أدب 2

دراسات - مقالات - حوارات

 

الأبواب
الرئيسية

 

صفحة الغلاف
أدب 1
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

 سيرة ذاتية

نزار ب. الزين 


 

- تتجاوز قصصي القصيرة غير المطبوعة المائة و أربعين قصة و أقصوصة
- عشرة أعمال روائية صغيرة ذات طابع وطني تحت مسمى كيمنسانيا ( الكيمياء الإنسانية )
- ثمانية أعمال روائية صغيرة تحت عنوان كنز ممتاز بك
- عمل روائي طويل واحد تحت عنوان عيلة الأستاذ

- إحدى عشر حكاية للأطفال
- عدد من الدراسات الأدبية و الفكرية نشرت في الصحف الكويتية (الراي العام - القبس - الوطن ) و العربية في أمريكا ( أنباء العرب - العرب ) و بعض المواقع الألكترونية المهتمة بالأدب .
أما عني شخصيا فأنا :
- نزار بهاء الدين الزين
- من مواليد دمشق في الخامس من تشرين الأول ( أكتوبر ) من عام 1931
- بدأت حياتي العملية كمعلم في دمشق و ريفها لمدة خمس سنوات
- عملت في الكويت كأخصائي إجتماعي و مثقف عام ، لمدة 33 سنة قبل أن أتقاعد عام 1990، إضافة إلى عملي الإضافي في صحف الكويت .
- كتبت أول مجموعة قصصية بعنوان ( ضحية المجتمع ) عندما كنت في الثانوية العامة عام 1949
- كتبت مجموعتي الثانية ( ساره روزنسكي ) سنة 1979
- و إضافة إلى عشقي للأدب فإنني أهوى الفنون التشكيلية كذلك ، و قد أقمت معرضا لإنتاجي الفني في شهر أكتوبر 1999 في مدينة دمشق/ مركز المزة الثقافي خلال إحدى زياراتي للوطن ضمت 55 لوحة .
أعيش في الولايات المتحدة منذ إنتهاء خدمتي في الكويت أي منذ عام 1990 و أدير حاليا مع إبني وسيم مجلة ( العربي الحر ) الألكترونية - عبر الأنترنيت ؛
و عنوان الموقع :

www.freearabi.com

 

متعدد المواهب عبد الهادي شلا

يرسم بقلمه و يقص  بفرشاته

دراسة لست من قصصه بقلم : نزار ب. الزين

 

         قال أحد الفلاسفة : " لا يمكن فصل الأدب عن الفنون فالشعر فن  و الحكاية  فن  و الرسم  فن و كذلك النحت و الموسيقا و المسرح  و السينما ، كلها تعبيرات عن مشاعر الفنان و تفاعله مع الطبيعة و عناصرها  بطريقة  أو بأخرى

و هذا ما ينطبق على الرسام  و الكاتب و الشاعر عبد الهادي شلا

و هذه لمحة عن سيرته الذاتية استقيتها  من  موقعه :

http://www.shala.ca

و من الواضح أنه ركز في موقعه هذا على الناحية الفنية  واضعا إبداعه الأدبي في الدرجة الثانية و تحت باب المقال

أولا - السيرة الذاتية :

*الإسم : عبد الهادي  شلا

*الميلاد : 20 نوفمبر 1948

*المكان : حي الشجاعية بمدينة غزة بفلسطين

*في العام 1971 حصل على درجة البكالوريوس من كلية الفنون الجميلة بالقاهرة( قسم تصوير )

*في العام 1995 هاجر مع أسرته  إلى كندا حيث حصل على الجنسية الكندية

*و في العام 1997 قام مع مجموعة من الأصدقاء بتأسيس جريدة ( بيسان ) كنشاط من انشطة (الجمعية الفلسطينية الكندية التي كان  أحد أعضاء هيئتها الإدارية وكان يرسم (الكاريكاتير) و يمارس الكتابة فيها.  * وفي العام 2000 كان احد المؤسسين لجريدة عربية أخرى هي  ( الفجر العربي ) التي قام بإخراج جميع أعدادها وكان يرسم فيها (الكاريكاتير) وله عمود يحمل عنوان ( إشراقة) . وفي نفس الوقت كان يكتب الموضوعات الفنية وفلسفاتها والتعليق على المعارض الفنية لبعض المجلات والجرائد العربية .

