها الكآبة ، لانها تلملم اوصال
الحب ، كما القصيد يصل ما بين الحس والجسد ..
في انفعالات القصيدة لدى السيدة سولارا نجد ان المسافات تتمكن
من احصاء ذرات الهواء الملقى بين تعاقب الانفاس والمناط به
اشباع الغريزة المتنائية خلف الجدران النفسية .. بكل ما اثقل
الانسان من وجع ، تحاول الكلمات في قصائدها ان ترتقي بنا
مناخات ليس لأي منا ان يهتدي اليها لولا مجسّها الروحي الذي
تنطلق بنا قاطرته صوب افنان الاجواء واوكار الاطيار بحثا عن
ريح لا تلوعها فيافي الثلج ولا مساحات من الاختناق ..
اننا امام سحب تتراكم بفعل انفاسنا المضطربة
امام اشباح تغرد كما البلابل تتلاعب بمشية الصوت بين انوال
الحناجر التي تغزل مخارج الجَرس ومآذن الوعي ..
حقا اننا امام صبح يتيه بين الاسماع والاحداق .. بل نصول ونجول
بين اروقة القصيد لديها وما نعي ان اجنحة لنا بدت تستطيل لتعبئ
لها من رحيق الايام كل ما لاح لها انها تغتسل بين جنباته لتصير
تعبر بنا المحيطات والوهاد ومن ثم القارات والازمنة لتعود بنا
من حيث استباحت الارض رعونة جليدها وفجاجة ثمارها الصارخة بكل
تنهيدة واقعت الالم حيث استرق الحلم والاشجان اللامعة ما بين
السحب والضياء
انها هنا بين الاصالة والوعي الملامس لتراجيديا الحس والتقارب
الواقع ما بين خفقان اللمسة وعذاب الجرح ، وما بين انغماسة
القلم وصخب الرعونة التي تهجس بها اوتاد اللفح الغامر لكل وقود
استاله الغيث من قبل ان تهتدي اليه انامل واعدة .. فحال
افكارها الغزيرة بالنضج والمتكاثرة بفعل التلاقح التصاعدي ،
والمتنامية بفعل التنافس غير المرئي وكنتيجة لتلقائية غريزية
تسمح للفكر ان يتعامد في زاوية التلميح والاشارة الحقيقيين ..
لان للغتها صوت عظيم يحمل كل دفيق من التلامس والترابط ما بين
الحقيقة والخيال .. لكلماتها ووحي الفعل الذهني عندها سمات
رشيقة تتناهى في الرفعة والروعة ، فكما لحروف اللغة الانكليزية
مدخل في اكثر لغات العالم حتى لتصير هذه الاخيرة تشتمل على
اغلب حروفها لكن بفعل حركات معينة واعرابات وجيزة وتداخلات
وتغييرات طفيفة تصبح لغة اخرى قائمة بحد ذاتها .. فلغة سولارا
الصباح هي الاخرى وبنفسها كذلك .. فلكلماتها البسيطة ان تدخل
في صناعة كل عظيم من الافكار والمنجزات التي ليست لأي قدرات
اخرى ان تسطع كما هي تسطع او ان تكون بقادرة على تنجيز شيئ مما
تهتم لغة الصباح بانجازه والوقوف على انشائه .. انها قدرة الرب
العزيز تتجسد في شكل هذه الحروف والافكار التي يصوغها يراع
سولارا الصباح !
بين الماضي والحاضر نجد سولارا تقف بنا على مفترق طرق بعيد ،
سرعان ما يبدو لنا قريبا ، تتناءى وصلاته ما بين احداقنا حتى
نجدها تتواصل كما العذراء تفتش لها عن سكين تقطع بها قيدها
الذي يحكم صلتها بالماضي وتسجن همزة الوصل التي تفترع الزمان
وتكيد للوجد ، تسجنها في وهدة الذاكرة ، لتخلص الى ازالة لكل
عوالق آلت الوهلة ان تتمارض عندها ما بين اغداق اللحظة فوق
ستارتها وما بين الامعان فيما دون الارخاء للحمتها ، فيظل
القاصد يرى الى ان بكارة الفكرة قد امتحت لها سوائل تنزّ من
براثن اشبال الصفاء الذي رفدنا به زمن فاضح اخر ، اغضّ من اوله
، بعد ان استوفز في سعيره كل صوامعه التي اندلع فيها لون الشفق
والغسق معا ..
وما يدري النأي الحداثي لرقيّة الايام التي اصطخبت بشكل لا واع
كي تخبل ما تبقى من لحاظ الاشكال غير السائمة بعد ان استغرقت
وعيها في تشبيك الاديم من لظى سترها ورحى صخرتها التي ظلت
ترتمي بين احضان ريم لم تزل ترعى بين الأيل ، وهي ما برحت ترصد
اسماك نوعها التي راحت تسبح بين اماق لحاظها كمن غارت بين
احداقها السائحة خلف شتات صيرورتها الزمانية والمناخية من دون
ان تبحث لها عن مأوى من ماء ينسل بين لفحاته كل نبض تائه لم
تشر اليه غمزة من نظرة او رجعة عن لمحة
هكذا النسيج للكلم يغتذي لونه بين شحوب الغربة التي تمتد خلف
الحروف التي تنطق بها الاسطر المشتعلة بين افئدة النص المتوارث
عن شعبة من شعب القدرة والابداع لدى سولارا الصباح
تلك الشعلة المتوهجة بين احداقها ، حينما تتنفس الصبح بملء
شظاها ، فانها تغادر فناء النفس لديها كي تعلق ما بين اوردة
السفر المنتحية بنواعير ايامها كل صفاء من الزمنية والجبهوية
في التقاء المفارق والتقام المسائل المنتهكة بين حواجز تتمنع
حتى على الحواجب التي لها ان تمتطي صهوات الخيل الانسانية حين
لا يكون لها ان ترعى جلمود الصخر من افرازات العقل الصائلة بين
نهمها الجبار وسيرورتها العتموية في دهاليز كل الاوراق
المرتفقة في علوها كي تحتضن سهوة لا يمل منها مأفون من الوعي
المتجلد برونق من الملموس الذي له ان يخفق بجناحيه عند رأس كل
متراس يتخندق ما بين الاسماع والابصار ..
هذا هو الحس الذي نطق به الروح الذي اسرى بكلام الصباح حينما
وعت شفاهنا بندى لا تنتقع لحظته الا بعد ان يحتسي من وجعه
المصافح للبَين الذي تنذر به ذرات الوهم وقامات الاسى التي
عامت فوق موجات الخيلاء المتلاشية وراء كل اسداء نفس من النصح
او رهبة من الرمح !
.. ما كان قد تم ارخاؤه الا بعد انتهاك وجعه ولمّ اشتاته ثمت
حين اصطبح عليه الوجه المخملي لصباح اليوم التالي وقد اخترقت
عرجون الالاهة شعاعات شمس واشعة .. وانتهب نحرها صبغة ما زالت
تحاول ان ترتق لفضاء اللاوعي منهب ، يتحرك بين نوازع الظل
والحقيقة التي تتفتق عنها منبجسات كل الاصداء المتأتية من حديث
الفراغ وأنين التيه ما بين الرقى نحو حداثة الجدة من جهة وما
بين الصعود بتؤدة السلطان نحو قرابة العهد السحيق الذي ظنناه
ما كان الا بعمر صاحبة المجد والاستيعاب لفكرة التحول والتبدل
والتغير ، ومن ثم الازدهار في افق الكلمة التي تبوح بسرّ
خيامها كي ينسل من وهدة سحب انفلاقاتها شهوة من ضوء القمر
المنسكب في قارورة الوعي المنغلق على ازمنة الشبق والاستتار !
لشعر سولارا رائحة الهمس ، ونشيج اللمس ، في شمسها قمر ، وفي
قافيتها ليل ليس فيه ظلام ولا لقيضها لسعة ولا للبس مهدها بين
الصقيع نقع قرص .. كما لنهارتها الوان لا تغمض عندها الاجفان ،
بل تظل انواء الصبح لها خشعّة سجّدة ..
لكلامها ماض وحاضر ومستقبل ، يجتمع في ثلاثية من الروع
والتهيام والألق الساحر المائج بين ذرات الانفس المتعطشة الى
رحيق السبح بين كل مهاد المثابات وأستار المحاسن وأفنان
المرابع التي ما انبلجت ثنايا الصبح الا عليها وما تنحت عنها
الا ومضات ليل ابدع من استأخذه بأنقى السحر الفاتن وأجلى العطر
النافذ ، ما بين سنحة الموائد واحلى الدواعي ..
في ليلها نهارات مشيرة ، وفي نهارها ليال مضيئة .. بين صخب
الكلم وهدأة البرد في وردة بيتها ووتدها تجد لكل احلام المرء
مربع ومرتع ..
في انفاقها مسلاّت تحمل الواحها كما الغاب تحمل بين ثنياتها
وجع سيقانها ، وانكسارات رائجة بين اللوعة والانتواء عند
الجذوع التي التأمت صرخاتها فوق جراح تلك القشور اليائسة من
ندب لحاءاتها المنبجسة فوق شيطنات طماها الشاحبة ..
في كل الحكي عندها سماء وشهب ، تتناسق بين كلماتها صرخات الملأ
واسياد اللوعة والسحاب .. لان فوق كل ظهر من حرف تجد دمعة تفقأ
عين نأمة حسد ، وفرحة تتنامى فوق رحبة من الصريخ والتعامي ..
