الأدب 1/E

ضيوف "العربي الحر"

   كاتب و كتاب

الأبواب الرئيسية

 

صفحة الغلاف
أدب 1
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

الأخبار

 

BBC ب ب سي العربية
Aljazeera الجزيره
CNN سي ن ن العربية

 

****

*

زمن البوح الجميل 

نصوص

طلعت سقيرق  

 

و 

ليلى مقدسي

 

 

 


 

 

 

 

 

كلمة أولى

قال ابن عربي :

لست أنا ولست هو           فمــن أنا ومـن هو

 فياه ، قل أنت أنا             ويا أنا هل أنت هو

                               * * *  

ويقول ستندال :   إن الفن ابتداع أحاسيس لم يسبق إليها أحد . فهو خلق إنساني من أجل غاية جمالية " .

ـ لم أعرفه .. لم يعرفني ..  قربنا الشعر ، فالتقينا دون أن نلتقي ، تداخلنا في الأحاسيس وتواصلنا.. فابتدعنا حين تفتحت براعم مشاعرنا على الورق .

ـ في أزمنة  البوح ـ لغة لمدار طقسنا السري ، لغة نتناغى بها تحت ظلال غيم الحروف الأخضر ، وفراشات كلماتنا الملونة تتطاير عبر مسافات تفصلنا :

- هذا  النسيم هو الرسول إليك           ليتني وجدت إليك مع الرسول سبيلا

كتابتنا لا تتبع ترتيب الأحداث ، ولا تتقيد بنماذج الألوان بل هي بوح الذات التي أيقظت فاعلية سحرية في أفكار روحينا المشتركة ..

ألم تكن ـ مي مع جبران ـ في تواصل حديث الروح وشعلة حروفهما الزرقاء لم تخمد من ذاكرة الأدب بعد ..

هكذا ـ طلعت مع ليلى ـ في هدوء الروح الشاعرية معاً وحروفنا تتجلى في البوح ـ فرأيته في مرآتها ورآني :

إذا تجلى الحبيب      بأي عين تراه ؟.

 بعينه لا بعيني       فما يراه سواه

زمن البوح الأول

" للنبضة غموضها "

للنبضة سرية لمسات الندى ، لعشب الحروف عطر استفاضات الروح. لفراشة المسافة تهدل زهرة قلب تنحني على قلب آخر ، تحط على سرة ياسمين الشوق . وبلبل الشعر مسافر أبداً على إيقاع حبر ومضاته المتهدلة كخفوت حلم على أجفان عاشق شارد في مراعي الخضرة المتفتحة على شفاه بياض أصابع الزرقة الليلكية .

حلم اللقاء يربكه الخجل ، وألق النشوة يترمد على خافيات الغياب . العمر المبعثر سكن شرفات ليل صامت ، لأن ثقل الزمن  أحنى هامات أغصان الروح ، بينما الريح بقيت تشاكس السراج، فهل يحجب خمار السحب الرؤيا عن وجهي الواهن ؟..

كغمزات نور تتمرد الأحاسيس الغافية ، لتريق أرجوان العشق على صدري المعتم ووشيش المطر خريرها المتفرد ، وتهافت الشجن في أمسياتي المنزوية صمتاً ، يربك زمني الظامئ المنساب في الوجع ، تهفو الروح إلى وردة فل هادئة لتتسربل أيامي بالأحلام . لأعود كهدوء طفلة تناغم الحنان الذي يرقد على سريرها الوردي ، وابتسامة الوداعة تنعم على الشفاه . لغموض آلهة الغيب ـ زمن بوحك الأول .لترقرق حروفك الراعفة أشعة فجرها العذري على صدر عتمتي تلافيف نرجس حائر ، وبحة الورق ترعش عطره مع تناغم صوتك الدافئ ..بلبل للشعر ، أم طيف أنت ، أم سمر لياليَّ المهجورة ؟ !         18/6/1997

زمن البوح الأول

أبحث عن رأس امرأة          

ليلى ، عصفورة الشعر ..هل علينا أن نرتّب وقع خطواتنا ، ونشكل وردة من نسيج الروح لنقول بوحنا المشترك .. تدركين ليلى أن الكتابة خروج عن القاعدة .. لذلك كان عليّ ، وأنا أخرج إلى بحر حروفك، أن أخلع كلّ الضوابط والقواعد .. كان علي أن أتماهى مع لحظة البوح الذي يكسر حاجز الاحتمال ..

أتدركين أنني أميل إلى الرأس أكثر من أي شيء آخر .. الجسد كله احتمال مهما كان  . لكن حين تغوصين حتى النخاع في التجربة ، تعرفين أنّ الرأس في النهاية شراع الأشرعة . كثيراً ما نلعب لعبة التراخي مع جسد مفتوح على المدى ، وبعدها نبحث عن لحظة إشراق .. لا أدّعي بطبيعة الحال توحداً بعالم نوراني يفرد في فضائه ألقه الخاص . لكن بكلّ كياني أبحث عن رأس امرأة ، لأنني عندما أجد الرأس ، أستطيع بكلّ بساطة أن أتحد مع الكلّ . أنا مشاغب كما تقولين ، لكن هذا الشغب الذي يعلو ويرتفع أحياناً ، لا يرضى أن ينام على ذراع لا تتصل تماماً بفكرة .. لماذا ؟؟ ربما لأنه الشغب .. وربما لأنه النسر الذي يحب الارتفاع إلى الأعلى ..

في ساعة من نهار كان يخلع آخر ضلع من فصول الريح والمطر ، رأيت كفكِ زهرة تلوّح في فضاء لا يحد .. لا أدري كيف استطاعت زهرة الصباح أن تكون في هذا الزمن المشتهى إلى جانبي .. ربما أدرك الآن بكلّ الوعي ، لأنّ هناك أزماناً تدخل في اللا متناهي ، وتخرج تماماً عن واقع الحال في قاموس الوقت .. مثل هذا الزمن كان في أنفاسي ، عندها ، وربما للمرة الأولى ، صار الحبر فضاء من نور ، وانقلبت الأوراق لتكون رائحة الزهرة المغموسة حتى الخاصرة بالألق ..

عندما خرجتُ من البيت .. ربما وقتها كانت الزهرة في الطرف الأيسر من الصدر .. راودتُ الرصيف أن يخلع حذاء الالتصاق بالوقت ، كي تمتدّ خطواتي حتى المعجزة .. وكان لي في منتصف الدرج الصاعد إلى روحي ، أو إلى سدّة روحي ، أن أشعل فتيل الفرح لأبلل بالندى كلّ الشبابيك التي انفتحت على وعد ما ، أو ربما كي تأخذ من محفظة الهواء الأنفاس الطرية.. شعرت أنّ الهواء ، خارج  المحفظة  تماماً ، كان  قد  فرد  جناحيه  حتى استفاض ..

تدرين يا ليلى أنّ الشعر ينقط سنابل القمح حين يداخل تماماً شعلة الإنسانية المتوقدة . بين الشعر والفلسفة مساحة من وقت ، مساحة تكفي لتذيب حرارة الوجد التي يجب أن تكون في الشعر إن أريد له أن يكون شعراً .. ولا أدري يا عصفورة الشعر ، كيف يفصّلون ثوب الشعر من قماشة لا تناسب جسد الشعر . أظن أن للشعر جسداً .. كنت أقول دائماً وما زلت : الشعر لا يعرف العين المفتوحة على وسعها وبكلّ الوعي أثناء حالة الإبداع ، هذه العين التي تراقب الفواصل والنقاط والحروف والأوزان والقوافي ، تطلق الرصاص على الشعر .. مع الوعي التام المتكامل ، يموت الشعر ، وتنطفئ كلّ جذوة متقدة فيه .. إذا لم نخلع قبل التداخل مع سحره ، كلّ تفاصيل اليقظة الحادة ، نقتله .. الشعر فضاء مفتوح على تلك النقطة الفاصلة بين الوعي في اكتماله ، والغياب في تمامه .. لذلك ترين يا عصفورة الشعر ، كيف سلخوا جلد الشعر ، ثم سلموا ما تبقى منه إلى مصانع التعليب .. ما عدنا في هذا الزمن نشمّ رائحة النعنع في الشعر ، عطر الوردة ، عطر الهواء النظيف . هل أحاول أن أقف ومعي شفرة النقد أمام ما يقال من شعر ؟؟ تدركين يا عصفورة الشعر أنني لا أريد أن أذبح الشعر ، ولا أن أريق دم الكلام . لكن علي ، وأظنك إلىجانبي ، أن أقف في  وجه كلّ الشعر الذي أدار ظهره للشعر .. هذا الشعر الذي أعلن الاستقالة رغم كلّ الدواوين التي تطبع .. الشعر يا ليلى يجب أن يبقى على وحدة الحالة ، لأنه لا يجوز بأي شكل أن نفصل الوردة عن عطرها، والشمس عن ضوئها ..ليلى ، لا تحاولي وأنتِ تقرئين سطوري هذه أن تفصلي بين ذاتك وذاتي ، لأن الذاتين تداخلتا أو انصهرتا في ذات واحدة .. كوني في مرآتي، كما  أكون في مرآتك .. وتعلمين يا عصفورة الشعر أنّ المرآة التي أعني لا تخرج عن كونها الكينونة كلها في أناي ، في داخلي.. أريد أن تتشكل الكتابة نبضاً متواصلاً .. وأول ما أسعى إليه ، يرتبط هذا الارتباط الحاد بجعل الكتابة شلالاً يحاول أن يكسر الحواجز كما قلت . ولا أدري إن كان بوحي هذا ، قد استطاع أن يعبر عما أعنيه ..

أعلن للمرة الألف أنني أحببت حتى ما عاد بإمكاني أن أصف الحب في جملة تكفي لأن تقول الحب .. عندما تكون التجربة ضيقة ، تصبح التعاريف أسهل وأبسط . رغم ذلك أقول مع الكثيرين إنّ الحب يملك الإنسان ويحول مجرى حياته .. لكن مثل هذا التعريف يشبه حبة المسكّن. أحار أحياناً وأقف مثل إشارة استفهام .

في لقاء نشر في واحدة من المجلات ، سألتني الصديقة  هالة نحلاوي عن الحب ، أذكر أنني قلت: ((الأنثى التي أحبها قريبة إلى حد الاحتراق ، بعيدة إلى حدّ المستحيل .. تعصرني عند كلّ مفترق ، تقتلني عند كلّ زاوية من زوايا النسيان .. هي سري الذي أشهد أنه يذبحني .. لها تشكلت قصيدة ـ طائر الليلك المستحيل ـ هذه القصيدة التي تقول كلّ الأشياء دفعة واحدة ، ولا تقول شيئاً .. الحب هنا مثل كلّ الفصول ، مثل كلّ المواعيد ، مثل كلّ الحكايات ، وحين تقترب الأصابع منه لا تستطيع أن تقبض على شيء .. لا أحد يعرف سرّ حبي ، إلا تلك التي أحبها ، وفي قمة معرفتها لهذا الحب تستدير وتمضي لتتركني وحيداً .. إنها طائر الليلك المستحيل )) .. وعندما سألتني هالة سؤالاً يتعلق بالذات، قلت (( أنا بسيط كالماء ، صعب كالمستحيل .. طموحي لا يحد، وبساطتي لا تحد .. أكتب في كلّ حين . وتمر أيام كثيرة لا أكتب فيها شيئاً .. أحب الناس إلى حدّ العشق .. أحب الحياة والجمال .. مليء بالتفاؤل .. في داخلي طفل لا يريد أن يكبر .. أحياناً أعيش حالتي الفرح والحزن في وقت واحد ، وهي من أشدّ الحالات إرباكاً وتعقيداً . بعض المواقف تبكيني فلا أخجل من دموعي وإن تجاوزت الأربعين بسنتين .. بعض المواقف تضحكني ولا أخجل من ضحكاتي التي تملأ الزمان والمكان.. قدرتي على الكتابة هائلة .. أنا إنسان مسكون بالكتابة .. لا يصعب عليّ شيء .. كثيرون يقفون حائرين أمام هذا النوع أو ذاك من الكتابة .. أنا أحب كلّ الأنواع الأدبية وأعشقها وأكتب فيها . عندي جوع هائل لكلّ إبداع .. أقرأ .. أسمع .. أعيش . مشكلتي أنني أحتاج لمن يفهمني بشكل صحيح ، من يفهم خجلي وجرأتي . من يفهم تركيبة المبدع داخلي ، هذه التركيبة الغنية . ولأنّ كثيرين لا يفهمون هذه التركيبة ، أشعر بالغربة كثيراً . لكن تنقذني طفولتي دائماً فأعود إلى التواؤم مع الحياة .. مع الابتسامة .. مع إشراقة الشمس .. وبعد : هذا أنا )) .. وقد التقطت الشاعرة المغربية حبيبة الصوفي قولي (( أنا بسيط كالماء ، صعب كالمستحيل )) فقالت :

كالماء سهلُُ وعذبُ           كالمستحيلات صعبُ

كالروح عمقاً وسحراً         كـالقلب نبضك حبُّ

كالشعر تكشف دنيا            كالنثر سحرك عجب

          لعمري سهلك صعب         وأنــت عندي أحبُّ

ما أردت يا عصفورة الشعر أن أصل إلى ما وصلت إليه .. لكن كما قلت لك أحاول الخروج عن أي قاعدة .. ربما ما زالت الزهرة في القلب تماماً .. وربما كان علي أن أقول أكثر .. لكن آن للحبر أن يتوقف ..

زمن البوح الثاني

" لغة الصمت "

حين تصلب قلب العالم ، آلهة الحب تشي بدمعها إلى غابات تضفر الكآبة لأن الإنسان ضيع مكان قلبه الحقيقي، تدلت ضفائر الشعر تعبث بأوراق الصفصاف الشاحبة .. وعطرها يتهدل على جنبات التراب الدامع.. هل أبقى غريبة وزفرات الجفاف تغني حزنها في شرود صمتي ؟ . على أصابع ناي كان الصدى البعيد يترك لحنه العنان لأغصان الروح الذابلة .. رشق الحروف غرد لوعد قادم من فراغات الضباب .. رشرشني عطر شِعرك فأفاق المجهول المتربص . زحزحت قسوته وراء أبعد أفق ..  لأحيا من جديد ..

ذاك هديل بلبل كموشحات تغزل فرح جزر حب اسطورية فصنعنا نفينا عن هذا العالم . وألقينا حركة الصخب . هل أزف وقت عبقر ليعود من صومعته السحرية المجهولة ؟ .. صوتك الرخيم يعرفه قلبي .. شاردة في شرود شغافه .. وهومان شجن الروح يعتلي أقواس ضباب هلامي تركن فيه الشمس على خاصرة الغروب ..

هل تستطيع خصل الشمس الواهنة أن تضم عبيرنا السري .. تتابع خطواتي الراجفة تعرجات تراب الزمن الغباري .. وأتابع فراشات الشوق لأن غابات الحب مسيجة بمواكب العشاق الغادية والآتية .. لمَ تركوني وحيدة .. هل هناك شيء أكثر صعوبة من الحب والنفري ـ القائل :

" أهل المؤانسة .. أهل السر .

أهل السر .. أهل الحب .

أهل الحب .. أهل الخطر

                                             2/7/1997

 زمن البوح الثاني

ذهول البوح .. بوح الذهول ..

من الصعب أن نغسل ضلوع الياسمين بما تبقّى لنا من حلم .. ومن الصعب أن نصطاد عصافير الروح بما لدينا من دموع .. فالمسافة تبقى هي المسافة في كلّ حين . لذلك حاولت وأنا أصعد درجات الوقت ، أن أخلع أول ما أخلع ، نعل الالتصاق بزمن لا يعرف طعم اخضرار الأمل.. وكان القمر وقتها معلقاً على حافة ابتسامة .. ليس لأنّ القمر لا يعرف كيف يدمن الصعود إلى صدري ، ولكن لأنه لا يحسن الغناء .. تلك أول مسافة ممكنة أدركها البوح ، فكانت الأغنية نرجسة الروح ..

لماذا تريدين يا ليلى أن ندوزن خطانا على وقع هذا الشكل أو ذاك .. افتحي كلّ صنابير البوح على ما تريدين من مسافة لا تحدّ .. في النهاية سأتلو في دفتر الذهول المفتوح أنّ عصفورة الشعر ليلى  كانت تكتب على شاطئ خفقة مجنونة ، وكانت تصلي على ذراع وردة من باب الحلم.. فكوني معي إن شئتِ أن تكوني ، خارج حدود اللغة والوقت والتعريف .. لا أريد أن نكتب مسافة مكتوبة من قبل ، ولا أريد أن نضع الخطوات على درب مطروق آلاف المرات .. لذلك أشعلتُ فتيل الذاكرة خارج حدود التذكّر ، وأسرجتُ أصابعي خارج حدود الانغماس في الأشياء..

لماذا كان عليك يا ليلى أن تكتبي الشعر وأنت تفكرين بالخاطرة .. ولماذا كان عليك أن تكتبي الخاطرة وأنت تفكرين بالشعر .. ؟؟ تظنين الآن أنني أسأل ، وتلك مشكلة .. فأنا لا أسأل يا ليلى ولا أحاول .. لكن سأقول لك في ومضة التجلّي ، ولي : أجمل شيء في الكتابة يتجلى في الاستغراق دون بروز الانتباه .. وتعرفين أن الاستغراق لا يقبل أي انزياح ذهني .. هناك في كثير من الأحيان حالة من حالات الوقوف على حافة الذهول أو الدخول في كينونة الوجود.. أتدرين ؟؟ أحب أن تشعلي شحنة وجودك في شحنة وجودي ، رغم المسافات .. يكون ذلك في الاستغراق .. الاستغراق يا ليلى صورة لا تشبه أي صورة أخرى ..

مرات عديدة حاولت الخروج من جسدي لأراقب خطواتي .. وفشلت.. يصعب أن تتركي الجسد وأن تغادريه لوقت محدد .. لكنني أذكر الآن وبكلّ الوعي ، أنني حين مات والدي يوم 3 تموز 1991 .. ووقفت أمام جسده .. أمام تسارع مذهل في مرور الصور .. استطعت بشكل ما ، أن أقف خارج جسدي .. وقتها شعرت ، رغم ضاغط الموقف ، بلذة المغامرة.. كان جسد أبي ، وكان جسدي ، وكنت أراقب الجسدين .. لا تستغربي ليلى ، فأنا لا أتوهم حالة ما ، لكنني بكل الوعي أصف واقعاً لمست كلّ جوانبه .. طبعاً ما دمتِ تعرفين الحب الصوفي ، فلابدّ أن تعرفي شيئاً عن الوصول إلى هذه العتبة ..

الآن وبكلّ التحديق في سرّة المكان ، أستطيع أن أقول إن ليلى مقدسي تريد أن تعرف أكثر عن هذا الداخل في لحم الوقت طلعت سقيرق .. كما أستطيع القول إنني أريد أن أعرف عنك الكثير .. المعرفة يا ليلى لا تكون كاملة في يوم من الأيام .. تدركين أنّ الأوصاف تعنى باصطياد الظاهر .. والظاهر خاضع لقانون التبدل والتغير .. أنا الذي تعرفين الآن ، قد لا أكون كذلك بعد هذا الوقت أو ذاك .. وأنت حين تقرئين كلماتي تشكلين وقع كلماتي حسب حالتك .. الكلمات التي وقعت على السطور وتأبّدت بشكل ما ، هي هي ، لكن هناك حالة القارئ ، حالة المتلقي ، هذا ما يعطي للكلمات شكلها المغاير ، مع أنها لم تتغير.. غداً عندما تضعين يدك في يدي .. هل ستكون كلماتي كما كانت من قبل .. هل سأكون أنا كما كنت من قبل .. وعندما تكسر خطوات كلّ واحد منا الأوراق الذابلة في شارع الوداع.. هل ستبقى ملامح وجهي محافظة على كلّ الخطوط السابقة.. لماذا أقول كلّ ذلك يا ليلى ؟؟ لأنني لا أريد أن أضع أي حاجز.. صدقيني إن الكلمات تتشكل في رأسي وتسقط مثل مطر لا يعرف غير الانهمار .. لذلك لا أهتم كثيراً إن جاءت المفردات مرتبة أو غير مرتبة.. المهم أن أشكّل التواصل بكلّ جماله ..

أعرف يا ليلى أنك تقشّرين الآن كلّ الأسئلة والأجوبة ، لتعرفي أين أقف في شارع العمر .. معك حق .. لأنني أقوم الآن بهذا الفعل تحديداً .. ولا أدري ما هي النتائج التي سنصل إليها .. لا يهمني كثيراً أن نصل إلى نتائج .. النتائج تذكرني بجو الامتحانات ، وأنا بكلّ صراحة لا أحب الامتحانات .. أتدرين ؟؟ أحب أن تكوني سمكة في بحر العمر .. ربما هو الجنون .. ربما هو الخيال الجامح .. ربما هو التوهّم .. لكن لماذا سمكة ؟؟ البحر يا ليلى أول لغة في قاموس البشرية لا تعرف الحدود .. غريب أمر البحر .. والسمكة حسب اعتقادي لا يمكن أن تعيش خارج خفق القلب..

مع كلّ نقطة جديدة تزداد رائحة الحبر حدّة .. لا أدري إن كنت في لحظة البوح هذه قد سكبتُ شيئاً من جنوني أو شجوني أو فرحي .. كما قلت لك ألغيت الحدود والسدود والفواصل .. ألغيتُ كلّ شيء وأخذت أرقص رقصة لا أعرف اسماً لها فوق الورق .. كلّ سؤال عن أي خطوة من خطواتي السابقة سيكون وهماً ، لأنني لن أخضع لأي سؤال .. في لحظة ما ، كان القلم بين أصابعي ، وكانت السطور بيضاء ، وكنت أضعك في البال .. ربما كان البوح ، وربما كان الصراخ .. لا أدري ما كان .. إنّها السطور النابعة من الداخل مباشرة، وكفى ..

                                                 26/7/1997

زمن البوح الثالث

" وجع الكلمة "

رجع كلماتك يغتسل بخرير السؤال ..

