الأدب  ( 8 ) - أخبار أدبية

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

 سِفْـرُ المأثــــورات

مقال بقلم : محمد إسليم

 
 

(1/6 )


يصعُب على من تَطأ قدماه لأول مرَّة بلاد الطُّورُوبْرِيَّاند أن يتخلصَ بسُهُـولةٍ من الانطباع الذي يستحوِذ عليه إلى أن يُوهِمه بأنهُ في إحدَى مُدُن جنوب المغرب الشَّرقي كألنيف، أو بُوذنيب، أو الرِّيصَاني. ذلكَ أن الأهَالي الطورُوبريَّانديِّين يسكنـون - مثل سُكان المدُن الآنفة - في تجمُّعَاتٍ معماريةٍ من الطّوب يحيط بالجهَات الأربع لكلٍّ منها سورٌ طوبي ضخم يتسعُ أحيانا إلى أن يأوي أكثر من 300 أسرَة ترتبط فيما بينها عَادة بقرَابَة الدَّم، ولذلكَ يحملُ كلُّ تجمُّع إسم الجدِّ الأوَّل المؤسس - الذي يضربُ عادة في عُمق التاريخ - بالإضَافة إلى إسم «غسر»، فيُقال: «غسر فلان» أو «غسر علان»... ولعلَّ المرءَ لا يحتاجُ إلى مجهودٍ فِكري كبير للوصُول إلى العَلاقة الموجُودَة بين هَذه الكلمة وبَين تسمِية «قصر» التي تدُلُّ في المدُن المغربية المشَار إليها على المسمَّى نفسِه، وهو ما كانَ من شأنه أن يشجِّعَ على افتراض إمكَان استيرادِ الطورُوبريَّانديِّين لهذا النّمَط المعماريِّ من المغرب لولا هَذا الغيَاب التّام - في اللغَة والثقافة الطورُوبريَّانديتين - لما يُشجِّع على المضيِّ في هَذا الاتجاه. بيدَ أنَّ الأمرَ لا يزدَادُ إلا تعقيدا بالنظر إلى كَثرة التمَاثـلاَت:

- فالمرأة الطورُوبريَّانديَّة بدورها تلعبُ دورا حاسما في تنظيمِ الفضَاء والعَلاقاتِ الاجتماعية، وتمارسُ سُلطة قوية مِن داخِل احتجَاباتها المعمَارية واللغَوية والجسَديَّة بشكلٍ لا يجعلُ من غيابهَا المطلق سِوى الوجه الآخر لحضُورِها المطلـق.

- والبلدَة تنزوي وسَط غاباتِ النخيل كمسَاحة مَنسيةٍ من العَالم: فهِيَ آخرُ محطة كودرُون، آخرُ عمودٍ كهربائي، آخر أنبـوبُ مـاء...

لكن! الآن فقط أدركُ حجمَ الغَباوة التي كانتْ تلُفُّنِي عندما اعقدتُ في البدايَة أنني - بالتفاتِي إلى هَته التمَاثلات وغيرها - كنتُ بصدَدِ اكتشافٍ كبير؛ فقد وضَعَ أحدُ الأهالي حدّا لأوهَامي بسُهولةٍ وأناقةٍ متناهيتين: اندَفعَ أمَامي بقامته القصيرة وهُو يتعثرُ في جلبابه الصُّوفي وأمرَني بالمشي خَلفهُ، وسَار إلى أن وقفَ بمفترق أزقة ضيقةٍ يتوسَّط حيّا سَكَنيا، ثم قال لي:

- أتَـدرِي ما اسـم هـذا الحـي؟
- لا.
- إسمُه «إبط الكلب»... انظر جيدا هَذه اللَّوحَات التي تعتلي أركانَ الأزقّة: فهذا الزُّقاق اسمه «سْترَاسْبُورْغ دُ سَانْ دُنِي»، وهَذا اسمه «كَايِّي دِي سَانْ رَامُونْ»، وهَذا الدَّربُ اسمُهُ «زنقة الذبَاب»... أتستزيد؟
- لا.
- الأولُ يُفضِي بكَ إلى باريس التي لا تبعُدُ عنها الآن إلا ببضعِ مئاتٍ من الأمتار، والثّاني إلى لِشبُونة، والثّالث إلى مَدينة القصر الكبير (...) إنَّ هذا الحي مُتعدِّد الجنسيات، وهُو لم يحصل على هَذا الوضع التّوَحُّدِي إلا حديثا، وبذلك فأنت الآن في هَذه المدُن جميعا دُون أن تكون في أيِّ واحدة منهـا.

صرفتُ صاحبي، ثم قصدتُ منزلا في قعر أحَدِ الأزقة لا يحملُ اسما، وكانت امرَأة جالسَة ببابه. سألتهَا باللغـةِ المحليـَّة:
- أَتَانْ أُورُو مِيكْ نِيكْ لاَوَا؟
- أجابتْ وهي تشِيرُ إلى دَاخل المنزلِ:
- بُورُو بُورُو كِي يِّي كِي يَاوي.

دخلتُ إلى المنزل. إلا أنني لم أجد المرأةَ خَلفي لما التفتُّ. سمعتُ ضَوضاءَ تتسرَّبُ من غرفة مجاورَة لم يكن بداخِلها سِوى نافذةٍ وبابٍ، فتسللتُ، وفتحتُ النافذة فورا. أشرفتُ على سَاحة واسِعة توسَّطتْ أقواسا وسَوَاري بديعة النقوش والزَّخارف وامتلأتْ جنباتها بأفرَشةٍ فاخرةٍ وأواني بديعةٍ، تحلق حولها عشراتُ المتفرِّجين في جلبة من الغنَاء والضحِك والزَّغاريد والتصفيقات فيمَا كانت أردافُ جماعةٍ من الرَّاقصات العظام تهتزُّ بالتناوُب على عزفِ جوقين أحدُهُما مشرقي والآخر يبدو أنهُ محليٌّ شعبيٌّ. وفي ركن من السَّاحة جلسَ شيخ كان بيده مفتاحٌ سحريٌّ يتيح له التحَكم في إطلاق الضَّوضاء أو إيقافها واشتغال الكاميرَات المثبتة في أركان السَّاحة أو توقفها؛ فبينَ الفينة والأخرَى كان يتناوَلُ بحركةٍ بطيئةٍ مُتعبة أكماشا منَ الأورَاق النقديةِ من فئة مائةِ دولار، ويوزِّعها على الأهالي لينَقِّطُوا بها الرَّاقصَات ثم ينصرفُ لغليونه مُثيرا سحبا كثيفة من حَواليه... سألتُ أقرب متفرِّج من نَافذتي، أجابني بلهجةٍ تلغرافية: «يتعلق الأمرُ بعُرس وَهمِي. الشيخ العجميُّ هو المخرج دَافيد سُول صاحب مُسلسَل ستارسكي وهوتش. هُو الآن بصددِ تصوير فيلمِه الأخِيـر».

فتحتُ الباب الدَّاخلي للغرفةِ، وكانَ أتاني منه صوتُ أغنيةٍ لمادُونا، فأفضى بي إلى ممرّ انتهى بي هُو الآخر إلى ساحَةٍ إلا أنها كانت - في هذه المرَّة - ممتلئة بكراسِي ومَوَائِدَ استدارَ حولها فتيان وفتياتٌ ورجالٌ ونساءٌ وقد جلسُوا جنبا لجنبٍ. تقدمتُ نحو باب كبير في آخر السَّاحة، فأفضى بي إلى الخارج لأجدَني وسط شارع نظيفٍ أنيق قبالته كشكٌ وبناية عالية. استدرتُ إلى الوَرَاء كي أمَوقعَ البابَ الذي خرجتُ منه، فكانت تعتلي وَاجهتَه لوحة زُجاجية كبيرة كتبَ عليها «مقهى الكوميديَا». التفتُّ شمال الشارع فتراءى لي نخيلٌ كنخيل الطّورُوبريَّاند، بيدَ أني تبينتُ فيمـا بعد أنني كنتُ في مَدينة الرِّبـاط.
*

* *

إذا سمعتَ طورُّوبريَّانديا يحدث آخر قائلا: «لقد وَخَزَني الفِردوسُ ليلة البارحة» وظننتَ أنه يحدثه في أمُور دينية أخطأتَ، لأنه إنما يخبرُه بازدياد مَولودة جديدةٍ، والشيءُ نفسُه يحصلُ إذا رأيتَ طورُّوبريَّانديّا يقول لآخر: «إني بصددِ استجماع رُوحي» لأنه لا يقصدُ بهذا التعبير سِوى أنَّ بنتا له قد خُطِبَت منه وأنه الآن بصدَد الاستعدادِ لزفِّها لبعلها...

وإذا سألتَ طورُّوبريَّانديّا عن السِّرِّ في استعمال هَذه التعابير المجازية الملتوية أجابَك بمنتهى البرودَة: «كانت الأمُورُ دائما هكذا، وستظلُّ دائما هكذا»، وإن أنتَ استزدتَه معلوماتٍ أخرى كأن تسأله «كيفَ؟» أو «لماذا؟»، أجابَكَ: «هذا إفرَاط في التفكير الكثير»، وإن أضفتَ أي تعليق، شَزَرَكَ بامتعاض شديدٍ، ثمَّ كتم غيظه، وقالَ لك بمنتهى اللباقة والأدب: «أنتَ زنديقٌ». والواقع أنهُ لا يمكنُ فهم أمثال هَذه التعابير إلا بتسييقهَا، أي بوضعها دَاخل اللغة والثقافة الطّورُوبريَّانديَّتَيْن:


فالمعجم الطّورُوبريَّاندي يشتملُ على أكثر من ألف مفردةٍ للدَّلالة عَلى جمال الأنثى من بني البَشر، مُنذ ولادَتها إلى مُغادرتها بيتِ والديها لتلتحلقَ ببيتِ زوجها. وهَكذا، فلإطلاق صِفة «الجمال» على فتاة مَّا ستتدخّل في اختيار المفردَة المناسبة اعتباراتٌ كثيرة جدّا كسِنِّ الفتاة، وشَعرها، وأحوال أسنانِها، وقامتها ولون بشرَتها، وحال خاطِرها لحظة إطلاق النّعتِ السَّابق... وبذلكَ تتغيرُ الكلمة الدَّالة على «جمال الأنثى» باستمرَار. ولإعطاء فِكرة تقريبيَّةٍ، مثلا، لإطلاق صفة جميلة على طفلةٍ لا يتجاوزُ عمرها أربع سنواتٍ، مقصوصُة شعر الرَّأس، وهي تضحكُ، سيقالُ: «أونـوَا»، لكن ما تبكي هذِه الطفلة نفسُها حتى يتم اختيار - بدَلا من المفردة السَّابقة - كلمةَ «لاَلاَوَا» لوصفها بالجميلَة، وما يطول شعرُ رأسِها حتى تصيرَ «أولُوبُو» إذا ضحِكَت و«إِإِيِّـي» إذا بَكت، وذلكَ للدَّلالة على الصِّفة نفسها، صِفة جميلة. ومعنَى ذلكَ أن الطّورُوبريَّانديِّينَ يتوفرُون على حِس جمالي رهيفٍ قلما توفّـرَ عليه أقوامٌ آخرون...

وهذا الحسَّ الجمالي الدقيق هُو الذي يُجبِرُ المرأة الطّورُوبريَّانديَّة على تشديدِ الحراسةِ الذّاتية على نفسها ويُعفي أهلهَا من مُراقبة تصرفاتها خارج البيتِ. فإذا حدَث أن سوَّلَتْ لها نفسُها بمجرَّد إزاحة حجاب وجهها، وهيَ بالشارع، لتعرِضَ عَينيها أمام أجنبيّ، توفر أهلها دائما على إمكانيةٍ لمعرفة ذلك دون أن يحضرُوا المشهدَ أو يشي بابنتهم أحدٌ. ولذا، فبمجرَّد ما تعود إلى البيت يباغثونها بالسُّؤال: «لماذا أفقدتِ عَينيكِ سِحْرَهُمَا؟»، وهُو سؤالٌ يُستتبَع عادة باقتلاع العين الأكثر تضرّرا من رُؤية الأجنبي. والحكم نفسُه ينطبق على سَائر أعضاء الجسَد. لكن الأمُور - فيما يبدو - بدأتْ اليومَ تتغير... وكما أسرَّ أحد الطّورُوبريَّانديِّين المرتدين لأهل مَاقِنطوشَة: «لولا التقدّم العلميُّ والطبيُّ الذي مَكننا من استحدَاث دكاكين لبيع الأعضَاء المفصَّلة (أو قطع غيار جسم الإنسَان) لاستفحلتْ عاهاتُ العرج والقرع والعمي وسَرطان الثدي بين نسَائنا نظرا للتزَايد المتواصِل لعدد الأجانِب المقيمين بيننا»...
*

* *

أثناءَ استعداد الطّورُوبريَّانديِّ لزَفِّ ابنته، لا يتردَّدُ في بيع أنفس مُمتلكاته وأحبها إلى نفسِه، كالقطع الأرضية، وأشجَار النّخيل، وقطعان الضَّأن والإبل، والدرَّاجات العادية، والدرَّاجات النارية... وبذلك يمكنكَ دائما أن تدفعَ، نظير مَهـر، ما لا يتجاوز خمسمائة دولار وتحصُلُ في المقابل على ما قيمته عَشرة ألف دُولار أو أكثر من الحلي والمجوهَرَات وأحدث الأدَوَات المنزلية التي تصحبها الزَّوجة مَعها إلى المنزل ليلة زَفافها. لكن إذا سَوَّلت لكَ نفسُك بالإثراء عبر بطاقتي الزَّواج والطلاق فاقرأ على جسدك السَّلامَ. لن تفطن إلا والقوم قد حملوكَ متوجهين بكَ إلى السَّاحة العُمُومية لالتهامكَ في حفل أنثروبُّوفَاجيا طقوسية. ذلكَ أن الطورُوبريَّاندي يحبّ بناته لدرجَة العبادة، ولا يماثلُ هذا الحب عندَه إلا ولههُهُ بدرَّاجته العادية. ألا يقولُ المثل الطّورُوبريَّانديُّ: «ارْكَبْ درَّاجَتِي ولاَ تُهِـن ابنتـِي»؟
*