* في كندا أيضا ، توجه إلى استخدام برامج ( الكمبيوتر) في عمل التصميمات الفنية كتصميم الشعارات و البوسترات والإخراج الصحفي وغيرها بواسطة التقنيات الحديثة .

ثانيا - دراسة لقصة العابس:

في قصته هذه يقدم الكاتب طويلا لحالة  أبو الخير ، و هو بقال استأجر حديثا دكانا بجوار سعدي ؛ و قد لفت أبو الخير  نظر سعدي بعبوسه الدائم و صمته  المطبق  فأدرك أن وراء الأكمة ما وراءها فاستبد به الفضول لمعرفة قصة هذا الرجل  ، تردد كثيرا في البداية :

 " كلما رأيت وجهه العابس..هممت أن أسأله لما كل هذا العبوس..وهذا الصمت والشرود ، لكن شيئا ما كان يمنعني "

" بطرف عيني أرقب وجهه العابس.. وأبقى مع السؤال الذي يكاد ينفجر في رأسي..ما سر هذا الرجل بوجهه العابس ؟ "

" مرات كثيرة لا أكون في حاجة لشراء شيء ، لكن فضولي يأخذني إليه .. وأقيم معه حوارا

من طرف  واحد   و بحرص شديد ."

و لكن ...

" أخشى أن ينفجر في وجهي .!! "

 ثم  تجرأ سعدي ذات يوم فسأله  بانفعال حاد :

" لماذا لا تريد الحديث معي ؟ "

و أمام إلحاح سعدي - و ربما كي لا يخسر زبونا -  كشف أبو الخير عن سره الدفين  :

" فقدت أعز ما أملك في هذه الدنيا ..زوجتي و..طفلتي  تغريد.؛.عندما سوت الدبابات بيتي بالأرض حين اجتاحت المخيم..

ملاكي الصغير داسته جنازير دباباتهم .. حطمت كل مشاعري الجميلة في الحياة.."

ثم و كمن أصابته لوثة أو ربما تجسدت له روح ابنته الفقيدة فرءاها  لوحده تتقدم نحوه   :

" فجأة.. تغيرت ملامحه

نظر بعيدا..

انبعث من عينيه.. نور

تهلل وجهه.. كأنه البدر ، و بسمة عريضة..أخفت عبوس وجهه  "

 فما كان منه إلا أن أعد قرطاسا من الحلوى ثم :

 " مد يده بالكيس بينما يده الأخرى تحركت في الفضاء كأنه يمسح بها على ظهر قطة  سيامية ".

أمام هذا الموقف المأسوي تناول سعدي ما جاء من أجله و انصرف نادما لأنه نكأ جراح ذاك الصامت المسكين .

وظف الأستاذ شلا مقدمته الطويلة بنجاح باهر كعنصر تشويق  يشد القلوب و العقول ، قبل أن ينقلنا إلى إحدى الصور المأسوية لمعاناة الشعب الفلسطيني  تحت  سطوة  أشرس احتلال عرفه التاريخ .

ثالثا : دراسة لقصة (أمل)

في قصة أمل يعبر الأستاذ عبد الهادي عن معاناة الشعب المصري في أعقاب هزيمة حرب الأيام الستة ، و ما رافقها من خسائر بشرية و مادية و تهجير لسكان مدن القناة  .

تبتدئ القصة حين تعترض طريقه باصرار طفلة لا يعرفها ، فيحاول التهرب منها دون جدوى :

" فجأة ..تخترقنا.. طفلة ما تجاوزت السادسة...

تتجه نحوي دون الجميع..تصوب نظراتها بثقة..