" لِم ذوت زهرة الشعر ، وما عدنا في هذا الزمن نشم رائحة النعنع في الشعر ؟ " تتداخل الأسئلة ، وتهتز أشجار الروح ، يتوحد صمت الأسئلة وأنت تقول : " لذلك ترين يا عصفورة الشعر، كيف سلخوا جلد الشعر ثم سلموا ما تبقى منه إلى مصانع التعليب " .

هل يشرق جسد القصيدة إلا  من خلال غمامات الحلم اللا مرئية ، وهل الشعر إلا تغريد سرية الحرف لزرقة البحر ، ولخضرة غصن ناعم ، ولوهن جسد عاشق ولصلاة ولهٍ صوفي ، ولموقد قلب لا ينطفئ ؟ ..

الشعر هو بوح سري لخلق حالة ارتعاشات الانبهار ، وصلاة  دوح للطبيعة في دهشة تجليات المطلق ، لتتناغم مع آلهات الجمال والحب .

هل وصل الشاعر إلى الحضرة الكيانية من اللاوعي ، وعكس حركة الكيان الإنساني ؟ بحيث تغلغل إلى الداخل وفتق الأحاسيس براعمَ ملونة على الورق ؟؟ فالشاعر نشوته اللغة ، وتغريد حرفه جسد الخيال ، وبذلك يجسد الجمال والحب باتحداهما مع الطبيعة على أجنحة زرقة الحلم الفضفاضة وصناجة الوجد تمتم لعشتار بموسيقا الشعر ..

في هذا الزمن المغبر ، ذبل الشعر بين حقول جافة تفترض نبتات الكلمات أدوات زينة ، وزخرفة غموض ، وقد تعرى من الانفعال الأصيل. وتاه في عتمة اللغة ، وزركشة البيان .. وبلاغة الألفاظ ففقد النص سريته الداخلية ، رغم أنه قد يبهر لأول وهلة البعض . أما التراث وقور وجميل ولكنه القيد الذي يشدنا إلى الماضي ، وبذلك لا يجعلنا نحلق في آفاق التجدد والتطور ويمنعنا من خلق روافد له أكثر رقة ونعومة . وأعمق إحساساً بالإنسان ، والشعر دائماً هو الطفل المدلل للحرية . لِم لا نرسم من لغة النص لوحة يشع جمالها في فضاءات أوسع ، فتصبح القصيدة لوحة ، أو قصة ، أو رمزاً ، أو أسطورة ؟ .

ألا نستطيع أن نخلق للقصيدة نبض الكون ، وايقاع المشاعر الإنسانية على موسيقا القلب ؟ .. زهرة الشعر يابسة . وعند البعض أقفلتها أطر اللغة المقفلة . لذا سوف أزرع نمنمات شِعركَ لربيع لم يزهر بعد .. وإلى طائر مساء .. سيورق غصناً على جنبات الاخضرار ..                                  10/7/1997

زمن البوح الثالث

الدخول في الخاص

أتدرين ، ربما هي المرة الأولى ، التي أحاول فيها أن أراقب خطواتي . بمعنى آخر ، أن أتحدث عن الخاص في حياتي ، إذ تعودتُ خلال كلّ اللقاءات الصحفية والإذاعية ، أن أروي ذات المبدع ، ذات الفنان ، ذات الشاعر . أما هذا الجزء الذي نسميه حياتنا الخاصة ، فكان بعيداً عن الطرح ، بعيداً عن البوح . ربما لأنّ للخاص عندنا ، ولا أدري لماذا ، نوعاً من الحرمة . ولأنني صادق مع نفسي أولاً ، ومع الآخرين ثانياً ، فلا أجد في رواية الخاص أي مشكلة . لكن وأعترف ، أن الصعوبة تكمن في السقوط فجأة أمام صورة الأنا ، ليأخذ الواحد في بعثرة محتوياتها ، دون أي إنذار مسبق .. وكأنه ، هكذا بشكل فجائي ، يشعل ضوءاً مبهراً أمام عينين تجوسان في العتمة .. لكن لابأس، مادام علي أن أروي ذاتي ، في كلمات قليلة قدر المستطاع ، حتى لا أتحول إلى راوٍ يريد أن يطرح أناه في مزاد الكلام الكبير ..

ولدت يا سيدتي ، كما تعلمين ، في الثامن عشر من آذار عام 1953 ، في طرابلس لبنان ، أثناء زيارة والدتي السيدة حورية يونس الخطيب ابنة الشيخ يونس الخطيب لأهلها هناك . ومن ثم عادت بي إلى دمشق ، حيث كان يقيم الوالد محمود حسن سقيرق ، بعد اللجوء من مدينة حيفا في فلسطين عام 1948 .. قبل أن أشرّف سيادتي إلى الدنيا ، كانت أمي قد وضعت بنتا اسمها غادة ماتت صغيرة ، وقبل اصطدامي بهواء الحياة في العام الذي ذكرت .. أمي تقول إن عيناً أصابت البنت الجميلة غادة ، والعلم يقول إنها أصيبت بمرض فكان لها أن رحلت ..

وعيي تفتّح في حي الشيخ محي الدين ، وهو أحد الأحياء الشعبية الدمشقية ، فيه عشت حتى اليفاعة ، وتعلمت ، وعملت في أعمال كثيرة لا تخطر على البال . ذلك أنّ الحي الشعبي مفتوح على كلّ احتمال وجمال . وكان أبي ـ وقد مات قبل عدة سنوات ـ يعمل ميكانيكياً في رحبة الشرطة ، حيث يقوم بإصلاح أعطال السيارات . ومن غرائب الأمور، أنني حتى الآن ، لا أعرف ، ولم أحاول أن أعرف ، قيادة السيارة . وإذا بقيت في دائرة البيت، فقد أنجبت الوالدة خلال عشر سنوات ، أخين وأختين لي ، وكلهم طبعاً أصغر مني . وهم على التوالي : رجاء ، عصمت ، رأفت ، أمل .. وهذه الأخيرة أصغر مني بعشر سنوات، فهي من مواليد  1963، وربما لمجرد المصادفة ، فإنّ أمي من مواليد 1933 .

كنت منذ صغري شيطاناً في المدرسة والحارة والبيت ، لينقلب الأمر عند كبري إلى هدوء وسكينة . وربما عليّ أن أذكر هنا أن خالين لي ، توفيا، هما بدر  ونور الدين الخطيب ، كانا شاعرين .. وأنّ خالين ، هما سيف الدين ويحيى الخطيب عملا في مجال الصحافة .. وأجمل ما أستطيع أن أذكره هنا ، أنّ الوالدة والوالد ، علمانا الحب .. لذلك يندر أن يجد المرء أخوة يتعاملون كتعاملنا كإخوة حتى الآن . فأنا على سبيل المثال ، لا أستطيع وما أزال ، الانقطاع عن زيارة الأهل كلّ اثنين وخميس من كل أسبوع . هذا إلى جانب الأعياد ، وما إلى ذلك . لذلك كانت معنوياتنا وما زالت رائعة ، وكان الحب وما زال ، زهرة لا تعرف الذبول في حياتنا . طبعاً كلّ إخوتي تزوجوا ، لكن ما زالت علاقاتنا ولقاءاتنا كما كانت .

من جهة المادة ، وإن كنت لا أعيرها كبير اهتمام ، فقد كانت حالتنا المادية وما زالت متوسطة. فبيت أهلي مستأجر ، كذلك بيتي ، وبيوت إخوتي . وللحقيقة يصعب أن تقفز حالة الموظف ، ما دام الراتب محدداً، من حال إلى حال . فهو مرتبط بهذا الراتب الذي يأخذه أول الشهر ، ليصرف على ما يحتاجه على مدار ثلاثين يوماً  .

في الجزء الخاص جداً  ، أي هذا المتعلق بشخصي ، فقد قلت ذات مرة ، وأظنك قرأته في أحد لقاءاتي : أنا سهل كالماء صعب كالمستحيل .. أحياناً أشعر بطفولة غريبة ، وأحياناً بحزن ، وأحياناً بفرح .. انفعالي إلى أبعد حد ، وهادئ إلى أبعد حد .. أرتبك في أمور لا تستدعي الارتباك . وأقف بصلابة أمام أمور تتطلب شجاعة ما بعدها شجاعة .. أحياناً يركبني الخجل ، وأحياناً تكون جرأتي دون حد . لكن في كلّ الحالات ، أحب الناس ، وإيماني شديد بأنّ الحبّ هو الشيء الوحيد الخالد في الحياة)) .

علاقتي مع الأنثى كانت علاقة جميلة ومتعددة منذ صغري .ربما أحببتُ كثيرات .. وكان من أصبحت زوجتي واحدة منهن ، وهي تعرف أنني كنتُ أحب هذه وتلك ، وأنني أكتب الشعر للكثيرات .. وأنّ فتيات الحارة ، ثم الجامعة ، كنّ حولي دائماً .. لكن علاقتي بها استمرت ست سنوات ، كان بيتها في الحارة في الشيخ محي الدين مواجهاً لبيتنا .. وبعد ست سنوات أصبحت السيدة إنعام محمدية زوجتي .. ولا أدعي أنني أضربتُ عن الحب ، إذ للشاعر على ما يبدو ، قلب لا يعرف أن يتوقف عن النبض مع كلّ جمال . لكن وبصدق ، كان عليّ أن أحترم مشاعرها ، فما حاولت في يوم من الأيام ، أن تؤثر أي علاقة على منزلي .. بقي الأمر بعيداً عن البيت . لأنني مؤمن بأنّ بيت الزوجية ، هو بيت الزوجة ، ولا يحق للزوج بأي شكل من الأشكال أن يمس كرامة زوجته .. ومن جهتها احترمت ، أو لنقل فهمت طبيعة هذا الشاعر الطفل الذي لا يريد أن يكبر . فأغمضت العين عن الكثير ، ما دام الشاعر المشاغب لا يمس كرامة البيت . وما كان لها طبعاً أن تقف في وجه الرسائل والمكالمات الكثيرة ، لأن طبيعة العمل الصحفي تقتضي ذلك ، ولأن الشاعر ـ ويا سبحان الله ـ لا يستطيع أن يتخلى عن جمال الأنثى . وإن تخلى ، فمن لهذا الجمال الفتان يرعاه ويتعهده بالغزل والتغني .. وكما قلت، بقيت محافظاً ، وما أزال ، على كرامة الزوجة ، إذ ما حاولت في يوم من الأيام أن أقترب بأي علاقة من محيط البيت .. مع أن أكثر العلاقات لا تتجاوز معنى الصداقة والزمالة ، ولا أدعي أنها كلها كذلك .. ما دمت أحاول البوح الصريح ..

البيت الذي أسكن فيه في مخيم اليرموك / شارع 15 / مؤلف من غرفتين ، وصالون صغير ، طبعاً أصبح لا يستوعب العائلة كما يجب .. لكنه على كلّ حال ، ما زال بيتاً بالأجرة وهو المتاح في ظروف الوظيفة كما قلت . واحدة من الغرفتين للنوم ، والأخرى تضمّ مكتبتي ومكتبي إلى جانب بعض الكنبات لاستقبال الضيوف والأصدقاء ..

أولادي ثلاثة ، الكبرى سهير وهي الآن في الحادي عشر ثانوي ، والثاني محمود وهو في الأول الإعدادي ، والثالثة ديما في الثالث الابتدائي.. وربما عليّ أن أذكر أنّ زوجتي من مواليد 1959 .. وأنّ زواجنا مضى عليه ، خمسة عشر عاماً ..

هل هناك شيء لم أتحدث عنه .. تقول الصفات في الهوية : الموطن الأصلي حيفا .. لون الوجه حنطي .. لون العينين بني / الأصح عسلي / العلامات المميزة شامة على الخد الأيسر / وأضيف الكثير من الشيب في الرأس / الطول 182 سم .. وماذا بعد ؟؟ .. لا أظن أنني تركت شيئاً.. وإن تركت فلكِ أن تسألي ..                   دمشق في 11/5/1997

زمن البوح الرابع

" نقطة ضوء "

" لم أدرِ من أهوى ولا أعرف اسمه .. لم أدرِ من هذا الذي ضمه صدري " ؟       ـ ابن عربي ـ

الفن أتاح لنا التعرف على أنفسنا في هذا العالم المتخم : بالعنف ، والفوضى ، والعبث والضياع. والمادة . وسنابل الزمن ترسم قوس قزح على بعض الوجوه المفعمة بصفاء المحبة. لذا طفولة قلبي هادئة تنساب فوق نقاء مياه زمردية الخضرة تخطط هامات الجبال من  خمرة الأزهار وترشف نخب القمر .

شفافية الليل تسترخي على أضلع الرمال ، وأقحوان حروفك المضفورة يقول :

ـ حين سُئلت عن الحب أجبتُ : " الانثى التي أحبها قريبة إلى حد الاحتراق ، بعيدة إلى حد المستحيل، تعصرني عند كل مفترق " هذا العشق المتفرد وجدت فيه تجاوزاً لأشكال الحب في الوجود . فالحب ـ هو المحرر الأول للإنسان ، وهو الذي يوصلنا إلى جوهر الإنسان وطبيعته الخفية ، والحب لديّ نقطة ضوء تولد اشراقاً ، وهو الطفل الذي لا يكبر أبداً في أعماقي . هذه النقطة تجعلني عاشقة سرمدية ككاهنات المعابد الاغريقية .

ـ لولا الحب لانتفت أسباب الحياة ـ ففي الحب يكون الواحد تجلياً للآخر تعال .. نتداخل في الحلم ، ننزلق بين أجفانه ، ليرفرف بنا في فضاءات تستحم بالبياض على شواطئ المستحيل..

وايقاع ـ الشبلي ـ كما ايقاع حوريات البحر لموسيقا موج عاشق : " ذكر المحبة يا مولاي أسكرني         

                                  وهل رأيت محباً غير سكران

                                                                                                                                                                   22/7/1997

                   

 زمن البوح الرابع  :

ضوء آخر

ليلى كان لابدّ من لحظة وجد كي نغسل بالضوء أجسادنا وأرواحنا ودفقة القلب .. هل جربتِ في صباح الورد أن تعيدي إلى الساعة شيئاً مما تسرّب من وقت ؟؟ .. يبدو الأمر مضحكاً أحياناً ، فالساعة التي تنقط الوقت على الرصيف ، لا تترك لنا فسحة من زمن كي نعيد إلى الوردة ظلّها ، وإلى القلب نبضه ..

كنتُ أنتظر رسالتك حين رنّ جرس القلب معلناً بدء النشيد .. في حركة الشارع ساكنتني الأغنيات التي تختلف بالتأكيد عن وقع الشارع الحقيقي .. أحياناً يكون شعورنا هو المبتدأ والخبر ، وتكون أحاسيسنا هي المرجع الوحيد الذي لا يمكن الاعتماد على سواه ..

ليلى ذات مرة قلت ، وكنت أجيب : (( الأنثى التي أحبها قريبة إلى حدّ الاحتراق ، بعيدة إلى حدّ المستحيل ، تعصرني عند كلّ مفترق )) وتلك هي الحكاية باختصار شديد، الحب هو هذا التسرّب الأبدي لكلّ ما نظنّ أننا نملك نصف جسده .. وتسألينني كم مرة أحببت؟؟ آه يا ليلى ما أصعب السؤال والجواب .. لا أعرف أنني عشت يوماً من أيام عمري دون حب .. ولا أعرف أنني كتبت قصيدة واحدة بمعزل عن الحب .. تلك مشكلتي الجميلة.. حتى الشعر الذي كتبته للوطن ، لم يكن بعيداً عن الحب ، لذلك كثيراً ما قيل إنّ الوطن يظهر في شعري كحبيبة تمدّ شعرها على طول السطور ..

عندما تقولين لي : (( أنت الصديق الوحيد في العالم الذي يعرف كيف يدخل كلّ جزء من حياتي ، لأنني أثق بك كلّ الثقة )) .. أرتبك .. أجل أرتبك يا ليلى وأضيع .. أخاف من هذا الكم الرائع الذي تضعينه زهوراً في درب عمري .. أخاف أن يطول الطريق فأسقط قبل أن نكمل المشوار معاً .. وعندما تكون يدي في يد حبيبة أو صديقة ، أخاف من بحة ناي تجرح عتمة الليل .. ولا أدري لماذا كان عليّ دائماً أن أعيد أشجار الوقت إلى رصيف العمر .. لماذا كان عليّ أن أداخل ضلوعي كي أداخل جسد المكان..

وتسألين : هل رأيتَ محباً غير سكران ؟؟ ..لا أدري يا ليلى كيف يكون الجواب إذا كان السائل والمجيب في حالة وجد لا حدّ لها ..

أعيدي للوقت وقته كي أجيب .. وللجسد صحوه كي أقول .. تعرفين أنّ حالة الوجد تسرق كلّ ما في اليد من زمن .. وحالة الحب تسحب كلّ حدود الكلام والصمت ..

أحبك .. تحبينني ؟؟  أحياناً يشبه المطر لحظة ضوء خاطفة .. وأحياناً تشبه الساعة في معصم الريح سراباً لا يشبه السراب .. أنا معك أنّ الحب إيقاع في زمن الغرابة .. لكنني كثيراً ما أصر أنّ الحبّ وقوف على حافة الفراغ الجميل اللذيذ الأخّاذ .. حالة يصعب وصفها أو سكب الكلمات على مقاس جسدها .. حالة نكون فيها أو لا نكون .. نغيب فيها في كلّ مرة مرتين .. لذلك كان الحب تجاوزاً لأشكال المستحيل والبعيد والقريب .. وكلّما زرعت يدك في جسد الحبّ تخرج مسكونة بكلّ ما في الدنيا من ضوء ونور ولمعان ..

أريد حبك ، لكن في نقطة هذا الحب ، أريد تجاوزاً للحب .. أريد مسافة تلغي التعريف والتوصيف .. الحبّ لا يشبه في لحظة الغياب أي حب .. والحب لا يشبه في دفقة الوجد أي وجد .. قليل من الوقت وتدق الساعة على جدار الروح صرخة النداء ، فأطلّي من بوابة الحلم لنسبق ما تبقى من زمن ..

زمن البوح الخامس

" خصل الوجد "

" شربنا على ذكر الحبيب مدامة

              سكرنا بها من قبل أن يخلق الكرم

                                       (( ابن الفارض ))

سرقت حروفك رموش الياسمين لتغزل رعش القلب ، رغم أن هذا القلب المنزوي يظمأ دائماً إلى الأشياء التي لم تخلق بعد ..

دائماً أجنح خلف صدر أفق موجع ، وناي الحب كمزمار راعٍ حزين.. نعاس الحلم في صدري الواجف ، بلا وعد .. بلا لقاء .. بلا أغنية ..

لم أعرفك بعد .. ولكن حضورك وهج الحلم على شجر الروح ، أحاول أن أتلمسه فيذوب كالشمع على أصابعي المرتعشة . زهراتك المجهولة نسيت حزن البنفسج وبقيت تحوم حول زورق العشق العابر .. ربما حلمنا يدخل مملكة الأزل .

ـ هل أحلام العشاق تدوم إلى الأبد  ؟ ..

أصمت دائماً لأنهم لا يفهمونني ، والجوع الروحي جعلهم يحسون : بالخوف والمرض ، والقلق، من وجودهم ذاته .

شرانق صمتي تحوم لتنسج سراديبَ للنحلة الدؤوب في ذاتي .

لِم دائماً تبدع الجمال من دروب ـ عبقر ـ الملهمة ، وقد غفا إله الشعر الوديع بين مشاعرك الإنسانية ، والأحاسيس مسافرة في مغامرة  الآتي .

تتسلل سلافة حروفك إلى أيامي الخاوية فتجددها وتنبت حولها ذهول المعنى .. تغيب لمسات الفتنة في البياض الوحشي ، زمني لا حدود  له لأني  لن  أقع  في  شرك المنفى ..

صلوات ملائكية تلون أعشاب الأرض حولنا بلون الوجد الأرجواني وخصل الغمام الوردية من حروفنا تظلل الآتي بوعد قد لا يتم ..

ستبقى طائراً غريداً فوق مروج الروح ، وقد توجتك حلماً للضباب .. وحاورتك من بين فجوات الغيوم .. كنور تلصص على غابات الاخضرار ..

                                               28/7/1997

في الزمن الخامس :

 للوجد عمري

كان لابدّ من بوح الياسمين كي نعرف إلى أي حد يستطيع العاشق أن يضبط إيقاع قلبه على وقع الموسيقى التي تذوب في حالة ذهول .. كأنك كنت تقبضين ذات صباح على جمرة الوجد حين رحت تهزين شجر الكلام في طريق حبيبين كان ذراع كلّ واحد منهما عصفور العشق لخاصرة الآخر .. وحين أينع الكلام ارتسمت على الوجه ضحكة باتساع العالم .. لماذا تصرين على الإمساك بمزمار الراعي الحزين ؟؟ ..

إذا كان حضوري وهج حلم ، فكوني عرس صلاة تسقي الكون أروع الألحان .. الشعر يا سيدتي لا يطفئ اللحظة المسكونة بوعد يشبه اليقين.. لكن حين يكون الشعر ورقة توت ، تظهر عورة الريح جرحاً لا يدمن غير البكاء .. لذلك أحبّ الشعر جنوناً بين لحظتين ، وذهولاً بين دفقتين ، ودخولاً بين راحتين من حبق مجنون لا يعرف الانطفاء ..

أحياناً يشدّ الوتر الصمت فتصرخ ساحة السكون لتسجّل في أذن الوقت أنّ النحلة لا تحوم في فراغ .. لماذا نهرب من الوجد إلى الوجد ؟ لماذا نغسل خفقة القلب بخفقة القلب ؟ ولماذا حين نسرج حصان الريح ، تكون المسافات رغم اتساعها ورقة من وردة حمراء تشبه الحلم ..؟؟

أعرف أنّ الحوار بيننا يتسع كلّما أغلقت كأس الروح أصابعها على خفقة القلب ورسمت طائراً ريشه من نور وخيال .. لا أدري لماذا تسرقني اللحظة مني فأبحث دائماً عن مكان في وجد المكان .. ؟؟..