في حديثها سلوى عن كل رقم من الوان المطر الذي تجترئ بسيحه كل
زخات الورى واللهب .. في أنعُمِ قصيدها نار من سيب ، وساق من
ندى يختلط فيه الوهج الذي لا يعرض له اليباس مع الفأل بنافلة
من لحاظ اللحظة التي يتأجج فيها السطوع المُغرَق بشهب من
اللُّجَج الفارعة والحُمَم الناجعة ..
لارضها ماء لا تنضب ، ولسمائها نعيم لا يجف ، ولودقها رحيق من
هاطل ، ولجبّها مقال لا يهدأ ، لأن مهادها كالأمل الذي لا يفنى
، ورواقها كالأرق الذي لا يبقى ..
فيها من الحنين ما تلتاع له القلوب ، وتحن له الافئدة والصبايا
..
في وهج كلماتها الكثير من الصبر والجولات بين العوالم جميعا
وبكل احداثها ومسبري اغوارها .. وللتائهين بين احداقها صمت لا
يكل عن التحديق ولا يمل من التوريق لكل ارضيات التأريخ
وتراتبية مثاقفات كان لها ان تحدث في كل الازمنة التأريخية
والمعاصرة والمترقب حدوثها فوق سنام التفاقم الذي تورق تحته
سبحات الألم والامل !
عرفانها لا ينتهي ، وحبل وصلها لا يقفو مسلكا فتجمد عنده الخطى
او تثلج فوق المهج .. في دعائها صلة بالأنام ، وفي نأيها ريح
تغزو الكثبان ، وفي ابتهالها صمت يثير الاحداق ، وفي قربها
لوعة تؤجج الافاق ، بل في روعها مآق تكتظ فيها الشحنات ، وفي
صبرها مقال من الهمس ، حتى في بأسها لون من التصابر والحلم
المتريث . . وان كان فزعها نومة لا تروم لها مقبلا .. فإن
تصابى فيها الوعى ، سخن منها النوع حتى كان له ان يرمي بسهمه
فلا يطيش .. اذ ان روحه لا تريم الا بعد ان تسيل بين الجنبات
سفوح من الغيث بدلا من ان يحتفر هذا الغرق السمائي جبهة
أطوادها الثاوية فوق سفوحها المسفوعة ...
في قصيدها من الحب ما لا يرقى اليه اي حب
وفي شعرها شيء لم ار مثيلا له من قبل
بل في مداخل اوطارها كلام لا يرقى اليه الا كلام وحي مبتهل
وملك مقرب
في سمائها صوت لا يعيه الا قلم اغرق صاحبه في التعالى على روح
السأم والنقض
وفي مطرها وابل من الهجيع ودافق من الرجيع
بل في حسها نظرة من حنين وصدى لا يقرع له ردى الا جنين
لان في نعيمها رحم عات ونقع سابل
في دفئها نقمة لا يصدح لها صوت الا اذا انتفخ بين شدقيها كل
نصل راحم ونوء راحل بين الأوصال الرافلة
في حدائقها صمت لا يقلد الا دقيق الاصوات ولا يردد الا تغريد
المحلقات من الطير
وفي جولتها غيم لا يبدده الا سحاب ولا يؤرقه الا ريح ولا يصمد
الا ازاء السحيق من اشكال النعت والتوصيف
تجردنا من كل انواع التأمل لتغمرنا بالوانه من جديد
في بضاعة حديثها شيء من الاله وعين من الأشلاء الطافية فوق
الحسيس
وفي قراءتها للتراتيل تجدها تهوي نحو الريح فتصطبر مع انهدامها
وترتبض فوق منصاتها حتى اذا ما لاح القمر انقضّت ساجلة ، ترتعش
كسائحة يغمرها الاوج من البريق
يصخب معها النحل ، وتبزّ كل الاعضاء لانها تفتّ في عضد كل
الاشباح المثيرة لكل محتويات المهادنة والمداخلة ..
تسافر بك من دون ان ترحل عنك
تنأى بك حتى عن اسمك ولونك لكنها لا تدعك تهجر ولا حتى رسمك
تمشي معك الهوينا لكنها تبحر بك ممتطية كل سحنة كانت تركت فوقك
اشلاءها
تسبر غور انفاسك من قبل ان تحتل ملامح الصخب في رأسك
تغير من معالم الزمان لديك حتى لترى نفسك تهيم بين اجسام من
الحور العين
تعتل بك لانك قارئ لأحداثها ، مفسر لاحلامها ، وملحن لقصيدها
لكنها في اللحظة الاخيرة تتركك تعلن انت ولنفسك عن فقرك
الملتاع الى كل حبة من حبات كلمها
تتركك مناهلها تهتم بكل شأنك حتى لتحار بأمرك الذي ما بدا لك
الا شأنا من شؤونها
تعوم فوق مياهك لكنها تشد عليك من موجها كما لو كان من نفس
موجك
لا تعتم ان تجدها حيثما تفتقدها ولا تلبث ان يعنّ لك تاجها
وملكها السطيع
ربما تغزوك في عقر دارك لكنها لا تدهمك الا حين تنتدبها للمكث
تحت عذب نيرها
صوتها لا تفارقه ولحنها لا تبارحه لان فيها أرق يحيي فيك كل
احتمال عنها ترجوه
هي كذلك سولارا
سولارا الذهبية
وسولارا التي يأتلق لها بين انعم الكلم كل نسق وصباح
هي من نسغ الكلام وفيها ريح المقال
وهي جذر احتبل النشوء بين وارف من انغام الظليل
مدخل وتأطير
اما في قصيدتها :
يوغا للألوان ، وقرفصة
البكاء لأفريقيا
نجد الكاتبة تنحو منحى استعراضيا شيقا للغاية ، تستبق المناهج
كافة لتعرض لمنهج الاله الحق ، وهو المنهج الذي ينطلق اساسا من
فطرة الانسان مذ ان ترى عينيه النور لان الظلام هو الذي يسود
حياة الاجنة اول باول ، ثم يخرج الى فلول النور المتواكبة عليه
في دهشة .. انها افريقيا التي تنتمي اليها الشاعرة وتظل تحن في
انتمائها اليها عبر التدليل عليها والدعوة الى مطالعتها عن قرب
وما حل بها وما اكتسبته اياد ناصعة البياض بحق قارة تغزوها
الشمس من كل جوانبها ويعب البحر من الوانها في كل الابعاد ..
فهي تعبر عن يوغا الالوان وقرفصة البكاء لافريقيا من خلال ما
يفترض بالبشرية ان تقف مذهولة امام روعة الالوان التي منحتها
الطبيعة في افريقيا للعالم اجمع حتى ان المتمتع بشبقية التطلع
اليها عليه ان يقعد قعدة تمارين اليوغا ليمعن في بديع الالوان
.. كما لو كان يحتاج الى مثلها كي يفهم حقيقة هذه التشكيلات
والاختلافات اللونية والعرقية والجمالية المشحونة بكل انواع
اللطف الالهي التي حباها الاله الحقيقي لافريقيا بينما في
الوقت نفسه على المرء ان يقعد قعدة القرفصاء التي تثير التشنج
في عضلات من يسهم في المداومة عليها لفترة طويلة حينما يعن له
ان ينظر في مصائر افريقيا ومستقبلها وحاضرها الذي آلت اليه وآل
اليه شعبها وهي التي ما كانت الا القارة التي تزخر وتعج بعظيم
الامكانيات والمدخرات والكنوز والموارد والطاقات والاستعدادات
الغنية عن التلويح والكشف والذكر .. يقعد كذلك ليبكي على
مصيرها الحزين وهي تمتلك كل هذا ، يقعد هذه القعدة ليجهش
بالبكاء على حظها العاثر كي يندبه ويئن له ويسعّر من عبراته
نحو قدرها المحتوم .. الا اذا كان لها ان تستيقظ ثانية وتترك
الرائي يهتز لها فيحرك ساكنا ويترك قعدته تلك او حتى لعبة
يوغاه ليشترك معها في عرسها الزاهي الحقيقي والذي لها ان تحكي
قصته في اطروحتها القصيدية الشائقة واغنيتها الافريقية الشعرية
الممتعة ... والمكتنزة بكل الوان الحياة المشرقة وانواع العيش
الكريم ...
واذن هي قصة عشقها لافريقيا
وقصة غرامها لها
وقصة الاسطورة الواقعية .. افريقيا الجميلة بأهلها الطيبين
والزاهية بكل الوان عيشها المؤتلق بحلو كماله وطيب خاطره
.. وجمال سريرة أهلها وسكانها ...
هي حكايتها عن احلى تناقض في الحياة اشتملت عليه افريقيا
فان شر المصيبة ما يضحك
اجتمع في جلسة القرفصاء للبكاء وفي قعدة اليوغا للتمرين
لكن الكاتبة احسنت وابدعت في التعبير عن فلسفتها فلسفة افريقيا
وكانت رائعة تفوقت في حدود الروعة حتى على نفسها ..
حينما تعالت على جراحها وضمتها الى جراح كل افريقيا
حينما ضمت لوعة بكائها الى بكاءات افريقيا ، وقالت :
أفريقيا فلسفت لـي البكاء،
وقالت: فـي الشـّارع الألف
أضعت
وجهي.
انظروا كيف فرّط الله فـي.ّ
سوداء،
غبراء،
صفراء،
خضراء القلب
للأبد.
هنا فلسفة الشاعرة تقتضي ان تجدد عهدها بالارض التي اختزنت
فيها كل وقودها وهي ذاكرتها التي تنحي باللائمة على الاله في
صورة ضبابية استنكارية لا تمت لنفس الاله بنوع من الوحي
الايديولوجي لكنها صورة تنم عن استنكار في السؤال ، وحق في
الهضم والالتياع الذي تسبب بضياع هذا النصف من العالم المختزن
في اسخن بقاع العالم وليس من نصيب لساكنيه سوى النوم والضياع
والعرضة لكل استغلال واخر لانها ما كانت الا خضراء لكنها بعد
انتقال عوائدها الى ايدي ناصعة البياض كان لها ان تنقلب سوداء
صفراء غبراء والى الابد لان الاله هنا ما كان الا رب الارض وهو
غير الاله الذي يربي عباده على الحب والمحبة والوئام والتعايش
السلمي ..