تعترض طريقي.. ابتعدت عنها يمنة تبعتني.... حاولت يسرة تبعتني .."

يتلكأ عن رفاقه و قد استبد به الفضول فيقول في سره  :

" يلوح في داخلي شعور غريب.. يستفزني .. يدفعني إلى الحوار الذي ما أعددت.."

ليتبين أنها إنما تتسول فحسب :

" مدت يدها الصغيرة ..

بثقة وثبات..إعطني قرشا.. قالت "

بعد أن عرف غايتها استدرجها نحو عمود النور و أخذ يتأملها و ثيابها الرثة ، فلفتت نظره

" كديجور الليل عيونها .. سوداء .. لامعة "

 " سمراء دقيقة الملامح .. منكوش شعرها .. كمطربات الغرب في أغنيات البوب "

" جلبابها القصير الممزق يغطيه قميص عسكري ( كاكي ) أخفى معظم جسدها الصغير"

و ازداد فضوله عندئذ إلى الذروة ، ربما بسبب قميصها الكاكي ، و هو لون ملابس الجنود ، ليسألها عن اسمها مثنى و ثلاث مقدما لها الإغراء إثر الإغراء ، و بينما يستمر رفاقه يستعجلونه ، يستمر هو منشغلا مع الطفلة  إلى أن باحت له  باسمها  فكانت الصدمة  :

" قنبلة انفجرت في رأسي حين..

قالت : اسمي ..أمل

آه كبيرة مزقت أحشائي وحطمت ضلوعي ، و بركان ألقى بحممه إليَّ في الليل الصيفي ليصهرني بين النور وبين الظلمة.."

" أمل..

اسمي .. أمل

أهكذا الأمل في مدينة المعز.. الأمل في أرض العرب.. جرح فوق جرح ما جف .. مازال ينزف..

بالأمس كانت النكسة.. وكان حزيران حزينا مهزوماً، واليوم الأمل .. يتسول على رصيف (الميريلاند) ؟ "

يفرغ  بطل القصة جيوبه من النقود  ليقدمها للطفلة المتسولة ،و التي سببت له أزمة عاطفية حادة  :

" قطعة اللحم التي تناولتها في " الميريلاند" والخضار"السوتيه" وكوب الشاي.. وطبق المهلبية.. علقم طعمها.."

" ألقيت بنفسي على السرير..الساعة تشير إلى الثانية بعد منتصف الليل.. عيناي تبحلقان في السقف الأبيض.."

و تخلص أوجاعه إلى قرار اتخذه ، و هو أن تكون أمل مشروع تخرجه .!

فبطل القصة فنان و هنا يكشف الكاتب سره ، فمن المرجح أن القصة  حدثت معه شخصيا ، فهو فنان ، و قد درس الفنون في  أرض الكنانة في فترة حرب النكسة  .-

أفلح الكاتب الأستاذ شلا  بقصته هذه بتصوير حالة إنسانية فريدة ، حالة  التناقض الحاد  بين الأمل و واقع الحال المليء بالحزن و القهر و الانهزام  و المرارة .....و الفقر ؛ و أثبت أنه إنما يكتب بفرشاته  مدفوعا بحس إنساني رفيع .

رابعا دراسة لقصة ( الرجل الذي تبخر )

بعد أن يصور الكاتب روعة الطبيعة و سحرها

يتبين  بسهولة للقارئ أن الراوي هو أحد الشهداء ، لعله لم يدرك بعد أن أصبح روحا بلا جسد  :

" اقترب من صفحة الماء

صرخ

رجع إلى الوراء

فرك عينيه

من النهر..تقدم مرة أخرى

ما رآى وجهه. "

يعيد الكرة ، يحاول أن يشرب من ماء النهر ، فيكتشف أن الماء في شرايينه يتبخر   :

" وحدها الطيور على الشجر.. رأته يتبخر

فزعت ..

علا صوتها ..