هل كنت ليلى أقرب مني إلى جدار الحلم ، فأينع الوقت نشيد غرام يستطيع أن يسبق كلّ ما في الوجد من وجد ؟ أعيدي إليّ الوقت فقد تعبت من اللهاث في الفراغ ، وكوني مع كلّ ثانية حلماً أو حضوراً أو زهرة لا تعرف الذبول ..

زمن البوح السادس

" زهرة صخرة "

" خذ حبيبي بقية ما أبقيت من رمق

              فلا خير في الحب إن أبقى على المهج "

                               ابن الفارض

 

غاباتك تتداخل بين أغصان الغيد الحسان ، على أصابعك ضمامات الزنبق فتثمل الشفاه من كؤوس الشعر .. تغص أوراق الحور من سجع شِعرك فترسم تلافيف الرؤى على خد خزامى مبلل الأردان .

الغيوم بدأت تبدل ألوانها ، ربما أحلامنا لن تنتهي ..

وحروفنا كانت تذوب في جدول جارٍ ، ثم أصبحت إيقاعاً للبحر الهادر على صدر أمواج الزرقة تضم ابتسامات الزبد المعربد .

مبثوث الفرح يخترق مسافة البعد ، وكلّ ندف البياض على أيامنا تنهل من خجل عطر الياسمين .. ربما أغمض جفنيه لأنه نسي العطر على دفاترنا ؟ ..

لِم تحاول أن تزهر الصخرة ؟ ..

كل من حولي يتهاوى إلى قعر الأودية ويكتفي بالصدى ، ولكنك تملأ جباه الجبال بسلال عناقيد تتدلى خمورها على شفاه التربة الافريقية السمرة .

كل يحاول أن يحصد الفرح من أيامي ، إلا أنت ترسم أحلاماً مرمرية لاشراقات الياقوت ، تدثرني عباءة الذبول ولكنك تجعلني أحيا حياة الحياة طالما أن الروح متقدة في مواقد المعاناة ، والحب طمر في جرن الظلام..

نغيب ونغيب في بياض رؤى الزرقة البنفسجية ، حيث لا حدود للزمان والمكان . قد تطول وتطول ساعات السكر مع عبق زيزفون الروح وخمرة الحرف كأس حب ثمل ..

أشيع الدمعة الأخيرة ، فالحب هو ذاك المجهول المرئي الهارب أبداً مني ..                      2/8/1997

في الزمن السادس :

 الزهرة والناي

ليلى ثم ليلى وشيء من كلام ..

أشرع بقية الناي ، فتضحك موسيقى القلب رغم ما في العمر من ذهول.. هل حقاً زرعتِ الشمس على كفِّ الصباح فضحكت وردة الحلم وصلّت لشجر الشعر صلاة أمل ووجد وعنفوان ؟؟..

هل تزهر الصخرة حقاً ؟؟.. أعيدي ترتيب الحكاية كي تكون الزهرة أكبر من كلّ الصخور ، وكي تكون الصخرة جذع حلم يستطيع أن يكون دافئاً ليناً كلما تدفق مطر الكلام من سماء الوقت القريب .. ولا تقولي لماذا علينا أن نحب ؟ لماذا علينا أن نعشق ؟ لماذا علينا أن نملأ الكون بزهر القلوب ؟؟ بل قولي إنّ أجمل وقت في ساحة الوقت أن نلغي دقائق الزمن من ساعة على جدار ..

تزرع كلماتك شاطئ عمري بكلّ ما في الورد من عطر .. وأحاول دائماً أن أسيج القلب بنداء لا يفتر ، فتضحك زهور الوعد ، وتشرق ورود العهد، وأكون في يديك زهرة وقت يذهل الوقت . غريب أمر المحب إن أحب ، وغريب أمر العاشق إن عشق ، وغريب أمر القلب حين يراقص كلّ الخفق في سكرة تمتدّ حتى آخر المشوار ..

صعب يا ليلى أن أحصد الفرح كما يفعل الآخرون .. صعب أن أسرق من زهرة الوقت أجمل الألحان .. لذلك أتيتُ حين أتيت كي أعطيك ما تريدين من شجر ونور وعنفوان لقاء .. ولن أرضى ذات يوم أن يدقّ الذبول على باب عمرك، لأنّ قلبي لن يسمح أن تعكر صفو الندهة البكر صرخة فوضى .. ولا تسحبي على سراج الوقت دمعة أو رعشة بكاء . فالعمر الذي نمشيه سيكون لنا ، ولن يكون خارج حدود أحلامنا .. كوني ذاتي وأشرقي في ندائي .. ولا تضيعي الزمن في لهاث لا معنى له .. هل سمعتِ نشيد عمري ؟؟ إذن أعيدي ضبط الوقت على ساعة حبي التي تدور معلنة أنّ العمر لا يمكن أن ينام خارج لحظة الصحو الجميل ..

البوح السابع

" قهر صموت "

الشاعر الصيني ـ أنون ـ والذي وجد في طائر ـ البوم ـ رمزاً للحكمة والمعرفة قال ـ بوم حكيم جلس فوق سنديانة .

رأى كثيراً .. فتحدث قليلاً ، وكلما رأى أكثر .. كلما صمت أكثر ، وكلما صمت أكثر .. كلما سمع أكثر ، لماذا لا نكون مثل هذا الطائر القديم الحكيم ؟ .

ترانا غرباء عن أفكار وتقاليد وآراء الناس في هذا العالم المنطفئ . والخطر الذي يكمن حول المبدع أن إبداعه يجعله يسمو ويرتقي ويعاني أكثر .. لذلك يصدر الآخر بحقه فتوى وقراراً وحكماً جائراً ، لأنه يسعى ليخلق حالة انسجام بين ذاته الموروثة مع ذاته المبدعة والمتفردة . فيحس المبدع بشعور السجين في ذهنه وجسده ويرى البشر من حوله أرواح ضائعة قاسية ، وقد يسميه البعض غرور الفنان ، أما أنا أسميه ـ أصالة الفنان ـ وفرديته .

ويكون في داخله مشاكسة طفولية في تمرده على كل آراء وأفعال متوارثة وقد اهترأت بفعل الزمن ، فيحاول بقلمه وفكره أن يخلق مفاهيمَ أكثر إشراقاً وأعمق تطوراً ضمن مساحة من الحرية ـ الذاتية . والفكرية . والاجتماعية. وحين يعيد إلى هذه الرواسم البهاء بكشف أكثر إشراقاً يقع في متاهة لأنه يترتب على الآخرين في نظره أن يشاطروه مشاعره وأحاسيسه ونبله وصدقه ، ويكونوا أكثر إنسانية ، فيحس بالمعاناة مع من يتعامل معهم حتى مع أقرب الناس إليه ، لأن أفكاره لا تنسجم معهم ، ومعتقداته ومبادئه لا تلائمهم ، لأنه يكسر قيماً ليخلق القيم الأفضل والتي لا يألفها البشر ، فيغدو  بنظرهم ـ مغروراً ، منفياً ، متعالياً .

هذه النرجسية البريئة في ذاته تؤدي إلى مقته وكرهه وحسده . وهذا التعمق في وحدته الذاتية طبيعي جداً لأنه لا يفصل بين الحياة والفكر،ففنه هو انعكاس لحياته على أحاسيسه وأفكاره ، خاصة في هذا العصر الضيق والمذبوح على أعمدة ، المادة ، والمصلحة ، والمظاهر الخارجية . والأفكار المستوردة والتقليد الأعمى . والكثير يمارس الأطر الخارجية للمجاملة ، والنفاق . لهذا يكون الفنان الصادق والمتوحد مع أفكاره وكتابته وسلوكه موضع  ملاحقة  الآخرين  له  لإحساسهم  بالنقص  في داخلهم ..

وما أكثر الأمراض النفسية المتفشية في مجتمع يرزح تحت عناكب الجهل والتخلف لذا هذا العالم يحتوي أكثر مما نستطيع احتماله . ولكن لابد أن يتلاشى الذين لا جدوى فيهم وأكثرهم من الثرثارين ،والأ نانيين ، والماديين . فالحرية والشعر يبعدانا عن العالم ، ولذا ينعت العبقري بأنه مجنون . لأن المشكلة التي نواجهها ونشقى بها دائماً أن وعينا غير منسجم مع الواقع وغير مألوف من عامة الناس .

أما الانتماء فأيضاً مشكلة ، لأنني لم أختر ـ ديني . ولا أهلي . ولا اسمي ، ولا أرضي . إنما أنا حصيلة باهتة لوجهات نظر الآخرين . حتى في كثير من الأحيان لا أنظر بعيني بل أنظر بعيون الآخرين المدقوقة في اللاوعي ..

                             15/9/1997

في الزمن السابع :

 الفن والذات

سأحاول مداخلة الكلام عن الفن والذات من خلال قراءة شعري لا شعر سواي ، فلا تستغربي إن كان الفنان فينا مصراً على وضع بصمته في كلّ خطوة من الخطوات .. وأصدقك القول : لا يهمني في كثير أو قليل ، أن يأخذ الآخرون في ملاحقة خطواتي وأنفاسي ووقع تدفقي على الدرب الطويل . ذلك أنّ الناس بين اثنين : محب يطربه الفن فيصفق من القلب لكلّ نشيد جميل ، ويكاد يرقص لكلّ لحن أخاذ .. وكاره يأكل الحسد قلبه ، وتنهش الغيرة صدره ، وإن حاول أن يرسم على الشفتين ابتسامة لا تشبه الابتسام .. وفي الحقيقة فأنا أكتب للأول وأشعل أصابعي وعمري من أجله ، وأتجاوز الثاني مدركاً أنه لا يستطيع مهما حاول أن يكون غير ما هو عليه ..

الفن يا ليلى  نشوة وخمرة وصلاة .. نعرف كلّما أمعنا في دراسة الفن، أن لا شيء يمكن أن يشكل البديل .. لذلك نعزف صوتنا في دروب الحياة، ونغني أشواقنا في الطريق إلى سدّةِ الذهول الجميل .. ومهما قست قلوب الحاسدين الناقمين ، فلن توقف تدفقنا وصوتنا وصورة رقص الينابيع على الورق .. تدركين أن خمرة الكاتب تسكره فلا يصحو ، وتأخذه فلا يقف عند أي حد من الحدود .. تذكرين قولي :

            عمري و ما عمري سوى    أحلى ترانيم الهوى

     لا أرتوي إلاّ إ ذا         نبضي من العشق ارتوى

     تاج الغرام ملكته                  قلبي على العرش استوى

                    وقولي :  غيبتُ وجهي بين صدركِ

والسماءْ ..

ونشرت قلبي

في فضائكِ والفضاءْ

وإذا تواترت الحكايا

كنتُ بينك والمرايا

زهرةً في كوب ماءْ

      

  وقولي :              كم من مطرْ

                          كمْ من صورْ

والريح تصطاد السّحرْ

                          قلبي انهمرْ

                         عينا كِ أم ضوء القمرْ

                          ضاع الخبرْ ..

الفن في كلّ ذلك .. وذاتي في كلّ ذلك .. يصعب الفصل والبتر .. فأنا الكلام ، والكلام أنا ، ويبقى الفن حين يكون جميلاً أروع من أي شيء آخر في العالم . حاولي أن تعيدي قراءة الكلام .. كلّ حرف يطرز الروح بأجمل الألحان .. كلّ  حرف  يعطي  الوقت  معنى  الدخول  في الوقت ..

هناك من يسمع هذا الشعر ويرقص مع دفئه ، ذاك إنسان كان أكبر من فاصلة الحسد . وهناك من يسمع فيقطر وجهه سماً وحقداً ، ذاك مخلوق ما استطاع أن يبقي الإنسان في داخله . بين هذا وذاك مسافة .. الجمال يجب أن يشدّ الإنسان ويأخذه إليه . بينما لا يستطيع من سقطت ملامحه في مستنقع الحقد أن يحب الجمال والخير وكلّ ما هو استثنائي .. ودائماً تتكرر مثل هذه الصور .. في كلّ زمان ومكان .. لكن الفن الجميل يبقى رغم أنف الحاقد الحاسد ، لأنّ الفن أكبر من قانون الزمن والفناء .. لذلك أميل دائماً إلى إعطاء الفن كلّ ذاتي ، ولن أغير شكل خطواتي من أجل حاقد أو حاسد ، فأنا أكتب وأبدع للذين يحبون الحياة ، ويعشقون الجمال..

البوح الثامن

" نشوة الوهم "

" من سقط في عشق المعنى صار  دموعاً للإنسان "

قرر البعض أن الحب الرومانتيكي وهمٌ ، ربما تناسوا أن ما نتخيله وهماً أو حلماً قد يكون في بعض الأحيان حدساً في الممكن ، أو أنه رؤيا تكمن فيها بذرة الخلق . فالحب الرومانتيكي هو ذاك البوح اللاواعي الذي يتذبذب خافتاً على ارتعاشات الروح . وتبقى اختلاجة دمعة الحزن صامتة.

هذا الحب يشكل حالة الكتابة المتلهفة والتي نتواصل بها مع محبوب غير مرئي والاتصال به لا لشخصه فقط ، إنما لحالة الاشراق والنشوة التي يخلقها لنا . لأن الحب ليس له فعل الثبات ، ولا يحدد بشيء . إنه الحالة الدائمة للحركة والتحول والتي تولد حالات غيبية فيما وراء اللا شعور لأنه يؤثر في المشاعر  ، ويجمد الفكر . أما المشاعر في الكتابة تشبه لغة الموسيقا السرية التي لا نفهمها إنما نتواصل معها . فالشاعر يحترق كما المحب يحترق . وهما دائما الاحتراق كالفراشة العاشقة للنور ..

احترق اراغون بعيون اليزا .. واحترق قيس بعيون ليلى . واحترق الصوفي بعيون الله . وكما يحتفظ الشاعر بمعنى علاقته الحية مع الحبيبة الرمز . كذلك يبقى في حالة هيمان دائمة بين الجنون . والحلم . والكتابة. لأن الكتابة تحول وهم الحب إلى معنى وتحول حبر الورق إلى حبق بين رموش الاخضرار .

واعتبر البعض الجنون في بعض حالاته هرباً من الحياة العادية . وفي الاعتقادات القديمة أن المجانين قد مسهم الإلهام . وفي معظم الأحيان هم: أهل النبوة والحكمة والشعر.

أما شكسبير فقد قال : المجنون . العاشق . الشاعر.جميعهم مصنوعون من الخيال .  15/1/1998                            

                                      

        في الزمن الثامن :

نشوة الوصول ..

تلك قامتي أزرعها في مسافة الذكرى فتجوع لبقية من سؤال .. وأزرعها في زبد الفوضى فتورق على الشاطئ حلماً من خيال .. وأنسى في لحظة الوجد أن أكتب على ورقة الصمت أنّ روحي ما عادت تتسع لغير الحب..

هل يكون الحبّ الرومانسي وهماً ؟؟ هل يعني ذلك أن نمدّ الشبك لنصطاد السمك السابح في الهواء ؟؟ .. يصعب أن نغلق الباب على كلّ ما كان من حب رومانسي بدعوى ترتجل الأحكام في غياب من يطلق الأحكام عن خوض التجربة حتى الاشتعال .. لا تسألي من لا يعرف الحب عن متعة العشق ، ولا تسألي من لا يعرف الجمال عن روعة العطر في وردة .. فالكلام من فم إنسان ذابل لن يكون غير كلام ذابل !! لذلك حاولي أن تفهمي الجرح من صاحب الجرح ، ونغمة الناي من إنسان أدمن الالتصاق بثغر الناي.. كلّ شيء لا يكون خارج معناه ، ولا يكون خارج مجراه ..

لا يهم كثيراً أن يكون الحبّ وصفاً على شفة باردة ، أو تعريفاً في سطور جافة . إذ يعرف المحب من لمسة الحرف، إن كان صاحب الكلام عاشقاً أم مجرد راقص فاشل في زمن لا يناسب روحه ، وفي وقت لا يناسب جسده ، وعلى موسيقى لا يفهم شيئاً من وقعها ودفقها وجنونها..

الحب يا ليلى جنون .. والجنون انطلاق .. والانطلاق حب .. تكتمل الدائرة كلّما عاد المطر إلى وقعه الصحيح ، وكلّما عادت الوردة إلى عطرها الحقيقي.. لذلك ندمن الحب ونكتوي بناره حتى الاحتراق فرحاً .. يصعب أن يفهم الآخرون كيف يكون الاحتراق فرحاً !! لكن ماذا يهمنا ما دمنا نفهم ما نريد أن نفهم ، ونعرف ما نريد أن نعرف ، ونعشق كما نريد أن نعشق .. وما دمنا في سعي لا يفتر باحثين عن نشوة الوصول التي ستبقى الكأس المستحيل !!

زمن البوح التاسع

" حلم للمعنى "

" لك قربٌ مني ببعدك عني    وحنو وجدتُـــــه في جفاكا

 عــلَّمَ الشوقُ مقلتي سهر الليل   فصارت من غير نومٍ تراكا

                                       (ابن الفارض )

أحلم أن أكون الجنية العاشقة التي تُروى عنها حكايا الليل ، أو السمكة المتمرغة بين عيني البحر . من الزبد أملأ سلال الياسمين ، ومن الموج غضب البنفسج وغمامة الروح ترسم للحبيب ألف لون على ثنايا المسافة . وأتمنى ألا أراه .. ألا أعريه .. حتى لا أُفقد طقوس الحب رمزيته ..

دائماً أنت محاصر ضمن دائرة أسئلتي ، ومع ذلك لن أسرب إليك أي سؤال لأني لا أرغب أن أصنع منك حلماً حقيقياً ، لأن الحلم الحقيقي يولد لي كائنات مشوهة ، سأصنع حلمي من غرغرة شفاه حروفك التي تغني مع كل فجر لسقسقة العصافير المهاجرة ..

وظاهر ما أراه لا يهمني ، لأني عقدت فعل اتحادي مع المعنى وحاولت الاختلاء به في كلماتي ، لأن الحياة الحقة تحيا في براءة الحرف فتخلق جدلية العمق من الأحساس . هكذا أرسم لوحات كلماتي الغجرية الألوان ، والنص لديّ حر  ليكن شعراً . أو قصة . أو همسة . أو خاطرة. أليست الطبيعة حرة في ألوانها ، ومتجددة باستمرار ..

لقد سُلبت الكثير في هذه الحياة . ولم يبق لدي سوى : الحرف والحب والعطاء . ولا أريد أن أعرفك كما يعرف الآخرون بعضهم ، إنما معرفتي لها خصوصية مميزة ، لأني سأكتشفك من خلال أحاسيسك ، أليس الحب معرفة كلية وكشف وتجلٍّ ، ولا تهمني الأنثى في حياتك طالما أحمل البعض من الرمز الانثوي..

السهروردي ـ شيخ مشايخ الصوفية في عصره ، كان يصعد جبل ـ عرفات ـ فلما رأى خلقاً كثيراً قد تبعه قال لنفسه: أو تحسبن أن مكانتك عند الله كما يتصورها هؤلاء الناس ؟.. ظهر ـ ابن الفارض ـ أمامه وقال له: إني أحمل إلى قلبك رسالة سعيدة ، اخلع ثيابك كي تظهر شكرك لله. لقد كنت موضوع تفكير من تهواه  على الرغم من كل ما فيك من عيوب ونقائص . فخلع الشيخ ثيابه .. ودخل الحرم .

                 

                         27 / 2 / 1998

في  الزمن التاسع :

 معنى الحلم / حلم المعنى

ربّما يستطيع العاشق أن يصطاد الفضاء رغم اتساعه بقصيدة شعر .. وربما يستطيع الشاعر أن يجمع كلّ العشاق في فضاء قصيدة من ذهب الربيع ..

تريدين أن تكوني، وأريد في فسحة الحلم المفتوح على فضاء الروح أن أكون .. ولن تجدي في كلّ حقول الورد البريّ وردة تشبه قلبي ، أو صرخة يمكن أن تملأ الفراغ الواقع بين فاصلتين مثل هطول حروفي حاملة مطر المكان والزمان ..

هل غامر العاشق فترك على شرفة الوقت بقية من سؤال؟؟ أم أنّ العصافير رفّت فزفّت لمناديل الوداع لحظة لقاء ؟؟ يشبه الوقت أن تدخلي بين ضلعين من حبق الصباح كي تشربي قهوة النهوض الجميل الجليل .. أحبك وأشعر أنّ الحرف يلغي في فصل الغناء كلّ الفواصل كي ينقر عند كفيك أحلى موسيقى في الوجود .. ولا أدري إن كنت أشعل فتيل الحلم في فضاء المعنى، أم فتيل المعنى في فضاء الحلم ؟؟ لغتي تشرب نخبَ نهوض الحرف دالية من عنب الذهول . ولغتي تخلع ثوب الوقت كي تتخطى الزمان والمكان حين تشكل وردة حلم .. لماذا شرّش الوجد في قلبي إلى هذا الحد ؟؟ أفهم أنّ صدري كلّ بساتين الورود ، وأفهم أن عمري كلّ نداءات الحبّ الذي لا ينام .. وألف مرة أعيد دحرجة كرة الحلم ، فتضحك عيناك في عيني.. هل أستعير من الوردة سرها كي أكتب صباح الشوق ، أم أستعير من الوعد ذهوله كي أرسم طائراً يترك جناحيه على سحبة الفضاء.. لا شيء يشبه ظلي ، ولا ظلّ في المكان غير امتداد النداء ، أعيدي للحلم معناه ، وللمعنى حلمه .. فالشبابيك استفاقت على ندهة الشوق وأشرعت للعطر ألف خَفقة ودفقة وذراع ..

زمن البوح العاشر

" للحب نبيذه "

قال بريتون ـ لا حل .. خارج الحب ـ

علمني الشعر أن الحب الأبدي هو الخير المطلق .. وهو جسد الإنسانية. نرتعد من برد أنفسنا، لأننا لا نعرف أن نشرب من بحيرة الحياة الممتعة رشفة تلو الأخرى . فالكل يريد أن يشرب جرعة واحدة . لذلك دائماً هم في ظمأ . لماذا لا ننظر إلى الشمس فهي أكبر حقيقة منظمة في الكون ، وترتدي ثوب إخلاصها حتى لا تنسى أحضان الغروب كل أمسية. ما أشد حزن النهار دونها ، وفرحة الليل بغيابها . رغم أنها ترمي للمساء ثوب الحداد وتمضي .