اذن هو الرب ذو القدرة والبطش الذي لا يرحم
هو القدرة البشعة للاستغلال واستنزاف قوى الشعوب والمتمثلة
بقوى الاستعمار والموت والدمار بشتى الوانه واختلاف اطيافه
ومذاهبه.
لان لغتها في بداية القصيد تعين على فهم ايديولوجية الهية
متواجدة فيها منذ الصغر ومنذ تواجد هذا الكائن المخلوق خاصة
حينما تقول :
الكائن: الذى إذا خُيّل له ان الحلم يأتيه من كل الجهات،
أرخى أصابعه عن اللامنظور
ثم رنا إلى جهةِ أقل قلقاً..
ليعلاج الذهول ومثاقل الإقصاءات
حتى يجعل رأسه تحت
جناح الله.
ياإلهى!!
هنا تعبر عن استغاثتها الحقة باله يغزوها في كل الاقصاء لتعبر
له عن وجعها واسترحامها اياه وشكواها اليه حينما تترك رأس
الكائن يسترخي تحت جناح الله نفسه !
ثم استغاثة غير مكابرة ...
يا الهي
هنا استفسار استنكاري
كمن تقول له كم احبك يا الله
ولكن ما هي فلسفتك في افريقيا وان جعلتها كذلك وتركت الاخرين
يصافحون وجه القمر ببياضه .. بينما تسدل على قارتنا مئزر
السواد ؟ فتوجه صعقتها المتنامية صوتا اخاذا يملأ الافاق :
انظروا كيف فرّط الله فـي.ّ
ثم نجدها تتواصل في الاستنكار المهذب على الوجود الاعلى :
وحتـّى فـي موتي تنكرني
السـّماء
والجنـّة للبيض الحسان
استنكارها على مثل هذا الوجع الابتلائي وانها لا تطيقه لانها
لا تحتمل بشعية الكائن الاخر الذي وضع نفسه مكان الاله :
سيـّدي أتى،
ودعانـي أن أغمض عينيّ وأصلـّي
وغرقت فـي التـّراتيل
ثم فعل ما فعل :
فسرق
أرضي،
أطفالـى،
وانسلّ مارق خالص البياض.
بعدها لم يكن هذا الاله البشري الوقح ليحتفي بكل ما صنعته له
افريقيا والتي لم تعرف من قبله اي اله بشري ، لانه جاءها بكل
ما كانت تحلم به من قدرة ، فأكرمته واغدقت عليه من عطائها ما
لا تغدقه ولا حتى على ابنائها ، ثم سخت عليه اكثر من السابق
ولم تبخل .. لان الكرم واللطف كان من شيمها ولم يكن الضر
والغدر والخيانة من اخلاقها ! وما اعتادت ان تغلق الابواب بوجه
زوارها او ان توصد مصاريعها امام نداءاتهم ..
الا انه لما غدر بها هذا الزائر الشره والمنعوت بالخيانة فيما
بعد ، عرفت فيه انه ليس الاله المنشود وليس هو المخلّص الموعود
، لان الاله الحقيقي لا يظلم ولا يستغل بل هو حب يأتي بكل الحب
للاخرين ، وبكل البسمة المشرقة فوق الشفاه ، فلا يأت ليستلب
منهم اخر ابتسامة تعوم فوق الشفاه ، وهو ليس بخيل كما يفعل هذا
الاله البشري الدنيء الذي يتحرك بفعل شهوته وميوله وحاجاته
التي لا تنتهي واطماعه ، ذلك ان الاله الحقيقي والرب العظيم لا
يحتاج الى ما على الارض ولا ما في السماء لانه هو خالقها
الاساس فهو ليس بحاجة اليها كما يفعل هذا الاله البشري البشع
في كل الوان ظلمه التي يمارسها ..
بل ان افريقيا رأت من هذا ما ليس لها ان تعهده ولا حتى في
وحوشها الكاسرة واسودها المتنمردة من وحشية وقساوة ، فتمرد حتى
على وجودها الذي عمل على استغلاله ابشع استغلال واستنزاف كل
طاقاته فلم يشكر حسن صنيعها بان اهدته كل ما عندها ومنحته كل
ما لديها من ثروات ومعادن وطاقات وايدي عاملة :
أنكر جسدي
الـّذي ضاجعه
نهارًا
ضاجعه يعني كان قد استرق ما لذ له وطاب ان يسترق وفي وضح
النهار وتحت اعين اهل افريقيا انفسهم بما كان قد اعلن لهم
ووعدهم وموّه عليهم حتى ظنوا به احلى الظنونا ووهبوه اغلى ما
عندهم ..
غير انها كذلك .. تعود لتؤكد في كلامها حقيقة اشد ، لتعرب
وبشكل اكشف وافضح عن حقيقة لم يعد يكترث لها احد ، وهي ان
السبب الحقيقي يكمن في نفس افريقيا التي سمحت لمثله ان يرتكب
بحقها اخس الجرائم :
وعلـّمه لبرهة أن يرتكب الآثام والأمراض
والجوع والـموت
هنا افريقيا هي التي علمت المستعمر والمستغل كيف يستعمرها
ويستغل جوعها ومرضها وموتها واثامها لان في شعوبها ميل الى
الموت والجوع والمرض والاثام من حيث تركوا امثال هؤلاء
يتلاعبون بهم فلو عالجت افريقيا امراضها ولم تنتظر من يجيء لها
بالعلاج ما كان لمستعمر ان يتعلل بتواجده بين ظهراني اهلها
تواجد المحتل بانه يمرر عربونات خدماته لأهلها وابنائها
وبناتها
فافريقيا هنا شاركت في القام اهلها شيئا كبيرا من الموت
ومع ذلك كانت اعلنت صرخة الخلاص في نفس افريقيا منذ بدء
قصيدتها حينما اوعزت الى الاله بنجدته وطالبته بان يحيي ارضها
حق احيائها لانها لا تستحق الموت لانها رمز الخلاص :
ياإلهى!!
نحتاج لمعجزة لكى نعود "الآن" إلى الإنــ سان.
إنها أفريقيا وأنا
لها..........
لان فيها الانسان الذي لم تغيره الماكنة الحضارية ولم تلوثه
المادية الحديثة ولم تكهربه الوسائط الجديدة فتجعله ينصبغ
بالوان شتى يصارع من خلالها اقرب الناس اليه ويقتل وينهب في
سبيل مصالحه الخاصة وميوله الذاتية وشهوانيته الانحطاطية ..
اما افريقيا فما يزال الانسان يحيا فيها ، لانه ما يزال يحتفظ
بقلبه الذي لم يبعه باغلى الاثمان ولم يتخل عن حبه لارضه مهما
فعل به الاله البشري والزمان التقني ..
واجمل ما عندها انها تخاطب الاله الحق بكلمة : الهي والاله
البشري غير الحق بكلمة سيدي
سيـّدي أتى،
وان معجزتها الالهية التي تطلبها من الاله الحق ما كانت الا
العودة الى الجذور الحقيقية والنفس الانسانية الموغلة في الطهر
والنقاء الانسانيين
إنها أفريقيا وأنا
لها..........
لان الشاعرة تصر على انها وان تركت افريقيا فهذه ما زالت تعيش
في داخلها ولانها احتفظت بها فهي الاخرى ما زالت تحتفظ ببراءة
افريقيا وطهر ارضها ونقاء سريرتها .. فهي المثال على المرأة
الافريقية التي بقيت محافظة على عهدها بالاله والحب والانسانية
.
ولو ان الزمان والحداثة والعصور الجديدة كانت قد فعلت افعالها
في اهلها وساكنيها الحاليين ، واثرت في اكثر من مستوى واخر في
اهلها ومواطنيها الذين يقطنون فيها في اليوم بين وهادها
ويعيشون بين مهادها
ياإلهى!!
نحتاج لمعجزة لكى نعود "الآن" إلى الإنــ سان.
اتعلمون لماذا تحتاج الكاتبة الى معجزة وتعبر عن نأيها عن
الاسباب الحقيقية لان افريقيا الان تعيش تحت سحر الغرب
وامكانياته التي صنعها بفعل عقليته التي غلب عليها استغلاله
البشع لمقدرات نفس افريقيا وبقية بقاع العالم .. انها تعبر عن
معجزة لان العودة الى الوراء والى عهود النقاء واللطافة امر
مستحيل ، وان لو عاد بافريقيا الزمان مرة اخرى وكان عندها عقل
اليوم او ذهنية اليوم لما كانت تصرفت كما تصرفت مع المحتلين
بالامس ولما كانت استسلمت لهم بمثل هذه البساطة ولما كانت تركت
اهليها يعجون في ضعف ومرض بل كانت عملت على ازدهار عقلياتهم
كما عمل البيض والغرب من اجل تطور وتقدم حاصلين لا محالة ..
هي تعرف ان العودة الى الوراء .. صعب مستصعب
العودة الى تلك البراءات النبيلة امر جدّ عسير
لان براءة افريقيا كان قد لوثها الاله البشري بعد ان نكل
باهلها وعلمهم لغة الموت
هنا لغة الموت لم يكن اهلها يعرفونها بذلك المعنى الذي نقله
اليهم المستعمر حتى علمهم كيف يقتل الاخ اخاه وكيف يكابر على
جاره وكيف يسطو على ممتلكات وطنه ويصادرها ويبيعها :
أفريقيا فلسفت لـي البكاء،
وقالت: فـي الشـّارع الألف
أضعت وجهي.