فوق تلاشيه.. رفرفت

بحثت عنه

لا أثر . "

ثم لا تلبث بعض الطيور أن تكتشف أنها بدورها تبخرت ، يبدو أنها أصيبت هي الأخرى بشظايا القذيفة  التي أصابت الشهيد :

" التي شربت وتبخرت

في تلاشيها.. بحثت عنه

ما وجدته

فوق النهر..

مرة ومرة.. حلقت

متعبة على الصخرة.. هبطت

لاشيء سوى رائحة عطر ملأت المكان "

صور شاعرية  صورها فنان مبدع  مرهف الحس

مجد فيها الشهيد و كل الشهداء .

في هذا السياق تقول الكاتبة ميسون أبو بكر :

" العصافير تحولت لقارورة عطر و نحن تحولت فينا كلماتك لباقة فكر"

و تعقب فاطمة :

" بعطرك الرائع ذابت وتبخرت كل العطور؟! "

ثم تعقب مي :

" عطرة عطرة عطرة عطرة هي رائحة الشهيد لكأنها من الجنة "

 

خامسا : دراسة قصة ( البحر و المدينة )

يعبر الكاتب في قصته هذه عن مرض إجتماعي مزمن يعاني منه العرب كل العرب و ربما يشاركهم في ذلك شعوب العالمين الثالث و الرابع ، حالة تسلط و استبداد الحاكم ، تقابلها حالة رضوخ كامل و نفاق شامل تخدر بها الشعب : " كلما أطَلَّ السُلطان من شرفة قصره..هتفت المدينة

يعيش السلطان!!

ينتشي..يتهلل وجهه...يلوح لها بيديه الملطختين

فتبقى في ذُل انكسارها تهتف..يعيش  السلطان!!! "

 بينما يبقي البحر نقيا عنيدا يأبى التلوث :

" و هذا البحر العنيد..ما انفك يرسل مَوجَهُ واحدة تلو الأخرى بإصرار.. و يستردها رغم أنف الشاطئ الذي لا يقوى على حبسها. "

" عاود النظر إلى البحر.

جباراً..حنوناً..في طياته النقيضان.. يُرسل موجاته تترًا ..يلح في الإرسال ..بلا مقابل

شامخًا..عملاقًا.. في مد دائم "

بطل القصة ترهقه الأحزان لما وصل إليه ناسه من تردٍ :

" بجسد ما بقي منه إلا رئتان تحبسان شهيقا نديا وتطلقان زفيرًا حارًا "

" أجهز الحزن على ما تبقى في رئتيه من شهيق..فخرج زفيرًا حارقًا "

يزداد غضب بطل القصة ، فيتحول إلى تنين يقذف اللهب ، و لكن للأسف تتبدد ناره المتوهمة في الفضاء ، فَيَد واحدة لا تستطيع التصفيق .

أجمل تعليقين قرأتهما حول القصة  كانا للأستاذ الأديب و الناقد الكبير  زكي العيلة و الكاتبة الصاعدة ميسون أبو بكر  :

" * ما زال عبد الهادي شلا يعيش في بحره الذي لم تغادره أمواجه و لم يبتعد عنه رذاذه المفعم حناناً وجبروتاً ، صفاءً و وضوحاً ، شموخاً و عطاءً بلا مقابل .

عبر أنسنة البحر يوغل النص في فضاءات الإنسانية : همومها ، أوجاعها و أحلامها عبر لغة خاطفة مشبعة بالإيحاءات التي تنم عن تجربة صادقة تشير إلى عيوب هذا العصر حيث النفاق و الخداع و الحربائية و الانكسار ( مدينة المطبلين ) يعززها ( السلطان ) أداة القمع و رمز القهر ، و في مواجهة ذلك كله ينهض البحر برموزه التي لم تفارقها أزمنة الشموخ رافضةً كافة مظاهر الخنوع و الاستلاب .

أخي الفنان القاص المبدع : عبد الهادي شلا

دمت و دام بحرك بنوارسه و موجاته التي لا تعرف التراجع أو الانكسار .