* *

إذا قلتَ لطورُّوبريَّانديٍّ: «عِرْنِي درَّاجتك» أجابكَ فورا بِمَثَلٍ يقول: «أعيرُكَ ابنتي ولا أعيرُكَ درَّاجَتِي» ليضعكَ رأسا بمواجهة الإلهين «السُولُولُو» و«الوُولُولُو» مُطهِّرَي الدرَّاجات من الدَّنس الجنسيِّ وضامني انتظام وُصُول جميع أنواع الدرَّاجَات إلى المنطقة بما فيهَا تلكَ التي ترتدُّ إلى بداية القرن الحالي، والأخرَى المبرمجة الصُّنع في معَامل فرنسا واليابَان ابتداءً من عام 2000. وفضلا عن ذلكَ، فهما اللذان يحيِّدَان جنس الدرَّاجَة الوافدة ويُمِدَّانِهَا بطاقة البقاء والخلود، فلا تتعرَّضُ أبدا لأعطاب ولا تحتاجُ إلى إصلاح أو صِباغة أو تغيير أجزَاء، وتصبحُ قادرة على حملِ إحدَى عشر راكبا فمَا فوق دفعة واحِدة، وبذلكَ يمكنكَ دائما أن تصادفَ - وأنت سائرٌ في الطريق - طورُوبريَّانديّا يسوق دراجته وقد حملَ فوق كتفيه طفلين، وأركَبَ آخرين في مِقودِ الدراجة، وصَفَّ أمامه طفلين آخرين، مُردِفا وراءَه، في الوقتِ نفسِه، زوجَتَهُ وقد شدَّت هي الأخرى إلى ظهرهَا طفلا وأجلسَت أمامها طفلا آخر تُرضِعُه من ثديهَا... دُون أن تسقط الدرَّاجة أو تتمايل على الأقلّ. والسَّبب في ذلك يعُود إلى كون طقس «السُّولُولُو - وُولُولُو»، كما يرى الطّورُوبويانديون، هُو أيضا ميثاق ولاء تنشدُّ به الدرَّاجة إلى مَالكها إلى الأبد. وبذلكَ يستحيلُ على الفرد قيادة درَّاجة ليست في مِلكه، وبالتالي هذه العودَة الأبدية للدرَّاجة إلى مالكها بعد أن تُسرَقَ منه. وبذلكَ - أيضا - يمكنكَ دائما أن تشاهدَ درَّاجة تنهضُ وحدَها وتنطلق جارية خلفَ صاحبها، بعد أن يكونَ نسيها على مَقرُبة من دُكان أو مقهى، وهي تناديه باللغة المحليةِ قائلة: «آطَانْ زُورُو دَالاَ سُولُـو وُولُو وَالِيكِي! آطَانْ زُورُو دَالاَ سُولُو وُولُو وَالِيكِي!»، وترجمتها: «سُبحان الإلهين! نسيتنِي ياسيِّدِي وأنا لم أصنع إلا لتركبَنِي! سُبحَان الإلهين! نسيتَنِي ياسيِّدِي وأنا لم أصنَع إلا لتركبنِـي!»
*

* *

إذا سمعتَ طورُوبريَّانديّا يحدِّث آخرَ ويقول له: «اركب شيطانكَ» فاعتقدتَ أنه يحدثه في أمور دينية أخطأتَ، لأنه إنما يأمرُه بركوب حماره لاغير. وإذا ناداكَ أن تعالَ «يارأسَ الحمار» ورفضتَ الامتثال لأمره أو تشاجرتَ معهُ اعتقادا منك بأنه أهَانكَ أو شتمكَ اعتبرتَ مُنذئذٍ زنديقا. وإذا سألكَ أحدُهُم عن كيفية وُصُولك إلى المنطقة وقلتَ له: «عَلى متن طائرةٍ» أو «على متن باخرةٍ» لم يفقَه مِن كلامِكَ شيئا، وإذا فطنَ لقصدِك صُدفة بادر فورا بتصحِيح جَوَابك وإرغامكَ على تكراره على مَسَامِعِه قائلا: «قلْ: أتيتُ على متن حمار الماء، ولاتقلْ: أتيتُ على متن باخرةٍ»، «قل: أتيتُ على متن حمار الهواء، ولا تقل: أتيتُ على متن طائرة». وإذا لم تفعل اعتُبرتَ زنديقا أيضا لأن سائر وسَائل النقل ليسَت في نظر الطورُوبريَّاندييِّن سِوى فصائل حمير: فالدرَّاجَة العادية، مثلا، يُسمونها «حمار الرِّيح»، والدرَّاجة النارية «حمار الدُّخَان»، والبَاخرة «حمار المـاء»...

وراء إطلاق الطورُوبريَّانديِّين تسمية «الشيطان» مجازا على الحمار تختفي «فلسفةٌ» بكاملها قادَهم إليها تأملٌ طريفٌ وذكيٌّ في التبَاسِ التَّرَائي الذي يُسَلطه هذا الكائنُ على رائيه مِن بعيدٍ: فهو حينما يكون مقبلا يأخذ هيأة كَائن غريبٍ جدّا: رأسٌ تدلى تحته مُباشرة سَاقان طويلان دُون أن يكون لذلكَ الرَّأس صدرٌ أو بطنٌ، ولذلكَ فهُم يُطلقون عليه «اسم العُلويِّ». وحينما يكون مُدبرا يأخذ أيضا هيأة كائن غريبٍ لكنه مختلف عن الأوَّل: يتراءى بهيأة مُؤخِّرَةٍ تدلَّى تحتها مباشرة ذيلٌ وساقان دُون أن يعتليهما بطنٌ ولا رأسٌ، ولذلكَ يطلقون عليه نعتَ «السُّفلي». وعَلى أساس هذا التقابُل الأولي يُصَنِّفُ الطورُوبريَّانديُّون جميع كائناتِ العَالم وأشيائه، ويضعون كُلا منها في مَكانه المناسب بكيفيةٍ فضلا عن كونها تجعلُ من هذا التقابل أبا التقسيمات لأنَّ ما مِن كائنٍ أو شيء إلاّ ويجدُ موضعا لهُ في رأس حمار أو مؤخرتهِ، فضلا عن ذلكَ تجعلُ الحمارَ يلعبُ دَورا حاسما في تنظيم الفضَاء والعَلاقات الاجتماعيةِ ويمارس سُلطة قوية تجعله أحدَ المداخل الأساسِية لفهمِ المجتمعِ والثقَافة الطورُوبريَّانديَّين.
*

* *

إن كنتَ أجنبيا، فإنَّكَ حالما تطأ إحدى قدماك أوَّل مدينةٍ طورُوبرويَّانديّة ينهملَ عليكَ الأهالي بعُرُوض زواج بإلحاح شدِيدٍ قد يدفعك أوَّل وهلـة إلى اعتقادِ أنَّ الأمرَ يتعلق بأزمة شبيهةٍ بتلكَ التي أعقبت الحربين العالميتين بأورُوبا، لكن هَذا الاعتقادَ سُرعان مَا سيُصادف تنحية من قبل الطورُوبريَّانديين بالدِّقة والأناقة نفسَيهما المعهُودتين فيهم: فإن قبلتَ العرضَ اعتُبرتَ على الفورِ زنديقا، وإن رفضتهُ كنتَ زنديقا أيضا، وإذا لم تقلْ أيَّ شيء فأنت - عندهُم - زنديق أيضا. وسـواءٌ أقبلتَ دُون أن تقبل أم لم تقبل وأنتَ قابـلٌ عـرضَ الزوَاج فإنكَ عندهُم زنديق!، ولن ينفعكَ أيُّ تعقيب على هذا النعتِ الذي يلصقهُ بكَ عارضوا الزَّواج، كأن تقولَ: «هذا غير مَعقول» أو «هَذا غير منطقيّ»، لأنَّ تعقيبكَ سيصطدمُ حتما بجوابٍ من الطبيعة نفسِها: سيقال لكَ: «هذا إغراقٌ في التفكير الكثير (...) أنتَ زنديقٌ!»...
*

* *

عندَما تجتازُ «طقسَ المرأة المعلقة في الهوَاء» بنجاح، ويقولُ لكَ الرَّاهبُ: «اذهبْ، فإنَّكَ تفيضُ كَلاما»، فإنه يكونُ قد بث سَلفا في مسألةِ إقصائك أو تأهيلك. فإذا أحسستَ عقبَ هذه الكلمة بأن العُنف الجسَدي قد تحوَّلَ داخلك إلى لغةٍ حتى أصبحتِ الكلمة المناسبة لجميع المواقِفِ والسِّياقات تنسابُ منكَ انسيابَ الوحي فاعلم أنه قد أهَّلكَ للمقَام الموالي. وعَلامَة ذلك أن لا يجدَ القومُ أنفسهُم أمَام كل كلمةٍ تتلفظ بها إلا كمَا يجدُ الطّائر نفسه في قبضةِ فخ أو شراكٍ. فإذا رَفعُوا، مثلا، سِعر مواد كشفرة الحِلاقة والخبز وجدتَ نفسَك قد عمدتَ إلى إهمال اللحية وأكل الهوَاء، وإذا استعَار منكَ طورُوبريَّانديٌّ مبلغا ماليا مُهمّا ثمَّ رحَل نهائيا عن المنطقة دُون أن يُسَدِّدَ ما عليه من دينٍ وأردتَ الانتقامَ منهُ اكتفيتَ بإرسال كلمةٍ واحدةٍ لهُ مع رسُول، فمَا يتلقاها غريمك حتى تبترَ إحدَى يديه أو رجليه، وإذا ضُبِطتَ متلبسا فوق امرأةٍ أو حمار ليسَا في ملككَ قلتَ، مثلا، «إنما هذه [=المرأة] حمارٌ، وهذا [=الحمار] أبي... فلا يتردَّد القومُ لحظة واحِدة في تصديقك. والسَّببُ في ذلك كله هُو أنكَ تكونُ حينئذ تتكلمُ من عُمـق التّاريخ واللغـة الطورُوبريَّانديَّين: فاللحية عنوان مُصنفاتٍ تاريخيةٍ خاصَّةٍ بحقبةٍ تاريخيةٍ بكاملهَا، كما الأوكسيجيـنُ، والمئزرُ، والعقال، والهـوَاءُ... عناوين لمصنفاتٍ تاريخية خاصَّةٍ بحقب تاريخية أخرى، ذلك أن الطورُوبريَّانديِّين لا يكتبونَ التاريخ بتسجيلِ تعاقـب الأحداثِ والوقائع، وإنما يُدوِّنونه بأحوال الجسَد والمعِدة والطبيعَة خِلال حكم كلِّ إمبراطور: فحينمَا صعَدَ الإمبراطورُ الأوَّلُ فرضَ إهمال اللحية فأهمِلتْ إلى أن جاء الإمبراطورُ الثاني فحظرها وأمرَ القومَ بارتداء القبَّعة، ثمَّ قال: «السَّمَاءُ سَودَاء» فظلت سَودَاء إلى أن أسقطهُ الإمبرَاطورُ الثالث فقالَ: «لا. ليست السَّمَاءُ سَودَاء، بل هي بيضَاء» وأمرَ النساء بارتداء المآزر وفرَضَ على الرِّجال أن يرتدوا التنوراتِ القصيرة، ثمَّ جَاءَ الرَّابع فقال: «اذهَبوا فـأنتم العُرَاة» فنبذَ القومُ المآزر التنورَات وجابُوا الأرضَ عُراة حفاة إلى أن جاء الإمبرطورُ السَّادسُ وأمر النسَاء بارتداء التنوراتِ القصيرة والرِّجال بارتداء المآزر والخفين...
*

* *

إذا كَان الحسُّ اللغوي الشديد هو السَّبب في عودَة غريمك - فور تلقفه كلمتكَ - إلى المنطقة أعمى أو كَسيحا، فإنَّ الرَّهَافة اللغويَّة نفسَها هيَ التي سَتتيحُ لجميع الأهَالي أن يتعرَّفوا حَدسا على القصَّة بكاملها بمجرَّد مُشاهدَتهم ذلكَ الغـريم ولو لم تطلع أحَدا عليهَا، وبذلك مَا تسأل أحدهُم، وإن كان مجرَّد طفل لم يتجاوز عُمره السنتين، عن صَاحب العَاهَة حتى يوافيكَ بتفاصيل القصَّة بشكل يجعلك تشكُّ فيما كان ذلكَ الطفلُ هـو أنتَ أم أنـك هو... يقول لك: «لقد استعارَ منك فلان بن فلانة مبلغ كذا دولار، وفرَّ من المنطقة فأرسلتَ - أنتَ - إليه كلمة مع أوَّل حمار هواء يُقلع، فما تلقّاها حتى عاد أعمى كَسِيحا»، وهذَا ينطبقُ مع المثلين الطورُوبريَّانديِّينَ القائلين: «لا إجماعَ خارجَ الإجماعِ»، و«يستحيل أن تخدَع طورُوبريَّانديّا أو تغبنــه».