هي فلسفة الموت والحياة ، فلسفة الضياع في خضم عوالم غريبة وان
كانت تحف بالتقنية والتطور لكنها الاف مؤلفة من ازقة الضياع
التي تغمر الانسان بالوجع وتحيل انفاسه الى هضيم من البكاء كما
العبرة اخر سلاح للمشتت واول معول يناوء به الانسان غريمه الذي
لا يقدر عليه .. هي الغربة والضياع ، هي الامال المنكسرة
والاماني المندحرة .. لتصل المرحلة بالمرء الى ان ينسى نفس
وجهه وعين لون سحنته بعد ان يغالط نفسه بمخالطة كل تلك الشوارع
والمدن والضواحي حتى ليظن ان الابيض البشع وليس كل ابيض انه قد
نسي التدقيق في لون بشرته ، الا ان رأيه ما كان الا قد خاب
وطاش فأله بعد ان يكون قد رأى عمق الدهشة التي يجدها في اعين
البيض هناك .. فما كان لغامق البشرة الا ان يكافح من اجل ان
يفوت على الاخرين فرصة الحملقة والتحديق فيه كي لا يتميزوا
لونه فيكيدوا له الكيد ولو كان حتى بطرف خفي او بهمس بين
الاحداق ولمز بين الاماق ..
وما كان التضييع للّون بعلاج ناجع او عقار شاف بل انه كان
بداية العذاب لان فيه البحث عن ليل لا تفتش في خلاله الاحداق
عن الوان البشر وليس لها ان تميز صبغتهم على حقيقتها لكن
المأزق ما يزال يعيشه الكائن الافريقي الحي :
وفي مأزق الألوان أخذني لوني وهرب
لان الاله الابيض هو نفسه كان قد صنع باهله ما صنع حتى نقل
امراضه الى افريقيا بعد ان استلبها انعمها واستثمر اهلها
ومعادنها ومواردها الطبيعية ثم تركها سليبة عارية فاقدة لابسط
حقوق العيش ، وهو في الوقت نفسه يصب سخطه على افريقيا وان ليس
لها الحق في العيش ولا حتى ابسط حقوق المواطنة والانسانية ، مع
انه يحتاج اليها كل يوم ليستغل طاقاتها ومواردها الهائلة
ويستنعم بنعمها التي حباها اياها الله وفي الوقت نفسه يصب
عليها بالوان من التهم وانواع من التدنيس لكرامتها وكرامة
اهليها الذين يئنون تحت طائل استغلاله البشع ، حتى لا تجد
اخيرا ما تنقع به غلّ قلبها فتعود لتوجه سهامها الى الاله
الحقيقي كيف انه ترك من لا يستحق العيش ان يغزوها بكل اسلحته
وينكر في الوقت نفسه وجوده وعظمته ثم لا يقتص منه بل على العكس
ترك افريقيا تعيش مرّ العذاب وتجر ويلات الدمار الذي ما كان قد
تسبب به سوى المستعمر البشع والذي لا يقر للاله الحقيقي باي
قرار لانه لو عبده ما كان فعل بعباده ما فعل :
انظروا كيف فرّط الله فـي.
سوداء،
غبراء،
صفراء،
لكنها كانت وما تزال تؤمن بعظمة الله وصبره وانه يمهل ولا يهمل
وان العاقبة للمظلوم والمقهور طالما كان مع الله وانه لم يتغير
ولم يغيره الظلم والاجحاف الواقع عليه فلا يتسبب بان يظلم
اخرين وهو نفسه قد ذاق ويلات الظلم نفسه .. فكيف لو ظلم ابناء
قشرته واولاد نحلته وجلدته :
خضراء القلب
للأبد.
فهي تؤمن بسعادة ابدية وعيش دائم لكنها دائما تنحى باللائمة
على افريقيا كيف لها ان تفرط باهليها هي نفسها بعد ان باعتهم
باخس الاثمان للظالم البشع ثم تعود ليظلم من استكبر واصبح صنيع
الاستعمار يقوم مقامه بعد ان يغيب عن ارضها ليظلم ويجور على
اهلها الاصليين ويفعل بهم نفس ما كان يفعله الظالم المستعمر
والبشع فيذيقهم ولربما عذابا لم يكن قد أذاقهم اياه نفس ذلك
المستعمر ليصبح هذا الافريقي وابن البلد اقسى عليهم من ذاك
ليعودوا ويترحموا على المستعمر وايامه .. وهذا من سر الالام
واعظم المحن واقسى الويلات :
والظـّلام الـّذي أحبّ
يتوضـّأ بماء الفجر وينكرنـي.
اذن الشاعرة تفخر بانها بنت افريقيا وللابد ، وانها لم تغيرها
الاعادي ولا الخطوب فتبقى ابنتها البارة والوفية باهلها :
خضراء القلب
للأبد.
التي لم تلبسها الخطوب اي نوع من انواع الامراض الحضارية
والاوباء البشرية والاجتماعية انها بقيت على نقائها الفطري
وتمردها الافريقي الاصلي
فتبقى تصر على تمردها الحقيقي والاساس والقديم لانها
ايديولوجية ومبدأ لا يمكن للمغريات ان تتلاعب بهما :
الألوان الـّتى تنحصر فـي بؤبؤ العين،
فـي منتصف شمس الإستواء،
تكشف عن بشاعة
البياض الـمزيـّف.
ولسواد أرضي نصاعة الدّهشة.
لكنها تعود وتعرض الحقيقة مكشوفة للعيان فتساجل في الكلام
وتواقع حقائق الامور من حيث ان للروح عماد الشأن ، فهي التي
لها ان تختار وتنوه بلون الانسان الحقيقي من حيث الوضع الذي
تستغرق فيه سريرته ويكون عليه خلقه وتعامله الانسانيين وسلوكه
اليومي .. بينما الجسد ما كان الا صورة غير حقيقية وسمة غير
متكاملة عن شأن له ان يتحرك داخل اطار من العيش وسلسلة من
المحاولات والتنويهات الحركية وان بامكان الروح ان تتلبس بشتى
الوان البشر ، بينما ما كان للحظ الا ان يلعب لعبته الدنيوية
حينما يصيب الابصار بشعاع يغلب عليها ليثير فيها الاندهاش
الحقيقي وما كان قد اصابها الا بعمى الوان مؤقت ليس الا :
للرّوح أن ترتدى خواصّ الألوان،
لكنها تعترف بأن :
وللطـّين بشاعة الإختيار.
غير انها تكرر ابجديتها التي تغرق بها حد الاستعذاب :
والظـّلام الـّذي
أحبّ
يتوضـّأ بماء الفجر
لان الفجر علامة الصفاء والوضوء علامة الطهر ، بينما يعود
الفجر ليمثل اول الخطى التي سارت عليها البشرية التي ما قامت
الا على نفح الاله وصبغة الخالق قبل ان تتغير سحنتها وتنطبع
اشكالها بالف واخر من الصور والاجناس .. غير انها تعلن عن
ظلامية القلوب حينما تستطرد بوجع :
وينكرنـي.
انها تستكبر على من استكبر عليها لانه انكرها .. انكر فضلها
وترك فكه يتشدق بما تفضل هو به عليها .. خاصة حينما يكون شيء
من طينتها يمارس عليها نفس الظلم الذي يمارسه عليها ذاك
المستعمر .. فلو كان ثمة حق ظاهري ومجحف في الحقيقة بان يتوسل
ببياضه وعلميته وقدرته وقوته وامكانياته في التسلط على افريقيا
ويبرر لنفسه كل التبريرات الشيطانية ويلقي على جسده الوان
الكساءات من الاعذار والحجج التي يتذرع بها ، فما هو عذر نفس
سكان المنطقة ومواطنيها من نفس الافارقة حينما يصبحون هم
السادة تراهم يمارسون نفس الظلم الذي كان يمارسه ذاك الابيض
المستعمر بل يزاولونه على اشده ولم يكن قد مارسه المستعمر من
قبل ولا بوحشيته التي اعتاد عليها مثلا ..
وينكرنـي.
هذا من نفس طينتها ينكر اصلها انها منه وهو منه وذاك الاخر كان
ولما يزل ينكر انسانيتها وحقها في العيش وانه لا فرق لعربي على
اعجمي ولا لأبيض على اسود الا بالتقوى .. وان لها الحق ان تحب
كما هو يحب وان تعشق كما هو يعشق وان تمتلك كما هو يمتلك وان
تسخط وتغضب كما هو يفعل وان تفرح وتبتسم وتضحك كما هو الاخر
يحرك به كل ساكن واخر .. ليعبر عن انفعالاته وغاياته !
ثم لنجدها تنعكس بانكساراتها وبالكلية كرد فعل عن احباطها الذي
يشهد له الواقع المعاش نفسه ... تنعكس تباعا على نفس الخالق
لنفس هذا الاله البشري الخبيث سواء الغريب او مواطنها ..