تحياتي و تمنياتي

زكي العيلة "

  **"  كلماتك خطتها رذاذات الماء المبعثرة من البحر

رسمتها بشفافية..ما أجمل الحروف وهي ترسم لوحة الكلمات أمامنا .وتأخذنا لعالمها.. نتخيل عناصر القصة..نتابعها بشغف ..

جميلة هذه اللحظات التي بعثرتنا على صفحاتك.. وأتت لنا بأطياف ذاكرتك .. وإحساسك

هو أنت حقا أستاذنا القدير عبد الهادي شلا من طوع الكلمات بقصة رائعة..استنشقنا فيها البحر فعلا

ميسون أبوبكر "

سادسا : دراسة لقصة الأسد الكاسر

يبدأ الأستاذ عبد الهادي شلا قصة الأسد الكاسر  بوصف مطول للحياة المدرسية ، روتينية ناظرها  المخضرم  ، يعايشها بطل القصة الأستاذ حسني ، تلميذا  و ها هو يعايشها أستاذا :

" هداك الله يا ابا جميل... أكثر من عشرين عاما أسمعتنا إرشاداتك..

الزمن يتغير وأدواته تتجدد ..حتى مقاعد الدراسة تبدلت مرات ومرات.. و أبا جميل على حاله..!! "

و يتذكر كيف طرده لأنه لم يحلق شعر رأسه على ( الزيرو ) و كيف اضطر للجوء إلى حلاق الحمير (!) لأن بقية الحلاقين كانوا في عطلتهم الأسبوعية ،

ثم يدخلنا الكاتب مع الأستاذ حسني إلى عالم التلمذة بجديته و مرحه ، فيصور لنا تعليقات التلاميذ الضاحكة حول تعليمات ناظر المدرسة المتكررة ، ثم  ينقلنا إلى غرفة  الصف ، حيث المدرس المحبوب و الطلاب النجباء  .

و إذ يشاهد اندفاع طلابه  و ألمعيتهم و أداءهم الممتاز في حل كل ما طلبه منهم من مسائل حسابية ، يشعر بالاكتفاء و أنه أصبح من واجبه أن يحدثهم عن تاريخ مدينتهم و حيهم :

" - اجلسوا جميعا..أمرهم

تركوا كراساتهم على الطاولة ..

بأدب شديد إلى مقاعدهم..عادوا

أغِلقوا الكراسات والكتب..

= لم ننته بعد يا أستاذ.. معا قال التلاميذ

- أعرف..

ولكن!!

ما تحتاجونه ليس المنهاج المدرسي المقنن.. العلوم والرياضيات ..تاريخ الأولين والبارزين من الأعلام فقط..

.. أريدكم أن تعرفوا تاريخ الشارع والحارة، وأن تعرفوا شجاعة رجال بلدكم البسطاء أيضا  . "

و يبدأ يقص عليهم  سيرة بطل  من  أبطال  المقاومة  أيام  حرب  القناة  عام     1956 :

" صور ..تلو الصور تتزاحم في مخيلة الأستاذ حسني وهو يروي لتلاميذه ما حدث عند الاجتياح في تلك السنة..كان العام 1956 "

 ثم  أخذ الأستاذ حسني يحكي لهم قصة الأسد الكاسر:

 تمكن البطل  من إخفاء شخصيته و حتى اليوم لا يعرفه أحد .

و بينما فر البعض  إلى الغابة كان ذلك البطل ينفذ عمليات أرهبت العدو ، و يضيف الأستاذ حسني قائلا :

- لقد عرفته عن كثب و إن لم أعرف هويته ، فقد كلفني أن أكتب عبارات المقاومة على الجدران ، ثم كلفني  بإخفاء بعض الأسلحة :

حملتها ..

 ثقيلة..

سرت دون أن يراني أحد..

تسلقت الجدار..حفرت تحت شجرة المشمش..

وضعتها." 