إن هذا الحسَّ اللغويَّ الدقيق أيضا هو الذي يجبر الطُّورُوبريَّانديِّينَ عَلى الاستقامة في السُّلوك وتجنب الكذِب والسَّرقة والوشاية والنمِيمة والتطَاوُل على ممتلكاتِ الغيـر، ويُفسِّر النباهة الكبيرة للطورُوبريَّانديِّينَ في التكلم بجميع اللغَات الأجنبية فِطرة ودُونما أيّ حاجة لتعلمها أو المرُور بالمعهد العالي للغات الأجنبية، وبذلكَ يمكنكَ دائما أن تشاهد طِفلا لم يتجَاوز عُمره سبع سنواتٍ وهو يجرُّ وراءَه قطيعا كامِلا من أهل ماقِنطوشَةَ ذَوي البشرة البيضَاء يدلهم وسَط غاباتِ النخيل والمآثر التاريخية مُكلما كل سائح منهم تكليما بلغته الخاصَّة بظواهرها وبواطنها...
*

* *

ما رَآني الرَّاهبُ حتى ضحك إلى أن استلقَـى على قَفَاه ثمَّ أخذَ مِخلاة فارغة وقرَأ عليها نشيدا دِينيا، وعلقَهَا على عُنق الحمَار دُون أن يضَعَ فيها شعيـرا، ثم قالَ لي: «لكَ علينا من اليَوم ضِيافة سبعـة أيام يمكنكَ بعدَهَا أن تسأَلنا عما تشاء»...

طِوالَ تلك الأيام كانَ الأهالي الطُّورُوبريَّانديُّونَ يتسَابَقُـونَ لاستضافتي إلى أن ينشب بينَهُم اختصامٌ واقتتالٌ. كان مُضيفي منهم يدخلنِي إلى منزله ويجلسُني في رُكن ساحَةٍ واسِعَـة تتوسَّط غُرَفا عديدة، ثم يأمرنِي بلهجةٍ خشنةٍ حادة:

- إلزم جلستَك هذه داخلَ مكانك هذَا، ثمَّ انظر ما يليكَ فقط، واستنشق منَ الهوَاء ما يليكَ فقط. وإن أنت استدرتَ يمينا أو شِمالا، فإنكَ تكون قد تعدَّيت حُدودك، وإن تتجاوز حُدودكَ فلن تظلمَنَّ إلا نفسك!، وما أفعلُ حتَّى ينادي على مائدة كبيرة ويأتي بماء أغسل به يديَّ، ثمَّ يأمرني بالتهيؤ للأكلِ فيما ينصرفُ هو متنقلا بينَ المائدَة والمطبخ إلى أن يملأ صفحة المائِدَة بالأطباق والصُّحُون والأباريق والكؤُوس الفارغة، فيجلسُ بجانبي ويقرَأ نشيدا دِينيا، ثم يمسكُ بين يدَيه دائرةً من الهواء، يقطِّعَها كأنها خبزَة، ويمسك الكسرَات الوَهميَّة ويبلل الواحدةَ منها تِلو الأخرَى في الصُّحُون الفَارغة، ثم يُعيدُها إلى فمه، ويأخذُ في مَضغ الهواء بنَهَم شديدٍ وهُوَ يستضيفني قائلا: «كل ولا تخجَل. تصرَّفْ كأنك بين ذويكَ، كأنَّكَ في بيتِك»، فأنصرفُ بدَوري إلى تقطيع خُبزٍ وهميّ أبللُهُ في الصُّحُون الفارغَة، وأحشُو به فمي ثمَّ أمضغ الهواء، ولا أتوقَّفُ إلا بعدَ أن يتوقَّفَ مُضيفي. أثناء مُغادرتي المنزل أخرجُ مُجهداً نفسي في ترسيخ قدميَّ في الأرض كي لا أطيرَ من كثافة الهوَاء الذي يكون بطنِي قد امتلأ به. ببابِ البيت يوَدِّعُنِي مُضيفي بحرَارة كبيرة وهُوَ يسألنـي:

- ألم تجـدْنِي كريما؟
أجيبه دون أن أكلِّفَ نفسي عناءَ أي تفكير:
- بَلَـى. بَلَـى.
- وإذن، فبلغ ذلك لأهلك وذويك؛ قل لهم كنتُ بين قوم لا مثيلَ لهم في الضيافة والكـرَم...
- حَاضِـر. حَاضِـر، كلكم «حاتم طائـي».

فينصرفُ وهو يضحكُ إلى أن يستلقي عَلَى قَفَاهُ...
حيرني كثيرا أمرُ اللهجة الصَّارمة التي كان يحدِّثني بها كلُّ مضيفٍ لي في منزله، سيَّما عندما أدركتُ فيما بعد أنني كنتُ مُنزَلا عندهُم منزلةَ «استجماع الرُّوح». إلا أن حيرَتِي سرعان ما تبدَّدَتْ لما التفتُّ إلى تصرُّف نسَائهم وبناتهم طيلة مقامي بينهم: فبالرَّغم من توَاجدنا جميعا داخلَ محل واحد وسَاحة واحدةٍ، فإنهن كنَّ بدورهن لاينظرنَ إلا ما يليهن ولا يشممنَ من الهواء إلا مايليهنَّ، وإذا اضطرَّت إحداهن إلى المرُور أمَامي لم تفعل ذلكَ إلا وهي تقفزُ في الهواء كأنها تتخطى حبلا خفيا يمتدُّ أفقيا من عيني إلى نقطةٍ بالحائط المقابل لهمَا، وذلكَ حتى لا يقعَ بصري على أيّ قطعةٍ من جسدها الذي لم يَكن يسترُه سِوى ثوبٍ شفافٍ يُسَرِّبُ الداخل بكلّ تفاصيله...

سألـتُ مُضيفـي:
- لماذا لا تمرّ نساؤك وبناتكَ إلا قافزاتٍ في الهواء؟
أجَابني بدُون تفكيـر:
- إنهُنَّ محتجبـاتٌ.
- إني ما أرَى الغاية التي تريدُون نيلهَا بهذا الشَّكل إلا مُنقلبة إلى ضدِّهـا!
- أنتَ زنديـــقٌ!
- نعـم، نساؤكنَّ محتجباتُ الوجوه، لكنهنَّ سافراتُ المؤخِّراتِ.
- تُولَدُ المرأةُ عندنا ثيبا وتموتُ بكـرا!...
*

* *

الآن فقط أدركُ حجم الغباوة التي كانت تنطقُنِي وأنا أستدرجُ مضيفي إلى تلكَ المسَاحة من الكلام! فقد كانَ تحقيق أيّ تواصُل مَعه في تلكَ اللحظة مُستحيلا ما لم أعتبر تعدُّد الواجهاتِ التي كان يُراعيها مُضيفي امتثالا لسُلطة نسائه؛ فهو كَان - في آن واحدٍ - يسعى إلى وقايتي من الأنثروبُّوفَاجيا الطقوسِية، ومنحي وضعا اعتباريا محدَّدا داخِل الخريطة الإثنية المحليَّة، وإصدار حُكم في حقّي باجتياز «طقس التّطهير» بشقيه الدِّيكي والكلبي:

يتعلقُ الأمرُ في «طقس التطهير الدِّيكي» بتحويلِ الأجنبي إلى ديكٍ من قبَل السَّاحر رئيس المدينة، وذلكَ لتطهيره - حسب الاعتقاد الطّورُوبريَّانديِّ - من الدَّنس الجنسيِّ المحتمل أن ينشره هَذا الغريبُ في المدينة. بتعبير آخر، إنَّ هذا الطقسَ هو أيضا طقسُ «سُولولو - وُولولو»، لكنَّ موضوعه الآن ليسَ درَّاجة عادية وإنما رَجُل أجنبي ساقته الأقدارُ ليقيم بينَ الأهَالي. ويكمن سرُّ هذا الطقس في الوُصُول بالوافد الجديدِ إلى مَقام التوفيق بين حجمِ اللذة الجنسية الإنسانية - التي لا تُستَأصَلُ منه - ومُواضعاتٍ حيوانية، هيَ هيأة الدِّيك في هذه الحالة. بعبارةٍ أخرى، يجبُ أن ينتهي الطقسُ بالأجنبي إلى تمكنه من الحصُول على الإشباعِ الجنسيِّ نفسِه الذي يناله في هيأتِه البشرية، لكن في زمنٍ أقل، في زمنٍ بحجم المدة التي يَستغرقهَا الدِّيكُ في نيـل لذته من الدجاجة.

وللإشارة، فإن الثقافة الطُّورُوبريَّانديَّة غنية بطقوس مِن هذا النوع، يمارسها الطّورُوبريَّانديُّون أنفسُهم على أبنائهم وبناتهم وحيواناتهم، كـ «طقس التطهير الدِّيكي»، وطقس «التطهير الحِماري»، و«طقس «التهير الذُّبَابيّ»...، وكلها تستهدف غايَة واحدة هي إحدَاث تحييدٍ جنسي لدَى الذكور والإناث...

ففي طقس «التطهير الحماري»، مثلا، يتعَلق الأمرُ باستئصال الدَّنَس الجنسي المحتمل أن ينشرَه هذا الحيوانُ في المدينةِ، وذلكَ بتحييد جنسه. ولهذا السَّبب، ما من أنثى تصلُ إلى المدينةِ إلاّ ويتمُّ تحويلها - عبر الطقس السَّابق - إلى ذَكَر، ولِذا يستحيلُ أن تجدَ أتانا واحدة بينَ عشراتِ آلاف الحمير الذين تعُجُّ بهم المدينة. قلتُ للرَّاهب:
- لماذا تنعدمُ إناث الحميـرِ بالمدينة؟
- تلكَ طريقتنا في تطهيـر نسَائنا وأطفالنا.
- لكن ألا ترى أنَّ ذلك يجبـر البهَائم على تعاطِي اللواط؟
احمرَّت وجنتاه كأنّه ضُبط متلبسا، فأجابَ مرتبكا:
- إنَّ ذلكَ عندنا أيسرُ من الحبلِ والولادة...

وقد أظهرَت باحثة أوروبيةٌ، من خِلال نتائج استطلاع سِريّ للرَّأي، أجرَتهُ في الموضوع، أن طقوس التحييد تؤدِّي إلى نشأة تمثلاتٍ غريبة، لكنها شديدة الدَّلالة، لدى الجنسين بشأن كل ما يتعلقُ بالجنس. من هَذه التمثلاتِ، مثلا، أن الفتاة تظلّ إلى قبيل سنّ البلوغ تعتقدُ أن الرَّجُل لا يتوفر على قبعةٍ، وأنه يملك - بالمقابل - عضوا مماثلا لضريح المرأة. أما الحملُ عند هَذه الأخيرة، فيتمُّ بمجرَّد مُداعبة رجل إياها، أو مُعانقته إياها، أو نومِه بجانبها، أو اشتهائِه إياها، أو تفكيره فيهَا... وإلى حُدُود سِن العشرين يظلّ الفتيان الطّورُوبريَّانديُّون يتصوَّرُون المرأة على الشّكل التالي: إنها تملكُ، مثل الرَّجل، قبعة، وتحمل بمجرَّد نومها بجانب رجُل أو اشتهائه إياهَا أو إطالته التفكير فيها، أمَّا وضعها للجنين فيتم من العجز وليس من الضَّريح. وقد بينت البَاحثة في الدِّراسة السَّابقة أن هذه التمثلاَت ترتكزُ على استيهام خَصَاء مُزدوج يخصي فيه كلُّ جنس الجنسَ الآخر أوَّلاً ليُخصِي نفسَه بعد ذلك كترتّبٍ حتميّ لانتفاء عُنصر المغايرة الفيزيولوجيةِ عَلى مُستوى التمثل. وقد افترضت الباحثة إمكان استفحال سُلوكات اللواط والسِّحاق وَوطء الحيوَانات بين الطّورُوبريَّانديِّين بالرغم من عدَم جهرهم بذلكَ، ودَّعمَت افتراضها بالتنبيه إلى طوفَان ذَوي البشرة البيضاء، من أهل ماقِنطوشَة، الذي يجتاحُ المنطقة دَوريا...

أمَّا إنجاز الطقس، طقس «التطير الدِّيكي»، فيستغرقُ 22 مَرحلة أهمّها على الإطلاق المرحَلة الأخيرة، وتتمُّ على النّحو التّالـي:

يجلسُ السَّاحرُ رئيسُ المدينة، بعدَ أن يكون قد حوَّلكَ إلى ديكٍ، وهو يمسكُ بيدِه عدَّادا أوتوماتيكيا، ثم يطلقُ صفيرا مُعطيا لكَ بذلكَ إشارة الانطلاق نحوَ دَجاجة، تكون قد وُضِعت مُسبقا في مُتناولك، لتقضي وطَرَكَ منها في وقتٍ محددٍ لا يتجاوز عموما نِصف دقيقةٍ إلى دقيقةٍ واحدة، وذلكَ بمعدل 60 مرة في اليَوم ولمدة شهر بكامِله، أي المدَّة التي يجمعُ الطّورُوبريَّانديُّون على ضرُورتها للترويض. وتستمدُّ هَذه المرحلة أهميتها مما يستتبعُها من تقنيناتٍ صارمةٍ تتعلق برُخصِ التغيبّات، ومُدَّة الإجازات المسمُوح بها، وإمكانياتِ الانتقال... فمثلا، إذا كنتَ تقيم أصلا في مدينةٍ تبعُدُ عن منطقة الطّورُوبريَّاند بـ 4000 كيلومتر، فإنه لا يرَخّص لكَ بالتغيُّب إلا مرَّة واحدة في كلّ ستة أشهر. أمَّا مدة الغياب، فتحدَّد عموما في تسع إلى عشر ساعاتٍ: ثمانية للسَّفر بالطائرة ذَهابا وإيابا، وسَاعة واحدة أو سَاعتين للإقامَة بين أهلكَ ونِسائك...