الكل يتوارى عن طريقنا بفعل الزمن . ولكن القمر يبقى مرافقاً كبيراً مستديراً صافياً ، ويرسل غمزاته لشجرة الحب السرمدية ، ويتوج رأسها بسحائبه البيضاء ، وما تبقى من الغلائل الوردية يمنح للعاشق منها رائحة الليمون المنعش ..

قد لا ألقى الذي أحب ، والذي لا أعرف ، لأن ـ الشبلي ـ أدخلني مملكة كتمانه وأنشدني : " صح  عند الناس  إني  عاشق    غير  أن   لم   يعلموا  عشقي   لمن ؟ .. " .

وقد لا ألقى الذي أحب أبداً . لأني أخاف الانتظار على شرفات الشوق ، حين يموت ويحيا الانتظار القلق في أنفسنا . سأترك الليل يتضوع شذى قمح كروم العسل ، والحضور الخفي متسرباً في نبض العالم كله ..

ألم يكن المسيح مثل النبيذ ـ يفتح قلب الإنسان بالمحبة ـ حتى يسع العالم كله . فالحب هو نقطة انطلاق تجربة بالنسبة للشاعر ، لأني مؤمنة بالشاعر مستقلاً بفنه وحبه عن جميع المعتاد والمألوف . لأنه في كل نقطة من تجربته يحيا لحظة توهج مع افتتان الفؤاد ، وسحر الخيال . ونبض الحرف . هذا ما يقوده إلى ابتداع صورة الجمال من هالات الحب المضيئة..                 1/3/ 1998

في الزمن العاشر :

 مرايا الحبِّ الجارح

هل كان عليَّ أن أمضي في زمن البوح إلى هذا الحدّ ؟؟ أحاول أحياناً ترتيب شجر المكان، فيرتبك شجر الزمان .. يصعب أن أفتح بوابة قلبي على مطر الوقت الذي كان ، وعلى مطر الوقت الذي يكون .. ويصعب أن آخذ في تفتيت كلّ  الحكايات كي أشكّل في النهاية صورة من صور الروح.. أحياناً أسأل : هل كتبتُ الشعر كي أحب ، أم أنني أحببتُ كي أكتب الشعر .. أليس غريباً أن يأتي السؤال على هذا الشكل؟؟ ..

حين أمدّ أصابعي لألامس بعض فيء الورق ، تضحك الحروف مشعلة ذاكرة الوقت الطويل . ومن زمن ما ، في مكان ما ، ينبت هذا الصبيّ في حي شعبي من أحياء دمشق.. تركض الحارات والأزقة والبيوت .تنزف الشبابيك عطر وعد.أرأيت إلى الشبابيك وهي تنزف وردة وحلماً وزقزقة نور ؟؟ ..

كان حيّ الشيخ محي الدين طازجاً بما يحمل من رائحة الزمان الجميل .. لا أدري الآن إن كانت الذاكرة كعادتها تلون الماضي بألوان براقة زاهية ، فنقع دائماً في شباك حب الذي كان.. بينما ننسى أو نتناسى حلاوة الوقت الحاضر الجميل .. ربما بشكل ما ، نحب دائماً أن نعود إلى ما مضى .. وربما بشكل ما ، نحبّ أن نبني الماضي بالشكل الذي نريد ..

أعود إلى المكان ، ومن صورة البدء آخذ جمرة الروح ، ولا أفارق في هذا وتر الشعر .. فالمكان يستطيع أن يزرع في الدروب الشعر حتى التوقد ، كما يستطيع أن يمسح كلّ ملامح ومعالم الذات الشاعرة .. وهناك إلى جانب المكان صورة أنثى عندها يرتبك القلب ويشعل فتيل النبض الاستثنائي الذي لا يشبه أي نبض .. وحين أعود الآن إلى الشعر لا أستطيع نسيان صورة واحدة من صور المكان وأشخاصه . ودائماً تشغلني صورة أنثى استطاعت في البدء أن تشكّل ولع الصبيّ الذي كنته بالشعر .. يومها كانت المعادلة مقلوبة ، فكان الشعر وسيلة ، وكانت الأنثى غاية . كنت أكتب كي ترضى . ولا أدري إن كان الشعر وقتها قادراً على حمل صوته بالشكل الذي يصل بالكتابة إلى ما هو شعري أو شاعري ..

كنتُ مسكوناً إلى حد ما بهاجس اللعبة التي لا تعرف أين البداية وأين النهاية . إذ كانت الحدود وقتها أكبر أو أشدّ اتساعاً من قدرتي على المحاكمة الصحيحة . لكن في كلّ الأحوال، كان الشعر جسراً ينقلني إلى الأنثى . ولا أدري الآن حقاً عدد اللواتي كتبت لهنّ الشعر ، لأن الأسماء كانت كثيرة ، والوجوه كثيرة ، وعصافير الفرح كثيرة .إذ كانت الأنثى مأخوذة بأن تكون مدار قصيدة ، وكان الصبي مأخوذاً بالتفاف الإناث حوله .. كان وقتاً رائعاً .. وكنت أفتح صنابير الشعر لتسكب في الكأس عسل الكلام ..

منذ سنوات ، أحرقت دفاتر كثيرة كانت تضمّ الكثير من قصائد العشق في زمن مضى .. لا أدري الآن إن كنت آسف على حرق القصائد ، أم أنني آسف لأنّ القصائد أحرقت أصابعي. إذ في كلّ الحالات ، ومع كل قصيدة سقطت على حدّ النار ، كنتُ ألغي خطوة من خطواتي، وأمسح عن زجاج الوقت حلماً أو نفساً من أنفاس الوجوه التي سكنتني ذات يوم ، وبعضها ما زال ..

الآن وبعد أن صارت كتبي تأخذ شكل ملامحي ، أضحك لتلك الأيام التي مضت، أعترف أنّ الشعر صار أكبر من شجرة وأجمل من وعد . وكم يطيب لي أن أضع صورة عمري على غلاف كلّ كتاب .. لأنّ الأوراق التي بقيت ، والأوراق التي احترقت ، تشكل ما وصلتُ إليه. ولولاها ما كان لي أن أقف الآن مليئاً بالشعر الذي يملأ المكان والزمان. وإذا كان البعض يفخر بأنه صنع من الشعر نصف حقل من حقول العطاء ، فأنا أفخر بأنّ قصيدتي تستطيع أن تملأ العالم بالدفء والحيوية والأمل . أجل صار شعري قادراً على تجاوز الكثير من شعر الآخرين ، لأنني سقيته سنوات عمري بعاطفة قلّ أن تجدي لها مثيلاً ، وسقيته من دفقات  قلبي حباً لا يعرف الانطفاء ..

هل كان الشعر بعد كلّ ذلك قامتي وصورتي وصوتي وملامحي ..؟؟ أجيب ببساطة أنّ الشعر سكنني وسكنته ، أخذني وأخذته ، أعطاني وأعطيته . لذلك يصعب أن يكون أقلّ قيمة من مجموع ذاتي . فالذات الشاعرة تسقط إذا كانت غير قادرة على ضخّ الشعر ، والشعر يسقط إذا كان غير قادر على ضخ الذات . وفي كلّ معادلة جديدة ، يكون الشعر سيد المكان والزمان ، وتكون الذات الشاعرة روح القصيدة وريحانها ..

أعيد ترتيب المكان .. وأعيد ترتيب الزمان .. وأعود دائماً إلى صورتي وصوتي لأقول إنّ الشعر لم يفارقني ، ولم أفارقه .. كان العهد بيننا أن نستمر في التداخل حتى الاندماج، وأن ندخل في التوافق حتى الارتفاع إلى الأعالي . وحين يقرأ الإنسان شعري ، لابدّ أن يجدني عند كلّ حرف . حضوري طاغ ، وحبي للشعر كبير .. لذلك أقول كلّما سئلت: الشعر هو الأول بين كلّ ما أكتب ، والبقية الباقية من رواية وقصة ومسرح ومقال تأتي بعد المعشوق الأول الشعر ، وهل هناك أجمل وأحلى وأروع من الشعر؟؟..

هل تحدثت عن الصبي الذي كان .. هل رويت حكاية المكان الذي زرع في داخلي شهوة الشعر ؟؟ وهل قلت إنّ الحب كان جارفاً وجارحاً ؟؟ ربما كان علي أن أقول كلّ ذلك.. لكن في المقدمة يبقى القول إن الشعر كان ربيعي الدائم وما زال ..        28/4/1998

زمن البوح الحادي عشر

" بعض من الحب "

قيل " " صبر المحبين أشد من صبر الزاهدين "

الريح عذراء المسافات تصفر لحنها اللطيف ، والأنهر خرارة بشدوها للحمامة البيضاء الآتية بغصن على تجعدات خصل الهيام إلى فلك ضائع . للبوح سرية الرمز ، يعطي الحياة ويفنيها، وعلى زهر صدري يورق كرى الحلم ، وبأصابعه الهادئة يمس جراح جدران وحدتي .

زارتني الحمامة المغردة على رموش ضفاف الحروف الخضراء ، فكشفت لنسيم الصبا مرام القلب ..

عينان غائبتان على أضلع الفرح ، ومبثوث الشعر ينثر رذاذ المحب . يتوقف كل شيء حولي. والغرباء وحدهم نسوا أن  يملأوا سلالهم من عناقيد كرومنا ، رزم المعاني تغمس الروح بنبيذ الحروف . ما أقرأه  وما تكتبه كلامٌ أم أنفاس سحر مزروعة بين الصفحات حتى جعلت تباريح الصبابة توحدني بالشعر والخيال بين مسننات المسافة . والورقة .

رغم  أني لا أعرفك .. انظر في الآخرين .. وأفكر بك .

العالم الفرنسي ـ لابلاس ـ

عندما حضرته الوفاة ، لام أصدقاءه الذين أرادوا تعزيته بشهرة كتبه واكتشافاته . فقال لهم آسفاً : إن هذه الأمور ليست كل شيء في الحياة . فلما سألوه : ما هو أهم شيء في الحياة ؟ أجابهم وهو في النزع الأخير ـ الحب ـوالكثير من الفلاسفة شبهوا المرأة : بالماء والتراب  .  وشبهوا الرجل : بالنار والهواء .       11/ 3 /1998

البوح الحادي عشر

بعض من القلب ..

يصعب أحياناً وصف ما لا يوصف .. كان عليّ في سدّة الحلم أن أدير كلّ عقارب الساعة نحو انتصاف النهار .. كم من المرات كان عليّ أن أحب .. تقع الرسائل دائماً في حقل الوجد فتزهر .. كان عليّ منذ أن فتح الشاعر في ذاتي عيناً تنظر إلى كلّ الأشياء بحنان وحميمية ودفء أن أدفع عمري في طريق عشق لا ينتهي .. ولا أحد يستطيع أن يفهم كيف يحب الشاعر ، وكيف يستطيع في لحظة أن يكون قلباً بحجم العالم ..

تأخذني كلماتي .. أنسى وقع خطواتي على الأرض .. أقطع المسافة بين روح وروح ، أضحك حتى ازدهار العبق ، آخذك حتى اشتعال الياسمين .. وأعرفك أكثر مما أعرفك .. أغرق ذاتي في تفاصيل البوح حين يكون السطر خطوة تنفض عن عمري غبار الوقت .. الأشياء التي تقرب بيننا تكاد تملأ كلّ المسافة والمساحة ، فلماذا لا يصهل حصان الورد في حقول القرب أكثر..؟؟

أقيس أحياناً طول الشجر الواقف على رصيف عمري ، وأضحك . أشتهي بصدق أن أختصر كلّ الأشجار بشجرة واحدة .. لماذا حين أنظر في المرآة أرى كلماتك وملامح وجهك بدل وجهي ؟؟.. هل على الكاتب أن يكسر كلّ الحروف وجداً كي ينهض حبق الكلام ؟؟.. أعيدي إليّ رائحة الصبر فقد ضيعت في الوصول إلى الطريق قبل الأخير روحي وانتظار عمري.. أعيدي إليّ كلّ الشموع حتى أشعل أصابعي على سطر يكون بحجم حبي .. وأعيدي لي فمي كي أقول الكلام الذي أريد أن أقول .. ربما كان عليّ أن أقدّم بعضاً من القلب ، أو بعضاً من الحب .. فهل فعلت ؟؟ لكِ يا ليلى  أن تزرعي قمح السؤال على أصابعي لتزهر الدروب بألف جواب ..

زمن البوح الثاني عشر

" للبنفسجة سرها "

" ليس في الرؤيا وقفة .. ولا عبارة "             النفري

هناك نزوع مشترك يجمع بين " الصوفي . القديس . العاشق ـ نحو الاتحاد بالمعشوق . فالفن يرضع من أثداء الحب ، ويتفق معه على انزياح حب الجسد حتى يرتقي به إلى نشوة الاندهاش بالمطلق ، والارتعاش مع الروح .

والفن يثمر حين تُهيّم على الهام الفنان ربة وحيه ، أو آلهة فكره .

وربات الفنون هن ـ الميوسات ـ المتوجات بالبنفسج وهن تسعٌ ، والإنسان الذي يلهمونه يعتبر مقدساً ، وقلوبهن تهفو إلى الغناء ، وروحهن لا يشغلها شاغل ، وكل إنسان متألم في أعماقه حين يسمع ـ الميوسات ـ لا يعود يتذكر منغصات عيشه . فالشاعر ، والموسيقي، والأديب ، والفيلسوف . والرسام الانثى المصطفاة له يخلد فيها ـ الطهر . والرمز . هي ـ كعشتار ـ رموز البدء وحبال الخيال تدخله إلى مملكة الأحلام ، وقلاع الرؤى ، وتربة اللقاء. فيحقق نشوة وجد الغبطة ـ بلوحة ، أو قصيدة ، أو لحن .

وقد كان ـ زيوس ـ العاشق الأزلي لعذارى الشعر ..

هكذا نحيا تواصلنا الداخلي العميق من خلال الشعور الذي يوصلنا إلى حالة الكشف والتجلي وإشراق الدهشة .

هكذا هاجرت إلي عصافيرك وسألتني : لِم تزقزق أغانيك على أهداب الأشجار ؟ أمد لحروفي أجنحة فتحوم مسافرة إليك ، وتحلق فتذوب المسافات بيننا كما ذاب الشمع تحت أقدام ـ ايكاروس ـ ذلك الطائر بجناحين ملصوقين بالشمع فلما ذاب الشمع تحت أشعة الشمس سقط في البحر .

تنزلق الكلمات على كتف الغيوم ، وتمشط شعر الموجة المتهدل . ووردة الغياب تشرد خصل الشعر على رياح غادية آتية .

الزمن لديّ طيف يرقص ثم يتلاشى ككل شيء إلا الكلمة التي تكسر عزلة الروح وبدل أن أضيق العالم حولي تعودت أن آخذ العالم كله بين ذراعي . وحقيقة الحياة الوحيدة هي في عدم انقطاعها عن الاستمرار .

وتعودت أن أتلو حروفك التي تهلّ ببوحها الشعري :" لن تكون هناك غير واحدة افرد لها صفحات روحي من بوح الذات لها . ما دمت تداخلين نبض القلب بشجر الروح " .

                                         19/3/1998

البوح الثاني عشر

حكايتي مع الشعر ... حكايتي مع القصة

ـ أ ـ

في حوارات كثيرة ، وربما في كلّ حوار معي ، كان يطرح السؤال على هذا الشكل أو ذاك ، للاستفسار دائماً عن سبب توجهي للتنويع في الكتابة الأدبية ، وصولاً إلى القدرة على التماهي مع كلّ الأنواع .. والسؤال الأكثر تحديداً كانَ يقول : أين تجد نفسك أكثر ، في الشعر ، أم في القصة القصيرة ، أم في الرواية ، أم المسرحية ، أم الأغنية الشعبية ، أم النقد الأدبي ؟؟ ..

والإجابة بكلّ بساطة تقول : إنني أجد نفسي في كلّ ما أكتب ، وطبيعي أنّ وصولي إلى ما وصلتُ إليه ، لا يمكن أن يكون بعيداً عن واحد من هذه الأنواع . إذ أنّ أي تجزيء أو فصل، يعني انتزاع جزءٍ من شخصيتي الأدبية الإبداعية ، وهذا مرفوض تماماً . لأنّ حالة الاكتمال عندي تتطلّب وجود كلّ الحروف التي شكّلت مسيرتي الأدبية . ولا أستطيع التنازل عن أي حرف . وإذا أردتُ الحديث عن جزء من التجربة، لا التجربة كلّها ، فربما الأقربُ إلى البال والنفس والذات ، أن أتحدث عن الشعر والقصة . حيث أجد ميلاً إلى النظر أو القول بأنّ هناك تكاملاً بين الاثنين ، فالشعر عندي يؤدي إلى القصة ، والقصة عندي تؤدي إلى الشعر .. وإذا لم أفرغ شحنتي الإبداعية في الشعر ، أستطيع دون تردد أن أجد مبتغاي في القصة ..

ـ ب ـ

لا أذكر تماماً متى بدأت خطواتي الشعرية الأولى في التكوّن . لكن على الأرجح أنني كنتُ في نهاية المرحلة الإعدادية عندما كتبتُ الشعر . ربما جاء ذلك من أجل حبيبة ما ، ثم تطور الأمر ليكون الشعر غاية . طبيعي أن البداية في الإبداع لا تخرج عن خطّ الشعر . فأكثر الإبداع يبدأ شعراً ولا ينفصل في هذا الجزء أو ذاك منه عن الحب والعشق وما إلى ذلك . لا يعني هذا شعراً كامل النضوج ، ولا يعني انحيازاً نهائياً للشعر دون سواه . إذ كثيراً ما يكون الشعر بدايةً لتشكيل ملامح المبدع في حالتها الأولى . وبعد ذلك ، يكون النضوج أو الاكتمال ، من خلال انحياز كلّي لهذا النوع أو ذاك .. لكن دون ضرورة التفرّغ لنوع واحد ، كلازمة لا مكان لسواها في الإبداع .. والخطأ الأكبر ، يكمن في القول : إنّ التوزع ، يعني أن يقف المبدع في الوسط من كلّ شيء ، دون القدرة على التفوق في هذا النوع أو ذاك .‍!!..

ـ ج ـ

لا أريد الخروج أو الابتعاد عن حدود التجربة الذاتية .. وحسب ظني فإنّ التوزع لا يعني الانتقاص من هذا النوع أو ذاك ، كما أنّ الوقوف عند نوع واحد لا يعني بالضرورة ، أن يكون الانتاج متفوقاً جيداً .. فحركة الإبداع قابلة أكثر من أي شيء آخر ، لكسر أي قاعدة.. وأجمل قاعدة في الإبداع على الإطلاق ، هي الالتزام بالخروج عن أي قاعدة .. وكلّما كان عطاء الإنسان كبيراً مؤثراً ، كلّما كانت بصمته أكثر ظهوراً ووضوحاً وقدرة على البقاء والصمود ..

ـ د ـ

قلت إن الشعر كان أسبق بالنسبة لي . لكن أستطيع القول إن القصة كانت حاضرة في حياتي ووجداني إلى جانب الشعر دون محاولة كتابتها في ذلك الوقت المبكّر . كنتُ أحبّ أن أحكي الأشياء بصيغة قصصية ، وأجد متعة لا تماثلها متعة حين أستطيع جذب انتباه المحيطين . إذن كانت القصة واحدة من أدواتي الإبداعية الأولى في زمن يقترب من عالم الطفولة ، لكن دون الخوض في تجربة الكتابة .. بينما كان الشعر أقرب إلى السطور والخروج إلى النور . إذ كان من الطبيعي أن أوجه القصيدة إلى طرف آخر مقصود ، وهذا يعني كتابة القصيدة .. أذكر أنّ أول ديوان شعري لي صدر في العام 1974 بعنوان  (( لحن على أوتار الهوى ))  وكانت أول قصة مطبوعة قد ظهرت على صفحات (( الثقافة الأسبوعية)) أيام الدراسة في الجامعة .. وربما كان موضوعها على ما أذكر ، عن هذا الطالب الذي يجلس في بوفيه الجامعة مدهوشاً مأخوذاً ـ أقول ربما  لأنه يصعب الجزم تماماً ، بعد سنوات قد تكون طويلة إلى حد ما ..

ـ هـ ـ

ربّما كانت البيئة الشعبية ، بكلّ ما تحمل ، هي الخزان الأول الذي آخذ منه الكثير من صوري وشخصياتي وأحداث أعمالي .. فقد عشتُ طويلاً في حيّ الشيخ محي الدين ، وهو من أشدّ الأحياء الشعبية امتلاءً وغلياناً .. ولا أستطيع إلاّ أن أذكر ملامحي المزروعة في هذا الحي .. وكان قرائي على الأغلب ، من الأصدقاء في هذا الحي .. ثم كانت الدراسة الجامعية ، فالعمل في صحيفة (( تشرين )) ثم تسلّم المسؤولية الثقافية في مجلة (( صوت فلسطين )) لتتعدد المشارب وتتلون . وأظنّ أنني بعيد كلّ البعد حتى الآن ، عن أيّ تصنيف أو تنميط أدبي يضعني في هذه المدرسة أو تلك ، وفي هذا المذهب أو ذاك .

كتبتُ للوطن ، وكتبتُ للحبيبة ، وكتبتُ للإنسان ـ وما أزال . دون أن أضع يافطة تعلن أنني أنتهي هنا أو هناك . فأنا بالدرجة الأولى شاعر وقاص ومبدع .. وأي تصنيف أو توصيف نهائي ، يعني إصراراً على إدخالي في قمقم أرفض أن أكون فيه في يوم من الأيام ، ولن أكون . إذ أشعر، وهذا من حقي ، أنني أكبر من كلّ المدارس والمذاهب الأدبية ـ والتسميات تبقى تسميات تخصّ الآخرين ، ولا علاقة لي بها..