ثم  أخذ الناس يتناقلون قصص ذلك البطل الأسطوري  مزخرفة بخيال البعض و هلوسات الآخرين ، و لكنهم أجمعوا على تلقيبه بالأسد الكاسر :

 " في الركن المشمس من حارتنا .. تجمع شيوخها ..

 ما انتهت حكاياتهم المشوقة..

.ذكريات الشباب..

ألعب بالقرب منهم.. سمعتهم..

أكثر من ابو زيد الهلالي..عنتر....إنه ( الأسد الكاسر ) "

" أحدهم حلف طلاق بالثلاثة

..رأيته بعد صلاة العشاء يمشي في الزقاق ..إنه  مارد .. طويل... قدميه على الأرض ورأسه في السماء..ما تمكنت من رؤيته..

علت ضحكاتهم.. "

و بينما كان الأستاذ حسني يحكي  لتلاميذه عن بطولات الأسد الكاسر ، كان أحد عمال المدرسة يصيخ السمع قرب  إحدى   نوافذ  الصف :

" العم  أحمد. الفراش..اعتدل .أنصت جيدا..الأسد الكاسر؟؟ أما زلت تذكر سيرته يا حسني؟!! "

تنتهي الحصة قبل أن يكمل الأستاذ حسني قصته ، يخرج التلاميذ متضايقين ، فبعد كل هذا التشويق ،فإن القصة لم تكتمل ؛  أما العم أحمد فجلس قرب الصف يلف سيغارته ، عندما صادفه الأستاذ فجلس إلى  جانبه  يحاوره متبسطا  :

" - مرحبا يا عم أحمد..

= أستاذ حسني؟

تفضل سيجارة..

- ما عدت أدخن يا عم أحمد.. توقفت منذ شهرين..

نظر إلى وجهه..

صمت..

- هل كل شيء على ما يرام؟..سأله الأستاذ حسني

= الحمد لله..اجاب "

 " سحب صندوقا خشبيا صغيرا ..جلس بقربه 

- اليوم حدثت التلاميذ عن حكايات الحارة والشارع..لا يكفي أن يعرفوا ما بالكتب ..إنهم جيل مختلف..استمتعوا كثيرا.. الوقت ما أسعفني لأكمل لهم حكاية الأسد الكاسر."

رفع رأسه..حدّق في وجهه

= ..أتعرف الأسد الكاسر.؟.سأله العم أحمد

- كنت صغيرا حين تردد اسمه في حارتنا ..على لسان شيوخها بالذات..

أ تعرفه؟!

أنت أكبر مني بسنوات.. إنه من جيلك..أتعرفه؟ "

ثم يبدأ العم أحمد بمناورة الأستاذ حسني ، لعله يتذكر ، يقول له بثقة العارف : " الدرويش الذي كان أطفال الحي يعاكسونه لم يكن درويشا بل بطلا "

 ، ثم يضيف  :

" اقتحم الخندق على جنود الاحتلال..قتل منهم ستة ..اختفى في البيارة الشرقية..

بعد دقائق.. قنصه جندي لما شعر بحركة بين الأشجار. "

فخلفت الإصابة آثارها على عضده الأيمن .

ثم يبتدئ يقرب له الأمر أكثر فأكثر  :

" -  أنت ما خفتَه أبدا .. أشفقتَ عليه

أنت ما تخاف يا أستاذ..حسني !! "

و لكن :

" ما أجبتني عن الأسد الكاسر.. من يكون؟  "

ثم يكشف الغطاء  عن سره الدفين  حين قال له  قبل أن يلفظ أنفاسه :

" أنت ولد عظيم.. رعاك الله

يا..

حسني "

كان العم أحمد هو بعينه الدرويش و هو بلحمه و دمه الأسد الكاسر .

و يختتم الكاتب قصته بوصف  محزن لجنازة  الأسد الكاسر العم  أحمد  الفراش  :

 " بين ذراعيه.. حمله

 سار في شوارع المدينة

موكب جليل ..

 التلاميذ ..

المدرسون ..