*

* *

في بداية اجتيازي لـ «طقس التَّطهير الكلبي» أحسستُ أنَّ وضعي قد تحسَّن نسبيا في المدينة، إذ لم يعُد أيّ واحدٍ ينعتني بـ «الزِّنديق»، وانكشفت الحجُبُ بيني وبين النسَاء فأخذن يتوافدنَ على بيتي بالقوافِل ويجالِسنَني في مقاهي سرِّية ويُشاركنني التّدخين والسُّكر وسَائر حماقاتي... غير أنّي فطنت فيما بَعد إلى أنَّ ذلك الوضع كان مشرُوطا بمواضعَات: وأنا غارقٌ في النوم،كانت أسرَاب النسَاء تقصدُني لنهب جسَدي. في اليَوم الأول أصبحتُ بلاذيلٍ، في اليَوم الثّاني بلا أذن، في الثالث بلا رِجلٍ، بلا عين، بلا أنف، بلا رأس... ولستُ أدري ما إذا كنَّ يأتينني من تلقاءِ أنفسهِنَّ أم أن رجالهن همُ الذين كانوا يبعثون بهنَّ إلي للإيقاع بي. كلّ ما أعرفه هُو أنه لم يكن لي الحقّ حتى في الإشعَار بالنهبِ الذي كانت أعضائي تتعرَّض له، فأحرى الاحتجاج على ذَلك. كان عليَّ أن أتراءى في كل يوم كلبا بالهيأة التي سَوانِي عليها السَّاحرُ رئيسُ المدينة مُنذ المرحلة الأولى مِن مرَاحل الطقس الإثنين والعشرين، وكان ذلك يقتضي مني ضربَ حرَاسةٍ ليلية مشددة على جسدي وأنا نائم.

سألتُ أوَّل امرأة ضبطتُها، وقد عرفتُ من ملامِح وجهها أنهَا لم تكن إلا المرأة التي كانت تجلسُ قربَ الباب القعري يومَ قادني الطورُوبريَّانديُّ القصيرُ إلى الحيِّ المتعدِّد الجنسيات: «لمـاذا تنهبين ذَيلـي؟»، فاندفعَت أمامِي بقامتها القصيرة وهِيَ تتعثرُ في مئزرها الطويلِ وأمرَتني بالمشي خلفهَا إلى أن وقفتْ بمفترق الأزقةِ نفسه الذي سبقَ للطورُّوبريَّانديِّ القصير أن قادَني إليه، ثمَّ سألتني:
- أتدري ما اسـمُ هذا الحـيِّ؟
- لا.
- إسمـه إبِطُ الكلـبِ...

عرفتُ أنها ستأمرني أن أنظرَ إلى اللَّوحَات، وستقولُ لي إنَّ الحيَّ كان هو الحيّ المتعدد الجنسيَاتِ، وإنه يُفضي إلى مُدُن باريس وبرشلونة والقصر الكبير...، وإنني كنتُ بهذه المدُن جميعا، ولذلكَ صَرفتها وقصدتُ المنزل الكَائن بقعر الزّقاق الذي لا يحمِلُ اسما، فكان الطورُوبريَّانديُّ القصيرُ جالسا ببابه. هَممتُ بسؤاله، لكنه بَادَرَ بإجابتي قبلَ أن أتكلمَ - وكأنه كَانَ على اتصالٍ سريّ بما يجري في دِمَاغي - وهوَ يُشيـرُ إلى داخل المنـزل:
- بُورُو بُورُو كِي يِّي كِي يَاوِي.

دخلتُ إلى المنزل. سمعتُ الضوضَاء. فتحتُ النافذَة. أشرفتُ على السَّاحة الواسِعة. في رُكن مِن السَّاحة جَلس شيخ كانَ بيده مفتاحٌ سحريٌّ لإطلاق الضَّوضَاء أو إيقافها. سألتُ أقربَ مُتفرِّج من نافذَتي. أجَابَ بلهجة تلغرافيةٍ. فتحتُ الباب الدَّاخلي للغرفة. تقدَّمتُ نحوَ البَاب الكبير الموجُودِ في آخر السَّاحَة، فأفضَى بي إلى الخارج لأجدني وسَط مدينة الرِّبـاط. انصرفت أتأمَّل حُشودَ أجسَاد المارَّة بالشارع فالتفتُّ لأول مرَّة إلى أن أعدَادا غفيرة منهم كانت مِثلي مُركبة مِن أعضَاء مجزأة بينها تنافرٌ صاخبٌ.
*

* *

لما كانت أعضَائي تتعرَّض للنهب ولم يَكن لي الحقّ حتى في مجرَّد الإشعَار بسرقتِها، فأحرَى الاحتجاج على ذلك، كان الحلّ الوحيد أمَامي هو شراء أعضاء من السُّوق السَّوداء، منَ الدّكان السِّريِّ الوحيد الذي يبيعُ الأعضَاء الحيوَانية والبشريَّة مجزّأة. لكن في الدُّكان كان بالإمكان العثور عَلى أعضَاء كلِّ الحيوانات باستثناء أعضاء الدِّيكِ والكلبِ، وبذلكَ لم يكن أمَامي أيّ خيار آخر عَدا تعويض أعضائي المنهوبَة بأعضاء حَيواناتٍ من أجناس مجاورَة للهيأة التي كنتُ بها، وهَذا هُو السَّببُ في كوني الآن أمشي بحافر حمار وذيل كبش وفرو عِجل... لذا، إذا رأيتم - أينما كنتم - شخصا بهيأة مُرَكبة كأن يكونَ له حافِر بَغل أو رأس هِرٍّ أو أذن حمار...، فاعلمُوا أنه بصدَدِ اجتياز «طقس التطهير الكلبي»، وأنه إمَّا على أبوَاب الأنثروبوفاجيا الطقوسِية أو على مَشارف التثبت في النسابة الطورُوبريَّانديَّة بعدَ أن يجتاز «طقسَ المرأة المعَلقة في الهوَاء». أمَّا هُم، فكيفَ حَصلوا على هَيآتٍ مماثلة؟ بل أيتعلقُ الأمرُ فعلا بحُصُول على تلكَ الهيآتِ أم أنه لا يعدُو مجرَّد تجلٍّ للعبةٍ طورُّوبريَّانديَّة تستقـرُّ في أعماقنا جميعـا؟


سِفـرُ المأثــــورات

 (6/2)


إذا استيقظتَ يَوما ولم تر حيثما وليتَ وجهكَ إلاَّ أطفالا يُهرولونَ جماعاتٍ جماعات وهـُم يغمغمـُون كأنهم سَحَرة يقرأون عَزائم سِحرية أو أرانبَ تصارعُ الجوعَ بنهم شديدٍ، فاعلم أنكَ قد وصلتَ إلى بلاد الطّورُوبريَّانديينَ، وأنَّ اليوم يوم امتحان، وما أدراكَ ما الامتحانُ بهذا البلد السَّعيد. يومٌ يقشعرُّ له جلدُ المرء فوق عظمِه، ويشيبُ رأسُ الرضيع وفمُه بثدي أمِّه، ويبحَث المرءُ عن مَركَبٍ ليفلت بجلده وما مَركَبٌ بمقِلِّه... ثمَّ اعلم أن الصِّغار ما تطأ أقدَامُهُم عتبات المدارس حتى يتمّ اقتيادهم صفا صَفا إلى حُجُرات واسعةٍ انتصبَ أمامَ سبورة كلّ حجرة منها شُرطيّ وخلفَ صفوفها شُرطيّ كأنهما حَفظة كِرَامٌ، حتّى إذا استوَى التلاميذ على المقاعِدِ أوتوا بأسئلةِ الامتحَان على شَكل تمائمَ تطلعُ كلُّ تميمةٍ على صاحبها بحظ مخالفٍ: هَذا حمارٌ وهذا أرنبُ، هذا هرٌّ وهذا ثعلبُ... فطوبَى ثم طوبَى لمن جاءه حِرزُهُ بصُورَة السَّاحر أو الرَّاهب، والوَيلُ كله لمن أتتـه تميمتهُ بصُورة غيرهِما. ومُهمَّة الشرطيين ليسَت مَنع الأطفَال مِن أن يتنَاقلوا أجوبَة الاختبار أو يخرجُوا الدَّفاتر، بل هي بالضَّبط إرغامُهم على فتح الكتبِ ونقـل الأجوبة منها. غير أن الأمرَ هُنا لا يعدُو مجرَّدَ خدعَةٍ طورُوبريَّانديَّةٍ أصيلةٍ، ذلكَ أن الطفلَ متى أخرجَ دفترَه لم يجد فيه شيئا مما كان قد قيَّدَهُ فيه طوال السَّنة لأن ما كتبهُ يكون قد مُسخ على صُورة السُّؤال نفسِه بفعل ما قُرِئَ من عَزائم سِحرية على امتداد المسَافة الفاصلة بينَ المنزل والمدرسةِ. وبذلكَ، فإذا طلعت تميمتهُ بصُورة حمار، لم يجدْ في أي دفتر فتحَه سِوى صُور حميـر، منهُمُ النائمُ، ومنهمُ المقبلُ، ومنهمُ المدبرُ... وإذا طلعَت عليه صُورة امرأة، فإنَّ ما من كتاب يفتحُه إلا ويجد صفحاته مُحتشدة بصُور نساء منهن مُرَقِّصَة طفلها، ومنهُن حمَّالة الحطَب في جيدهَا، ومنهن المزفوفَة إلى بعلها في مَوكبٍ جنائزيّ رهيبٍ...

تحتَ صُورة التميمة يكتب بحرُوف طورُوبريَّانديَّة أنيقة: «أَطَانْ أُولُومِيكْ؟»، ومَعناها «ما اسمُ هَذا؟». فإن قالَ التلميذ: «هذا ساحر» منح صفرا، وإن قال: «هذا راهب» عنَّفَه الشرطيان قائلين: «لا تراوغنا، فهَذه ليست إجابة»، وإن كتَبَ: «هذه امرأة»، أو «هذا حمار» جُوزي أيضا بصِفر لأنه يكون، بإجابته تلكَ، قد انتهك الحكمة الطّورُوبريَّانديَّة القائلة: «كلُّ شيء ليس نفسه إلا السَّاحر والرَّاهب». فبموجب هَذه المأثورة المشيَّدَة على قاعِدَتَي الكُوجِيتُو الطورُوبريَّاندي - أنا لستُ أنتَ، إذن فأنتَ هو أنا، وأنتَ لست أنا، إذن فأنا هُو أنتَ - يُمنَع على كلِّ فرد أن يسمِّي الشيء باسمه. فإذا تعرَّض أحدُهُم، مثلا، لسرقة وسجَّل شكاية ضدَّ غريمه قائلا: «لقد سَطا على أموالي لِصٌّ»، فإنه يُتّهَم بالزَّندقة فيُحاكم ويسجَن. ولن يرُدَّ عنه هَذه التهمة آلافُ المحامين ولا معاجمُ الدُّنيا قاطبة لأنه بدَلا من أن يقول: «لقد سَطا على أموَالي لصٌّ» كان عليه أن يقولَ: «لقد تفضَّلَ مُحسِنٌ فأكرَمَنِي جَازَاهُ السُّولُولُو والوُلُولُو بخير».

إذا سوَّلتْ لك نفسك بأن تحترفَ اللُّصُوصيَّة لتصيرَ ثريا بين عشيَّة وضُحاها ظانا أنَّ القوم سيسمُّونك «حاتم الطائيَّ» أخطأتَ، لأنكَ ما تكادُ تضع يدكَ على شيء، ولو كان مجرَّد عُقال بَعيـر، وتقول لضحيَّتِكَ: «لقد تفضَّلتُ وأكرَمتكَ فاشكرنِي» حتّى لا تفطنَ إلا وقد حاصرَكَ مئاتُ الأطفال والنّسَاء والكهُول مسلحين بالعصيِّ والدَّبابيس والخناجر وهُم يصرخون في وجهكَ: «لـن تنفعكَ معنا مُراوغة. هَات ما سَرقتهُ وإلا هشَّمنا أضلعَك أو فقأنا عَينيكَ». وبالفعل، لن تنفعكَ مُراوغة لأنَّ القوم لن يخلوا سَبيلك إلا بعدَ استرجاعهم العُقال. وإن أنتَ استمسكتَ بزعمِكَ فاقرأ على عينيكَ أو رجليكَ السَّلام وجهِّز عُدَّة اللحاق بطابُور المعَوَّقِينَ والمكفوفين الذين تعجُّ بهم المدينـة.
*
* *


إذا اعتقـدتَ أن الطُّـورُوبريَّـانـديِّيـن يعيشـون في فَـوضَى التّسمية وسوَّلت لكَ نفسُك أن توقعَ بمن شئتَ منهم لم ينقلب الأمرُ دائما إلا ضدَّكَ،لأنّك تسمياتك ستكونُ دائما مجازفاتٍ غير مضمونة فيما لا يجازف الطّورُوبريَّانديُّون أبدا بالكلام، ذلكَ أنه مهمَا يكن الإسم الذي يُطلقه طورُوبريَّانديٌّ مَّا فإنه لا يخرجُ عن إحدى قاعدتي «الكوجيتو الطورُوبريَّاندِي». تقولُ القاعدة الأولى: «أنا لستُ أنتَ، وإذن فأنتَ هو أنا»، وتقولُ الثانية: «أنتَ لستَ أنا، وإذن فأنا هُو أنتَ». وبدُون تعلم اللغَة الطّورُوبريَّانديَّة يستحيلُ على المرء أن يفهَمَ هاتين القاعدتين. فالحروفَ الهجائية الطّورُوبريَّانديَّةِ هي أيضا رُمُوزٌ دينية، ولذلكَ يستحيلُ تعلمَها دون المرُور مِن الكنيسة. أمَّا عملية التعَلم فتستغرقُ تسعة وتسعين مقاما أو طقسا مُوزعة على عشر سنوات، وهُو نفس عدد الحرُوف الطّورُوبريَّانديَّة وعدد الكنَائس والأباطِرة الذين تعَاقبوا على حُكم المنطقة، أهمُّها على الإطلاق المقامان: «طقس التعذيب التمهيدي»، و«طقس الإنجاز الاستكشافي».

