عفريت الشارع
أقصوصة

صلاح أبو شنب*
فى
شارع ما ، فى ميدان ما ،
كان يقف كالمارد ، مشدود القوام ، يرمق كل سيارة تمر من أمامه ،
يعطى لشاربه
الكثيف أهمية كبرى ، يربيه ويغذيه ، ويمشطه ، ويبـرُمه ، ثم يرفعه الى
أعلى ، يتطلع
الى المرءآة فى منظمومه يوميـــه يمارسها كل صباح قبل النزول الى
الشارع .. ولما لا
؟ وهذا الشارب الفتـّى هو شعار هيبته ، وجزء من صورتـــــه وهيئته ،
ومكمل لزيه
الرسمى ورسامته . لا تمر سيارة من أمامه إلاّ وهى مخالفه فى نظره حتى
تـُلقى
بالمعلوم فـــى راحته ، وإلا ّ فتوقيع الغرامه والمخالفه تكون هى
المقابل لجرأته ،
كل من كان يعبر تلك الناحية يعلم ذلك ويُجهّــز المعلــوم قبل بلــــوغ
نقطه نفوذه
وسطوته . كل مساء بعد انتهاء ورديته ، يدلف الى كشك السجائرجى القابع
على ناصية
الميدان ، كى يـُجمّـد حصيلتــه ، ويحولها الـــى أوراق نقديــه من
الفئه العليا كى
لا تستحوذ على مساحة كبيرة فى جيب بنطاله الأميرى ذى اللون الأبيض .
عند عودته الى
منزلــه يلقى بالحصيلة فى حجر زوجته ، التى تكون ملهوفه على وصوله كى
تستحوذ على
المال لشراء قطعة الارض التى غـــدت أملا لا محيد عنــــه مهما كانت
الوسيلة
!
اشترت الأرض وشيدت فوقها عمارة من خمسة طوابق خصصت شقه لكل ابن من
ابنائها
الصغار الذيــــن ما زالوا فى المراحل التعليميه الاولى ، وفرضت على
الاب تأثيثها
جميعا ، ومنته ببناء أخرى ! عندما كــــان ينظر الاب الى العمارة من
الخارج يأخذه
الفخار والاعتزاز بعمله ، ويتطاول الشموخ داخل نفسه ، وتزداد شراهتــه
لجمع المال
من الرائح والغادى ، حتى أطلق عليه السائقون عفريت الشارع
.
فى ظهيرة أحد
الأيام وبينما كان يقف المارد المرعب وسط تقاطع الميدان الكبير ، فى
عنفوان
جبروتــــه وزهوه ، وتسلطه على الناس ، وانتفاشة صدره ، أبصر أحد
جيرانه يأتى اليه
مسرعا فزعا ينادى : يا حضرة الصـول أدرك أهلك
...
استقل أول سيارة وقفت أمامه ،
وأسرع الى بيته الذى وجده عبارة عن كومه من الانقـــاض لا يعــرف أولها
من آخرها ،
وجميع أفراد أسرته أسفل منها .. لم ينجُ منهم أحد
.
ظل يهزى وسط الشارع ، ينادى
بأعلى صوته : أنا السبب .. أكل الحرامُ الحلالَ وأنا السبب .. أنا
السبب
===========
*صلاح أبو شنب – مصر
تعقيب
أخي المكرم صلاح أبو شنب
عفريت الشارع هذا ،
مثله كثيرون في شوارع مدننا العربية الكبرى
و لكنهم لم يبلغوا ما بلغه بطل قصتك ،
فيبني عمارة ، و ينوي أن يتبعها بأخرى ،
من اعتاد على الرشوة ، يستمرئها
و لا يفكر بالحرام أو الحلال
نص جميل من مبدع
دمت متألقا
نزار