قراءة
لقصة "عالم بلا عيون" للدكتورة هيفاء السنعوسي
بقلم :
سعاد الناصر / كلية الآداب ـ المغرب
في الأسبوع الثقافي الذي نظمه المكتب الإعلامي الكويتي بالقنيطرة ـالمغرب من 19
ديسمبر إلى 25 منه 2005 بتنسيق مع مندوبية وزارة الثقافة ووزارة التربية
الوطنية والتعليم العالي واتحاد كتاب المغرب , كان الجمهور المغربي المثقف على
موعد مع صوتين متميزين من أصوات الكويت المبدعة والجادة التي تلفت انتباه
المتلقي العربي, صوت شعري مثلته الشاعرة غنيمة زيد الحرب, وصوت سردي مثلته
الأديبة د. هيفاء محمد السنعوسي.
وسنحاول الاقتراب من إحدى هذه الإشراقات الكويتية, التي كانت لي شرفة بهية أطل
منها على إبداع ينضح بالأنوثة العذبة, المستندة على خصائص جمالية وإنسانية,سواء
على مستوى الآليات السردية وجمالياتها, أو على مستوى القضايا التي تشغلها,
بعيدة عن أي افتعال أو إسقاط من خارج الذات الحضارية. هذه الشرفة البهية التي
تعانق آفاق شاسعة هي الدكتورة هيفاء السنعوسي في مجموعتها المثيرة بصدق المشاعر
المبثوثة بها , المجموعة القصصية العربية الثانية للدكتورة هيفاء بعد مجموعة
ضجيج. وكلا المجموعتان تنبئ عن رغبة متأصلة في تقديم تجربة عميقة, تترك في
المتلقي قدر كبير من المتعة ومن المسؤولية , سواء تجاه الإبداع نفسه, أو تجاه
شذرات من الواقع الذي تكشف عنها من خلال سياقات مختلفة, لكنها موحدة في رغبة
الانبعاث من جديد بالكتابة.
وحين قرأت الدكتورة هيفاء بصوتها المعبر قصة"عالم بلا عيون" , القصة الثانية
في مجموعة "رحيل البحر" في هذا الملتقى الكويتي- المغربي أدركت أن اختيارها
لم
يكن اعتباطا, وإنما ينم عن إحساس مرهف بقضايا الإبداع الأدبي, يبسط أمام
المتلقي لحظة من لحظاته, التي تدخله إلى آفاق المشترك الإنساني.
ودون الدخول في العتبات النصية للمجموعة, التي نتركها للقراءة الموسعة لها ككل,
نقف عند عتبة النص المقروء "عالم بلا عيون" الذي يعد مفتاحا للولوج إلى أغوار
القصة, محفزا المتلقي على متابعة الغوص فيها قصد إشباع توقعاته الموضوعية
والجمالية. يتكون العنوان من مركب اسمي متعلق بالجار والمجرور وأداة النفي :
"عالم" اسم مطلق من قيود التعريف , غبر مقصود بالتعيين سوى بنفي امتلاكه
ل"عيون". وهو مركب ينفتح على احتمالات دلالية متعددة يمكن تواردها في ذهن
المتلقي, لكن يكتنفها نوع من الغموض الفاتح لشهيته من أجل اكتشاف أقرب
الاحتمالات.