وفضلا عن ذلك، فللطورُوبريانديين مأثورة تقول: «الحمار يبشر بالدولار»، يحرمون تأويلها تحريما تاما، وهذا التحريم هُو الذي يُمَكِّنُهُم من تسمِية الشَّيء الواحِد بأسماء عديدة بكيفيةٍ تجعلُ من السَّهل جدّا المرُور بالشيء والكائن مما هُو إلى ما ليس هُو ومما ليسَ هو إلى ما هُو فعلا. بعبارةٍ أخرى، إنَّ حظر التأويل هو الذي يتيحُ لهم اختزالَ المسَافة الفاصلة بينَ الأسماء والمسمَّيات وجعلها هَشَّة بحيث تصبحُ قابلة للمَحوِ باستمرار إلى أن يظهَرَ الوجه العَاري لكوميديا التسمية لكن أيضا لديكتاتوريتها، بحيث يصير المرتشي حِوَاريا، والرَّاشي وزيرا، واللصّ قِديسا، والمحتضِرُ «زَالاَم بُوبُو»، والعَاهِرة مَاكولاَ وَالاَطومَ... فمثلا، إذا صادفتَ في طريقكَ طورُوبريَّانديّا وهـو يسيـر رُفقة امرأة وصبي وحمار ثمَّ ابتمستَ للصبي، كان أمَام صاحبك خمسٌ وثلاثون إمكانية لتسميتك يستتبع كلاّ منها ردُّ فعل مختلف إزاء ابتسامتك بحيث يمكنه أن يقتلك بسبَبِهَا كما يمكنه أن يكتفي بالابتسَام لك ومُوَاصَلة سيره. فإذا رام قتلكَ صرَخ بأعلى صَوته إلى أن يتحلَّقَ حولكما آلافُ المارَّة وهو يُردِّدُ: «لَقَدْ رَاوَدْتَ زَوْجَتَهُ! لَقَدْ رَاوَدْتَ زَوْجَتَهُ!». ولن ينفعكَ آنذاكَ أي شيء لردِّ زعمه: فإن قلتَ: «إنما هذا صبيّ وهذه امرأةٌ» سخر منكَ المتحلقون جميعا وهم يقولون لك: «لن تفيدَك مُراوغةٌ معنا! إنما هَذه [=الصبي] امرأةٌ وهَذا [=المرأة] حمارٌ»... أمَّا إذا شاء أن يقتلعَ إحدى عينيك، فإنه يقفُ فورَ ابتسامك أمَام حِمَاره وهو يَصرُخ في وجهكَ: «أنتَ تزرعُ كراهية الإلهين في جَسَدِي. هَذا أبي...». وبالطريقة نفسها سيؤكد لك كلُّ المتحلقُون زعمه. وإذا لم تقتنع جيءَ بالسَّاحر، وبإصداره إشارة وَاحِدة بإحدى عينيه للحمار سيصرُخ هذا الأخيرُ في وجهك قائـلا: «إنما أنـا أبـُوه! إنما أنـا أبـُـوه!»
*
* *


تقولُ مأثورة طورُوبريَّانديَّةٌ: «الكلمة حُدُودٌ: حدٌّ للسَّاحر، وحدٌّ للـرَّاهب، وحدٌّ على ناطقها». ولترجمة هذه الحكمَة إلى حقيقةٍ عمَلية يومية فقد شيَّد الطورُوبريَّانديُّون نِظاما تعليميا لا يُضاهيه أيّ نظام على وجه البسيطة، رَصَدوا له الأموَال الطائلة والعُقول المدبِّرة عملا بما جاءَ في سِفر المأثورات:

«لو أنفقتَ في تعليم أبنَائك من المال والذّهب والفضَّة ما لو جعَلتَه في كفة وجعلتَ الأرض في أخرَى ورَجَحَ المال والذّهب والفضَّة وما رجَحتِ الأخرَى لما أنفقتَ مِثقال حبَّة مما كلَّفَكَ السُّولُولُو والوُلُولُو بإنفاقه في سَبيل عِيالك».

ولنر بَعضا ممَّا يُكلفه الطفل الواحدُ خلال مَرحلة تعليميةٍ واحـدةٍ:


فحينما يجتازُ التلميذ بنجاح «طقسَ المرأة المعلَّقَةِ في الهواء» تؤدَّى عنه ضريبة بقيمة خمسة دُولارات للتّسجيل بالقسم الموَالي، ويُشترى له خُفَّا جلدِ تمساح بثلاثة دُولارات وتسعين سَانتسا، وقلنسوة جِلد ماعز بدُولارين ونصف، وتنّورة حريرية بسَبعة دُولارات، كما يؤدَّى عنه ما مجموعهُ عشرة دولارات لأجل بُخور وأناشيدَ دينية وصورة تِذكارية تؤخَذ له مع السَّاحر لحظة نطقِه بما سَيصير الطفلُ إياه عندما يكبُرُ. وبذلكَ يبلغ مجموعُ ما يؤدَّى عن التلميذ خِلال هذا الطقس الانتقالي وحدَه أربعة وثلاثون دُولارا وتسعُون سانتسا. وهُو - كما يقول الطّوروُبريَّانديُّونَ أنفسهم - لا يعدُو مجرَّد مبلغ رمزيّ لأنه ما يلبث أن يتضَاعف بحسَب المؤسَّسة التي سيلجُها الطفل تبعا لكلمة السَّاحر: فإن قالَ له مثلا: «اذهب فإنكَ وزيرٌ» التحق بمدرسة ركوب الحمِير»، وإن قال له: «اذهب فأنت راهبٌ» وَلَجَ معهدا للزراعة، وإن قالَ له: «اذهب فأنت فاجرٌ» التحق بدَير للرُّهبَان، وإن قال له: «كن جَاسوسا» التحق بالمعهد العالي للحِلاقة... ولكلِّ مُؤسَّسة شُروط ومبالغ ومُستلزمات مُدونة في كتاب. فإذا قيل لتلميذٍ مثلا: «اذهب إلى مَدرسة رُكوب الحمير»، تعيَّن عَليه أداء خمسين دُولارا للتسجيل، وشراء سكَافَاندر بلاستيكي بمائتي دُولار، واقتناء عشر ريشاتٍ طاوُوس بعشرة دُولارات، وتوقيع صحيفة يلتزمُ فيها بأن يُحضِر على رأسِ كل شهر حمارا بقيمة مائة دُولار، ويؤدي خمسمائة دولار شهريا - طيلة السَّنوات العشر التي يَستغرقها التكوين - لأجل بَاقي مُستلزَمَات تَحصِيل العُلوم والمعَارف من بُخور وأدوية وحَلويات وعصيّ ودَبابيس... وهَذا المبلغ هُوَ الآخرُ يَتقلبُ بتقلب مِزاج السَّاحر، وأحوَال الطقس، ومَدِّ البحر وجَزره، ومَا ستكاشف به حُرُوف سِفر المأثورَات الطفل من مُعجزات...

هَكذا، فعامَ نزَلت أمطارٌ طوفانية وأتلفت المرَاعي وغلاّت الحبُوب والأشجَار قفزَت الفاتورة إلى عَشرة ألف دُولار شهريا. فلمَّا عجز عن أدائها آباء التلاميذ أجبِرَ الحِوَاريُّونَ أنفسُم على تسدِيدِهَا، فسَدَّدُوها إلى أن عَجزوا، فلما عجزُوا ألزِمَ بأدائها التجَّار والحرفيون والفلاَّحون، فأدَّوها إلى أن اختفَى النقدُ من التدَاوُل، فصارَ طعامُ القوم يوميّا هو كِسرة خبز محشوَّة بمعجون يُشبه الشّوكولاطَة، يُوزَّعُ عليهم نصفهَا في الصبَاح الباكر والنصفُ الآخرُ قبيل النوم، وكلمَا اشتكوا منَ الجوع قيـلَ لهم:

«ابشروا فأموالكم في الضفة الأخرى. وبفراغ بطونكم إنما خفّتِ الأرضُ. ألم يات في سفر المأثورات أنك: "لو أنفقت في تعليم أبنائك من المال والذهب والفضة ما لو جعلته في كفة وجعلت الأرض في أخرى، ورجح المال والذهب والفضة وما رجحت الأخرى لما أنفقت مثقال حبة مما كلفك السُّولُولُو والوُولُولُو بإنفاقه في سبيل عيالك؟"».
*
* *


إذا اعتقدتَ أن الطورُوبريانديين يُقصِّرُونَ أيَّما تقصير في صَرف الأموَال في سَبيل العِلم أخطأتَ، لأنَّ ما يُنفق على التلاميذِ لا يعدُو مجرَّد حبَّة رمل في صَحراء إذا ما قيسَ بما يُنفق في بناء المؤسَّسات. فالمدرسة الطّورُوبريَّانديَّة لا تشرعُ في تلقين العِلم ما لم يأذَن لها ساحرٌ أو راهبٌ بذلكَ. وهَذا هو السَّبب في كون أزيد مِن نِصف المدَارس لا زالت عَذراء ما وَطأها تلميذ أو حِوَاريٌّ قط مع أن مَلايير الدُّولارَات قد أنفِقَت في بنَائها.

وإذَا ظننتَ أن السَّحَرَة والرّهبان يظنُّون على الأمَّة بالتدشين واعتبرتَهم كسَالى أو بخلاءَ أخطأتَ، لأنَّ الدُّعاء الطّورُوبريَّانديَّ يقولُ: «وَقِنَا عُقُوبَةَ التَّدْشِينِ». وبالفعل فالتّدشِينُ عُقوبة لا يمكنك أن تقدِّرها حقّ قدرها، أو تحس بثقل جسامتها، مالم تكن سَاحرا أو رَاهبا أو أبا طورُوبريَّانديّا. فالمدشِّنُ لا يأذنُ بفتح مَدرسةٍ إلا بعدَ أن تكاد رُوحه تزهق من جرَّاء ما يلحَقُ به - هـو - وما يُلحِقُهُ بالقوم من ضُرُوب التعذيب. فإذا قضِيَ الأمرُ بتدشين مُؤسسة خلِّدَ طَقسٌ عَلى امتدَاد ثلاثين يوما ينتقلُ الساحر طِوالها إلى حَالة ثانية فيرَى أحلاما مُرعبة لا يُبدِّدُ فزَعَها إلا كتابة مِئات الطّلاسِم، ويشتهـي فاكهة يَقتضي حلُّ لغز أسمائها صرفَ أيام طويلةٍ في إنجاز مُعَادلات رياضية قاسِية، ويُكابد أوجاعا عَديدة في الرَّأس والمفاصل، ثم يعُود إلى طور الصِّبا فيمتنع عن الكلام، ويَطلبُ الرَّضَاعَة وقِطع حلوى، فترضعُهُ أمُّـه وتحملـه على ظهرها وترَقِّصُهُ، كما كان صَغيرا، وهي تردد قول الأعرابية القديمة:
يَاحَبَّـــذَا رِيــــحُ الْوَلــَدْ *** رِيـحُ الْخُزَامَى فِي الْبَلَـدْ
أَهَكَـــذَا كُــلُّ وَلَــــــدْ *** أَمْ لَـمْ يَلِـــدْ قَبْلِي أَحَــدْ


يجتازُ ذلكَ كله والقومُ يستحملونه حتى إذا حَان صُبحُ التدشين واقتربَ موعدُ نطقه فرِشَت طرُقات مُرُوره بالقطن والحرير، وتَعَالت زغاريد النساء، وَرَدَّدَ القومُ نشيدا دينيا تتخلله لازمَة: «وَقِنَا عُقُوبَةَ التَّدشِين». ومَا تطأ قَدَماه المدرسة المرَاد تَدشينها حتى ينطقُ بكلمةٍ - وحي لا مردَّ لقضائها، يُنَزِّلها عليهِ الإلهان السُّولولو والوُولولو تنزيلا. فإن قالَ: «وحشة المكان كدَّرتِ الخواطرَ» هُدِّمَت البناية بكامِلها، وإن قال: «هَيهَاتَ هيهاتَ أين مني ومنهم؟!» هُدِّم نصفهَا، وإن قال: «رُقناهُم وراقونا لولا أن حَالَ البينُ بيننا» هُدِّمَت أسوَارُها وبعضُ حجراتها... وما يكادُ الساحر يعودُ إلى بيته حتى يكون ما أمَرَ بهدمه قد تحوَّل إلى رميم ليُعَاد بناؤه من جديد وتسجَّلَ المؤسسة في قائمة انتظار التّدشِين، وتظلّ مُغلقة سنوات طويلة حتّى إذا حَان وقتُ افتتاحها جاءَ ساحرٌ أو راهِبٌ آخر فأمـرَ بمحوها أو هَدم نصفها أو رُبعهَا تبعا للكلمَة الوحي، وكلّفَ القوم بإعادةِ نصبها من جَدِيـد...