بعد تسعة عشر كتاباً مطبوعاً في الشعر والقصة والقصة القصيرة جداً ، والرواية ، والدراسة ، والنقد .. أستطيع الاعتراف أنني إنسان مجرّب في الفن والإبداع والكتابة .. الشخصية القصصية عندي تأتي لتقول كلّ ما تريد وتذهب دون أن تأخذ إذناً مني في كثير من الأحيان.. كذلك الشعر ، فالقصيدة قد تكون عمودية ، أو قصيدة تفعيلة ، أو قصيدة نثر .. طويلة أو قصيرة .. وقد تكون ذاهبة حتى العمق في التجريب كما في ديواني المفتوح زمنياً ((ومضات)) الذي أتى على شكل بطاقات .. ومن يقرأ القصة القصيرة جداً ، قد يطّلع على حجم التجريب عندي .. وكما قلت سابقاً لا أحبّ الركون إلى شكل نهائي يضعني في توصيف نهائي .. أحبّ أن أكون حراً ، كامل الحرية على الورق .. وبعد إنجاز العمل، يصبح ملكاً للآخرين ، وهم الأحقّ بنقده أو وضع قيمة له .. وحتى هذا الأمر لا يعني الكثير لي بالنسبة لما أنجز من عمل ، لأن المنجز منجز في كلّ الأحوال .. بينما يمكن أن أستفيد في أعمال أخرى قادمة ..

ـ ز ـ

ما كتب عني حتى الآن يقول إنني مغامر ، مجرب ، خارج عن أي نمط .. أقول : ربما .. ولا أدري إن كانت بعض القصص أو القصائد تحمل شيئاً من ملامحي أو صورتي أو تطلعي .. لأنّ كلّ شيء في النهاية جائز .. ولا أظن أنّ هناك أدباً ينفصل عن حياة الإنسان بشكل نهائي .. لأن الأديب لابدّ أن يحمل في النهاية صورته ، أو حلمه ، أو شيئاً من خياله .. وفي هذا أو ذاك، يبقى الأديب تجربة ، في قصة كان أو قصيدة.. ويبقى الأدب هذه الواحة الأجمل في العالم، مهما ضاقت المساحات .. لأن الأديب يستطيع من خلال أدبه أن يضع في ورقة بيضاء العالم الذي يريد.. وتلك نعمة لا تتوفر لكلّ إنسان ..

زمن البوح الثالث عشر

" للقلب فجوة "

" الحزن كل الحزن في أن نعبر الحياة من غير أن نحب"

فالحياة  تكون  أكثر  حكمة  ليست  في  العقل  بل  في المحبة .

ومتى تصبح بلا قانون ؟  ونختصر القوانين جميعها بقانون جديد اسمه ـ المحبة . الروح ستفنى مع الجسد فلماذا لا نحقق فرحتنا ونغمر بها الآخرين .

وجدت سعادتي دائماً في اسعاد الآخرين ، ولكني كنت محتاجة لسعادة الجميع لأكون سعيدة. لأن إيماني ينبع من أن كل شيء يتألق بالعطاء . وينبع من المحبة . وأعظم قوة هي قوتنا الذاتية. لذا عشت مع ذاتي رغم أني تعاملت مع بشر ، وابتسمت لبشر لا أشك أبداً في سخافاتهم ونفوسهم الجائعة إلى الحب ، كانت ضعيفة ، وأرواحهم مشوهة بالشر ، والأنانية والثرثرة . لِم لا نخترع خطوات جديدة للتخلص من معاناة الحياة الصعبة ؟؟  أحياناً أحس بالغربة ، أو أنني شبه منفية في هذا العصر . وهذا الشعور يجعلني أحس بالملل مع الآخرين والنفور في أكثر الأحيان..

أتمنى أن تقفز الطفلة المشاكسة في داخلي لتعبث وتلعب وتركض في براري لا حدود لها .. وحين أعود إلى واقعي وثقل السنين أتعب أصبح حكيمة هادئة متزنة ، وأدخل بوابات الصمت والتأمل ويشدني صمت الحزن إلى ذراعيه ، فأضم همومي الخاصة ودمعتي محروقة على خد ينتظر مسحة حنان صادقة .

الظروف الصعبة لا تقتل الإنسان القوي ، إنما تجعله عظيماً حتى في احتمال الألم ، وربما وحده المبدع . وغربته هي التي تفجر طاقاته . لا أدع الماضي يستوقفني . بل دائماً أفكر بأني لو سلبت هذه اللحظة لن أراها بعدئذ أبداً . فيمتلئ قلبي بالمحبة وروحي بالحيوية .

ـ امرأة لوط عندما نظرت إلى الوراء تحولت إلى تمثال ملح .. إلى دموع متجمدة ـ تباريح الجرح تسكن الألم . كما  أن الربيع يستند على عتبة الشتاء . الرغبة تبكي أحياناً  والظمأ يغرقني فأسكب عطشي على أوراق صامتة ولا أحد معي ..

الزمن جدول جارٍ أبداً ، وكل دقيقة تمر أقول لها أنت جميلة فتوقفي معي .. لا تسأل عن الضعف فينا بل عن حبنا..                                   4/4/1998

البوح الثالث عشر :

معاً للصباح الأحلى

 

يصعب أو يستحيل أن نعبر الحياة دون أن نحب حين نكون في  واقع الحال من الفضاء الحقيقي لما في كلمة الإنسان من معنى ..

أتخيل أحياناً أنّ الإنسان قلب ينبض ولسان يغني .. فكيف يسقط الحبّ خارج هذا الكيان الجائع أبداً لنور من صفاء الحب ؟؟..

لا أدري لماذا تضعين يا ليلى آخر فصول البوح في إناء من ندى الحزن المصفّى .. لا أريد أن أعيد ترتيب ضلوعي كي أهبك شعلة الفرح من روحي، بقدر ما أريد أن أبسمل على وردة قلبي كي تنبض في يدك آية نشيد لأمل لا ينطفئ.. هل كان علينا أن نقطع كلّ هذه المسافات كي نحرق في آخر المشوار نحلة الوعد ، أم كان علينا أن نبدأ من كلّ حرفٍ صياغة أغنية صباح جديد لا يعرف الانطفاء أو الركون لسكون لا يشبه السكون ؟؟..

يسرقني آخر سطر من شجرة بوحك (( لا تسأل عن الضعف فينا بل عن حبنا )) فيطيب لي أن أسرج العمر في اتساع المدى حتى لا أغلق كفي على فضاء لا يحتمل غير الفضاء ، أو على بحر لا يحتمل غير البحر .. فالشاعر لا يحب الكلمة التي تكون ذات وجه واحد ، وفصل واحد، ومعنى واحد .. بل أشدّ ما يكون حباً للكلمة التي تستطيع أن تقفز مع قفزة قلبه ، وتضحك مع ضحكة عمره ، وتشرب الشاي معه في الصباح .. تلك كلمة الشاعر ، وذاك مدى الوجد الذي لا يحد .. خذي فصول رحيلي في وقت اللقاء ، وفصول لقائي في وقت الرحيل .. ولا تفردي منديل وداع فأنا أكره الوداع .. هل اتسعت السطور لي ولك ، أم ضاقت ولم تستطع حمل ما نريد أن نقول ؟؟ كان بودي أن يتسع الحرف لكلّ فصول عمري، وأن يحمل الكلام كلّ دفء ذاتي.. ربما كان .. وربما ما زال في الإمكان أن يكون .. أحياناً يزفّ المطر نشيد روحي فترقص حقول عمري .. وأحياناً أشعر أنّ الحروف لا تورق إلا بين أصابعي ، فأرفع كأس الكلام وأشرب حتى الثمالة ..                              2/5/1998

زمن البوح الرابع عشر

( فوضى الذات )

قال النفري ـ بين النطق والصمت برزخ فيه قبر العقل ، وفيه قبور الأشياء ..

دخلت مملكة الفوضى ، أو توحدت بها ، أستحم في فوضى الحبر ، فوضى الاغتراب ، فوضى الصمت ، فوضى الحب ..

هو .. يخترق هذه الفوضى الضبابية ، يحتل مساحة من العمر متأخرة، لكن الزيتون نسي اخضراره الدائم في خفايا شعابها ..

تصحو الذات من لحظات الوهن ، لتختبر الاخلاص ، لتجرب نخب الوفاء ، لكأس الصدق نشوة الخمرة الصوفية ، وللنبيذ ارجوانه المعتق في مسارب النفس الهوّامة . كم يلزمها من الثبات ، كم يلزمها من الزمن لتعيد ترتيب طقس الذات المقهورة ولتمتحن الصدق فيه ، لتؤمن به ، أو لتثق به ، وسط ألغام الحروف المتطايرة وحرائق الكلمات الشاعلة والمشتعلة.. تعودت أن تغفو الذات الوهاجة على رماد الصفحات ، ورسمته بصور الكمال ، أليست هذه عادة المحبين ؟ حين باغت غابة صمتها العارية كانت قد نسيت حفيف الحنان ، كانت قد اختبأت في اصفرار ما تبقى من الأيام . اقترب أكثر منسلاً ليلامس الانثى الخجول المنزلقة من حصار الحواس هو .. عرف كيف يجسد مقولة " اوسكار وايلد " .ـ خلق الإنسان اللغة ليخفي بها مشاعره ـ

  بقي شوق المسافات ، وفرحها البريء ، وتراويح اسطورة حائرة من معابد ـ الاولمب ـ تراود ذهنها المشوش ، الوقت يهرب لفرط ما انتظرته ، ومن مشارف جوقة الآلهة قال لها ـ ايروس ـ إله الحب ..

" كانت الأرض شاحبة مجدبة ، فتناول سهامه التي تشيع الحياة في كل شيء تمسه أو تغيب فيه، ولم تكن إلا لحظات حتى اهتز وجه الأرض، وتشقق عن الخضرة والصفرة والحمرة ، فيبسم أشتات الزهر ، وتطن اسراب النحل ، وتغني الطيور . وأصبح كل شيء جميلاً ، واستيقظت الأرض ـ حبي ـ وأعجبت بكل هذه الآيات التي صنعتها سهام ( ايروس ) فضحكت وعرفت أنها ربة ثم أدركت أن شيئاً ينقصها .. إله ذكر .. فخلقت ( أورانوس ) .

هو .. كلما كتب تكتسي براعم اللغة بالاخضرار الربيعي المورق ، ويقفز صمت مراوغ بين الجمل المسترسلة . بينما صهيل الرغبة يوقظ نبض الاحساس .. فهل بقي على شرفات الزمن مكانٌ لخلوة حب ؟ ..

شرر الاحتراق يبهرها مستتراً في الذات ، يقف العمر ، تشيخ الأزمنة، وترجع طفلة المستحيلات تقفز على سياج العبث الجميل . لكن الابتسامة غائبة دائماً في هطول حزنها السري الدائم ، ستجرب معه الابتسام . وكم جربت الصمت لتمويه اخفاق العشق ، وبين البوح والآخر يتابع الوجد النواس ذبذباته ، مربكة اللغة . فتدخل الكلمات في ثنايا لحاف الصمت كي تحتفظ بالمشاعر التي ربما تكون أجمل في الغياب ..

تخرج من الذات المطعونة بسكين العشق ، تترنح على جدران مفخفخة بالتحدي .. كل دموع الأرض لا تغسل خوفها ، قلقها ، اضطرابها ، والقلب يطفئ سجائر البوح على رمال الحب المترمدة ، ديمة البوح المفاجئ تنهض بها عودي قوية ادخلي دورة الحب من الفصل الأول . وترتسم دوائر ودوائر الثنائيات المضادة أمامها ، والتي ما زالت قانوناً يحكم عالم الحب.

ـ الوفاء والخيانة ، الصدق والكذب ، الاخلاص والغدر ، الحزن والفرح ، العرس والمأتم ، وهل نختار شيئاً مما كُتب لنا على ألواح الغموض السرية ؟ ..

هو  رجل اللغة يتوغل معها في منعطفات ويمنحها التعابير الفضفاضة بحيث بدأت ترتاب باللغة ، وتشك في المعنى ، فاللغة ذات حدين ..

والمسافات تكبر علامات الاستفهام ، فأي مذهب من مذاهب الحب تعتنق وكانت صرخات كفرها ضجيج صمت . ربما تستعد للمبارزة .. فالحب لا يحتمل التفكير العميق .. والحب ذاكرة نسيان للخيبات والحماقات ، للفناء والبقاء ، ويبقى الحب جرحنا الكبير في مراجل الفقدان..                                             16/4/1998

 زمن البوح الرابع عشر:

في نفي النفي ..

قد يكون .. أو في الإمكان أنه يكون .. هل استطاعت شجرة الروح أن تضمّ في استنهاضها رائحة المطر وأن تأخذ ما شاءت من وقتٍ كي تداخل جنون الدفقة الأولى في سحر التوحّد مع ثمر البوح في دفقة حبرك الآسر الذاهل .. ؟؟ أعترف أنّ العناوين فقدت عناوينها ..

كان الصباح ضمة ورد في عينين من  مدى مفتوح .. وحين أردت تفسير مفردة بحجم الحب ضاعت التعاريف وراحت تبحث عن خفقة تشبه الموجة السحرية في كتاب الكون الشاسع الواسع .. يقولها الموج مفرداً ، وتقولها الفضاءات جمعاً ، وفي كلّ الحالات تأكيداً لما هو مؤكد ، وتثبيتاً لما هو مثبت .. إنه الحب .. وساعة الوقت تبلع ريقها كي يبقى طعم الدقائق حلواً ..

لا أريد أن أكسر زجاج العمر بحجر الوقت .. لعلّ أجمل اللحظات هي تلك التي تخرج من قاموس الزمن .. لا أحبّ هذا التحديق الطويل في عقرب يلهث ، وآخرين يتمطيان على مساحة الروح .. ألا نحاول قدر المستطاع الخروج من كلّ ما في الوقت من وقت ..؟؟

أحياناً وفي هدأة الليل ، يأخذ الزمن شكل الصورة المتداخلة الألوان .. تصبح لوحة ساحرة بما تحمل من حبق.. كلّما غاصت الألوان أكثر في تداخلها .. كلما انفتحت شهوة العمر لامتداد جديد.. هل أحاول تغيير وقع الأشياء .. هل أحاول تغيير قانون الرتابة .. أدّعي أن ربما .. فأنا لا أحب كلّ ما هو رتيب عادي مغلق .. وعندما أبحث ، فأنا أبحث عن سماء بغير حدود .. ربما هي روح الفنان ..

زمن البوح الخامس عشر

( طفرة بوح )

 وارحمتا للعاشـــــــــــقين تحمّلوا          ســـتر المحبة والهوى فضاح

 بالســـــــر إن باحوا تباح دماؤهم          

وكذا دماء العاشـــــقين تباح

 عودوا بنور الوصل في عنق الدجى         

فالهجر ليل ، والوصال صباح

                                       (( السهروردي ))

كيف بدأنا زمن البوح ؟..

حين نبت الحرف على أهداب صفصاف الغياب ، حين تبرعم الزنبق على شجر الروح . حين سمحنا لطائر الوجد أن يرمي رسائلنا لكل عشاق العالم ، حين ضفرنا لغة الحب جدائل وردية لقامات جسور الكلمات ، أليس الحرف كاللغم في ارض مجهولة لا نعرفها . كالحب تماماً ، قد نتعلق بأشخاص لا نعرفهم ، وثمة بشر لا نستطيع  أن نكتب لهم حرفاً واحداً ، أو نمنحهم لحظة ثابتة في زوايا الذاكرة .

وثمة أشخاص يدخلون الأنفاق السرية خلسة فتحدث لحظة اليقظة الذاتية وتتقد شهوة الكتابة النهمة ، وكما أني أحكم على الأشخاص والأشياء منذ اللحظة الأولى بحاسة لا تخطىء ، هكذا أندفع إلى الكتابة ، ولكن هل من جدوى للاحتماء بالكلمات فقط ؟ .. هكذا اندفعت إلى الكتابة بأصابع تلاعب الحروف على قيثارة الأحاسيس ، وقد تتجاوزني الحروف أحياناً مأخوذة بهذا السر الغامض والذي لا يقبل أي تفسير .. فالحب كالفن لحظات احتراق ذاتية ، ولحظات احتراق للزمن ، للعرف ، للمجتمع ، للأديان ، للمألوف ، دون أي مبرر منطقي يحتل إنسان ما مساحة اللا شعور ، دون أن ننتظر العثور عليه ، ويحاصر منطقة محرمة لا يدخلها أحد ..كيف أنبتَّ الياسمين على صدر الحجر ؟ ..

كيف غيرتَ ألوان البحر ؟ ..

صمت المحب يربك خارج حدود الكتابة ، ويجعل أسلاك الهاتف تغرد كعصفور شريد يدمدم بنبرات شجوه ، قلقه ، فرحه ، هذيانه ، ويبقى يحوم بلا عنوان في فضاءات الاندفاع العشوائي..

حضوره مربك على الورق بمحاذاة أنوثتها المحجوبة بخمار الصفحات، وحين يغادرها عصفور الحب المسافر أبداً ألا يمارس ساديته ، و يمارس ظلمه بقهر آخر ولكنه يتركها ليساهم في سعادة الآخرين .. وهل تستطيع الكتابة وحدها أن تعري  كل تفاصيل رجولته ؟..

ما بيننا لغة ، فهل تكون اللغة أجمل منا ؟ أجمل من قصتنا ، أجمل من أحاسيسنا ، أجمل من أمزجتنا ، أجمل من اندفاعنا ؟..

هو .. يبعثر ألوان لغة لا لون لها .. و لها  كل  الألوان ..

هو .. ينقط على شغاف القلب حروف الحب واللا حب ، يبعثر أوراق المعنى واللامعنى .. من المستحيل اعتقال لحظة الذهول التي يخلقها حين يشد معطف صمته ويمضي لا مبالياً ..

لماذا يثير فيها كل هذه التساؤلات  ، ولماذا يطوف بها حلقة الاستفسار  ؟؟ ولماذا يخلق لها حالة من حالات خروج الذات من حصار المنطق العقلاني ، لجامد الأسئلة المنهلة حالة عشقية غامضة تتقمصنا ، وتشدنا إلى الآخر المجهور بخيوط لا مرئية . الغموض يثيرني ، يشدني إلى حالات التوتر الخللي للأفكار حين أمتطي مراكب التيه على لجة تفاصيل لا أجد لها تفسيراً ..

أحب لحظة المفاجأة العشقية ، ولكن ماذا لو أخفى وراء الحروف رجلاً آخر أتابع قراءة بوحه الخاص مع العام لأتتبع  الاحداث ، إنها مغامرة جمالية المعنى ، وهذا هو خلطي الدائم بين اصراري على الطفولة وبالمضاد لها في الحياة .. هل يبقى طفل العشق يحبو في ذواتنا ولا يكبر ويتعقل ؟ .. وهل نبقى كائنات عشق حبرية .. اسطورية .. افلاطونية .. إذن علينا ألا نغادر الورق ..

23/ 5 / 1998

 

زمن البوح الخامس عشر :

 شهوة الكلام

هو الإنسان .. وفي الصيغة الأولى والأخيرة كلمة تعبر عن مكنون الذات.. كثيراً ما يكون الشكل الظاهري ذا بريق .. وما أن يكون الكلام ، حتى تسقط الصورة وتنكسر .. وتتمنى أن يبقى الشكل صامتاً .. لكن مع الصمت يكون ملل وموات .. ومع الكلام تنبت كلّ زهور الدنيا و ورودها و يصير الكون أحلى .. لكن  ليس  كلّ كلام ..

الشكل أم الجوهر ؟؟ يقفز الجواب أسرع من البرق ، الجوهر دون جدال ، فهو الدال .. أنت لا تستطيع ، مهما أوتيت من صبر ، أن تعايش شكلاً لا معنى لجوهره .. والجوهر ، إذا لم يكن جميلاً أصيلاً ، فلا قيمة له ..  أحياناً يصبح الكلام ثرثرة .. وكلّ ثرثرة تخرج بالتأكيد عن خطّ سير العطاء الجميل ..

كثيرات مررن في حياتي .. وكثيرون .. كنت أبحث دائماً عن العمق.. هناك في منطقة سرية بعيدة كنت أجد ما أريد ، أو لا أجد .. فإذا وجدت طالت الصحبة ومضت الأيام  و السنوات.. و إذا لم أجد انقضى كلّ شيء بعد حين ..

فالإنسان لا يستطيع أن يبتعد عن سحر وجمال ورونق الشجرة ذات الحروف .. والشاعر خاصة ، لا يمكن أن يذوب احتراقاً إذا لم تكن الشجرة بحجم حلمه ..

ربما عليّ في كثير من الأحيان أن أوضح ، أن أقول ، أن أشرح ، وكثيراً ما يضيع كلّ شيء في زحمة فوضى الآخر .. لا تكون صورتك ، كما أنت ، إذا لم تكن المرآة صافية .. وظني أنّ القصيدة لا تكون بكامل عطائها إذا لم يكن من نحب رائع الخصب والصفاء ..

هل ابتعدت عما أردت أن أقوله .. أظن لا .. فما زلت في حدود الحديث عن الشهوة للكلام الجميل ..

زمن البوح السادس عشر

( براعم الحب )

من هيكل السهروردي الثالث قرأت : الجهات العقلية ثلاث : واجب. ممكن . ممتنع . وغيَّبَ معانيه في منافذ رؤى المطلق الغامض ..

حاولت أن أغوص بأفكاره عبر منافذ الأرض ، وبوابات الحياة ، فكان لها لديّ تفسير آخر ، ـ الواجب ـ ضرورة الوجود وأحياناً نرغم عليه . ـ الممكن ـ ارتجال الحرف على أوتار اللغة . أما ـ الممتنع ـ في كل العصور هو ـ الحب ـ .

هذا الممتنع الساحر يرسم لي الغمام السابح في غربته وشاحه المزركش كلما هبط الليل ، وكلما غرد صبح ، إنه حالة الديمومة التي تتفتح كاشراق الإيمان في روح ضالة ، هكذا تبقى شموع معبد القلب في رقص نورها الأزلي الذي لا ينطفئ ، وتخرج الروح لاكتشاف هذا المعنى الغامض في سرية كل الأشياء فتختصر الوجود بمعنى واحد ثابت ـ الحب.