والخالق ما كان الا الها طيبا ، وذلك حينما تنعى روحها ونفسها
حتى بعد موتها فهي ما تزال تصافح الالام وتحتمل اوزار ما لم
تكن قد ارتكبت ولا حتى واحدة من اثامه لتصب سخطها الاستنكاري
وليس الواقعي ـ على السماء التي ما انفكت تمد يدها الى هذا
المجرم الارضي فتظاهر واياه عليها :
وحتـّى فـي موتي تنكرني
السـّماء
انظر هنا تنكرني السماء اخف من وينكرني تلك الاخرى ، من حيث ان
الله كان قد اختص جنته مثلا ببيض من الحسان
والجنـّة للبيض الحسان
غير انها تعود لتعلن عن حقيقة هذا الانكار المبدئي والهادئ في
النهاية ، وذلك حين تبدي اعترافها بحقيقة مبدئها وصحة المشهد
الالهي الخارجي والذي يمتلك كل الاصالة الموغلة في نقاء الصنع
وان الانسان الذي كان قد حافظ على اصالة نوعه ولون البياض في
قلبه وليس في ظاهر الجسد فان له حياة بيضاء مع حور العين ثمت
سيتم فيها تغيير سحنته وفق سحنة قلبه وان هذا اللون الابيض ما
كان ليكون سوى وبالا على صاحبه الذي تمتع بسماته وضيائه في
الدنيا ، ما كان سيكون عليه في الحياة الاخرة الا عذابا من
السعير أن لو لم يكن قد اتسم بالعدل وحفظ حدود الله في حياته
الاولى حين انعم الاله عليه ببياض البشرة ..
لكنها تعبر عن مكامن الحقيقة بكل الوانها حين تفصح :
وفي مأزق الألوان
أخذني لوني وهرب.
هنا عملية الاخذ تنم عن ان الجنة والبياض ما كانت الا من صنع
الاله الذي صنع هو وبنفس الالوان المتغيرة والمختلفة في الارض
فهو القادر ايضا ثانية على ان يصنع من السواد بياضا كما ترك
اياته في الارض قائمة ليستدل اهل السواد على قدرته الاخروية
وان هذه الحياة ما كانت الا مبدأ وليس انتهاء وان العاقبة
للمتقين باعتبار ان الله سيغير الالوان ومن استكبر فانه سيعطيه
تلك الالوان التي كان استكبر عليها في الدنيا والحياة الاولى
..
مأزق الالوان ، هنا حالة الاستبصار (فبصرك اليوم حديد) هنا تطل
الشاعرة على حقيقة الالوان وانها ما كانت الا عارضة بشرية تعرض
للعيون والاحداق البشرية انما الحقيقة هي ما يستقر في القلب من
الوان واقعية يعترف بها الاله الحقيقي والتي على ضوئها يحاسب
ويكافيء ويجازي ويعاقب ويحسن ..
اخذني لوني وهرب ! انه هرب الى الحقيقة المطلقة والى الواقع
المدهش ، الى حيث لا يكون تمييز عنصري وتفرقة وحشية .. هرب الى
الله وحده ، هرب من اعين البشر المهووسة ببياض المظاهر .. وما
خفي من سواد القلوب وعتمة السرائر كان اعظم ، وأدهى !
هرب الى الابوة الصالحة والارادة الرشيدة والقوة العليا ! كما
تهرب الطفلة الى ابيها ، حين يقع عليها الحيف ، ويسقط ازاؤها
ظلم ما ، وحين يعكر احد عليها صفو الحياة .. حينما تشعر ان
حقها مهضوم ، وكيف ان ارادتها المشروعة قد صُودرَت ، والوانها
الواقعية قد استُلِبَت ، وانها بحاجة الى حضن دافء ، تجهش
بالبكاء بين يديه ، كي تفرغ كل عقدها وغضبها بين ظهرانيه ،
تكاشفه الامها وويلات الزمان ، وكيف انه لا يرحم ، وكيف ان
اهله انقلبوا أشرارا ، وهم قد غدوا سراة القوم وكبار العشيرة !
..
كذلك هو هربها الى القوة المطلقة ، وهي تثب الى حضنه ، وتستلقي
بين يديه ، تصارع في احداقها قدرة البكاء ، ثم تترك لادمعها
فيض الاسترسال ، كي تصب غضبها عبرات ساخنة ، تنقلب ثورة تغص
بها الاحداق ، كي تنثال موجاتها في سيل من الشحنات التي لا يقف
ازاؤها الرب مكتوف اليدين ..
هنا هي تدعو الرب لاخذ حقها من هؤلاء ورجمهم بالالوان الممتقعة
لانها هنا استأخذت لونها الحقيقي من الرب وهو لون قلبها ولون
النقاء والطهارة .. فجر ووضوء .. وانها تشكو اليه ظلم العباد
من عميان القلوب والابصار من الذين لم يعودوا يبصرون سوى
شهوتهم الباطنية وظلاما مدهشا من النور المزّور والذي كان قد
طلته الشياطين وموهته على ابصارهم ، من حيث تصور لهم الباطل
حقا والحق باطلا ..
هربت اليه .. هربا .. من مجاورة اللئام
في الدعاء الرسالي يكون النص كالاتي :
واليك يا رب مفري من مجاورة اللئام
هنا اللواذ بالقدرة العظمى والاعتصام بالموجة المطلقة للحق
وان البشري يخطئ ويصيب وان المطلق الاعلى لا يخطئ ابدا فكل ما
يرد منه صحيح متكامل والبشرية هي التي تخطئ لان الاله يقول:
وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ان اكرمكم عند الله اتقاكم
تقوى الشاعرة هي التي غلبت على الالوان لانها تميزت لونها
الحقيقي فاستلته من ايدي المستكبرين وهربت الى الله سراعا من
دون ان تلتفت الى ما يكون ورائها من نعيم الدنيا ومخلفاتها
الفانية ..
....
ارجو ان اكون وفيت بشيء يسير من حق هذه الشاعرة والاديبة
المبدعة العظيمة سولارا الصباح والتي اتحفتنا بعظمة كتاباتها
وريادة منجزاتها الحضارية من الشعر والقصيد المدهش بكل مكامنه
الحية وكائناته اللغوية فضلا عن موسيقاها الشعرية ونبضها
الواقع في صميم الحرف والاداة واللغة عموما ..
ساعمل على الكتابة التحليلية في قصائدها الاخريات ان شاء الله
جمال السائح
Almawed2003@yahoo.com
و
لزيارة الموقع الشخصي للكاتب جمال السائح :
www.postpoems.com\members\jamalalsaieh
*************************
قراءة
في أدبية وقصائد الشاعرة
والاديبة سولارا الصباح
بقلم : جمال السائح
( الحلقة الثانية )
تيه الحلم والذاكرة .. ويقظة التحديات
الطفولية
في ثلاثية الصمت
والمتجلية في قصيدتها :
ثمة الفة لا تصلح الا لغناء عصفور
العزلة
عودتنا الاديبة الكبيرة والشاعرة
البارعة سولارا الصباح ان تنسج في
ذاكرتنا صورا معينة تنهج ومن خلالها
منهجا مسترسلا حينما تبتعث فينا
القوة كي نتعاطى مع نسيج الكلمة لديها
.. لانه بدون تلك الفجوة التي تعد
لها تلك المساحة التي يفترض ان تشغل
حيزا واعيا في حنايا دخائلنا يُؤَهّل
اساسا لاشغال موقع هام لسفارتها
الضمنية التي لها ان تستقطب وحيها
المساعد على فك طلاسم قصيدها وحل الغاز
القضية الشعرية لديها حال انطلاق
الكلم لديها في رحلته القصية والتي لها
ان تعانق كل ما له قاع في
اعماقنا بحيث يلاصق حدود اللا شعور
عندنا ويلامس مساحات الوعي المغرقة في
ظل كثيف من الشاعرية الممتزجة
بالواقعية ، والمنحدرة تحت ظل من اللا وعي
الذاتي الذي ظل ينشغل بكل الموضوعات
التي ينبغى ترجمتها الى لغة لا
تعيها الا مفاهيم كانت احيت في أديم
اللا وعي كل تجاربه الغابرة بشكل
مسبوك بمنحة تسوّغ له الاقتران بها
ريثما يعي سر وجودها الحقيقي ليصل
بعدها الى عناق المعنى فيها ومن ثم غرز
مستواه التظليلي في دياجير
مبهماتها كي يستطيل فيه القلم وينعى
بعدها سطوة تلك الاشلاء التي كانت
اعلنت عن خباء وعيه بمعاني تلك
المفردات الدخيلة عليه وعلى كل الاجواء
التي حظيت بمختلف تجاربه القديمة
المتصرمة ..
هي تكوّن فينا مفهوما يعيننا على فهم
لغتها الحضارية
نشعر ازاءها باننا مثلجون بفقاع الغمام
المستبد بوطأته علينا
لاننا مبحرون صوبها وكلما ابحرنا
باتجاهها وجدنا ان النأي يفقأ عيون
رحلتنا
وكلما تعثرنا بقيم الانوجاد اصابتنا
العتمة
غير ان قمرا كان ولما يزل يعرش فوق
مرافيء سولارا
حينما تجنح نحو استيلاد كل فنون الصبر
فينا
بعد ان ترنو الينا بابصار مناراتها
العائمة فوق قنن المراسي والموانئ
انها تنير فينا حقبة ما زال أوارها
السخيم مشتعل فينا
ما زلنا نشتغل في وعي سبق عهده لكنه
غامر في ان يضحي بكل وعيه الاتي
خلنا اننا نصطبر معها على فلذات من
الوعي الخالصة والتي عمدت الى صبها
في ايديولوجياتها المشخصة بفعل قوالب
غالت في احتلامها بعد ان تركتنا
نحتلبها من دون وعي
ليتني علمت اي مدى يمكن لسفننا ان تبحر
في غيم سولارا
لانها ما انشأته الا كعيون للمطر
خلته وعيا تصابى كقطع الثلج المرمية
فوق محيط اصابه الانجماد واعتراه
الشك
ثمة وعي يخالج فطرة في دخيلتي
ربما كان للغيم ان يستلقي فوق ظهر
الموج في عنان السماء المثلجة
ويوحي لبحارة السفن ان ما من غيم يئن
في كبد الليل
بل انه تساقط مطرا مصعوقا بصقيع مباغت
احاله من الاعلى قطعا ماردة من الثلج
المتقوقع في اساطيله
يساقط من شاهق ليستلقي في اديم المحيط
المنجمد
فيتشاكل على نغمة قطع ثلج غائمة
لانها كانت غيّمت سطح المحيطات حتى
اثارت في انفسنا كل مشاعر الانجماد
حتى مشاعرنا اصابها الانجماد
لكن سفينة سولارا كانت تشق فينا الطريق
كي تصهر كل عوائق الاقدار في غلسة تلك
الانجمادات
وتعيد حرارة الدفء الى خلجات الوعي
فينا بعد ان اصطخب بكل لدائن الوعي
فينا
تلك التي كنا شعرنا انها ماتت منذ زمن
عادت فينا تشعرنا بالحنين نحو الذكرى
نحو الصخب
نحو حدائق الذكرى وعنفوان الصبا
حينما لا نجد ما يثلج حقولنا سواها
وحينما نتلفت فلا تغني نظرتنا شيئا عن
التأرجح بين وسادات ناعمة
لها ان تعتق فينا كل استياقاتنا الخاصة
والتي ظلت هي الاخرى متأرجحة تحت
غيم وثير حسبناه ذات ليلة انه انثى
تحتبل
هذا لون القصيد في اليوم
عزف لدى سولارا
كئيب لكنه رضي
موشم بكل الوان الفرح لكنه مطعون في كل
الجهات
مؤشر فيه يتوالد غير ان ثكنات السحب
حوله ما زالت تفتك بنسيج الحب فيه
.............