لإعَادة تشييد ما هدَّمهُ راهبٌ أو ساحرٌ يفرضُ المخزن الطورُوبريَّانديُّ على الأهَالي جزياتٍ وأتاوَاتٍ وضرائبَ من الدِّقة والتعقيدِ بحيث يستحيلُ على المرء أن يتملصَ من أدائها أو يتحقّقَ من حسَاباتها. فمساءَ كلِّ يوم يمرُّ الجابي ومعهُ فاتورة قيِّدَ عليها ما قَام به كلُّ فردٍ من أفراد العائلةِ الواحدة طِوال النهار بأمَانة متناهيةٍ لا تفلتُ من قبضتها شاذّة أو فاذّة. وبجانب الفعل (يُقيَّد) المبلغ الواجب أداؤه ووُجُوه صرفه في إعَادة التّعمِير، فيكتبُ مثلا: «تبوَّلَ ربُّ البيت لترا ونصفا يؤَدَّى عنهما خمسُون سانتسا لشِرَاء نِصف قِرميدة»، أو «رَضع طفلكم يومَه مرَّاتٍ أربع، بمعدَّل رُبع لتر في المرَّة، يؤدَّى عنها عشرون سانتسا لشرَاء سنتميترين حَدِيدا (نوعُ كذا، سمكُ كذا)»، أو «جلـسَ ابنكم الأكبرُ يومَه في المقهى الفلاني ساعاتٍ خمس واحتسَى فنجان قهوَة يؤدَّى عنهما عشرة سانتسات لشراء رُبع كيلوغرام جبسا»... وأسفلَ الفاتورة تكتبُ فقرة من سِفر المأثورات بحرُوف طورُوبريانديَّة أنيقة تقولُ: «لو أنفقتَ في تعليم أبنَائكَ من المال والذّهَب والفضَّةِ ما لو جعلتَهُ في كفّة، إلخ.» (المأثورة)، فمَا يُنهِي صاحبُ البيت قراءَتها حتى يُسدِّدُ للقابض المبلغَ المطلوبَ وفمهُ مُبتسِمٌ ويداه ترتعشان خشوعا وخَـوفا...

وهذا ما جَرى لي شخصيا عندَما كنتُ مُقيما بينهُم، إذ ما اجتزتُ «طقس المرأة المعلقة في الهواء» وقال لي الراهب: «اذهب فأنت تفيضُ كلاما» حتى صَارت فاتوراتُ الضَّرائب تنهملُ عليَّ كالشتاء إلى أن خَامرني الشكُّ فيما إذا كان الرَّاهِب قد أخطأ في إنجاز الطقس فحوَّلني إلى ضريبةٍ بدَل أن يحوِّلني إلى طفل عمرُه سبع سنوات: فمهمَا كنتُ أفعل إلا وكانتْ تأتيني ضريبةٌ على ما فعلتُ، تأتي على شَكل فاتورة مملوءَة بإحصائياتٍ في منتهى الدقة،لم أعلم إلا فيما بعد أنهَا كانت من إنجاز آلاتِ رقابة شديدة الحسَاسية مُعلقة خفية في سائر الأمكِنة العُمُومية والخصوصية. فعندمَا كنتُ أغادرُ المنـزلَ كان الجابي يأتيني بفاتورَة ضريبة الخرُوج وقد قيِّدَ عليها، فضلا عَن الثمن، طول المسَافة التي مشيتها، ومجموع المسَاحة التي شغلتها قدَمَاي من الطريق وأنا أمشي، وكمية الأوكسيجين التي استنشقتها... وعندَما كنتُ أعرض عن الخروج كانت تَأتيني ضريبة القعُود وقَد قيِّدَ عَليها، بالدِّقة السَّابقة، مجموعُ السَّاعات التي قضيتهَا في المنزل: سَاعات اليقظة، وسَاعات النوم، وسَاعات التفكير...، عندما كنتُ أهملُ اللحية كانتْ تأتيني ضريبة الإهمَال، وحينمَا أحلقها تأتيني ضَريبة الحِلاقة. ولما نَفق كلُّ ما كنتُ أملكه في الضَّرَائب أكلتُ الهوَاءَ فجاءت ضريبة الهوَاء ثمَّ بعتُ ملابسِي فجاءت ضريبة العَـراء... اتجهتُ مُهَرولا إلى مكتبِ الضرائب وقلتُ للجابي: «إنني ضريبةٌ فضعوني في الصُّندوق»، وما أنهيتُ هذه الكلمة حتى انبعثَ الرَّاهب أمامي كالعفريتِ، ثمَّ قال وهو يُشير إلى الهوَاء: «أتعرفُ من هذهِ المرأة؟». قلتُ: «أيُّ امرأة؟ إنني مَا أرى إلا حمارا»، فضحكَ إلى أن استلقى عَلى قفاهُ ثمَّ قال لي: «هنيئا لكَ. فقد تأهَّلتَ لمقام مُؤانسَة الحمَار»، ثمَّ أخرجَ مـن جيبه قارُورة صغيرة وقالَ لي: «والآن هَاتِ عينيكَ كي أبللهمَا بالسَّائل السِّحري»، فما انتهى من تبليل عَينيّ حتّى صرتُ، بِبَرَكَةِ الحِوار، أغنى من سَارَت به عَلى الأرض قَدَمُ...

في الواقع، إنَّ ما يُثقلُ كاهلَ بيت المال الطّورُوبريَّاندِيِّ اليوم هُو «آفــة» التدشين. فلولاَ ما تقتضيهِ هذه العُقوبة من هَدم وإعادة بنَاء للمكان الواحِد عَشَرَات المرَّات لكان الطّورُوبريَّانديُّونَ اليوم أغنى سُكان الأرض ولتصدَّقوا على الشُّعُوب قاطبة بالتيـن، والعِنب، والزَّيتـون، والعَسل، والخمر، والسَّمن، ولحوم الضأن والخنزير إلى أن لايبقى على وجه البريـة جائـعٌ أو متسـوِّلٌ.
*
* *



إذا نصحتَ الطورُوبريَّانديِّينَ بالتَّخلي عن طُقوس التَّدشين لتوفير مخزُون بيت المال لما فيهِ صلاحُ الأمّة ردُّوا على اقتـراحكَ لامحالة بإحدَى طريقتين: فإما يتهمُونكَ بالزَّندَقة، فيُحاكموكَ ويودِعوكَ السِّجن، أو يُفحِمُون زعمَك منَ العصا بما لاسبيل لردِّه إلا أن تتراجَع عن قولِك. وفي الحالةِ الثانية ما أن تفاتِحَهم بنصيحَتك حتى يَضحكوا إلى أن يستلقوا على أقفائِهم ثمَّ يقولون لكَ: «حسنا صنعتَ بفتحِك عُيوننا على ما ظلت عنه مُغمضة منذ قرُون. لكن تعالَ نختبرك أوَّلا إن كنتَ من الصَّادقين!»، فيُطلقوا البريحَ في المدينة ليُشيعَ أن حان وقتُ افتتاح مَدرسة كذا إلى أن يحتشدَ آلافُ التلاميذ والنسَاء والكهُول والمدَرِّسِينَ، فيُقَالُ لهم: «هُو ذَا السَّاحر الذي أوحيَ إليه بتدشين مُؤسَّستكم. فقد مَضى على وحيهِ شهرٌ وما بقي إلا أن يَفتح البناية ويبُث في أمر هَدمها أو بقائها، فاحضِروا المعاولَ والفؤُوسَ والمطرقات والسَّواطير وجهِّزوا البغَال والحميَر لحمل الحطَام، لكن احملوا أيضا الرِّيشات والحِبر والدَّفاتر والمنشفات لطلبِ العلم، فعسَى أن لا يُـوحَى لهذا السَّاحر بهَدم طوبَةٍ واحِدَة...»، ثمَّ يسُوقك الجمعُ إلى باب المدرَسَة حتى إذا وصلتَ سلمُوك مفتاحا وقالوا لكَ: «هيا، افتحهَا إن كنتَ من الصَّادقين! هيَّا، افتحها إن كنتَ من الصَّادقين!»، لكنكَ أينما تدِرِ المفتاحَ لا تجد أمَامكَ إلا بابا ضخما مُوصَدا لا يتزَحزَحُ قيد أنملة، فتقعُدُ خاسِئا، خَجولا، حَسيرا، كليما. وهُنا يثِبُ عليك القومُ، بعضهم يلوي على عنقك يريد خنقك، وبعضُهُم يهوي على رجليك يروم كسرَكَ...، فلا يفلتك من الموتِ إلا نَهنَهَة البكاء وطلبُ الصَّفح عمَّا اقترفتَ من إثم. وسببُ ذلك كله أنكَ، بما زعمتَ أنه نصيحة، إنما تكون قد أتيتَ ذنبا عظيما لأنك أهنتَ السُّولولو والوُولولو، وأنكرتَ ما لا يجرُؤ على إنكاره إلا زنديقٌ: فهما اللذان يُطهِّران الدراجة من الدنس الجنسي. ولولا اضطلاعهما بهذه المهمة لكان ما من بكر امتطت دراجة إلا نزَلَتْ منها مفترعة، وما من امرأة ركبتها إلا ونزلتْ منها حُبلى حتى وإن كانت مُطلقة منذ عُقودٍ أو كان يفصل بينها وبين زوجها آلاف الفراسخ... وهذا هو السبب في كون الرجل منهم متى عادت ابنته إلى البيت ثيبا أو رجع - هو - من سفر طويل ووجد امرأته حُبلى قال لها: «هل ركبت دراجة؟»، فإن أجابت بالنفي قتلهَا...، وإن قالت: «نعم» ذهَبَ إلى صاحب الدراجة ثمَّ سأله: «ما قولك في السُّولُولُو والوُولُولُو؟»، فإن قال: «هُما صَنمان من حَجَر» أيقن السَّائلُ أنَّ قريبته وَقَعَت ضحية فأخلى ساحتها، وإن أجابَ صاحب الدرَّاجة قائلا: «أحدُهُمَا عن يميني وثانيهمَا عن يسَاري، وأنَّى توجَّهتُ توجَّهَا معي»، أو قال: «شأنهمَا عظيمٌ مَهما بدا من عمَى أحدهما وعَرَج الآخر» أيقنَ السَّائل أن ابنته أو زَوجته قد خَانته فيجلدُها إلى أن تبوحَ باسم شريكها، فيقتلهُما معا.. ثم إنَّ السُّولولو والوُولولو هما اللذان يُتوِّجان ماينهلهُ الحِواري من عُلوم المشايخ باللقاء مَعه والنفث في يدَيه ليكتسب قدرة الكتابة بسرعة الضوء بحيث يصير قادرا على إنجاز الدرس وهو يُدَوِّنُ كل مَا يقوله ويرَاه دُون أن يرتبكَ، فتراه ينظر إلى التلميذ ويسأله وينصتُ إلى الإجابة ويدُه لاوية على القلم تدَوِّنُ ذلكَ كله بمنتهَى الدِّقة والأمَانة، فتنتهي الحصَّة وتجده قد مَلأَ مائة صَفحة أو أكثر بأسماء التلامِيذِ، وأحسابهم، وأنسَابهم، وعَناوينهم، وأرقَام أحذِيتهم، وعَناوين الحاناتِ، والمطلقات من النسَاء، وأثمنة الموَاد الغَذائية... والحقّ أنهُ لولا هَذه السُّرعة لكَانت الحياة الطورُوبرياندية من العُسر بحيث يبحث المرءُ عن عُود ثقاب فلا يَعرف أين يجده، فأحرَى أن يفكرَ في البحثِ عن شغل أو زَوجة أو مَسكن أو ملبس... وبكلمة واحدة، وكما يردِّد الطورُوبريَّانديون أنفسهم، إنَّ التعليم كائنٌ روحُه السُّولُولُو والوُولُولُو وجسمه سِفرُ المأثورات، فإن شكَّكتَ في الإلهين أزهقتَ روحَه، فتعذر ليس تدشين المؤسَّسات التعليمية فحسب، بل وكَذلكَ الكلام بدَاخلها بحيث يتحولُ المدرسون والأطفالُ إلى حُشود من الصُّم البكم، وإن رُمتَ استبدَال سِفـر المأثورات بكتاب آخر أصاب الحوَاري مسٌّ من الجـنِّ وصار التلامِيذ لا يكتبـونَ في دفاترهـم إلاّ بَياضا.
*
* *



إذا اعتقدتَ أن الطورُوبريانديين لا يتحسَّرُون على مَا تلتهمُه مؤسَّسَاتهُم من أموال ولا يعمَلون على صَلاح أمر التدشين أخطأتَ، لأنهم لم يذّخِرُوا جهدا في تغيير الوضع الحالي بما تيسَّر لهم. فالمؤسَّسة التي يفلح رَاهبٌ أو ساحرٌ في فتحها دُون أن يأمُر بهَدمهَا يعتبُرونها من المعجزَات، فيبوِّؤونها مَكانَة ضَرِيح أو كَنيسةٍ، ويمنحونها لقبا تشريفيا، ويقدِّمُون إليها الهبَات والقرابينَ أمَلا في أن تنقلَ عدوى الانفتاح إلى سَائر المؤسَّسَات المغلقةِ، ثمَّ يَعمَدون إلى بيع مُعظم حُجُرَاتها إلى أهل الحِرَف قاطبة، من حدَّادين، ونجارين، ونحاتين، وإسكَافيين، إلخ. بأسعَار باهضةٍ لما ستذرُّه على أصحابهَا من ثرواتٍ خيالية لأنَّ الموادَّ التي تنتج بداخل هَذه الحجرَات المبَاركة تتضاعَف من تلقاء نفسِها بسببِ ما يتلفظ به الحِواريُّون والتلاميذ من أسماء، فترى الحدَّاد يأتي في الصَّباح ويصنعُ سيفا واحدا ثمَّ يغلق محله وينصرف ليقضي يومَه نائما، ثمَّ يعود في المسَاء فيجدُ المحل قد امتلأ عن آخِره بالسيُوف من كلِّ الأحجام والأشكَال، فيبيعُها ويقفل إلى أهله وهُو يتعثرُ في جلبابه فَرحا وسُرُورا، وترَى صَاحب الدَّجاج يأتي عند طلوع الشَّمس حَاملا بَيضة دَجاج يلقيها في الإصطِبل، ويعُودُ بعد الغرُوب، فيجدُ المكان مُكتضّا بذوات أجنحَة من سَائر الأصناف... وهَذا هُو السَّببُ في ما يُصمِي أذنيكَ من أصواتِ مطرَقاتٍ، وخـوَار، وصياح، ومُوَاء... عندما تكون جالسا في أحدِ الفصُول الطورُوبريَّانديَّة تتابعُ الدَّرسَ...
*
* *


