علامات الترقيم وطرق استعمالها
ملاحظات لغوية فنية
بقلم : الدكتور سلطان الحريري
علامات الترقيم....
هل علامات الترقيم ضرورية لفهم النص المكتوب على الوجه الأكمل
؟ أم إنها مجرد عامل مساعد لزيادة النص المكتوب إيضاحا وتمكينا
في ذهن القارئ ؟ وهي تصبح بذلك رهن اختيار الكاتب في استخدامها
،أو الإعراض عنها وتجاهلها .
....الحقيقة أن علامات الترقيم مهمة جدا في فهم النص المكتوب .
علامات الترقيم وطرق استعمالها :
1- ( . ) النقطة ، توضع في نهاية الجملة التامة المعنى ،
المستوفية كل مكملاتها اللفظية ، وكذلك توضع عند انتهاء الكلام
وانقضائه.
مثال : رب سامع خبري ، لم يسمع عذري . ورب ملوم لا ذنب له،
ولعل له عذرا وأنت تلوم .
2- ( ، ) الفاصلة ، وتوضع بعد لفظ المنادى ، وبين الجملتين
المرتبطتين بالمعنى والإعراب ، وهي علامة الوقف على الجملة
القصيرة . وتدل على التمهل أو التفاوت في درجة الصوت .وبذلك
تساعد على نقل المعنى بوضوح أكثر للسامع .
ومثاله :
أ- بين الجمل المعطوفة :
....للمسجد النبوي في عهد الرسول – صلى الله عليه وسلم- ، صحن
سوره من اللبن ، وأساسه من الحجارة ، ولم يكن لرحبته سقف ..
ومن استعمالاتها الشائعة :
ب- بين المعطوفات من مفردات ( أسماء أو أشباه جمل تفيد التقسيم
أو التنويع):ومثاله :
....الجهات الأصلية أربع ، هي : الشمال ، والجنوب ، والشرق ،
والغرب
ج- بين الجمل الصغرى :ومثاله :
" ... نبأ الناظر ، وجفا الحاجب ، وذهبت العين ، وفقدت الراحة
، وصلد الزند..."
د- بعد حرف الجواب في أول الجملة : ( نعم، لا ، بلى ، كلا
...):
ومثاله :
....نعم ، إني أعرف طريقي إلى الجامعة .
هـ- بعد المنادى المتصل :ومثاله:
....يا عمرو، إن موعد السفر قد حان.
و- بين لفظ البدل والمبدل منه :ومثاله :
....دخل المأمون يوما بيت الديوان فرأى غلاما على أذنه قلم ؛
فقال له : " من أنت يا غلام "؟ قال : أنا الناشئ في دولتك ،
والمؤمل نعمتك ، الحسن بن رجاء".
3- " " علامة التنصيص ، يلزم استخدام علامة التنصيص في المواضع
الآتية :
أ- عند اقتباس نص بلفظه ليس من كلام الكاتب حتى يميز القارئ
بين كلام الكاتب وكلام غيره :
....اعترف العلماء والفلاسفة والمؤرخون في العالم بفضل العرب ،
ويقول ( جوستاف لوبون ) :
" كانت كتب العرب المرجع الوحيد لعلوم الطبيعة والكيمياء
والفلك في أوربا مدة تزيد على خمسة قرون .."
ب- عند ذكر عناوين كتب أو مقالات أو أبحاث :مثال :
....يؤكد ( شتراوس ) في بحوثه " اضطراب التعليم عند الطفل
المصاب في مخه " وجود معوقات في الإدراك الحسي واللغة والفهم
والسلوك.
ج- عند الحديث عن لفظة ومناقشة معانيها واستخدامها، وليس في
سياق الكلمة:مثال :
....انتهت هذه الدراسة إلى أن " إن " وردت في القرآن الكريم
أكثر مما وردت " إذا " وذلك ما يفهم من قول الأقدمين ..
4- علامة الحصر : ( ) وهي قوسان هلالان ، وأحيانا معقوفان .
...فأما القوسان الهلالان فلهما استخدامات عدة يوضع بينهما كل
عبارة يراد حصرها ، أو تحديد معنى عام سابق عليها ، أو شرح
لمعنى غامض ، أو تمثيل لمجمل ، أو إشارة إلى موضع في وسط
الكلام ولفت النظر إليه ، أو عبارة يراد الاحتراس لها، أو
إضافات، أو سقط في نص تحقيق، وإليك تفصيل هذا كله :
أ- حصر معنى عام سابق عليها أو تحديده:مثال :
....ربما يتبادر إلى الذهن في تعريف ( سابير ) للغة بأنها
نبرات صوتية ( تصدرها أعضاء النطق )؛أي أن هناك أعضاء خلقت
بطبيعتها للنطق .
....الكاتب يبين أهمية لفظة ، ولا يريد أن يجعلها محددة ؛لأنها
عامة ، ولا يريد أن يجعل هذه العبارة الزائدة جزءا أساسا في
صياغة الفكرة وتسلسلها، بل يريد حصر انتباه القارئ في طبيعة
النبرات الصوتية ، وأنها غير غريزية ومكتسبة .