تفتتح قصيدتها هذه التي اختارت لها
جملة نفذ فيها الوعي على حين غرة :
ثمة الفة لا تصلح الا لغناء عصفور
هذه الالفة تفارقنا لكي لا تستعيد
تجربتها الا حين تنسلخ عن عالمنا الملئ
بوعي مغبش مثير للحقد والكراهية
لكن في غناء العصفور تستقطب كل الملامح
المعهودة فيه ومن قبل :
البنت الحديقة.
قلبها عصفور،
تلك الملامح ما زالت تحمل لون الصفاء
ونعمة الزمان لان فيها ديدنها من
القران الحاصل بين ثنتين من العبقرية
المؤزمة لكل تراجيديا الملل
والسأم .. هما قرينا كل وجد يمكن ان
يحصل تحت وطأة الذاكرة بفعل شرخ
متأصل في العماد (البنت والحديقة)
لكننا نجد ان سولارا تدغمهما لكي تنحل
حبيبها وعيا يغالب حصالته الذهنية
فما كانت هي الا تلك البنت التي غزت
عنوان الحديقة في كل مسلاّت الحكم
والتي رسمت فوق ظهرها كل الوان
القوانين
هنا تغالب سولارا عناوين شاهقة من
الشرائع
لانها لا تجد لونا لها الا اذا كان
الغالب فيها لون الفطرة الانسانية
والنقاء الروحي
حديقة وبنت
رمز لكل وعي يلازم غربة الصفاء ويفارق
كل عرين للهجاء
ومن ثم
عصفور لا يمكن ان يختزل نفسه في داخل
قفص الا اذا كان سابحا في دياجيره
لكنه استأسر نفسه حينما استأخذته انوار
قفص ما كان سكنه من قبل
انه قلب سولارا
ينير له الاضواء نفسها .. فتثلج
الانواء بأرحامها حتى تنوء برمّتها تحت
هدأة فصولها الضاربة في كل زواياها
بانواع التظليل النوري
اسير يبحث عن قضية تعلق مناخاتها داخل
رحم الضوء
هي تسترعي حبيبها بكل انعاشات الطفولة
التي لها ان تستأخذ النكال من كل
جهة تحظى بمساحة يولد في ابجديتها شيء
من عربون للضوء
ثم :
وشائج مليئة بالفأفأة والتأتأة،
فم فاغر بالغناء،
فكيف يمكن لسيدة الانبهار القصيدي
سولارا الصباح ان تعلن عن ريحا تتنفس
الصوت بينما ما كان لعرشها ان يستأسد
بين العروش .. او ان تشرع بغناء
في اجواء خليّة من غاز يحيي الحياة
فيها .. فكيف بالفأفأة والتأتأة ان
تجيد الغناء حتى يندلع النور ما بين
الشدقين وتتمدد اوعية اللحن بكل ما
له من الدواعي التي تنسل عبره كي تتركه
فاغرا بالغناء
هنا استيقاف لا يعلن عن نفسه
لاننا كنا مسترسلين
ربما غيرنا كان له ان ينحدر نحو قضية
الازمة
ومن ثم يعود بوعيه .. الى الوراء ..
الى اول القصيد
هذا ان تطاولت فيه الغريزة فشجبت عنده
صولة البركان في التكالب على
احداث الازمة التي تحاول سولارا
تفجيرها في كل نصاب يحظى به الوعي بمقدار
من السقف
لكن لو امعنا في صخب التحملق لتلك
الصبية من الكلمات
لوجدنا ان شعورا انسانيا يموج بتلك
الاغاني التي ليس لها ان تعرش فوق
سدة الفوز بكل الواح التقدير والتكريم
الا حين تتوسد حلمة الفأفأة
والتأتأة
ذلك ان كلا هذين العنصرين كانا هما
وردة ذلك اللحن
كانا هما نواة تلك الانغام التي تفجرت
فجأة من ثغر عصفور كان يحلم بحديقة
حينما وجد نفسه في قلب بنت
ظن ان للوعي ان ينشج حينما يتألق فيغرد
بأعذب الالحان
لكن تغاريده حينما كان يصدح بها
ما كان ينشق لها طريق الا عبر ثغر بنت
تعيش في حديقة قلبها
تغتذي على حديقته المعرشة بكل الوان
العصافير
......
لذا فما كان للطير ان يغرد باعذب
الالحان
الا اذا كان له ان يسكن قلب بنت تعيش
في حديقة
انه لم يغرد من قبل
لكنه حينما سكن قلبها ولامس ذاكرتها
وعاصر ايامها التي لم تتصرم بعد
عاش حالة من الوعي بقضيته
فشعر ان ازمته تعيش حالة من الولادة
التي لها ان تسجل فأفأة وتأتأة في
اولى ولاداتها كما الطفل حينما تعتاقه
ازماته فيحاول ان يحكي قصة امجاده
التي لم تأت بعد فيغرزها في انواء
الاسماع لغة رمزية طلسمية
ما ابدع سولارا حينما تغرد بلغة طفل
حينما تسمعنا عصفور يحكي قصة الذكريات
التي عاشتها منذ نعومة اظفارها
انها تقدمها عرسا ثاويا خلف جدران كل
الغناء الى حبيبها
حبيبها الذي يعشق غناء الطيور وما خال
نفسه الا عاشقا للغة القلوب :
ويبحث عن لغة.
هنا هي تتوسد قضيتها كما لها ان تهتصر
غريمها خاصة حينما تشعر القارئ
بغرام عتيد يمتد عبر صخرات المرسى
وغضبات النأي المتأقلمة مع وشائج لا
تعيش الا في البعد :
وشائج مليئة بالفأفأة والتأتأة،
هكذا هي امام اول مفاتيح تلك المعاني
التي تقبض على ولادات حروفها
ومعاني كل مناطاتها المتماهية مع جذوة
التعاطي مع الضوء النابع من
اعماق الذاكرة حيث تتوالد الذكرى
وتبتعث الحزن مادة لصناعتها كما الورد
يحاول ان يتفتح ولم يفعل بعد حينما يقص
حكاية لم يفصح عنها بعد لانها
مضمرة في زمن آت لا يزال يقر في رحم
الوعي المقبل .. ولطالما كان حلما
تسجله سولارا حين تشعر ان غربة القدم
ما كان لها ان تتفتح الا عند مفترق
الطريق المتقدم بها صوب المستقبل حين
يكون لها ان تغير بهجتها بقميص
للورد كالطفل يبحث عن وعيه القابل في
زمن آت غير العصر الذي يعيش فيه
حتى تضطره اللوعة الى ان يشرأب في وضع
حالم كي يختال بنفسه لينظر اليها
كيف تكون في غد من الخيال :
حرف يمنحك الضوء،
قميص الورد.
يشرأب في صهوة الحلم لزمن آت.
يقص حزنه في ماء الغموض،
فتصير كالطفل بعدها حين يلهج بلغة لا
تفهمها سوى عصا الحس والنظر
ويبحث عن لغة.
لكن لغته تلك بقدر ما هي مبهمة تثير
الوساوس ، بقدر ما هي بريئة تصخب
باتجاه الشعور بالحب نفسه :
وسوسة بوجهة المحبة،
لانها توحي بلغتها ليس فقط بالغناء :
فم فاغر بالغناء،
أغنية وثلاثة أحرف.
واذن فثمة دخيل ليس بالغريم لكن غرام
القلب عالق به
لانه اقترن باغنيتها التي ما عبّرت الا
عن وحي ذاكرتها التليد
ثلاث حروف !
يعبر عن اسمها .. اسم
يعبر عن لونها .. لون
يعبر عن طعمها .. طعم
فما له لون وطعم لا بد وان يعبر عن
رائحته المتجذرة في العناء
عناء يغالب الذكرى لانها ابدا تعيش في
اعماقنا لتعبر عن عناء نحس بها
تجاهها حينما نعيا في الوصول اليها
عندما لا نستطيع العودة اليها او ان
نحس بها ثانية او ان نعيشها من جديد
فنغالب القلب فينا كي نحس بوعينا
القديم حينما نستحضر ازمنته الراحلة
تلك هي زاوية القصيد في وعي سولارا
حينما تنبس شفتاها بعنونة خاصة تعرب
ومن خلالها عن لهجتها الحوارية مع
ذاكرة الايام
ألملم ما تبعثر من كأس الكتابة،
والقلب يثرثر بحروف ثلاثة،
صاد،
ميم،
تاء.