هو المعنى الحقيقي ، هو المحارب دائماً ، المعتقل دائماً في سجون التعذيب وزنزانة الأحكام الجائرة بقسوتها ، وهذا المعنى الذي اختصر كل المعاني للحياة ، ألم نخلقه نحن فيما لو لم يوجد؟.

لمسة الفنان لريشته ، وحروف الشاعر لنبضه ، والقلب المنتظر لهمسة حنان . وخيال المبدع ، كل هذا عملية خلق على وجنات الجمال ، وخمار حلم الخيال يلف جدائل الأزهار الوردية ، والبنفسجية ، لتتفتح براعم الابتسامة على  شفاه  كل  العشاق ، كما  تتفتح  رغبات الحياة ..

الوقوف بلا حب يشوه معنى الحياة ، ويفقدها أهميتها . والشكوى غير ذات جدوى ، لأننا نحن دائماً مسؤولون عن معظم آلام الحياة وليس الله . فالضعيف هو الذي يخاف ، ويتهرب من المواجهة ، ثم يحمل الله مسؤولية فشله ، أما القوي فهو الذي يقول لله .. كم أحبك من أجل اللاشيء .. وبذلك يتحمل مصيره لأنه من بشر ، والبشر تخطئ وتصيب، فلِم نرمي الأخطاء التي مارسناها على القدر ونخاف الله ..

كلما نظرت إلى السماء يطالعني وجهك سبحة تدفق وعطاء وصفاء ..

أقرأ بين خفايا الزرقة والغمام سرك ، لأن العاطفة الصادقة والعارية من كل منفعة تبقى إحساساً مستمراً ، وشعاعاً جميلاً يوهج الزرقة العاشقة للامتناهي الأزلي . ألا تكمن قيمة الحب العظمى ( بالعطاء ) .

الحب طفل حر يعبث في كل زمن ، وفي كل مكان . وفي كل سن . وفي كل قصر . وفي كل كوخ . ويتعربش على سياج المسافات .

 إنه يرفض المقايضات ، والحسابات . والتدقيق . والشروط .. وإلا سقط في بئر اللامعنى.. وانزوى في مركونات الزوايا .

   وهذا الذي يمارس الناس كل طقوسهم به ويسمونه ـ حباً ـ هو  إهانة  للحب . لأن  الشمس  لا  يلزمها حجاب ..

هكذا تعودت أن أحب .. هكذا تعودت أن أنبذ الضعف فالضعيف لا يعرف أن يعطي . ولا يعرف أن يحب ..                                       

                                                                                            28/5/1998

البوح السادس عشر :

احتضار قهر

هي رعشة عصفور جريح .. صرخة روح آلمها كلّ هذا الأذى من بشر تحوّلوا في فوضى البحث عن مكاسبهم إلى وحوش .. لكنني أرفض ليلاي أن أكون غير ما أنا عليه .. الوردة وعطرها .. البحر وماؤه .. القلب ونبضه .. المرآة التي لا تحب أن ترى غير ابتسامتك .. مهما كان .. فهذا لا يعني أبداً أن تكوني في حالة من حالات (( احتضار القهر)).. سنبقى أقوى من أيّ انكسار في هذا الوجود الزائل .. ألا يكفي أننا أبقى من كلّ الذين يحاولون سحب كلِّ ما تقع عليه اليد لملء جيوبهم .. شعرك .. كلامك .. نبض روحك .. أقوى من الذهاب والقهر .. لذلك أعيد القلب ملفوفاً بنبض قلبي وأقول لك : لا يا ليلى  .. لن يكون المشوار إلا معاً .. يداً بيد .. ولن أتخلى عن نجمة الوعد مهما كان ..

ذات يوم .. سيطلع زمن بعيد .. أبعد من بعيد .. وعندها ستكون حروفنا في كلّ دقة من دقات الزمن .. لا تقولي لماذا تكتب في بوحك عن " رسائل رماء " ؟ فأنا أنسى المسافة الفاصلة ، أو ربما أحاول أن أتخطاها.. قد يكون ذلك مخالفاً لقاعدة ضبط إيقاع الروح في زمن البوح ، وهو تماماً ما أريده، أن أخالف كلّ قاعدة ..

أعيدي الحساب .. حاولي مرة أخرى أن ترجعي الجداول إلى مجراها وقمح العمر إلى حقوله.. فما كان ذلك اليوم الذي تكتبين فيه صرخة قهر.. خذي عمري حقل ورد وحبق ، وأعيدي لشفتيك ابتسامة الأمل .. خذي صوتي وصمتي واكتبي على كلّ جدران الوقت أن لا مكان لغير الشمس مهما كانت الظلمة شديدة الحلكة .

 

 زمن البوح السابع عشر

" لا زمن للحب "

ـ فإنك لا تدري بأن رب لحظة       

           تفوتك لاتدري متى تستعيدها؟..

                                       ( النفري )

علمني فقدان كل من أحببت أن أخاف دائماً من اللحظة الهاربة، وأن أكتب باستمرار وكأنني على موعد مع الموت..

هروب اللحظة يجعلني أصرخ بها ـ توقفي كم أنت جميلة ـ توقفي أنك لن تعودي بنفس القوة ، ونفس الدهشة ، ونفس الانفعال ، ونفس الصدق .

قد نلتقي بعد زمن طويل ، وقد .. نلتقي في زمن أقل ، وقد لا نلتقي . كل ذلك لا يهم طالما أننا ساكنان ومسكونان في ممرات الحب الضيقة ، كل ما أرجوه ألا تتصدع جدرانها من الصدأ في زمن ما ..

أغطي قلبي بجلباب الكلمات ، وأخمر وجهي بجرار الحروف ، وأتوغل في منطق الكلمة التي تحمل جفافنا وخصبنا   ، حزننا وفرحنا ، دمعنا وابتسامتنا . فوضى الحبر ، وفوضى الصفحات، خلق لي منطقي الخاص لحب اسطوري ملحمي من اللامنطق  ، من اللاشرعي ، من اللامألوف . لأن على لوحة أقداري مكتوب بخيوط الأزل ـ لا تلمس أي شيء تحبه ـ.

أتمنى أحياناً أن أخرج من حدود الحروف ، من حدود الزمن ، وأكسر الأطر المصنوعة لمقاساتي قبل أن تستهويني لعبة الكلمات للنهاية وبذلك أقسو على الحب وأظلمه ، وتعود حروفي بحنان أمٍّ لتضم أحزاني المزروعة شتلاً للنفس التي دخلت مملكة الصمت المغلقة .. حتى بت أخشى أن أرى وجهي المرهق ، الحالم ، العاشق على صفحة مياه بحيرة فأهيم مع السراب كما تقول الاسطورة :

( نركسيسوس ) ذلك الشاب الاغريقي الذي دلّه الآلهة بجماله، وتام عذارى أثينا بنضارته واشراقه ، أّخذ بجمال نرجسة حلوة قطفها من غصنها المياس ، وحدق فيها بعينيه المعسولتين ، وما هذه النرجسة الا فتاة رائعة الجمال ..  فأحبته بكل أحاسيسها وكشفت له عما تضمر من هيام ، ولكنه تركها وانطلق إلى الغابة لا يلوي على شيء، ذلك أنه لم يجرب هذه المفاجأة بالحب ، وبكته حتى شف قلبها الهم والشجن أضنى جسمها الناحل . ثم اضمحلت وغدت لا شيء..لكن الشاب ( نركسيسوس ) الذي  حطم قلبها الغض، عرج ذات يوم على خميلة ليشرب من الغدير الصافي . وما كاد ينحني حتى رأى صورته في صفحة الماء الساكنة فبهره حسنها ، وأخذ يرمقها بقلب مشوق ، ونفس هائمة ، وهو لا يعلم أن الحبيب الذي تيمه هو ظله ، وعروس الماء هي خياله . خاطبه كثيراً ولا مجيب إلا ما تهمهم به الريح ، واقترب يريد قبلة فاقترب الخيال من فمه ، وفر في الماء فتحطمت الصورة الرائعة . فذبل عوده ونضارته ، وكانت عدالة فينوس حين دنت ساعته ، فأقبلت عرائس الماء تنوح وتجمع الحطب لاحراق جثته ، ولكنهن لم يجدن غير زهرة جميلة من أزهار النرجس انحنت على صفحة الغدير تنظر فيه إلى ظلها وتذرف دمعها ..وهكذا تبقى نرجسة الحروف هي المعشوق والعاشق على صفحات غدائر الزمن ..

                                  30/5/1998

 

زمن البوح السابع عشر :

 هذه الحروف ذاتي ..

يسألون : أين أنت ؟؟ كيف نستطيع أن نعرفك ؟؟ أيمكن أن تقدّم لنا نفسك ؟؟ وكثيراً ما أوثر الصمت .. لماذا ؟؟ ..

ببساطة أنا موجود في كلّ ما أكتب .. في شيء من القصة هناك جزء من شخصيتي .. في الشعر صورتي .. في كلمات الوجد التي أصوغ .. فكيف أختصر كلّ ما كتبت خلال سنوات طويلة ، لأقول من أنا .. ؟؟ ..

هل أنا القصيدة ؟؟ ولماذا لا أكون هي في جزء من عمري .. لماذا لا تكون كلّ كلمة من كلماتها معبرة عن ذاتي .. ؟؟ فالشعر أقرب الأشياء إلى الوجدان ، إلى صورة الإنسان الحقيقية.. والشعر هو التعبير الأوفى عن الشاعر ..

هل أنا القصة؟؟ في جزء منها هي أنا ، وفي جزء آخر هي طريقة تفكيري ، وفي جزء ثالث هي التعبير عن حالة من حالات إحساسي بالوجود والمحيط ووقع الأحداث .. وتكون النتيجة الطبيعية ، أو المحصلة النهائية ، أنّ القصة أيضاً هي أنا .. فلماذا أهرب من كلّ ذلك؟؟..

هل أنا الدراسة أم الخاطرة ، وما شابه .. في جمع الخطوط ، والوصول إلى نهاية حقيقية ، أكون أنا .. فلا شيء منها يخرج عن كونها تعبيراً عني ..

من يدير ظهره لما يكتب ، يخون الحرف والذات ، ويكذب مرتين ، مرة لأنه تخلى عن مرآة ما كانت إلا المعبر عنه .. ومرة لأنه خاف أن يعرف الناس صورته الحقيقية من خلال ما يكتب .. فالكتابة هي الرجل.. كما تكون الكلمات هي الملامح .. ولا معنى لأن نصرّ على فلسفة الأمور بعيداً عن هذا المعنى .. فلا شيء أدل على الكاتب من كتابته .. فهل أستطيع أن أقول بكلمات مختصرة من أنا ؟؟ أظن أن ذلك صعب .. لأنني عمرٌ في كلمات ..

البوح الثالث عشر

( عيد القلب )

" أهيم بلاد الأرض الموحش رقعٌ     

           يطبق بي وجدي وشوقي مُسامري"

لم لا نحتفل ـ بعيد القلب ـ حين ينام كل عشاق الأرض ؟ ..

اللقاء السري حين لا أراك ولا تراني ، بينما يتكئ الحب بين جفنيّ وجفنيك والروح تعانق الأحلام ، بينما يبتسم القمر خجولاً ويتوارى ..هذا هو سر قلبي حين يبتسم الجرح في خفقه ، وحين تتلوى أماني لقياك في صدري المهدم ، أحس بخيالك يمحو عن مآقي لون الدموع ..

لذلك دعني أقطف لك زهيرات بيضاء من ممرات العبق البنفسجي .. كوجهك الخيالي .. بينما تاهت غيمة مخملية الزرقة وهي ترسل قبلاتها إلى الأرض ، فلثمت خضرة الخمائل الناعسة ..

يحتفل العشاق ـ بعيد الحب ـ ولهذا العيد الرمز أصل شرقي يسمى ( تكريس الربيع ) ـ عند اليونان كانت ـ افروديت ـ تجعل الأفئدة تخفق كخفق الحمام ، وابنها ـ كيوبيد ـ يطير بشكل حمامة ويرمي سهامه ليزرع الحب بين البشر ، وتماثيل افروديت حوله الحمام والطيور ..

ـ أما العرب ( كوكب الزهرة ) أو العزى ، نسبوا إليه العشق وأسموه ( كوكب الحب ) . فالزهرة امرأة جميلة فاتنة تعيش على الأرض ، أغرت ـ هاروت وماروت . عندما أرسلهما الله إلى الأرض ، وطلبت منهما ( شرب الخمر ، أو قتل نفس ،  أو عبادة الأوثان ، لتبقى معهما . فاختارا شرب الخمر ، وحين أرادا العودة إلى السماء ، علماها الكلام الذي تعرج به إلى السماء . فعرجت ولكنها بقيت  معلقة  بين  السماء  و الأرض بـ اسم ( كوكب الزهرة ).

ويروى أن شاباً اسمه ( فالنتين )فجع بقصة حب عاشها ، فانزوى عن العالم وتنسك ، وأصبح شفيعاً لكل المحبين في الأرض ، يوصل رسائلهم ، ويوفق بينهم ، ويتسلل خفية ليواصل مهماته السرية للحب . واكتشف الكهنة  سره  فحكموا  عليه  بالموت وسمي ـ شهيد الحب ـ .

يحتفل في أوربا بذكرى وفاته يوم   /  14 / شباط . والاحتفال بهذا العيد ذكرى وفاته ولهذا العيد طقوسه ورموزه .. فالعاشق يكون استمرارياً بمحبته وتزداد أواصر المحبة بينه وبين البشر..

ففي هذا اليوم من كل عام يتبادل الأحبة الهدايا ضمن احتفالات جميلة وهي :

1ـ رسائل حب جميلة ، مطرزة بشعار الحب وهو :   رسم خصل الشمس بحروف مذهبة وضمن اشعتها يتعانق قلبان محبان وتكتب عبارة ـ اليوم أحبك أكثر من الأمس . وأقل من الغد ـ .

2ـ يهدي العشاق بعضهم البعض كتاب ـ فن الهوى ـ لأوفيد .

3ـ زهور جميلة .

4ـ قطعة حلوى تسمى ـ مار صبان ـ تشبه بمذاقها ( الكعك باللوز ) في الشرق ويكرم في هذا العيد كل محب . وكل من لم يتزوج ، وكل إنسان مهما كان سنه ، وتقدم إليه الهدايا ضمن حلقات الرقص والأهازيج العابقة بقبل الحب ..                                     2/6/1998

 

زمن البوح الثامن عشر :

الحزن وكرة الثلج

كلّ واحد منا سيدخل مدينة الحزن مرة ، وألف مرة .. يشعر الكاتب أحياناً ، أنّ الحزن جزء من تركيبته ، أقصد هنا المبدع .. لكن هل من المجدي أن نسلّم مفتاح الروح لأصابع الحزن؟؟..

أقول بكلّ بساطة : لا .. فالحزن الذي يصنع في كثير من الأحيان أجمل ما في الإبداع من وقع ، يكون حين نترك له الحبل على الغارب قاتلاً .. ولا نريد بأي شكل من الأشكال أن نحوّل الحزن إلى سكين ، بل إلى زهرة سوداء نستطيع رغم مرارتها أن نملأ الكون بالعطاء الجميل ..

من البدهيات القول إن الحزن يشبه كرة الثلج ، ندحرجها فتكبر كلّما ازداد مسيرها ، ويتضخم حجمها كلّما مرّت ثواني الزمن .. لذلك  كان جميلاً أن نوقف لحظة الحزن ، أن نبقيها  بحجمها الطبيعي ، حتى لا تكبر ـ خاصة في حالة الحزن السلبي ، الحزن الذي يهدم ولا يبني .. لكن هل هناك حزنان واحد يهدم وآخر يبني ؟؟..

الحزن حزن .. والألم ألم .. لكن هناك دائماً صورة وهيئة .. فعندما يأخذ الحزن صورة التدمير ، يكون مدمراً ، وحين يأخذ صورة البناء يكون بناء مفيداً ، وإن كانت ألسنته من نار ولهب ..

في الأدب والإبداع تظهر خاصية الحزن الجميل النبيل .. الحزن الذي يرفع البناء ويعليه وصولاً إلى الأعلى .. مثل هذا الحزن لا نستطيع أن نوقفه أو نمنع صورته وصوته ودفء وقع خطواته..

في أمور كثيرة يكون الحزن مفيداً حين يبني الشخصية ويدفعها إلى الأمام .. ويكون مدمراً حين يدفع إلى الانكفاء والانزواء والتقهقر .. فالحزن إذن يكون بناء عندما نريد ، ويكون مدمراً أيضاً .. فلنكن دائماً مع الحزن البناء ..

البوح التاسع عشر

( انخطاف الروح )

النفري : إنك ما أضمرتَ في قلبك ..

إن لم يكن بيني وبينك مجاز فليس بيني وبينك حجاب

لماذا أتعرض دائماً لاغراء رؤيتك ، رغم أن أعظم ما يميز العظمة في شخص ما هي الفطرة المدركة لا المنطق ، والعقل الباهت لا يرى الأبدية . لأنه يفكر أكثر مما يجب ، وهذا التفكير يجرده من أحاسيسه ويجعله غير قادر على تجربة أي كائن آخر غير نفسه فيصبح سجيناً في عقله وأفكاره المتكررة .. هكذا عشت زمناً غير زمنك مع هذا الانسان ، ولكن الشعر والحرية والحب أبعداني عنه . رغم أني أحسست أني كعريشة زهر قديمة انهارت على الطريق وفقدت براعمها وأصيبت جذورها ، ولكنها عادت واستقرت بالتربة الجديدة بجهد كبير وأنقذت من الذبول . تلك هي إرادة القوة . ويخيم علي القنوط الخفي كسحابة سوداء لأني ضيعت شباب العمر، وتعلمت من البجعة العاشقة أن آلام المحب تكون أكثر خفاء وعمقاً. لماذا الصخرة الصماء تتصدى لموجة القلب الكبيرة ؟ .. أصمت في لياليّ المترملة، أبحث عن وجهك في ضوء الشمس عن روحك التي هي في رقة الشمع ، وزهرة القلب الرقيقة لا تزدهر إلا بالحب كما أن للموسيقى لغة سرية ، وللحروف زرقة المعنى . كذلك للأسماء تموجات خاصة مع الذات. يُقال عن اسمي إن لفظه ـ ليلى ـ استعير معنى النشوة من الخمر السوداء التي اسمها ـ ليلى ـ كما استعير الخمر السوداء من الليل . حيث يقال ـ ليلة ليلاء . وليلى ، وأشد ليالي الشهر ظلمة . هكذا يقول ( خير الدين الاسدي ) في موسوعته ومن طرفاته هذه الحكاية الصغيرة حين كان مدرّساً في إحدى المدارس :

سألتني طالبة كسلى من طالباتي عن معنى اسمها ( ليلى) فقلت (النشوة ) . فسرت إليها النشوة وتاهت وباهت وازدهرت بهذا المعنى . وغدت من يومها تصلح زيها ، وترسل الكلام همساً ناعماً فيه الدل وفيه المرح ، أما زميلاتها فأخذت الغيرة مآخذها منهن . وكتب لليلى سوء الحظ إذ رسبت آخر العام الدراسي ، وبدأت تبكي وتبكي . فوجدت زميلاتها فرصة للكيد بها فقلن : لأن تسمى بلوى خير من ليلى  فثارت عليهن ، وهات يا سباب ، ثم لطم ولكم. وتنتيف الشعور .

هل لاسمي مدلوله السري حتى جعل نفسي شفافة بين تموجات دائمة عبر رؤى نشوة الحب البيضاء ، رغم نغمة الحزن والتي هي كغمامة سوداء على دمعتي .. أليست النشوة انخطاف الروح للحظة ؟. فمن يمسح سكون دمعتي السرية ؟ ..

                                5/6/1998

زمن البوح التاسع عشر :

البحر والتفاصيل

في هذا البوح ، والذي يدخل مسافة النداء التاسع عشر ، أحبّ أن أكشف للقارئ ، وربّما لك ولي ، أنّ هناك نوعاً من أنواع التنافر أو ما يمكن أن نسميه التباعد بين موضوعة بوحي وموضوعة بوحك .. إذ من سيقرأ بوحك التاسع عشر ، وما قبل وما بعد أحياناً ، سيقول لماذا لا يكتب في الموضوع الذي كتبت عنه ، ولماذا لا تكتب في الموضوع الذي كتب عنه .. ؟؟ ..

ولكلٍّ حق في أن يسأل ، لكن من المجدي أن يكون النظر إلى أنّ البوح يشبه البحر ، فهو في النهاية بحر في مجموعه ، لكنه في الجزئيات والتفاصيل ، يحمل الكثير من التعدد ، من الألوان ، من الأشياء التي قد لا تتشابه .. وبوحنا حسب ظني يشبه البحر تماماً ، قد نلتقي في الحديث حول موضوع واحد ، وقد يتحدث كلّ واحد منا عن موضوع ، وفي النهاية، سيكون البوح في مجموعه بوحنا معاً ..

هل يشبه بوحنا يا ليلى تلك القطع الصغيرة التي تجتمع لتشكل في النهاية صورة كبيرة واضحة الملامح والمعالم والتفاصيل ؟؟ .. ربما .. فكلّ بوح قطعة من بوحنا الكبير الذي لابدّ أن يعطي في النهاية ما نريد قوله تماماً .. ألستِ معي ؟؟..

نقترب من الصدق أكثر ، حين نخلع كلّ قناع ، وأقول ببساطة ، إنني قد أكتب البوح التاسع عشر مثلاً ، دون الاطلاع على بوحك التاسع عشر .. وهذا يعني أننا قد نكتب في اللحظة الواحدة ، لكن كلّ واحد منا في مكان .. وكلّ واحد منا يدور حول موضوع .. ولا معنى هنا ، لأن ينتظر الواحد منا وصول البوح ، كي يقول صداه ، أو كي يكتب في الموضوع ذاته.. وكما قلت ، تبقى النتيجة ، أنّ كلّ بوح ، سيشكل في النهاية صورة بوحنا الكبير .. وقد شبهته بالبحر، لأنني لا أعرف أروع منه .. فالبحر أجمل الأشياء ، وربما أروعها .. وما أجمل أن يكون بوحنا في مجموعه بحراً .. فلا شيء يغري أكثر من الوصول إلى هذا الحدّ من الجمال..                 