 يتقدمهم أبا جميل ..."

" تكشف  ساعده الأيمن..عن

علامة..

أثر.. من جرح قديم . "

قصة الأسد الكاسر ملحمة حياتية صورها لنا الأستاذ شلا ، بواقعها  ما ظهر منه و ما بطن . صوَّر بنجاح الحياة المدرسية  بجديتها  و طرائفها ، و صور  الاحتلال و بشاعته ، ثم مقاومته سرا و علنا ، بأيدي الصغار قبل الكبار ، كما صور بنجاح كبير  الأعمال الجريئة التي قام بها أحد أبطال المقاومة و الذي عاش و مات مهمشا رغم بطولاته الأسطورية  !

 

سابعا : دراسة قصة ( أباشي )

 

هذه القصة تصوير بارع  لحياة الرعب و الرهبة التي يعايشها الفلسطينيون كل يوم ، الطائرات ، الدبابات ، دوي القنابل ، هدير الصواريخ ، أزيز الرصاص  .

" اقترب الصوت أكثر..

دوي في كبد السماء.

مع خروج التلاميذ من المدرسة..تناثروا في كل اتجاه.."

" ضمت طفلتها الرضيعة إلى حضنها بشدة..أخفتها بين ضلوعها..دلفت إلى أقرب حانوت "

يجتاح الرعب القلوب الواجفة للحظات ثم تعود الحياة إلى مجراها الطبيعي و كأن شيئا لم يكن :

" مر الصوت بعيدا ..

هدوء

سليمة والحمد لله ..أردف

عادت الأصوات إلى الشارع  ..

عادت الحياة ."

ثم تعود ( الأباتشي )  :

" التصقتا بسور المدرسة كقطعة ثلج ..مريم وفاطمة

إلى السماء.. مرة أخرى .. عيونهما

اقترب الصوت أكثر.. فأكثر.

لابد أنها ستدمر الحارة..قالت مريم بصوت خافت.. مرتجفة "

تطلق صاروخها الأول ، فيندفع التلاميذ إلى حيث سقط :

" اعتادوا ذلك كلما سمعوا صوت (الأباتشي.).

ما خافوا أبدا

وجه كلامه إلى السيدة التي تحولت إلى تمثال جرانيتي 

وافقته.."

تلتف الأباتشي ثم تعود لتطلق صاروخها الثاني  :

" صوت الصاروخ الثاني كان أقوى

هناك..لا..هناك فوق البيارة الشرقية..لا.. فوق الطاحونة المهجورة...فوق المخرطة!!.."

تقترب الفتاتان من المكان لتشاهدا  سيارة مدمرة ، حاول الرجال و الأطفال التعرف على من كان فيها:

" ما وجدوا سوى قطعة قماش خضراء كتب عليها اسم الجلالة ملقاة على الكرسي الأمامي "

قال التلاميذ : إنها سيارة حسن

" من؟

 حسن ؟؟

مريم..

كتمت صرختها

اندفعت نحو السيارة المدمرة "

شلها الرعب و لكنها ظلت تتقدم لولا أن منعوها

"-  ماذا دهاك؟ سألتها فاطمة.

أكاد أسمع خفقان قلبك

= ما أن سمعت اسم (حسن) حتى طار صوابي.. جاء  صوت مريم مختنقا "

"الله أكبر..الله أكبر

ما كان في السيارة أحد ..هتف أحد التلاميذ

انتفضت مريم..خرجت من صمتها وذهولها .. عادت

لا أحد في السيارة مخاطبة فاطمة وهي تطير فرحا "

ثم تنبهها فاطمة :

" بعينيها.. أشارت

مريم ..

التفتت

من ؟

 "حسن"؟؟!!

ابتسمت.. حمدت "

لا بد أن حسن هو من تحبه مريم ، لهفتها تفضح سرها .