لانها كانت تعلم ان لغة الصمت هي ابلغ
لغة في مسير المرء نحو تمتين صلته
بعالم الوحي والجمال والابداع والغلبة
المتأتية من فواح الرائحة وشهية
الاقبال على تناول ايام كان هضمها
الوعي من قبل لتجترها كي تلوك بها من
جديد وهي متأكدة انها تقوى على الحراك
ثانية وثالثة وانها لو هضمتها ما
كانت عسيرة على معدة اللا شعور لديها
لانها تسترجع متانتها ثمت من جديد
حينما تهدأ في العتمة قليلا لتساورها
الاحاسيس بان شخصها ما زال يهتم بها
فتولد من جديد وتنبعث في الذكريات كل
حياة جديدة .. سيّما حين لا تفتأ
اقدار شخص مالكها والذي لا يكون شخصا
عاديا لانه كان سولارا الصباح تلك
العين الثاقبة التي لها ان تجتر
ذكرياتها التي عملت على هضمها في
السابق لتعيد اليها الحياة ثانية وبلون
وطعم ثان ورائحة اشهى .. فكلما
اعادت اليها الحياة من جديد وجدت فيها
طعما اشهى ، ذلك لانها تخرجها من
حزنها المأزوم :
أخرج من حزن أمي.
اذ انها ما وجدت طريقا اليه .. يخلصها
من احزان الماضي ، الا عبر تأزيم
حالة داخلية ، تتنامى بشجن وألم صامتين
في صومعتها النفسية وتغليب
الوعي الصادق على الوعي الكاذب في حالة
مزدوجة من الغليان وحرب الذات :
أكسر كأس الكآبة
لان الكآبة وريثة الصمت ، بيد انها
تورثه كذلك غير انها ما كانت تفترق
عن لغة الكلام بصمت اخر يبيح لها فهم
يقود بها الى علم لا مناص عنه :
وأعلم أنه الفطام.
فتحتمل لغة الايذاء الذاتي ونعيب
السادية لضرورة وقحة تلح عليها كي تفوز
بلذة الخلاص من وجع لا يزال يؤرق كل
حلم يغزوها بشوق متآكل :
أخرج من حزن أمي.
هنا الخروج من الحزن الامومي لا يحصل
الا اذا احس المرء انه اصبح اما ..
هي كذلك
تحس بانها تنطلق في عالم الامومة
تحس باحساس الامومة
لذا فهي لم يحصل لديها مثل هذا الشعور
الا اذا كان لها ان تودع مشاعر الطفولة
القاضية بتماهيها مع الام ومشاعر
الام
حينها سيكون لها شعور خاص بها بعد ان
كان جزءا لا يتجزء من شعور الام
نفسها
هي الان تغالب مرحلة انتقالية
كي تعبر الى مرحلة اقوى
لكنها كيف والحال يوعز اليها ان تقف من
كل ما خلّفته وراءها بان تبقى
على صلة اكيدة به حينما تتوسم المقبل
من الايام وتجد ان وعيها من اللا
شعور ما يزال يعيش ايام الطفولة وتلك
الاحرف التي الهبت باسواطها كل
سجالاتها من اجل التحول والاندماج في
زمن آت ولا يزال يحتل ذاكرتها
المطوّعة بسيل حركي مع حركة العمر
المتقدم :
ألملم ما تبعثر من كأس الكتابة،
والقلب يثرثر بحروف ثلاثة،
تختصر قضيتها في هذه الثلاثة احرف
لانها تسكن روحها وتقبض على وعيها
اينما امتد به اليراع والخيال .. بل
انها تمتد اكثر حينما تجد نفسها
مأسورة كل هذا الشجن الذي يقلب بساط
الحرف في دخيلتها وبشكل تسبح معه
حتى تصل الى نهاية الحرف الذي يليه ومن
ثم تعود لتترك يدها ترسو فوق
عارضة الحرف الاول تباعا .. هكذا ومن
الاول !
حرف يمنحك الضوء،
ثم تعمد الى شرحه
......
لانه اولى الحركة نحو التزام العصا حين
الوقوف على مهد الرحيل اوائل
الصبا
الحرف الثاني بقلب الولد المجنون،
ثم تعمد الى شرحه
......
لان مراهقة الانسان تبتعث فيه كل خيلاء
كي تصيب فتاها بجنون حبها
وحرف تميمة بصدر أمي،
ثم تعمد الى شرحه
......
لانها سوف توزع عمرها بين تلك النوايا
التي كان زرعها فيها حب امها لها
عبر ذلك الصدر الذي انعشها عمرا وتحاول
الان ان تنعش ومن خلال نفس الصدر
بفارق انه اصبح يحيا في عضويتها
الجسدية وليس عضوية الام حين يكون لها
ان تغذي ومن خلاله طفولة جديدة بعد ان
تحصل لها ولادة مفعمة بالفأفأة
والتأتأة لتورثها كل ذكرياتها التي
عاشت معها وتعيش حاليا ..
انها لغة الحب التي تأكل فيها
جنون وصدر وضوء
عنف في الحب والجنس
صدر يشتهي الارضاع
وضوء لا تتحسسه الاعضاء الا في عمر
اللحظات التي يكتوي بها صاحبها بلذعة
الحب ولوعة الحركة المتباعدة بين
الجنون والصدر الذي يمثل قمة الاشياء
واوج اللذة حينما يقوم لها البأس وتبلغ
شحناته حدا مجنونا ..
تتنسم الحواس وقتها ضوءا ينقلب صوتا
كما البرق يتهيأ بمزاجيته كي يعلن
عن انقلاب في الحركة المتحولة الى صوت
الرعد ..
كذلك هي عملية الحب لون من العمل
يتلامع في ضوء يزخرف ترنيمة الاعداد
لصوت تتأوه عبره السماء وتخضل لها كل
واجهات الارض بعد ان تمطرها بما له
ان يحييها
سولارا تعرض لعملية الاحياء
الذكرى لديها تقوم على موسوعة
الاستيلاد
لها من الزخم ما يثري كل لوحات العصر
من حولها
بحيث انها تعزز غناء العصفور الذي
تتركه يحتل مكانا له في قلبها
كي توفر عناءه ليومٍ تبعث فيه العواطف
المتأملة في ثلاثية الصمت الداعية
الى تكرار نهج انوثتها المستنبطة اياه
من صدر الام ووحي حنانها الذي
تصيب به فتاها بجنون الالفة والذي ما
كان له ان يحصل الا من خلال بعث وجود
كل قديم في عيون ذاكرتها واستجراره صوب
استثمار اكيد لا يحصل وراءه الا
ولادة نضرة تبهج الروح وتسرّ النفس :
يضرب الأمل،
بخيزران الصباح.
يهش عصافير الغناء,
لتنثر البياض فقاعات،
تستحيل البنت على يديه يمامة.
يطير القلب تجاه الحديقة،
يرفو كملاك في وهج.
من وطأة العشق: القلب فضاء طليق.
هكذا تعبر عن حلمها الوردي الذي لا
يزال يحيا في ظلال حديقتها لانها لم
تعايش الواقع الحقيقي بعد والذي يمكن
ان تعبر فيه عن كل مسؤولياتها
وتجسد حركتها الواقعية في اطار من
التوجه والتوجيه ...
يحدث مثل هذا لانها وليدة تلك اللحظة
التي تعيش في عاجيتها
لانها ما تزال تتغنى باحلامها
لانها ولما تزل تعيش على لقمة توطد لها
العزم على استيلاد ايامها الاتية
ربما وضح لها لون النهار
وظنت ان ما بلغته من قلب الحبيب هو
الهدف الكلي والاسمى
لكننا سوف نجدها فيما بعد كيف تتضح لها
اهداف ومعاني اخرى اسمى واوقع
في النفس مع انها لم تتأت الا بعد ان
اغنت القلب بكل اشواقه واطفأت
نيرانه النفسية والجسدية وهنا كانت
سولارا سباقة ومقدامة في التعبير عن
منهجها الخاص في ان الانسان عليه ان
يحقق اهدافه النفسية والعاطفية
والجسدية لانها واعز ومرحلة متقدمة
للوصول الى مراحل اسمى واقدر
واثرى ... مما يضيف الى وعينا بفلسفتها
وعيا اخر اكثر عمقا وابعد وقعا !
لان كل ذلك كان يعبر عنه الحرف الوسط
في ثلاثية الصمت التي تتداعى لها
ذاكرتها وان هذا الحرف له ان يمسك
بصمتها ـ الذي له ان يتفجر ـ ومن
الوسط كما يمسك المرء بالعصا من وسطها
كي يحل ازمة يعاني من اوصابها ..
لكن الحرف الاول .. لا يمكن تناسي
ضغطته الفجائية لانها مرحلة يعيشها
المرء بين غفوة ويقظة .. يحس بنثار
المطر ولما يشعر بالوجل من زخاته
حتى تتصل حكايا هطوله بوعي نابت في
العمق يكاد يحدثه عن سيب ربما يطول
وان ضعف الا انه سوف يعاود السقوط وهذا
ما سيولد لديه تجافيا عن القعود
والانتظار ، فيهب الى استرداد وعيه
الماضي بكل جرأة نحو انتهاب خيلائه
الذي كان اضمره في عهوده الاولى كي
يستثمر منه كل السداد والنصح
والركيزة في الخطو والانتقال .. بسبب
من الفروض التي يستحملها لعلة واخرى
:
قميص الورد.