مَهمَا تكن الكلمة التي ينطقُ بها السَّاحرُ - بعدَ اجتياز التلميذِ «طقس المرأة المعَلقة في الهوَاء» - فإنَّ الطفل لا يفطنُ بعدَهَا إلا وهوَ داخلَ حجرةٍ حيث يتعاقبُ على تدريسه طابورٌ من الحِواريين يتولونَ طوال سنواتٍ عشر شَرحَ فقرة واحدةٍ من «سفر المأثورات» لا يتجاوزُ عددُ سُطورها العَشرَة عادة، أي بمعدَّل سطر واحدٍ في العام. وللإشارة، فإنَّ السِّفر هو من صِغر الحجم بحيث لا تتعدَّى صفحاته الثلاثين، طولُ كل واحدةٍ منها حوالي ستّ سنتيمتراتٍ وعرضها زهاءَ أربعة. وقد كانَ صغرُ الحجم، هَذا، مصدَر بلبلةٍ لي طيلة مدة لا يُستهانُ بها، خلالها كنتُ أتوهَّم أن الأمرَ يتعلق بكتيِّب «الحصـنِ الحَصِيـن» الذي يُبَاعُ في كثير من المدُن المغربية في الأسوَاق القروية والمحطّات الطرقية للمسَافرين. ولم يتبدَّد وهمِي إلا لحظةَ سلمني طفلٌ طورُوبريَّانديّ نُسخَة من السِّفر كي يُنقذني من موتٍ شبه محقق، فوجَدتُ خطه شبيها بالخط الهندِيِّ، ومن ثمَّ أيقنتُ أن الأمرَ كان يتعَلقُ بكتاب طورُوبريَّانديٍّ أصيـلٍ.



*
* *

إذا التمستَ تفسيرا لاختلافِ الأقوَال الأربعَة السَّابقة فعجزتَ وقلتَ: «ما سفرُ المأثورات سِوى هُراء يعبث بعُقول قوم سُذَّج مجانين» أخطأتَ، لأنَّ ما حال بينكَ وبين الفهم إلا جهلكَ بما كانَ يملأ رأسَ كلّ قارئ من القرَّاء الأربعَة لحظة القراءة: فأوَّلهم كانَ يمتهن تجارة الماعز وكانَ على وشكِ عقدِ صفقة بيع فجاءَ يستشيرُ الكتابَ، وثانيهم كانَ أعزب شغله أمرُ الزَّوَاج وقِصَر اليد وفرَاغ الجيب فأتى يبتغي زوجَة صَالحة، وثالثهم كَان صيَّادا وكان قد اصطادَ محرما فجاء يطلبُ المغفرة لمِا اقترفَ من إثم، ورابعُهم كان أبا لتسعة أولادٍ فأراد أن يَشتري وسيلةَ نقل تتيحُ له أن يحملهُم جميعا فوقها فاحتَار في أن يشتري حِصانا أو درَّاجة فأتى ليبث في المسألة. والوَاقعُ أنني ما كنتُ لأهتدي إلى هَذه الحقيقة لولاَ أن هدَانِـي إليها أحدُ صبيانهم:

فطِوَال الأشهر الأولى من مقامي بينهُم، حيثُ كنتُ أشتغل حِواريا في مادَّة الترجمة بالمعهد الدَّولي للغات، كنتُ كلما تناولتُ وَجبة غذاء أو عَشاء وتمددتُ فوق الفراش لأخلدَ للنوم سمعتُ دَقا قويّا بالباب، فأقومُ مذعورا، وما أكادُ أفتح البابَ حتى يُدَاهِمُ البيتَ رجلٌ من الأهالي يرتدي جلبابا صُوفيا وبرفقته قطيعٌ من الأجسَاد الملفوفة بعِنَاية متناهيةٍ داخل مآزر سُود حَجَبَت العيون والأنوف إلى أن صَار الناظرُ يتوهَّم أنه ما يرى إلا أشبَاحا أو عفاريتَ... يُسَوِّي الزائر جلسته ويضحكُ إلى أن يستلقي عَلى قفاهُ ثمَّ يبددُ فزعي قائلا: «لقد جئتكَ بمن سيملأنَ بالسَّكينة قلبكَ، ويُزَينَّ بالصالحات ذِكرك، ويكتمنَ عن الأعداء عيبَك، ويرزُقنَكَ ذريَّة صالحة (...) جئتك بزيجاتٍ صالحاتٍ فاختر منهنَّ ما طابَ لكَ». وأمام ارتباكي يُخرجُ العارضُ من ثنايا جلبابه كيسا امتلأ عن آخره بأورَاق نقدية مِن فئة مائة دُولار، ثمَّ يحثني: «لا تكثرت للمَهر. إن شئتَ امرأة واحِدَة هاتِ خمسمائة دولار أرجعها لكَ فورا ومَعَهَا عشرة ألف دُولار زيادة. وإن شئتَ اثنتين فهاتِ ألف دُولار أرجعها لكَ حالا ومعها عشرُون ألفَ زيادة. وإن شئتَ ثلاثا فهاتِ ألفا وخمسمائة ورقة...». تغرينِي الصَّفقة فأستجيبُ لعرضِه قائلا: «أردتُ كذا زَوجة، لكن حتى أكون على بيِّنة مما أنا مُشتريهِ، رَخِّصْ لإحداهُن أن تزيـحَ المئزرَ عن وجههَا لأرَاهَا وتراني»، فما أكادُ أنهي طلبي هَذا حتى تنتاب الرَّجل سَورَة غضبٍ فيسُوق قطيعَه ويغادر المنزلَ وهُو يصرُخ: «لن أزوِّجَ نِسوَتي رجلا فظا يلزمهـُن بحجب بهائهـنَّ...». أعودُ إلى الفِراش فما تكادُ عيناي تغفـوان حتى أسمع دَقّا أقوَى من الأوَّل وأفتـح البَابَ فإذا بالزَّائر، هذه المرَّة، رجُلٌ من الأهالي يرتدِي بذلة أنيقة وقبَّعَة رياضية، ومعَه قطيعٌ من النسَاء السَّافرات. يندفِعُ الجمع داخِل المنزل، فتتجرَّد البناتُ من ملابسِهنَّ الفوقية، فإذا بهنّ حِسَانٌ أشرقت وجُوههن، وتدلّت شُعورُهنَّ، وانكشفَ مَا بين نهُودهِنَّ وسيقانهن، فيقعُ فضاء البيت تحتَ ضغطِ رَوائح مَراهم التجمِيل، والتبغ، والندِّ، والجعَّة، والمسكِ، إلى أن يسيلَ لعابي. غير أن الزَّائر يرسِلُ قهقهة إلى أن يستلقي عَلى قفاهُ ثم يُفاتحني في العَرض نفسِه: «قد جئتكَ بمن سيملأن بالسَّكينة قلبَك، ويُزينَّ بالصَّالحات ذكرك، ويكتمنَ عن الأعدَاء عيبَك، ويرزُقنَكَ ذرية صالحة (...) جئتك بزيجاتٍ صالحاتٍ فاختر منهُنَّ ما شئتَ». وقبل أن أتكلمَ يخرج العَارض كيسا ككيس صاحِب الجلباب، ثمَّ يستعدُّ لعَرضِ صفقة المهر، غيَر أني أقاطعُه صَارخا في وجهِهِ: «لا نسَاءَ أريدُ، ولا دُولار، ولا عيال، ولا يحزنونَ. امسك عاهِراتك واخل سبيلي». ومَا أنهي صرختِي تلكَ حتى تنتاب الزَّائرَ سَوْرَة غضبٍ أقوى من سَورَة صاحب الجلباب، فيسُوق قطيعَه ويغادر المنزلَ وهو يهدِّد ويتوعَّد قائلا: «لقد قذفتَ نسائي وشتَمتَهم وهنَّ صالحاتٌ محتجباتٌ. سأسجِّلُ حالا شِكايـة ضدَّكَ». وبالفعـل، يتجهُ إلى أقرب مَكتبٍ للشرطة، فيدخلـه بوجهٍ تحجُبُهُ سَحَابة من الغَيظ الكثيفِ ثم يُودِع شكايـة أو شِكايتين ضدِّي.

كان عددُ الشكاوي التي سُجِّلَت ضدِّي قد بلغ خمسمائة شِكَاية، وهُو النصَابُ الذي يعرِّضُ صاحبهُ، في نصوص القانون الطُّورُوبريَّاندي، لعُقوبة الإعدام حَرقا دون المرُور بأيّ محاكمة، وكنتُ أتهيأ لكارثة محـوي لما سمعتُ بباب المنزل نقرا خَفيفا أيقنتُ مَعه أن الزائر ما كانَ سيكون في تلك المـرَّة إلا صاحِب المحرقة، وأنّه قد عمد بتلطيفِ طَرقَتِهِ إلى التمويهِ لكي لا أفطنَ إليه وأمتنع عن الخرُوج. غيرَ أن ذلكَ اليقين سُرعان ما تبدَّد، إذ لم أجدني أمامَ رجُل كما ظننتُ من قبل، بل وجدتني قبالةَ صَبِيّ لا يتجاوزُ عُمره حَولا واحدا. اندَفعَ الطفل إلى داخل المنزل، ثمَّ رمَى مصَّاصَتَهُ وأخرَج من جيبه كتيِّبا صغيرا، قالَ إنه يُدعَى «سفر المأثورَات» وإنه سيخلصُني من ورطَتي، فناولني إياه وأرَاني كيفية استخدامِه...

نويتُ الزواج من امرأة طورُوبريَّانديَّة، وتوضأتُ وضوء الهواء، وأردفتهُ بوضوء الماء، ثم أنشدتُ نشيدا دينيا كانَ الصبي قد حفَّظني إياه، ثم فتحتُ السِّفر فكانَ ما من صفحة تقعُ عليها عَيناي إلا وأجدها عبارة عَن رسالة مُوَجَّهَة إليَّ، قيِّدَ عليها اسمي، وعُنواني، وسِنّي، ومِهنتي، وعدد عُرُوض الزَّواج التي كنتُ تلقيتها، وأسماء النسَاء اللواتي عُرِضْنَ عليَّ أو ضاجعتهُنَّ... معلومَات من الدِّقّة بحيث مَلكني الرُّعب فأخذتُ أتساءل عما إذا كنتُ أمام سِفر ديني أم مِلف محاكمَة أو سجل تجسُّس. ولم يُهَدِّئ من روعي إلا فقرة كانت تتضمَّن فِعلا سبيل خلاصِي من المحرقَة كمَا قال الصَّبِيُّ من قبل. يقولُ نــصُّ الفقرة:

«... ثم اعلم أن المرأة الطورُوبرياندية لا تخلو من أن تكون سافرة أو محتجبة. فإن كانت سافرة عمدت إلى لفِّ جسدها وسط مئزر يكون من الكبر بحيث لا يتيح للناظر مشاهدة أي جـزء ولو كان مجرَّد عين أو ظفر أو أنف حتى إذا اطمأنَّ إليها خاطِبٌ وقال: "نعمَ الزوجة ما وجدتُ: حَصَانٌ رَزَانٌ لم يمسسها إنسٌ ولا جنٌّ. فطوبى لي ثم طوبى"، وعَقدَ عليها رَمَت المئزر وكشفتْ شعرها ووجهها ثم ارتدتْ قميصا شفافا يُسَرِّبُ تفاصيل البطن والنهدين، وتنورة قصيرة تُبدِي السَّاق والفخذين، ودخنت وسكرت، وتردّدت على الحانات والكنائس ابتغاء لهو وفسق ومجون. وإن كانت محتجبة لبست خرقا تشبه الملابس وما هي بملابس، وكشفت عن محاسِن جَسدها جميعا، ودخنت السجائر، وارتادت الحانات، ومجنت وزهَت ولهت حتى إذا اطمأنّ إليها خاطِبٌ وقال: "نِعْمَ الزَّوجة مَا وجدتُ، محنَّكة مجرَّبة ستملأ قلبي طربا وسرورا، فطوبى لي ثم طوبى"، وعقـدَ عليهـا رمت خرقها وأقلعت عن التدخين وشرب الخمر وحاصَرت جسدها بمئزر طويل، لا يتيحُ للناظـر مُشاهدة أي جزء ولو كان مجرد عين أو ظفر أو أنف... فلا تقولنّ أبدا هذه سَافرة أو هذه محتجبة، ولمن قالها وأوشك على المحرقة أن يقول: "ما عُرِضَ عليَّ زواجٌ يوما، ولا رأيتُ نساءَ قطّ، فما أنا إلا مسافرٌ عشق أجنحة الريح وخـاط لـهُ من العُشبِ ثيابا"...»
*
* *


لا شيء أبغض عند الطورُوبريَّانديِّين من الحفظِ، ولذلك فقَد بنوا تعليمَهم على عملية تتكوَّن من شِقّيْنِ مُتكاملين، هما: «مَقامُ مُؤانسَة الحوار» (ولا يجبُ الخلط بينهُ وبين مَقام مؤانسة الحِمَار الذي كنا سنختم به هذا السِّفر لولا مَشاكِلَ مطبعية) و«مقام قُلْ ولا تَقُلْ». وإليهما تعُودُ تسمية أهل العِلم عندَهُم بـ «الحِواريين» أو «أهل القَول واللاَّ قـول».