البوح العشرون

" خضرة قلب "

النفري ـ أهل المحبة يحجون بمحبتهم..

في الخلف البعيد البعيد ـ انحنت الشمس حزينة منطفئة كالزهور فقد توقف النبض غاضباً ، كانت تتقلب في فراشها ، والغسق يكدح صامتاً يفكر بما سيحدث .. فللحب هداياه ، وهي تبحث عن شكل آخر للهدية ، عن نبتة اسطورية ، لكن هذه النبتة تنحني أمام اغتراب المفاجأة، فالحياة مهددة  دائماً  بالحزن  لولا  وجهه المألوف .

الزمن يهرم تحت ثقل نظراته الواجفة ، والقلب يبتسم في اخضراره فوق العشب اليابس .

في زمن ما كان الرجال يلبسون ساعاتهم معلقة بسلاسل ذهبية تتدلى من جيوبهم . أما النساء يتميزين بشعرهن الطويل ويزينه بالأمشاط والحلي.

هذه الفتاة تحب شاباً فقيراً ، واغرورقت عيناها بالدموع: غداً عيد الحب وأجمل هدية ستكون للحب ـ وليس لها مال لتشتري لحبيبها هدية، ولكنها استدارت فجأة وذهبت إلى محل يتعامل مع بضائع الشعر ، وباعت شعرها الذهبي المسترسل بعد أن خبأت خصلة الشمس عن رياح القهر ، واشترت لحبيبها سلسالاً لساعته التي ورثها عن أبيه وأخفاها لأنه لا يملك سلسالاً لها . وحين التقيا مساء نظر إليها نظرة غريبة واجفة، ارتعشت نظراتها المفعمة بخوف الحب والتوسل . ـ سينمو شعري لا تقلق يا حبيبي ـ بقي صامتاً مذهولاً وهي تقدم له سلسال الساعة الذهبي.

ضمها إلى صدره ، قبلها بحرارة ودس يده في جيبه وأخرج علبة فيها أمشاطاً جميلة مرصعة بالجواهر . أطلقت صيحة فرح ، ثم أجهشت بالبكاء ، كم وكم حلمت بهذه الأمشاط .. وكم حلم بسلسال الساعة التي باعها لأجلها ..

ضمها إلى صدره أكثر فأكثر بحزن يهدهد الفرح قائلاً :

دعينا نترك الهدايا لوقت آخر .. لا يمكن لشيء أن يجعل حبي لك أقل . ولنحتفل بأجمل عيد للحب .

طلعت الرائع : 

أليس نخر صلصال الخطأ المتقطع عبر حضور الأزمنة يحفر ..وتبقى الورقة المهددة بالريح تنزع من الشمس  أنفاسها الحارة . وتبقى كلمات الحب على الشفاه ، كقطرات ندى حائرة على خد زهرة حزينة .. 9/6/1998

                                      

البوح العشرون :

 الطريق إلى عمري ..

تلك هي الحكاية ، وهذا هو النداء .. في كلّ قطرة من هذا البناء ، أشعر أنني أضع قطرة من عمري .. يا ألله هل وصلت حقاً إلى هنا ؟؟ أحياناً أنسى فأعود إلى طفولتي لأشرب حليب الصباح من يد أمي .. كم من الوقت مضى .. كم من الوقت تبقى .. كم من الوقت سرقنا كي نرفع أعمارنا إلى هذا الحدّ ؟؟ مضحك جدول الضرب حين يكون مقياساً للزمن الذي راح ، وحين يكون مقياساً للزمن الذي يأتي .. ومضحك أكثر هذا المرور السريع لقطار الوقت .. هل تحولت أعمارنا إلى دولاب يدور بسرعة الصوت ؟؟ ..

الطفولة باب إلى السحر .. باب إلى الخلود .. ودائماً أحبّ التشبث بكلّ ما في الطفولة من جمال .. أرفض أن أنظر إلى الشيب في شعر رأسي.. أرفض أن أرفع قامتي أكثر لأدّعي أنني أطول من كلّ الحكايات .. فأنا ابن الطفولة .. والطفولة وحدها هي التي تحميني من كلّ ما في العالم من حزن .. لذلك أبتسم .. أضحك .. أعري شجر الحزن والألم وألقيه خلف ظهري.. تلك ميزة الطفولة .. لكن هل يستطيع الواحد منا أن يبقى طفلاً إلى الأبد ؟؟..

أن تولد طفلاً ، وتعيش طفلاً ، وتموت طفلاً ، فتلك أجمل الأمنيات.. وليس تحقيقها مستحيلاً.. إذ كلّ ما عليك أن تبحث عن عطر الوردة فيك.. أن نبقي كمّ البراءة دون أن يطاله الصدأ .. أن تضحك ..

لماذا أصرّ على الضحك إلى هذا الحدّ ؟؟ .. لأنّ الضحك هو الإنسان ، ولا شيء آخر يعطي الإنسان إنسانيته مثل الضحك .. ولأنّ الطفولة هي الأحلى ، فقد كانت مرتبطة بالضحك .. هما محوران لا غير ، الطفولة والضحك ، فما أجمل العمر الذي يمتلئ بالطفولة والضحك .. ما أجمله ..

 البوح الواحد والعشرون

" للتأمل غموضه "

يقول القديس ـ اغناطيوس ـ:إن ساعة تأمل واحدة ، علمته حقائق كثيرة ، أكثر مما أفادته تعاليم رجال الدين جميعاً ..

تأملت الإنسانية ، وشعرت برعشة من الخوف لا أدري كنهها ، لأني وجدت أنها مبنية على خوف الإنسان من الموت ، فكأن بالإنسان يتأمل الموت فيعي الحياة ، ويخيل لي أن الموت لن يحدث إلا للذين هم خارج نطاق محبتي ، أما ما يعانقه حبي سيبقى إلى الأبد ..

" وعلى ضوء النجوم أفقت من تأملاتي وقد تبدى لي تمثال ـ الزهرة ـ آلهة الحب واقفة بين الشجر وقد سقط على انحناءة كتفها شعاع أزرق ، وعلى إحدى ذراعيها من الضوء مما جعلها تبدو كغصن يابس منحن ، ولكنها ساكنة سكونها الأبدي " .

وكان جمع من العشاق في ملابس زاهية اللون ، وزورق ينتظر صعود العشاق ، وزهور مجهولة الأسماء تعوم  حول  الزورق  ثم  تتفتح  أوراقها  لتقود  سفينة العشاق ..

يبدو أنني حين أدخل أزمنة البوح بعد أن أكون خرجت منها لفترات. وفترات متباعدة .. أو متواصلة أحياناً ، أكتب بشكل لا واع لأني لا أفكر بألوان الصور التي يسلسلها الفكر التأملي، وبشكل لا واع أيضاً أنتقي الألفاظ ، وربما تكون أفكارنا اللاواعية أدق وأعمق لأنها حين تدخل المدرسة التحليلية تتعثر .. وتضطرب .

وقد قال ـ شاتوبريان ـ" يجب أن تكون طبيعة المبدعين قادرة على الالهام والحركة . فالأولى تولد الفكرة ، والثانية تحققها " .

أليست الفنون مترابطة ولا انفصال بينها ، إنما كل شيء لم يقل بعد وكل شيء لم نعبر عنه بعد..

لماذا  تورطت  معي  للدخول  إلى  هذه  الأزمنة الفوضوية ؟

وورطتك هذه جعلتك ملزماً أن تسمعني وأنا أتنقل في قاعات الأفكار ، والتأملات ، فنولّد فكرة . وننسى أخرى ، ونتعثر في التعبير أحياناً .. ونهاجر من أزمنة بوحنا أحياناً أخرى ويتجمد الصمت على شفاهنا ..

أحس هذه الأيام وأنا أترع كؤوس وحدتي ، وأشرب حتى الثمالة نخب الألم من مقلتي ، أنني فرع نخيل منعزل في صحراء والأعاصير تهزني بعنف ، وتتفتح على رمال المفاجآت من كل جانب ، فأحمل أمتعتي من المتاعب الزائدة وأنثرها في غياهب هذه الصحراء اللامتناهية ، لأثبت لنفسي أني أستطيع العيش بمفردي ، أليس هذا يعني أني أتمتع بحرية حزينة يا صديقي ، لأن الحياة التي حولي خلت من الشجيرات غير المتراصة ، غير المتماسكة بأرض الصداقة. ومعاني الإنسانية ، وما الصداقة التي يعيشها الآخرون إلا حالة من النفاق الاجتماعي ، لأن الشكل غير متناسق ومنسجم مع المضمون ، وكأن في هذا الزمن القلوب تحجرت ، والروح تجف وتذبل..

وقد قال أحد الحكماء :البوم يشبه الإنسان كثيراً ، مخالبه مخبأة تحت ريشه فالإنسان بشرِّه المخبأ تحت قناع تهذيبه الاجتماعي هو انعكاس لصورتنا في مرآة الحياة الحيوانية ، و في الطبيعة  لذا  نكرهه ، ونحبه ، بآن واحد ..

وقد كان البوم في بعض العصور رمزاً ـ للحكمة ـ منذ / 2500 / سنة وقد صك اليونان صورة البوم المقدس على عملتهم مقروناً بأثينا ـ ربة الحكمة .. والبوم يملك أكثر العيون جاذبية وغموضاً وإثارة في العالم. 1/7/1998

البوح الواحد والعشرون

الصوت والصدى

من البعيد تأتي لحظة الحلم ، لحظة امتشاق الصورة التي كانت .. في مثل تلك اللحظة السحرية يخرج مني آخر يأخذ في ملاحقة الظلال .. وأرقبه .. لا يكون عليّ إلاّ أن ارقبه .. أتلذّذ بكلّ حركة من حركاته .. أضحك بصوت مرتفع عندما يأخذ في القفز والركض واللهاث .. ولد يلعب في الحارة الضيقة ، أو في باحة المدرسة ، ويقف مأخوذاً عندما تمرّ تلك التي كان يحبها..

كان الولد مشاغباً .. كثير الحركة .. لا يعرف الهدوء .. يتمنى أحياناً أن يملك جناحين ليطير.. لا تتسع المسافات والمساحات لأحلامه .. يتلذذ بممارسة طقوسه الخاصة التي لا تصدر إلاّ عن الأولاد .. تدوخه القبلة الأولى فيظن أنّ الوجود كله في شفتين من كرز .. هل كانت تلك البنت الحلوة تشعر بمثل شعوره ، أم أنها ذاقت القبلة قبل أن يذوقها ؟؟.. الجواب يحتاج إلى العودة طويلاً في الزمان .. وهذا مستحيل.

يقف الأطفال الذين كبروا ، في المدرسة الجديدة مبهورين .. ويقف هو آخر طالب ، لأنّ طوله يستدعي أن يكون الأخير .. ولهذا الطول رغم سيئة الوقوف في آخر الصف ، ميزة القدرة على المشاغبة ، وممارسة الحركة بحرية ، والحديث مع الطالب القريب دون أي حرج.. لكن المدرسة الاعدادية تختلف عن المدرسة الابتدائية .. فهنا تكبر المسؤولية ، ويدخلون الطفل ، شاء أم أبى ، في زمرة الأولاد الكبار .. وعليه أن يتصرف على هذا الأساس ، مع أنه ما زال راغباً في ممارسة طفولته بطولها وعرضها .. ويستطيع بين الحين والحين ، أن يلقي حجراً في البركة الساكنة ، لتكون الدنيا كما يريد .. ومع الأيام ، يشعر أن منطق الكبار لا يرحم .. وعندما يصل بعد سنوات إلى التواصل مع أصواتهم ، مع صورهم، يمارس دون أن يدري منطق الكبار ، صارخاً في وجه الأطفال : الهدوء .. الهدوء.. ويتمنى الأولاد الذين ما غابت طفولتهم ، أن يصمت ، ليعيشوا سحر الطفولة كما يرغبون ..

البوح الثاني والعشرون

" رؤى الخيام "

إلهي قل لي من خلا من خطيئة

              وكيف ترى عاش البريء من الذنب

        إذا كنت تجزي الذنب مني بمثله

             فما الفرق بيني وبينك يا ربي ؟ .

                                       / عمر الخيام /

لقد كان عمر الخيام ليس من أولئك الذين لا يعدو إيمانهم أن يكون خوفاً من يوم الحساب ، ولا تعدو صلاتهم أن تكون سجوداً ..

وطريقته في الصلاة : يتأمل وردة ، يعدّ النجوم ، يتدله بجمال الخليقة ، بكمال نظامها وترتيبها، بالإنسان أجمل ما أبدع الخلاق بعقله المتعطش إلى المعرفة ، بقلبه المتعطش إلى الحب . بحواسه متيقظة كانت أو مترعة .

وقد قال : أنا متعبد للحياة ، أنا أهتف إن كنت لا تعرف الحب فما يجديك شروق الشمس أو غروبها ..

وهل يتجاهل الناس ـ الحب . والموسيقى . والشعر ، والخمر ، والشمس . هل نحتقر أجمل ما في الخليقة ونجرؤ على التلفظ باسم الخالق؟. فسلام إلى الإنسان في ظلمة صمت الآخرة .. ومن أقواله :  ـ عندما يريد المرء أن يشرب فإنه يختار ساقيه ونديمه .

ـ ليس للبحر جيران ، ولا للأمير أصدقاء .

ـ الشعر لا يعرف قانوناً .. إنه لا ينكر ما سبقه ، ولا ينكر ما تبعه ، وهو يجتاز العصور في دعة تامة .

ـ جعلنا الله عاشقين . كما جعل بعض الأزهار سامة .

ـ لا تعجب لشيء . إن للحقيقة وجهين .. وللناس أيضاً ..

ـ إن اليوم الذي تستطيع أن تعبر فيه عن كل ما يجول بخاطرك ، سيكون فيه أبناء أبنائك قد وجدوا الوقت الكافي ليصبحوا عجائز ..

ـ إننا في عمر الأسرار والخوف ، وينبغي أن يكون لك وجهان : واحد تريه للناس . وآخر لنفسك ولخالقك .

ـ ما أشد وحدتك وأنت بقرب محبوبتك ، والآن وقد رحلت تستطيع أن تلوذ بها .

ـ الجنة والنار هما ذات نفسك .

ـ السعيد من لم يظهر قط إلى الدنيا .

ـ العلماء لا يجود الزمان إلا بحفنة منهم في العصر الواحد ، في حين أنه بالإمكان تعيين خمسمائة وزير في العام الواحد .

ـ ينبغي أن يوارب المرء في حديثه مع القضاة والسلاطين لا مع الخالق.

ـ حُرمت الصلوات الخمس لأننا الآن في الجنة متصلين بالخالق على الدوام ولا حاجة بنا إلى التوجه إليه في ساعات محدودة .. فمن يعاند في  إقامة الأوقات الخمسة يكشف بذلك عن قلة إيمانه بيوم الحساب ، ولقد غدت الخمرة وهي شراب أهل الجنة كما في ـ القرآن ـ من المحللات وعدم شربها آية على ضعف الإيمان .

وقد قال :

        كسرت يا رب ابريق المدام كما

                      سدد ت لي باب عيشي حيثما كانا

         أنا شربت وتبدي أنت عربدة

                ليت الثرى نعيمي . هل كنت نشوانا

 3/7/1998

البوح الثاني والعشرون :

القصيدة والحب ..

لا أدري إن كان بالإمكان فصل الشعر عن الحب ، أو الحبّ عن الشعر .. في الأول لا يكون الشعر شعراً ما لم يكن في البداية خفقة قلب ، وصرخة عشق .. وفي الثاني لا يلجأ الحبيب حين تضيق الكلمات عن استيعاب ما يريد قوله للحبيبة إلا للشعر .. فالشعر يطابق الحب ويداخله.. ومن الصعب الفصل بين هذا أو ذاك ..

في ذواتنا منذ الصغر احترام للشعر غريب عجيب .. كأنّ الواحد منا يرضع الشعر مع حليب أمه .. ويكبر واحدنا ليكبر معه هذا الإحساس الجميل .. ويكون تواصله مع كلّ فتاة ، أكثر حضوراً وجمالاً وروعة ، حين يكون الشعر حركة القلب واليد واللسان والملامح .. فالشاعر ، وإن كان في طور الأولاد الصغار ما زال ، مميز في كلّ حركة من حركاته، ومرهوب الجانب حتى من الأصدقاء والأحباء .. لأنهم يعتقدون ، أنه يستطيع بشعره ، أن يسرق الكحل من العين ، فكيف يصمدون في وجهه وينافسونه في حب هذه أو تلك .. وفي مثل هذه الحالات ، يكون الأجدى، أن يقربه كلّ واحد إليه ليتلافى منافسته عند الحاجة ، أو ليكون إلى جانبه يسانده في قصيدة إذا أحب .. وكم كان القلم يتحرك ليكتب لهذا أو ذاك ، قصيدة تحكي عن اللوعة والحزن ، لتقدم إلى فتاة ما زالت بعمر الورد ..

قد يكون الأمر مجرد صورة أو تصور فيما بعد .. لكن لا يمكن أن يكون الشعر شعراً في البداية وإلى سنوات ، ما لم يكن الحبّ محرك الشعر ومؤجج صوره .. وحتى عندما يصبح الشاعر في الثمانين ، لا يكون الشعر شعراً حقيقياً ما لم يكن الحب وقوده ومحركه ودافعه .. ويخطئ من يظن أنّ الحبّ يتوقف في هذا السن أو ذاك ، أو أنه يموت .. فالحب مثل الحياة ، مثل الأنفاس ، وإن أخذ أشكالاً متعددة ، لكن الاستغناء عنه لا يكون ، خاصة عند الشعراء ..

 البوح الثالث والعشرون

" صمت الجواب "

" وضعتني في جواب الصمت ، لأنني أحببت

  قلقاً يا قلبي أراك .. تندي أعماقي بأحزان هواك "

-        أسطورة سمرقند

يحكى أن ملكاً من ملوك سمرقند أراد أن يحقق ما يحلم به كل إنسان أن يفر من الموت ، وإذا كان مقتنعاً بأن الموت يُقبل من السماء رغب في القيام بعمل يمنعه من ادراكه ..

فابتنى قصراً تحت الأرض ، قصراً شاسعاً وسد جميع منافذه ، وكان ثرياً ثراء خيالياً وقد اصطنع فيه شمساً تشرق في الصباح وتغرب في المساء كي تدفئه ، وتعين له مرّ الأيام ، غير أن إله الموت تمكن من خداع نباهة الملك ، وانسل إلى قلب القصر لانجاز عمله ، وكان عليه أن يثبت لجميع الناس أنه ما من مخلوق يهرب  من الموت مهما تكن قوته . أو ثروته . أو حذقه أو صلفه .وهكذا غدت ـ سمرقند ـ رمز اللقاء المحتوم بين الإنسان وقدره .

وفي ـ نيسابور ـ حجب الخيام إلى مثواه الأخير وهو في الرابعة والثمانين من عمره . وقبره مستند إلى جدار حديقة، وشجيرات كمثرى ودراق تمد أغصانها وقد نثرت أزهارها على القبر حتى أنه كان مختفياً تحت بساط من ـ البتلات ـ .

وقد قال الخيام قبل موته : ـ سيكون قبري في مكان تنثر فيه ريح الصبا والأزهار في كل ربيع ـ .

قد تبدو هذه الكلمات غير معقولة على الفور . ومع ذلك رجل مثله لا يمكن أن ينطق عن هوى . وكتب على قبره ما قاله من تأمله في الموت :

كقطرة عادت إلى الخضم أو كذرة قد رجعت إلى الثرى

أتيت للدنيا وعدت حاكياً         ذبابة بدت وغابت إثرا

ألم يكن الشاعر قد تمنى ـ لرباعيته ـ الخلود على الأقل . ذلك الخلود الذي لم يكن يجرؤ على تمنيه لنفسه .

وقد قاله لحبيبته جيهان :

           هاتي خمراً ولتكن في مثل ورد خديك

              وليكن نديمي مثل خفة خصلات شعرك

وحين وجد حبيبته ـ جيهان ـ في خطر أراد أن يهرب بها من قصرها قائلاً ـ اتركي هذا القصر .. لا تلتفتي وراءك ، لا تقولي وداعاً ، لا تجمعي حتى متاعك . هاتي يدك . ولنعد إلى بيتنا فتنظمي قصائدك وأرقب نجومي . وتأتين كل مساء فتلتصقين عارية بي وتحدونا الخمر الممسّكة بالغناء .. ويتوقف العالم في نظرنا عن الوجود ، ونقطعه من غير أن نراه أو نسمعه ..

اغرورقت عينا ـ جهان ـ قائلة : هؤلاء الناس يا عمر لا يفكرون إلا في الانتقام . وسيأخذون عليك أنك خبأت ـ جهان ـ وسوف يقتلونك في الوقت الذي يقتلوني أنا فيه .

أجابها : سنظل في بيتنا معاً . وإذا كان مكتوباً لي أن أموت معك فإني أذعن .

لكن جهان رفضت أن تذعن لموته معها ـ وعادت إلى القصر حيث ذبح الجنود جميع أهل القصر ـ وصرخ ـ جهان ـ ثم هدأ روعه فجأة ـ فعلى المرء أن يحتفظ بكرامته في اللحظة الأخيرة . لقد عرفت ـ جهان كيف تحتفظ بكرامتها .

فقال :انقضى عهد الصبا الميمون    

                      ولكي أنسى أســكب الخمر

وطعمها مرّ هكذا يعجبني    

                     وهذه المرارة هي طعم حياتي

                                     4/7/1998

البوح الثالث والعشرون :

هذا التواصل الجميل ..

وكان زمن البوح روح الروح .. حاولت أن أغسل عند الصباح ضلعين من وردة الحلم ، فكان صوتك مائي وامتداد الخصب في عمري .. وكنتُ أعلم أنك ترسمين بحبق الروح دفء وجهي ، وترسلين كلّ الحكايات لتطرق في صلاة الوجد باب عمري .. فكم كان رائعاً أن آخذ كفيك في دفقة وجدي لأرحل في كلّ خط من خطوط يديك حتى الثمالة ..