يشرأب في صهوة الحلم لزمن آت.
يقص حزنه في ماء الغموض،
ويبحث عن لغة.
وسوسة بوجهة المحبة،
يغني:
"يا حادي جرحتني نايات القصب"
ويشعشع القلب في القفص.
انظروا الى مرحلة الانتقال حين تصف لنا
الشاعرة ان قميص الورد ما كان
يبحث الا عن لغة غير مفهومة لانها حبلى
بالوساوس ذلك انه صاحبها كان ولما
يزل يحيا في ظل التفكير بزمن آت ..
يعيش مثل هذه الفكرة في ظل الخيال
والحلم .. كل هذا كي يدفن ما تراكم في
وعيه من حزن يعبر عن الازمة
التوعوية في داخل الانسان نفسه وانه
يخرج من وعي الى اخر ، وانه يغالي
في حرب العناصر المتآكلة في نفسه كي
يسعد حدائقها الغناء بشحنات ليس
لها ان تتآكل في الغد .. ذلك انه يعي
ان الغد بعيد وان السير اليه طويل
المسافة وان التشوف اليه اجدى في
الحصول على ريع من آيات نضالاته .. وان
كان لا يتوسم فيها الا حزنا يختنق في
مياه الغموض لانها تستعسر عليه وهي لا
زالت عصية على الفهم او الادراك لها من
قبله ..
فمع كل هذه النضالات من التأزم
والانفلات في الادراك والوعي الا انها تترك
ادواتها تتحرك من اجل استجلاء الواقع
الاتي قبل وصوله وانها تحاول بعدها
ان تركز رمحها في واقع الاداة الحركية
لحياتيتها الانسانية وانها تخط
عمرها بيدها وان الاتي من الايام يجب
ان تقوم هي بخلقه لا ان تنتظر وصوله
حينها تحيا في كنفه
لا .. هي تحاول بلوغ الغد ... ومن قبل
ان تتصرم ساعات اليوم
كم لطيفة هي هذه التوسمات في معاني
الكلم لدى هذه الشاعرة العملاقة
حينما تتركنا نستوحي مصائد لا نغمس
فيها الا واهيا من الالق كنا تسلقنا
عنده معابر غطّت بظلالها عيون الغدران
التي ظننا اننا نحيا فيها .. بينما
تثلج معانينا بوحي خطاها حين تتصاغر
امام خيلاء جيشها من المفردات
والتقنيات غير الملحوظة لا لعدم منها
بل لانها لا تتمرأى لنا بسهولة الا
بعد استيعاب تطول عهد ساعاته بفاقة
تأملاتنا له :
يغني:
"يا حادي جرحتني نايات القصب"
هنا تقلب مواجع الصبا وتنثر رحيقها خلف
خطوها الذي يعن لها من ورائها
كي تترك لها اثارا .. تخلّفها وراءها
.. تزرع الارض بها في عقبها .. كي
تكون درسا للاجيال وعبرة للمآثرة
والاهتمام .. هنا يحصل التوزع بين
الماضي والحاضر واولى التجارب التي
تخرج فيها عن صبغة المعاني
التجريبية الاولى والتي ما كانت الا
انها ترزح تحت نير الضعف ووطر
النحافة في الاستأخاذ ..
فأين هي اليوم من لحن الفأفأة والتأتأة
وهي اليوم يغرد قلبها بالغناء
ليكون بمستطاعها ان تتغلب على لغة
الوسوسة غير المفهومة
وتعبر بالتالي عن وجع الازمة الذي يغمر
وجهتها الاساسية والاصلية
"يا حادي جرحتني نايات القصب"
لانها هنا تعارك الصلب من القضايا
هي الان تتغلب على وعيها القديم الذي
كان يعيش ايام طفولة ليس لها ان
تقاوم او حتى ان تمشي فوق نايات القصب
لكن الان ترى ان زمانها ومكانها قد
تغير
وان المسؤولية هي ابهظ واقوى واثقل من
مسؤولياتها في ذلك الزمن المنقضي
بل ربما ما كان لديها من مسؤوليات في
ذلك الزمن
سوى ان الغير كان يعهد مثل تلك المهام
الى نفسه تجاه كل ازمة تئن تحت
طائلها
حينها سيكون لقلبها ان يشع فرحا
لانه يعيش مسؤوليته الكبرى
ويشعر بنجاحه في امتحانه الاول
وانه قد غادر عهده القديم واصبح أهلا
كي يمرر حبه وقضيته لكي تأخذ
مساراتها بين القضايا وتعالج كأزمة بين
الازمات لقلبها ان يرى النور حتى
لو كان ولما يزل يعيش حياة القفص وانه
ما زال يتصل بحبل رشيق بتلك
الحقبة من الزمان المتوالي عليه في
الماضي :
ويشعشع القلب في القفص.
تلك الفرحة التي تغمرنا حين نقوم بعمل
موفق
حين نبدع
وحين نجد الرضا يعوم فوق شفاه كل من
يحتضن نجاحنا بشغف
حين يتعملق فينا الغرور الذاتي وتجنح
بنا السعادة نحو كل خيلاء واخر
نعيشه بين اجنّة تلك اللحاظ التي
تغمرنا بثنائها وبكل منقبة حتى لو كنا
لا نستأهلها حقا
لكننا نعرف انه اول الطريق نحو اغتمار
النفس بانواع الفنون الصاحية في
الحياة :
وحرف تميمة بصدر أمي،
ارشفه من حليبها في الصباح.
أكسر كأس الكآبة
وأعلم أنه الفطام
أخرج من حزن أمي.
لانها هنا كانت حققت ما سعت امها الى
تحقيقه
وليس هذا وحسب
بل انها اصبحت ما تأمّلت الام ان تكون
عليه ابنتها
بدليل انها ارضعتها لبنا ما ضاع هدرا
فأصبحت البنت تشعر انها وبالفعل ما
كانت الا عند حسن ظن امها التي ظلت
تغدق عليها من حليبها كي تقوى على
ايامها وحين بلغت اشدها ، لم تستطع
ان تقف على قدميها وحسب بل ان تثبت
لامها انها فعلا خير خلف لخير سلف :
أخرج من حزن أمي.
حينما كان لها ان تقضي على الكابوس
الذي أرّق امها المليء بالحزن نتيجة
الخوف على مستقبلها والتخوف عليها من
وهدة الزمان الاتي .. ولا تخرج منه
الا شعورا منها بالمسؤولية تجاهه والا
فما كان لغيرها ان يهتم به لو اراد
ذلك ..
.....
فلسفة الحروف الثلاث التي منحت الغناء
كل وعيها به
وكل الثناء
وكل القوة التي كانت وراء عصفورها الذي
سكن في حديقتها
حديقتها تلك التي لم تكن تحيا الا في
عهد البنت :
البنت الحديقة
قلبها عصفور،
وشائج مليئة بالفأفأة والتأتأة،
هي نفسها التي عنت لها بعد ذلك وفي
زمان اخر بلغة لا يعيها الا وفائها
لمبدئها الام
وحرصها على ان تبلغ ما تبلغ
وان بلغت
فحرصها على ان تبقى وفية لتلك الذكريات
والايام التي علمتها كيف تحبو
ومن ثم مهدت لها كي تتعلم المشي
والاسترسال فيه
بعد ان علمتها كيف تقف على مواجع
قدميها وتطيل بلحظات الصبر بين مهادها
فما زالت وفية لماضيها
لانها ما كانت تفتقت الا عنه
لذا فهي ما تزال تحيا وان بلغت ما بلغت
وفية لنصاب التحنان الذي
استاقها لكل تلك المستويات الحافلة بكل
المكاسب والعطاءات :
ويشعشع القلب في القفص.
لانها ما تزال تعيش حزن امها
وحزن ارضها
وحزن شعبها
وحزن زمانها وما يجري فيه
وحزن ماضيها ومضارعها ومستقبلها
فلئن بلغت لديها الفرحة كل مبلغ
ولئن استأخذتها السعادات كل مأخذ
فحزنها لا يزال يعيش في ذاكرتها وللحين
لانها ما برحت تفكر وتتأمل عبر ثلاثية
الصمت
وتفكيرها يجرها الى ان تعيش الام
الاخرين وتجتر وعيهم الاستنزافي
هنا تكمن سعادتها الاثيرية والابدية
لانها كانت ولما تزل تصحو على انغام
عصفورها
الذي ما يزال يعيش في قفص قلبها وان
كانت تنعته بالقلب
لانه كان لها قلبا ثانيا وثالثا
يشعرها بصمت الناس من حولها
وانه ما كان للصوت الذي تنطلق منه
همساتها الصامتة الممتزجة في ثلاثيتها
الا صوتا يعبر عن دفق التزامها
بالموروث وعمق اهتمامها بالحاضر والمستقبل
لانها غير صامتة وان نعتت افكارها
بثلاثيتها المتبرجة بلون الصمت
لانها ما تزال ترضع الحب من ثدي امها :
ارشفه من حليبها في الصباح.
ولانها ما تزال تعيش براءة الطفولة
ومهد الصبا :
البنت الحديقة
قلبها عصفور،
وشائج مليئة بالفأفأة والتأتأة،
هذا هو الشعر الموجع بكل فرحته وألقه
هنا يكمن سر سولارا
.......
آمل ان اكون وفيت في هذه الحلقة بجزء
يسير من الفهم لهذه القصيدة
ولو انها تحتمل تفسيرات ومرادات اخرى
يصعب الاحاطة بها
فاكتفي بمثل هذه الاشارات السابقة
والمطولة
.......
جمال السائح
Almawed2003@yahoo.com
www.postpoems.com\members\jamalalsaieh