*****

حب و حرب ، عواطف جياشة و رعب مميت ، خوف و جرأة ، تناقضات  تتعايش معا تحت ظلال احتلال لا يرحم و مقاومة لا تلين  ، تمكن الأستاذ شلا  بنقلها إلى قرائه بأسلوبه المشوق و عباراته المتلاحقة و بساطته اللغوية التي تعتبر بحد ذاتها أسلوبا مميزا للكاتب  ، و لكي يعطي صوره هذا الزخم التصويري ، يلغي الكثير من حروف  العطف  و الجر ،  و لا يعترف من علامات النفي إلا ب ( ما ) يستخمها باستمرار لتضفي على نصوصه البساطة المطلوبة .

و يمكن أن نخلص إلى أن أديبنا عبد الهادي شلا ، ما فتئ  يكتب بفرشاته و ليس بقلمه .

------------------

*نزار بهاء الدين الزين

   سوري مغترب

   عضو إتحاد كتاب الأنترنيت العرب

الموقع :  www.FreeArabi.com

 

أوسمة

-1-

     سروتان تنهضان ، رائحة شمس ، أشرعة نور ، زاداً و فيئاً .    نزار الزين الإنسان الأديب الجميل يرسم من خلال دفاتره المغموسة بمداد القلب صورة بهيَّة للشامخ الفنان الكبير الأديب المرهف ( عبد الهادي شلا ) .
مكاتيب وفاء نحفظها و نأمل أن يحفظها كل المسكونين بجذورهم .
حروفكما وصلت أيها الرائعان . سلمتما و سلمت دفاتركما النابضة .
تحياتي و اعتزازي و تقديري .
زكي العيلة ..

-2-

        ما أروع الأديب الرائع نزار الزين والذي يتحول الحرف بين    يديه إلى زهرة ..إلى نهر.. إلى غيمة
إلى باقة ريحان وياسمين..
وإلى شلا المصور..الصورة هي محاولة لتحنيط الزمن وما أبرعك سيدي
والرسامون كما تقول مستغانمي:موسيقيون صامتون طول الوقت
واللغة هي الأداة لنقل الحياة اليومية
وأنت برعت بكل هذه الفنون التي عرفناها عنك
دمت موسيقيا رائعا تعزف لحن الكلمات جميلا على ناي القلوب
ميسون أبوبكر
 

-3-

   هي رسائل محبة يبثها ابو وسيم
 و رسائل وفاء يرسلها عبر الكترونات كثيرة
يسكب فيها ما جاد القلم به
و ما جادت به نفوس المحبين
أهل الأدب و الفن و الشعر
لكما كل المحبة يا من تزرعان فينا الأمل دوما

محمد رمضان

-4-

    أخي نزار
 الأديب الرائع المتميز
أخجلتني كلماتك وما أظنني إلا فرع في شجرتكم المورقة  في عالم الأدب
كلماتكم ومروركم على هذه المجموعة من القصص كان لها وقع طيب في نفسي..ليس فقط لقدرتكم على سبر أغوارها..بل وأيضا لأنني كنت أتمنى أن أسمع رأيا قادرا فيما كتبت وفي مدى تطوره
وقد كان أخي الأستاذ زكي العيلة والذي نقدر جهده النبيل في متابعة كل ما يكتب في دنيا الوطن كان لكلماته أثرا طيبا في استمرار العديد من الأقلام التي مد لها يد العون..وأنا منهم
واسمح لي أن أشكر أخي وصديقي محمد رمضان على تواصله وعطائه عبر مساحتكم
ولا يمكن أن أغادر دون تقديم الشكر والتحية للأخت المثابرة ميسون أبو بكر و المتواجدة دائما بقيمة عالية من العطاء
اعذروني لقلة تعليقاتي لضيق الوقت ولكن كونواعلى ثقة أنني أتابع كل ما يكتب في دنيا الوطن
ولن أغادر هذه الدوحة دون شكر أخي عبد الله عيسى على اتاحة هذا القسط الكبير من حرية النشر
تقبلوا مودتي ومحبيتي جميعا
وشكرا أخي نزار
عبد الهادي شلا