ب- شرح معنى غامض سابق عليها :ومثاله :
" .... ولكن حدث في القرن الرابع الميلادي ، أن حقق اليونانيون
وحدة لغوية ، اختاروا لها أفصح اللغات ، وهي لغة أيونا (
الساحل الغربي لآسيا الصغرى) ".
التعليق : بعض القراء قد لايعرفون لفظة ( أيونا ) فحددها
الكاتب بوضع الهلالين حولها .
ج- تمثيل لمجمل سابق عليها، وقد ينسحب ذلك على الجملة
المعترضة أيضا ، كما سيأتي :
مثال :
....من المميزات العامة للغات السامية ( العربية والعبرية
مثلا) وجود الجملة الاسمية ؛ أي التي تقوم على مبتدأ وخبر دون
رابطة بينهما .
د- الإشارة إلى مرجع في وسط الكلام ، ولفت النظر إليه:
مثال :
....سبق أن تحثنا عن مقومات الفقرة السليمة (ارجع إلى الفصل
الرابع من هذا الكتاب).
هـ- العبارة التي يراد الاحتراس لها :
ولست بذاخر أبدا طعاما ........ ( حذار غد) لكل غد طعام
التعليق :
....الشاعر ههنا يريد الاحتراس بعبارة ( حذار غد) فهو لا يريد
أن يدخر طعاما خوفا لما يأتي به الغد ، إنما يريد أن يعيش
يومه، أما غده فأمره إلى الله .
وأما القوسان المعقوفان :
....فيستخدمان لاحتواء الإضافات والسقط في نص يحقق. وهنا
يستخدم القوسان المعقوفان ، كما تقتضي بذلك اصطلاحات اللغة
العربية في تمييز الإضافات أو السقط.
5- علامة الحذف(...):
....وهي ثلاث نقط متتالية على السطر ، ترسم هكذا(...) وتستخدم
في الموضاعات الآتية :
أ- الاقتصار على ذكر المهم :ومثاله:
....ويقول الدكتور محمد مندور :" إنني لا أعدل بكتاب ( دلائل
الإعجاز) كتابا آخر ... فالدلائل يشتمل على نظرية في اللغة
وتطبيق النظرية...".
التعليق:
....هذا اقتباس لرأي الأساتذة حول قيمة ( دلائل الإعجاز)
للعلامة عبد القاهر الجرجاني .
فكلام الدكتور محمد مندور الحقيقي :" إنني لا أعدل بكتاب (
دلائل الإعجاز كتابا آخر . وأما ( أسرار البلاغة ) فمرتبته في
نظري دون ( الدلائل) بكثير ..."
....فلما كان موضوع الحديث الكتاب الأول فقد حذف الكاتب من
المقتبس ما لا يدل عليه ووضع علامة الحذف.
ب- للدلالة على أن للمذكور بقية :ومثاله:
معظم الأفعال في اللغة العربية تتكون من ثلاثة أحرف أصلية ،
مثل : ضرب ، شرب ، قرأ ...
ج- دلالة على استقباح ذكر المحذوف :
....وأمثلته كثيرة في كتب التراث ، والأدب وغيرها ...
د- للدلالة على نص لم يعثر الناقل عليه:
....ونجد ذلك في بعض الكتب المحققة ، أو دواوين الشعراء.
6- الشرطة (-):
وتوضع :
أ- للدلالة على حصر الجملة المعترضة :
ومثاله :
....مقومات البناء الداخلي للفقرة – كما سبق أن ذكرنا- هي أن
تكون محددة ومترابطة ، ومتوازنة ، ومتسلسلة.
ب- للدلالة على الشرح:
....ويقال فيها ما يقال في القوسين للدلالة على تمثيل لمجمل
سابق .
ج- للدلالة على الإضافة :
ومثاله:
....فلما سار عبد الملك إلى خراسان ، استخلف على مدينة ( واسط)
– وكانت يومئذ عاصمة العراق- الجراح ، وهذا دليل على كفايته
المتميزة.
د - للعوض عن تكرار أسماء المتحاورين :
مثل :
قال علي لوالده : أريد أن أذهب إلى الحج.
- ألديك القدرة على ذلك من صحة ومال؟
- نعم.
- إذا، سر على بركة الله.
هـ- بعد العدد الترتيبي:مثل : بدأت جامعة الملك سعود بأربع
كليات هي :
1- كلية الآداب، وفيها أقسام :
- الأدب العربي .
- الأدب الإنجليزي.
- الأدب الفرنسي.
7- علامة المتابعة (=):
....هي شرطتان متوازيتان توضعان في نهاية الجزء الأول من
الحاشية ، وبداية الجزء الثاني منها في الصفحة المقابلة ، أو
التي تليها . وترسم هكذا : =
8- الفاصلة المنقوطة (؛):
....وتستخدم للشرح أو التفصيل . وتدل على وقفة قصيرة كافية كما
يتضح من تسميتها ؛ فهي ليست بالنقطة الكاملة ، وليست بالفاصلة
المهملة . وفي الأمثلة الآتية تفصيل لموضاعات استخدامها:
أ- بين جملتين بينهما علاقة في المعنى :
مثال :
....استأذن رجل المأمون في تقبيل يده ؛ فقال له : إن قبلة اليد
من المسلم ذلة ، ومن الذمي خديعة ؛ ولا حاجة بك أن تذل ، ولا
بنا أن نخدع ".