والقصة تنفتح على خمس عناوين فرعية تؤطر مسارها, وتوجه نحو معطيات العطاء بكل
زخمه. وما بين العنوان الأول"ولادة" بتنكيره الدال على عدم اليقين, والعنوان
الثاني "الغيث"بتعريفه الدال على تأكيد العطاء والخصوبة, تتماهى مسارات السرد
الوصفي, وتغوص في تدفق مشاعر السارد وتأزمها, وانعكاسها على واقع حياته
اليومية,, تصور محاولة من محاولات القبض على لحظة مراوغة من لحظات الإبداع
القصصي. وتطالعنا أول جملة في النص: "جلست لأكتب شيئا" لنكتشف بعد متابعة
القراءة أنها الجملة الأساس التي يقوم عليها البناء السردي, والبؤرة الجوهرية
التي تقوم بتشكيله, ومن تداعياتها والظروف المحيطة بها , ومن توليدها وتوليفها
لمواقف ورؤى تتجلى مع الجمل اللاحقة في النص , نكتشف هذا العالم الذي يستدعينا
السارد لدخوله."شخوص قريبة أراها بوضوح ..شخوص بعيدة لا أستطيع تمييز ملامحها"
(ص38) "تبدو لي نجمة تائهة لا تعرف طريقها.. أو ربما نجمة خرساء لا تستطيع
التعبير عما تريد"(ص39) "مدينة صاخبة بالحياة.. الألوان.. الأصوات..الحركة
الكثيفة.. ضوء.. ظلمة..ضوء ظلمة"(ص40) "أفتح عيني, أكتب..أكتب"(ص43).. وغيرها
من الجمل التي تولدت عن الجملة الأساس المتضمنة لانبثاق متوتر عن معاناة السارد
الداخلية, وصراعه في بناء نسيج قصصي, حيث تغدو الذات الكاتبة محل السرد.
فالسارد يحتفي بالكتابة بوصفها مفهوم إبداعي له طبيعة خاصة في التكوين والخلق,
وتمر بمراحل معينة قبل استوائها, وتشكلها في الوجود "أجد نفسي في صحراء لم تعرف
طعم الأمطار.. ولكنني عازم على بناء مدينتي فيها. سأضع بذوري.. وسأسقيها من
دموعي.. سأسمعها لحن حزني.. ولحن سعادتي..سأبلل الرمال بالماء.."(ص42_43) .من
هنا أرى أن البطل في القصة ليس شخصية من شخوصها, أو السارد المعبر بصيغة
المتكلم, رغم حضوره القوي وفاعليته في الأحداث , وإنما هو حدث الكتابة نفسه. أي
عرضٌ لولادة الكتابة, بكل معاناتها ودلالها أيضا عبر بناء قصصي يقوم بوظيفة
تعبيرية تتيح للمتلقي تصور طبيعة المراحل التي قطعها السارد في تكوين قصته.
ومخاض الولادة المتراوح بين الحلم والواقع يتجسد من خلال استخدام أسلوب الكثافة
والتصوير الذي يحيل ويرمز أكثر مما يشير ويقرر :"سأغفو على الكرسي.. سأسند
رأسي للخلف.. وأغمض عيني.. لعلي أشاهدها طيفا فأصطادها مرة أخرى"(ص41).
إن قصة "عالم بلا عيون" تغذي لدى المتلقي رغبة في أن يصبح جزءا من إنتاج النص
السردي ذاته, وتطلعا نحو التعبير عما يمور في أعماقه, رغم المعاناة والتوتر
لولوج العالم الثقافي, الذي تسعى القصة إلى اعتباره بلا عيون لما يكتنفه من
غربة . غربة تمتد لتسيطر على الإنسان, وتدفعه للبوح عن غربة عميقة تنتمي إلى
الغربة الإنسانية بصفة عامة, وهي أيضا التي دفعت السارد إلى التواصل مع الآخرين
من أجل التوحد معهم.
و تمتاز لغة القصة بالبساطة والعفوية, إلا أنها مشحونة بجمالية فنية أبعدتها
عن المعاني المبتذلة, وجعلت بناءها الفكري تتحد فيه لحظات التكثيف مع اللحظات
العادية :"تغلق حجرة مكتبي, وتغادر بعد أن ودعتني بابتسامة اعرف تفاصيلها جيدا.
هل أستطيع أن أزرع فكرتي التي ضاعت؟ هل أستطيع أن أجمع خيوطها من جديد؟ أبحث عن
وجهها الذي اختفى .. أحاول أن أتلمس أجنحة حلقت بها"(ص 40-41). كما حسمت اختيار
الكاتبة الجمالي الموغل في تنويعات اللغة واستثمار إمكانياتها الدلالية
والجمالية.
وتظل قصة "عالم بلا عيون" منفتحة على قراءات متنوعة, كما تظل مجموعة "رحيل
البحر" مشروع قراءات شتى, تكشف عن عوالمها الثرية, الملتقطة لنبضات المشاعر
وإيقاع الواقع.