يتكوَّن كلُّ درس تعليميٍّ من رحلتين هُما: «طقسُ التمهيد التعذيبي»، و«طقسُ الإنجاز الاستكشافي». الطقسُ الأوَّل إجباريٌّ يتصدَّر كل حصَّة حِوَاريَّة، وهو يتألف من اغتسَال يسمُّونه «الطـَّانْ طُولـُونْ» - وترجمته حرفيـا «وُضـوءُ

الهوَاء» - ومِن إطلاق بخور طيبٍ وتلاوة أناشيدَ دينية يُختمُ كلُّ نشيد منها بقسَمِ أمَان وسَلامٍ حتى لا تلحق الأسماءُ والكلماتُ التي سيتمُّ التلفظ بها في الفَصل أضرارا بمؤسَّسَةٍ طورُوبريَّانديَّةٍ مَّا أو تحدِث ارتباكا لدَى القائمين عَليها، أو يقع نهبٌ في بيت المال، أو يَستيقظ السَّاحر من نومه... بعد الأناشيد مُباشرَة يأمر الحِوَارِيُّ التلاميذ بإخراج كتاب سِفر المأثورَات والتركيز لبضع لحظات على الفقرَة المناسبة لمستوَاهم الدِّراسيِّ، ثم يقف في الركن الأيمن من الحجرَة. يلتفتُ الأطفال إلى الشيء، فإذا هُوَ - مثلا - عبارة عن جسمٍ مثلث، كهَرم صَغير، نصب وغطي بكتّان أسودَ حتى صارَ مثل خيمَة صغيرة. وفيمَا يكونُ الصغار غارقين في التأمُّل ينتشلُ الحِوَاريُّ الفصْل من الصَّمتِ الرَّهيبِ بتهديدٍ عنيف ترتعشُ له المفاصلُ: يمسكُ عصا غليظة تشبه الدَّبُّوس الذي يعاقبُ به الجلاّدُ اللصوصَ، ثم يصرُخ في وُجوهِهِم قائـلا:

«مَنْ يَزْعَمْ أَنَّ هَذَا الشّيءَ مَوْجُودٌ أُوجعهُ ضَرْبا إلى أن يَتبين له إلَى أَيِّ حَدّ هُوَ غيرُ مَوجُودٍ، ومَن يدّع أنَّ هذا الشيءَ غير موجُودٍ أوسِعه ضربا إلى أن يتبين له كَمْ هوَ فعلا مَوْجُودٌ، وَمَنْ لَمْ يَقلْ شَيْئاً أُوجِعْهُ ضَرْباً إِلى أنْ يُحَدِّثنا بِخبايَا نفسِه».

ثمَّ يشرع في مُناداة التلاميذ بأسمائهم وأحسَابهم، تلميذا تلميذا. وبالفعل، فالمدرِّسُ الطورُوبريَّانديُّ لا يخلف وَعيده، إذ ما يَكادُ تلميذ أن يفرغ من التلفظ بحرف الوَاو من «مَوجُود» حتى لا يفطنَ لنفسه إلا وهوَ طريح الفرَاش بأحد المستشفيات المجاورَة للمدرَسَة لأنَّ رأسه يكونُ قد هُشِّمَ، وما يكاد آخر أن يتلفظ بالرَّاء من عبارة «غير مَوجُود» حتى لا يصحو إلا وهُو بين يَدي طَبيبٍ يعيدُ زرعَ رجله التي تكونُ قد بُتِرَت منه... والحقّ أنه لولا التقدّم العلمي الهائل الذي حَققه العُلماء الطورُوبريَّاديون في مجال الطبِّ والحكمة، بحيث صَاروا يجبرون كسُور عِظام الرَّأس في نصف دقيقة ويُعيدونَ العين المقتلعة إلى مَكانها في دقيقتين، لربما كَان ثلثا الطورُوبريَّانديِّين أو أكثر قد تخرَّجوا من المؤسَّسَات التعليمية مُنذ سنّ مُبكرة وهم مُصابون بجرُوح خطيرة أو عاهَات مزمنة...

ولا ينتهي هذَا الطقسُ التمهيديُّ التعذيبي عادة إلا بعدَ انصِرام يوم بأكمَله. أمَّا كيفية انتهائه فتتمُّ على النحو التالي: فيما يكونُ الحواريّ مُنهمكا في تدوين مَا يجري في الفصل بيدٍ وجَلدِ أحَد الأطفال باليدِ الأخرَى، يحدث أن يهتدي طفلٌ مَّا صُدفة إلى الجواب الصَّحيح فيحسمُ المسألةَ: يقومُ وهو يصرُخ كمتصوِّف انتابته شطحة أو إشراقة: «لقد وَجَدتها. لقد وجَدتها»، ثمَّ يتجه صوبَ الحِوَاريِّ فيتظاهرُ، مثلا، بالبحث عن شَيء في الأرض، حتّى إذا غفا المدرِّس ارتمى التلميذ عَلى العصَا بسُرعةٍ خاطفةٍ وأمسكها ثمَّ قال:

«إذا كَان ما زعمتَ شيئا مَوجودا فأنا لستُ موجودا، وإذا كان هو غير موجود فأنا موجود».

ومَا يستولي الطفلُ على العصَا أو يُنهي إلقاءَ وحيه حتَّى يقفُ الحِوَاريُّ مشذوها، فتستعيدُ القاعة هُدُوءها
ويعمُّها صمتٌ رهيبٌ إيذانا بجوَاز الانتقَال إلى «طقسِ الإنجاز الاستِكشافيِّ»، فيعودُ التلاميذ إلى بُيوتهم لقضَاء الليلة في تخمين مَا عسَاه يكونُ اسمُ ذاكَ الجسم ذِي الشَّكـل المثلثِ واللون الأسـوَدِ.

لاستكتشافِ اسم الشَّيء المعنيِّ يجتازُ الحِوَاريُّ والصغار مَرحلتين تُسَمَّيَان على التّوالي: «مَرحلة اكتشافِ المعلوم»، و«مَرحلة اكشاف المجهُـول»:

في المرحلة الأولى، يصلُ الأطفالُ في الصَّباح البَاكر إلى حُجرة الدرس فيجدُون الحواريَّ واقفا ينتظرُهم وهو ينظرُ إلى الجسم الأسوَد، وبمجرَّد ما يستوُون على المقاعد يأمرهم بفتح كتاب سفر المأثورَات ثمَّ يقترب من الكتلة ويُشيرُ إليها بأصبعه وهُو يسألهم: «أطَانْ أُولُومِيكْ؟» (ما اسمُ هذا؟)، فيقومُ تلميذ ويقولُ: «هذه خيمةٌ»، فيعقبُ عليه الحوَاري: «لا، هَذه ليسَت خيمة، إذن فمَا اسمُ هذا؟»، يجيبُ تلميذ آخرُ: «هَذا هرمٌ»، فيقولُ الحِوَاريُّ: «لا، ليس هَذا هرمٌ، إذن فما اسمُ هذا؟»... وخِلال ذلك، يحدُث أن يسأل الحِوَاريُّ الطفلَ عن أشياءَ قد تبدو لاعَلاقة لها إطلاقا بالدَّرس،كأن يقول له: «ما اسمُ جدَّتكَ التي ماتت يومَ أمس؟»، أو «بكم اشتريتَ هذا القميصَ؟»، أو «هل تنامُ في غرفةٍ بمفردك أم تنامُ مع أبويكَ في غرفة واحدةٍ؟»، أو «ما اسمُ الحلاق الذي حَلق شعركَ؟ ما عنوانه؟ وكم قاضَيته؟»، إلخ. وعَندما تنفدُ جميع الأسماء التي يحتمَل بالبدَاهَة أن يكونَ الجسم الأسوَدُ أحدها تنتهي مَرحلة «استكشافِ المعلوم» ليتمَّ الانتقالُ إلى المرحَلة الموَالية ويحكمُ الأجوبة منطقٌ شبيه بمنطق الاعتبَاط. وهُنا تعمّ الفصلَ ضوضاء جَدِيدة فيتعاقب البكاءُ والضحكُ والأناشيدُ الدِّينية ووضوءُ الهواء، وصَلاة الماء، إلخ. بتعَاقب ذِكر الأسمَاء التي تقتضِي ذلكَ. هكذا، فإذَا قالَ طفلٌ مَثلا: «هذا حمارٌ» أجابه الحِوَاريُّ: «هذا اسمٌ أبطَلَ ذكرُه وضوءَنا»، فيقوم كلُّ من في القسم إلى الميضَاء لإعادة الوُضوء، وإذا قال آخرُ: «مَا أرى هذا إلا قنفذا» عقّبَ الحواريُّ على الإجابة قائلا: «هَذا حيوانٌ مقدَّسٌ، فلنتبرَّك على ذكر اسمه بترنيمِ نشيدِ كذا»، فيتلو الجمعُ نشيدا دِينيا خاصّا بالقنفذ، وإذا قَال ثالث: «إنما هَذه درَّاجة» أجَاب الحواريّ: «ولمن ذَكَرَ اسمَ الدرَّاجة أو سمعَه أن يركبَها ثمَّ يأكل قطعة شُوكولاطة»، فيقومُ جميع من في القسمِ، الحِوَاريُّ والتلاميذ، فيمتطون درَّاجاتهم ويقومُون بجولة في أزقة المدِينة ثمَّ يعُودُوا ليجدُوا في انتظارهِم قطع شُوكولاطة، بعَدَد من في الفصل، قَد نزلت منَ السَّماء بقدرة الإلهين السُّولولو والوُولولو... يتواصلُ الدَّرسُ بهذا الإيقاع. فإذا توصَّلَ تلميذ إلى اكتشاف الإسم المجهُول قبلَ انصرام ثلاثة أيام انتقلَ الحِوَاريّ إلى الدَّرس الموَالي، وإذا لم يتوصَّل إليه أي طفل كاشَفَهُم به الحِوَاريّ على النحو التالي: يُزيح الملاءة السَّوداء، وإذا بالشَّيء موضوع السّؤال امرَأة جالسة كالطّودِ العظيم وعيناهَا تشِعَّان بريقا، فيصرُخ التلامِيذ فَرحين: «إسمهُ امرأةٌ. إسمهُ امرأةٌ»، ويعودُونَ إلى بيوتهم وهُم مُنتشون بما تعلّمُوه. إلا أنَّ هذه النشوة ما تلبث أن تتبدَّدَ في الدَّرس التالي لأن التعليم الطورُوبريَّانديّ يقوم على قاعدَة «كلّ شيْء ليسَ نفسه إلا السَّاحرُ والرَّاهبُ». ففي الصَّباح الموالي يصِلُ الأطفال إلى الحجرَة فيجدُون الحِوَاريَّ قد أجلسَ المرأة نفسَها مَكشُوفة في الزَّاويَة اليُمنَى من القاعةِ فما يَرَاها التَّلاميذ حتى يَكَادُوا يطيروا فرحا اعتقادا منهُم بأن درس اليوم سيُحسم مع أوَّل إجابة، غير أن مَا من طفل يَقول: «هَذه امرأة» أو «ما أظنّ هذه إلا امرأة»... إلا وتكسَّر رجله أو تقلَع عينه أو يُضرب بالعَصا الكهربائيَّة إلى أن يُشرف على الموتِ لأنه يكونُ قد كرَّرَ ذكر اسم، والتكرارُ في الدِّيانة الطّورُوبريَّانديَّةِ زندقة. ولا يُحسَم هذا الدرسُ عادة إلا في الدَّقيقة الأخيرة منَ اليوم الثالث حينما يضربُ الحواريُّ المرأة بعَصَاه إلى أن تنشطرَ الجالسَة إلى نصفين ويتضِح أن الأمرَ لم يكن يتعلقُ سوى بكيس منَ البلاستيك جُعِلَ على هيأة امرأة ثمَّ مليء تمرا، فيصرُخ الصغار أخيرا مبتهجين: «إسمه تمـرٌ، إسمه تمـرٌ...».

وآنئذٍ فقط يتم الانتقالُ إلى مَقام «قل ولا تقل»، فيشرع الحِوَاريّ في مُناداة الأطفال واحِدا واحِدا ليصحِّحَ أجوبتهم ويرسِّخ الإسم في أذهَانهم، فيقولُ لكلِّ طفل: «لا تقلْ: هذه خيمة، قل: هَذه امرأة»، «لا تقل: هَذا هـرَم، قل: هَذه امرأة»، لا تقلْ: هذه امرَأة، قلْ: هذا تمـر»، «لا تقلْ: هَذا تمـرٌ، قل: هَذا قنفذ»، «لا تقل: هذا قنفذٌ، قل هذا عِفريتٌ»، «لا تقل: هذا عفريتٌ، قل: هذا نفريتٌ»...

      ص  1    ص  2    ص  3     ص 4    ص 5     ص6   ص7