ومثال آخر :
....قال فتى سأله عمر بن عبد العزيز – رضي الله عنه - : ما بلغ
بك ما أرى ؟
قال : " ذقت يوما حلاوة الدنيا فوجدتها مرة عواقبها ؛ فاستوى
عندي حجرها وذهبها " .
ب- بين جملتين بينهما مشاركة في المعنى :
مثال :
....كان الناس قديما يرتبطون ارتباطا وثيقا في قراهم ؛ التي
فيها ولدوا ، وفيها عاشوا ، وعلى أرضها ماتوا.
ج- بين جملتين تربطهما علاقة سببية ؛ فتكون ما قبلها سببا لما
بعدها :مثال :
....حفظ الولد درسه ؛ فنجح .
9-النقطتان المتوازيتان( : ):
ويستخدمان في المواضع الآتية :
أ- يلفتان الانتباه إلى أن تفسيرا وتجزيئا سيأتي بعد أمر مجمل
:
مثال :
....لقد جعلنا هذا الكتاب في عشرة فصول : الأول يتناول العلاقة
بين الفكر واللغة ، والثاني يتناول اللفظة ، والثالث يعالج
الجملة ..."
ب- يلفتان الانتباه أيضا إلى الكلام المنقول بحرفه ، أو
المحكي بمعناه، مثال ذلك بحرفه :• قال تعالى : { وجعلنا من
الماء كل شيء حي } .
• سأل الرجل الشرطي : أي الطرق يؤدي إلى مكة المكرمة ؟
ومثال المحكي بمعناه:
• سمعت إمام المسجد يحث بما معناه :
إن الناس مجزون بأعمالهم : إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر .
التعليق : نلاحظ أن النقطتين المتوازيتين قد نبهتا القارئ
للوهلة الأولى ، أن ما بعدهما هو تفصيل لما يجيء مجملا قبلهلما
. وبذلك وفرتا عليه الجهد الذهني الذي كان سيصرفه في متابعة
الفكرة .
10- علامة الاستفهام (؟):
توضع للدلالة على السؤال والتساؤل :مثال :
- كيف حالك؟
- أنت خائف ؟
- أنا ؟ ومم أخاف؟
11- علامة التعجب ( ! ):
تدل على التعجب من أمر أو شيء ، وتأتي في الأحوال الآتية :
أ- بعد صيغة التعجب القياسية في اللغة العربية ( ما أفعل )
.كقولنا ك
- ما أجمل الربيع !
- ما أكثر ما استذكر محمد دروسه!
ب- بعد صيغ التعجب السماعية :وهي كثيرة ، منها :
- لله دره شاعرا!
- إلهي، كم هذا رائع!
- أي فرس أصيلة حرون!
- ويحك!
....وتوضع في هذه المواضع لتؤكد شعور الكاتب بالتعجب والدهشة
..
ج- قد يتعجب الإنسان من فكرة دون أن يصوغها في صورة تعجب :
وهنا يعمد الكاتب إليها لينقل تعجبه من الفكرة :
مثال :
....تمكن العلماء من تصميم موقد يعمل بالأشعة السينية ، إذا
وضعت يدك عليه لا تشعر بالحرارة ، وإذا وضعت عليه إناء يسخن !
د- بعد مواقف الانفعال المؤثرة ؛ ومنها : الرهبة ، والدهشة ،
والرغبة ، والمدح ، والذم ..مثال :
- يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون !
- حبذا الكريم! وبئس اللئيم!
- ربنا وتقبل دعاء !
- اللهم أغثناّ!
- بلغ السيل الزبا !
- أف لكما ولما تعبدون!
- وتأتي بعد الاستفهام الاستنكاري : أغير الله تدعون!
....والآن لاشك أننا اقتنعنا بوظيفة علامات الترقيم في الكتابة
؛ فهي ليست زينة ولا زخرفة ، بل ضرورة في إيصال ما يريده
الكاتب إلى قارئه دون لبس، ولا غموض ولا اضطراب ، ويهمنا هنا
أن نؤكدعلى مسألتين على جانب من الأهمية :
الأولى : أن يتدرب الإنسان على استخدامها منذ فترة مبكرة في
حياته العلمية حتى تصبح طبيعة مكتسبة لديه.
الثانية : أن يكون الكاتب منسقا في استخدامها حسب القواعد التي
تعلمها .
لو أن الكاتب أهمل علامات الترقيم وتجاهلها ، من الخاسر ؟ أهو
الكاتب أم القارئ؟
والجواب ، لاشك أنه الكاتب ؛ ذلك لأن الكاتب يعنيه أن يكسب
القارئ لا أن يصرفه عنه . والقارئ يريد أفكارا واضحة غير
مضطربة . ولقد رأينا كيف تساعد علامات الترقيم على تحقيق هذا
الهدف .