هل حاول العاشق أن يشعل الوردة في دروب الزمن الجميل ؟؟ كلّما أعدتُ ترتيب أصابعي يدركني الذهول فأعود إلى كأسي العاشرة لأشرب نخب تفاحة فردت سرّتها على سنابل شفتي فأزهر الوجد قبل أن يطلق الربيع دهشة الورد في صباحات الحدائق والحقول ..

لماذا كان عليّ وأنا أمشي إلى جسدي أن أصعد سلّم الزهرة الأولى ؟؟ لا تقولي انني أضعتُ انتباهي  حين تركت ذهولي على مقعد حجري أمام الباب .. ولا تقولي إنّ الصباح كان ساحراً إلى  الحد الذي ينسيني كيف أعود من حقل الوعد إلى حقل العهد ..

فأنا في صعودي نحوي أو نحوك ما نسيت أن أحمل سلّة الشعر لأسكب عند يديك كلّ ارتعاشات قصائدي .. وأنا في صعودي نحوك أو نحوي ما نسيتُ أن أحمل كلّ حقول الشوق لأفرد جسدي غصن عمر لا يعرف غير الحب زهراً ..

ضيعتني الدروب .. تهت .. نسيت الطريق إليّ .. وحين صحوت كنت في الطريق إلى سرّة تفاحة أخصبت في العمر حقل أغنيات .. لا أريد أن أستدير حتى لا أفقد شيئاً من حبق الحضور المذهل .. فخذي شكل يدي واتركي لي شكل يدك ، حين يسيج العمر أيامنا بألف لقاء ..     12/8/1998

 

البوح  الرابع والعشرون

" للخيال سحره "

يقول جيته :

أنبئيني ما الذي يهواه قلبي

 إنما قلبي لديك فاحفظيه

امبراطورة النمسا الفاتنة كان جيته يقدسها حتى العبادة، ولكنها شاءت ألا يذكرها الشاعر في أي مؤلف من مؤلفاته ، فوعدها جيته أن يظل مخلصاً لها في قلبه ، وأن يضلل الباحثين عن تقديمه لها . بأن يجعل إشاراته إليها عسيرة الفهم كل العسر .. فلا يستطيع المولعون باصطياد النوادر أن يعرفوا من تكون حبيبته ؟ ..

فقال : إن حبي دائماً يقسو علي ، فأشدو بقلب يختنق .

أما مجنون ليلى : إني لا أستطيع أن أكون رضي البال لأني بعيد عنها كل ذا البعد الكبير .

فسأله  الآخر : فهل  لديك  شيء  أكون  رسولك  إليها به ؟ ..

أجابه المجنون : لا حاجة لأن أنكر حيث هي توجد ..

ـ أليست أجمل قصيدة نكتبها ولم نستطع الغوص في أعماقها حتى الآن هي ( الإنسان)  ـ رغم كل شيء .

إن الجمال في كل ما حولنا ، في كل مكان ، لِم لا يعبر عنه الإنسان بطريقته الخاصة . بأسلوبه الخاص . بإحساسه الخاص .

قال فولتير ـ نطلق كلمة جمال على كل ما يثير في نفوسنا السعادة والاعجاب وهو انطلاقة القوة الأصيلة .

أما لامنيه ـ أحد كهان الفلاسفة :

" إن الفن بالنسبة للإنسان هو بمثابة قوة الخلق عند الرب .

أما فان كوخ ـ يمكنني التخلي عن ربي . وعن حياتي ولكن لا يمكنني التخلي عن مقدرة الخلق أبداً ..

ويقول ـ ديلاكروا ـ الفنان ليس الذي يملك الموهبة والعبقرية والقدرة على التعبير ، إنما هو الذي يملك معرفة واسعة بالعالم وممارسته مستمرة . بذلك يستطيع أن يعبر عن كل شيء ابتداء مما هو مرئي إلى ما هو خفي وحالة النشوة والالهام تنبع من داخله . وهذا العالم يتم التعبير عنه بقاموس الطبيعة الواسع من خلال ذات الفنان . والموهبة المفتعلة لا يمكنها أن تثير النفوس الصادقة .

ويقول جيته : الخيال هو ابن الإله المدلل الدائم الحركة والتجديد . فالخيال هو تلك الرقة الخفية في الشعور ، والتي تجعل الفنان يرى في الكلام ما لا يراه الآخرون بطرق  مختلفة . ولا  توجد  قواعد  أو  قيود  للنفوس الكبيرة ..

سُئلت في إحدى الحوارات الصحفية .. ماذا يعني لك الحب . وقد أسست له كل أعمالك النثرية والشعرية والقصصية ؟ ..

قلت : الحب الذي أكتب عنه كمثل الكون لا ينتهي ، إنه تجليات المطلق للتسامي بالإنسان ..

والحب لديّ يتجه نحو الكينونة لا نحو الملك . وليس هو عاطفة وانفعال وتأثر وجداني .. هو فعل ، تضحية . عطاء . وحركة نشاط إبداعي .

قيل ـ لديك التكرار في موضوع واحد ـ الحب ..

أجبتُ : التكرار لدي حركة للنمو .. والتغيير . والتنوع . لأني بالحب وحده أجسد حلم اللحظة .. وأرى فيه سكري الروحي مما لا يراه الآخرون.. وأعبر عنه بطرق مختلفة .. وألوان منوعة ..                                 6/7/1998

البوح الرابع والعشرون :

وقت لوقت قادم

تغسل المسافات جسدها بعسل وفضة الوقت الجميل .. ومع كلّ دقة على جدار الزمن ، ينفتح باب يوم أحلى سيأتي .. أتدرين  ؟؟ كثيراً ما أفكر باليوم الذي مضى ، وأصر رغم كلّ الجمال فيه، على أنّ اليوم القادم أجمل .. قد تقولين إنّ مساحة التفاؤل عندي كبيرة ، وأقول لك بصراحة: ولماذا لا تكون ؟؟.. أليس جميلاً أن تقف النحلة على زهرة الحرف ذات صباح ؟؟..

أجمل الأشياء تلك التي لا نعرفها .. وأجمل الأيام تلك التي لم نعشها.. وأجمل الساعات تلك التي خبأها لنا الزمن في جيب سترته .. ليس جنوناً ، ولا يشبه الجنون ، أن أكون مع ضوء الأغنية ، مع نشيد الصباح ، مع يقظة الوردة .. إذ ما أزال مصراً على أن التوازن النفسي والجسدي يستدعي أن نكون أكثر تفاؤلاً بما هو قادم .. ربما كان هناك جزء من خطأ .. جزء من فلسفة تقول إن الإفراط في التفاؤل يؤدي إلى الغرق في بحر الوهم .. لن أناقش ولن أحاول.. فأنا لاأريد أن يكون الفرح نوعاً من التظاهر ، ولا أريد أن يكون التفاؤل نوعاً من التعلق بوهم .. بل أريد أن ينبع كلّ شيء بشكل طبيعي ، وإن لم يكن ذلك كذلك ، فلا جدوى ..

الوقت الذي نعيشه ، يعني أن نمهد للوقت الذي سيأتي .. فالسلسلة متتابعة الحلقات ، وحين تكون حلقة ما ضعيفة ، ينكسر معنى الترابط في السلسلة .. والأيام القادمة ، لا تكون بعيداً عن الأيام الراهنة ، فما يأتي يكون من الذي مضى .. لذلك أحب أن نزرع الوردة في كلّ زمن ، لتكون الأيام القادمة أكثر حضوراً .. ولا يظن أنني أقول إنه لامكان للحزن .. لأن الحياة لا تسمح بلون واحد ، وصيغة واحدة .. لكن علينا أن نكون مع الصورة المشرقة ، مع التوازن ، لا أن نحول الأيام إلى مجرد توجس وخشية وخوف مما هو قادم .. لأنّ هذا مرض .. وأي مرض ..!!..  13/8/1998

البوح الخامس والعشرون

" نشوة اللغة "

" اللغة طاقة وهي التي تبني رؤيتنا على العالم . وتفتح آفاقاً أخرى على ذواتنا وهكذا تتوصل اللغة  إلى  وحي . واللغة الشعرية هي لغة تخطف القارئ وتنقله إلى اللا منتهي .  و اللغة الصوفية عالمٌ  داخل عالم  هي  لغة الحب " .

وجدت يا صديقي .. يا من رافقتني بأزمنة البوح المتشعبة ، أن اكتشاف حقائق الحياة يعني تدمير الأوهام الجميلة ، ورغم ذلك فإن تلك الأوهام تعاود الظهور متجاهلة كل معرفة قدمتها التجارب ، ولذلك يبقى الإنسان مشروعاً منفتحاً لكل الاحتمالات ، وبنفس الوقت الإنسان موقف فإذا تخلى عنه فهو ليس إنساناً ..

أحياناً أكره هذا الانتماء الذي وجدت نفسي فيه ، هل يعني لي شيئاً ؟ وهل أنا إلا مجرد حصيلة باهتة لوجهات نظر الآخرين ، وهل أنظر لهم بعيني أم أنظر إلى الحياة بعيون الآخرين المدقوقة في اللاوعي .

والأفكار المتوارثة ، والمعتقدات الخاطئة والتي تتخذ صفة الحكم في نفوسنا ليس بالضرورة صحيحة ، فلو حاولنا مرة أن نسأل أنفسنا عنها ونناقشها بوعي ومنطق عقلاني ؟ ..

قال أب لابنه : إذا خيبت النساء يوماً أملك فاذهب إلى أصدقائك ، فالصداقة أعمق من الحب ، وإذا خذلك أصدقاؤك كلهم فالجأ إلى ثروتك لتروح عن نفسك ، وإذا وجدت أنك بسوء تدبيرك بددت مالك ولم يبق لك صديق أو حبيب ، وخيم اليأس على قلبك ، فاعلم أنك كنت فاشلاً في عمرك ، فخير لك أن تضع حداً لحياتك ..

وقد هيأت لك حلقة في منتصف السقف لتستعملها في انتحارك . حين فشل هذا الشاب في كل شيء ، ربط الحبل حول عنقه  وقفز عن الكرسي فوقع على الأرض ، وهطلت عليه دنانير ووجد بينها رسالة من والده يقول فيها : علمت أنك سوف تتدهور مع تقلب الزمن ، لذلك هيأت لك بهذا  المال  حياة جديدة ، وأملاً جديداً . ولكن اعقل في تصريف شؤونك هذه المرة.

لذلك بعض الناس لا تستعمل كلمة ضجر قط ، لأن الإنسان يكون جزءاً من الفصول : الربيع بأزهاره وأغانيه ، الصيف بحصاده وشهواته ، الخريف بزيتونه وأعراسه ، الشتاء بزمهريره وتوقعاته ..

رغم أن الصعاب تتآلب عليّ من كل جهة ، ثم تنزل في لهب محرقة الذات . ولكن سأحاول ألا اسمح لشيء في الوجود أن يشوه صورة الحياة والحقيقة . طالما أني لست قادرة على تفريغ شحنات الحب من مجاري دمي ..

8/7/1998                      

البوح الخامس والعشرون

و كان الشعر .. كان القلب ..

أحاول الكتابة أحياناً فتطل الحروف من مخابئها ثم تعود رافضة أن تسير معي إلى حيث أريد .. من قبل كان ذلك أكثر من كثير .. ثم أخذ يقلّ شيئاً فشيئاً ، ليكون في القليل النادر اليوم .. وقد يسأل سائل : لماذا.. هل تغير الإبداع .. هل تبدلت روح الكتابة .. ؟ وأحبّ هنا أن أقول إنّ السنوات ، والكتابة باستمرار ، تجعل التآلف قائماً بين الحرف والكاتب .. فلا يعود الحرف على جفائه الذي كان ، ولا تعود الكلمات على نفورها الذي مضى .. وتصبح الخبرة ميزاناً جميلاً يستطيع الكاتب من خلالها أن ينتقي المفردة التي يريد دون حاجة لإطالة البحث والتنقيب.. وهذا لا يعني بأي حال ، أنّ الكاتب يتحول إلى مضخة تضخ الحروف في كلّ وقت ..

هناك دائماً مساحة تجدر دراستها عند الكاتب ، يمكن أن نسميها مساحة التآلف والالتصاق بدفء الحرف .. وكلما ازدادت هذه المساحة اتساعاً، كلّما كان الكاتب أقدر على التعامل مع الحرف بتدفق وحيوية وتميز .. وإذا كان الكاتب المبتدئ يحتاج لساعات طويلة كي يشكل نصاً إبداعياً ، فإنّ الكاتب والمبدع الذي أمضى سنوات طويلة من العطاء ، لا يحتاج إلا إلى القليل من الوقت ، ليقدّم نصاً أكثر نضوجاً وجمالاً وروعة ..

أذكر ، وربما تذكرين ، أننا كنّا نتباهى بتمزيق الورق وإعادة الكتابة ، وكلما ازداد عدد الأوراق الممزقة أو الملقاة في سلة المهملات ، كنا نشير إلى حجم التميز الذي عندنا ، وندّعي أنّ فعل الإبداع يستدعي ذلك ، وأن العبقرية لا تكون إلا مع تمزيق الورق مرة بعد مرة .. ومع الأيام تغير الحال ، وعرفنا أنّ الصورة القديمة ، كانت تدلّ على أنّ نضوجنا لم يكتمل ، وصرنا نضيق الآن حين نمزّق الورق ، وكلّ ما نفعله ، حين تأبى القريحة أن تجود علينا ، كما نريد ، يبدو في  أن نترك الورق لمرة أخرى.. فالعبقرية لا تعني أن نمزق الورق ، بل أن تكون الحروف مسكونة بكلّ ما في العالم من سحر ..                14/8/1998

البوح السادس والعشرون :

" الزمن من نقطة انطلاق "

" الزمن هو أسوأ اللصوص لأنه سلبني بقية الحب الذي كان لا يزال في قلبي "

الزمن نقطة انطلاق ، فإذا أضعنا نقطة الانطلاق .. دخل الزمن منطقة الخطر .. مع أبخرة فنجان القهوة الصباحي ولهاث الدخان يضج في رماد حزن مذبوح على خاصرة الزمن ، كنت أتأمل حالة الصراع بين العقل والروح  .. في الأرجح أن الفوز سيكون في معركة المعرفة والنور.. لأن الروح وضعت في سجن الجسد فهي في خطر دائم لأنها لا تستطيع مد ذراعيها فيه بحرية.. أليس الإنسان هو الذي يصنع تاريخه ؟ .. الأفكار وحدها لا تفعل إنما الفعل الحر ، الأثر الممتد.. هو التاريخ .. لي .. ولك .. ماهو فعل الزمن ؟ .. هو شعورنا بالعجز والقصور والملل، والكتابة وحدها هي التي تحول وهم الزمن إلى معنى ، وتأخذه إلى شاطىء الأمان حين تركض الحروف في حقائب المعاني وتفتح في فضاءات أبراج النجوم السرمدية .. كالطائر الحر في بياض لا حدود له ..

الأخيلة تتداعى كالجدول المنساب الذي يتمتم ، ويقلق أشجار المسافات التي تنسى ما همست به لغمامات متوردة؟ .. إذن لمن يعزف لحنه ؟ ..

الرغبات هي اشتعال الحيوية مع العطاء ، فنحرق الأوراق ، ونحزن الكلمات ، ونرمز بالمعاني ، لأننا نبحث دائماً عن شكل آخر لتنطلق الروح من الواقع المؤلم .. إلى العقل الحي ، إلى المعنى.. إلى المعرفة .. هذه القوة تشيع الانسجام أو التنافر في شبكة الحروف ، ثم تتآلف وحدة متناغمة كنبتات اسطورية تنمو في غابات اغتراب الكلمة المرتجفة على فراغات لا نهائية ..    21/8/1998

البوح  السادس والعشرون :

ذاك الجانب من القلب

وفي ردهة البوح بوح .. تأخذني الشوارع فأرمي على رصيف الوقت بعضاً من معطف انتظار كان .. تسألين كم كان عليّ أن أحبّ ؟؟ كم كان عليّ أن أعطي ذراعي لوردة تخطف العمر في ردهة الذهول ؟؟ وتعرفين ليلى أنّ الشاعر معلق في لحظة الوعد مثل بندول الساعة الذي لا ينام .. لكن كم عدد اللواتي سرقن قميص عمري حين أخذت في تلاوة النشيد الطويل ؟؟ متهم أنا بكلّ زهرة كان لي معها وإن نصف لحظة في حديقة عابرة .. لذلك يصعب أن أحدد شكل ملامحي في مشوار الحب .. وأستطيع قبل أن تطلقي الرصاص لاغتيال مسافة قد تطول أن أقول : فرق كبير بين أن أعطي قلبي ، وأن أعلّق طوق الياسمين على شرفة في طريق.. في الأولى يكون العشق ناراً أختبئ من لفحها وفي الوقت ذاته أحترق .. وفي الثانية أكشف صدري للعابرين وأضحك من جهلهم بالذي كان أو يكون..!!.. فأين هو الحب في طلقة الورد وصيحته ، وأين هو العشق في طلوع المطر حتى غسق الكلام ؟؟..

حاولي أن تعبري لحظتي مرتين لأدخل في كلّ أزرار الروح وسر الوجد الذي لا ينام .. لماذا تريدين أن يطارد الناس ظلين من وعدٍ في مساء شفيف؟؟ أردت أن أخبئ وردة حلمنا في عالم من سرّ مغلف بسر .. وعندما بدأتُ في بوحي كنت تكشفين مع الوقت ، عن دقات قلبك في ساعة قلبي، وعن دقات قلبي في صدرك الذي حاول الاختباء ذات كلام وراء ظلّ حرف من زجاج ..

لا تقولي طال الشجر حتى وزع الورق على فضاء من ريح ومطر .. ولا تقولي كان الذي كان همس عاشقين في شارع مكسور .. ولا تتركي يدك تبحث عن مسافة تخبئ ارتعاش الوعد في ظل أخير .. فما زال في الشرفة وقت من وقتنا .. ما زالت في كلّ زاوية رائحة من بنفسج الروح وسحر الهمس الجميل .. ضعي ما شئت من حبق الاختباء ومدّي ذراع النوم لكلام يدور في شوارع المدينة .. فما كان كان .. ولن تعيد الساعة عقارب الوقت إلى الوراء ..

هل كان عليّ في وعد من مطر ، وفي ساعة من وقت ظليل ، أن أفتح باب الكلام للكلام .. ما  كان عليك أن تسألي في استدارة غضب .. وما كان عليّ أن أتلو كلّ طلوع الشجر والورد وحناء الوقت في ذهاب حتى حدود الروح .. مطارد يا ليلى الكلام في شرقنا وملاحق.. مطاردة حروف الجر والعطف .. ومباحة كلّ الفواصل التي تمدّ ألف بياض بين الحرف والحرف .. لماذا نعرض أمام المتخمين بغفوة الأحلام التي لا تحمل صورة واحدة ، هذا الكمّ اللا نهائيّ من وجد الكلام ؟؟ أما كان من الأجدى أن نبقي بوحنا في سلة الأيام التي لا تجيء ..؟؟..

أي حب .. وأي مطر .. أي شجر .. وأي ربيع ؟؟ نسي الكلام بعد أن خلع الورد ثوب العبق ، كلّ ما في الحروف من كلام .. وها أنا أتلو صلاتي في ندهة صباح مزروع على شفة حملها طائر الليلك المستحيل ..

أعيدي ذاكرتي أو خذيها .. لمي فوضاي أو بعثري ما شئت من ورق وبقية نبض تشعل الواحدة منه الف عالم من هوى .. سأبقى مع ذاك الجانب من القلب .. سأبقى محتفظاً بكلّ ما في الورد من ورد .. أحمل المكان للمكان .. والزمان للزمان ..  وأضحك من مشاوير لا تغسل العصافير دروبها بزقزقة الغرام ..

هكذا أنا .. ولن أكون إلا كذلك .. ربما نبتة غريبة في زمن غريب .. وردة تطلع لتطلق الصباح .. ندهة تقف مثل إشارة التعجب في وجه كلّ ظلام .. ولن أحني قامتي إلا لأشم عطر الزهرة الأولى في دفتر صباح لا ينام.. خذي مفتاح عمري فلن أغلق الأبواب إلا على ابتسامة من ضوء النهار..

                             9 / 10 / 1998

البوح السابع والعشرون :

" للحب عصيره "

" الحب يبدأ حيث تنتهي الرغبة بالأخذ "

زمننا يافع أبداً ، أحس أنّي لم أكتب بعد .. رغم أن الكلمات تتفتح بيننا كالأزهار الخيالية على مروج الحب والإنسانية ، وتلتقط العبير من الوجدان ، وأوراقنا مسافرة وراجعة ككل ربيع .. تهدهد أنفاس الحروف بالأمل المرح ، ثم تسترخي ضفائره ممتطية على سياج المسافات.. متى تسترسل على سفوح رحبة لا يحدها شيء ؟ . أليس الإنسان أسمى من كل الأشياء ؟.. ومصدر فرحه وجوده في الحياة ، إنما الأعظم هو التمتع بالوجود ..

تفرغ الكلمات من شفتيك كقطرات ندى فرحة على أرض عشبي بعد مطر خريفي ، فأغرق في بحيرة مغسولة بالصفاء .. ونجوم الأمسيات شاردة حولي تخبو كالبجع المتموج في صمت السماء المسكون بالعتمة .. مدّ دافق من لمسات الفتنة يشجيني خريرها .لِم لا تكون الحياة لي ولك بلون العشب المنتشي بُقبل المطر ؟ لِم تبقى ابتسامة الحب خافتة ولا تلامسها بخصل الغمام الرمادي ؟ . متى ندخل بياض الروح ، ونعبر جسر المسافة ، في هذا العالم المثخن بالجراح ؟..

أليس الشاعر طفل الزمن الذي يخلق المعرفة برؤيا جديدة ؟ ألا يصنع الجمال لحبيبته بلوحات مختلفة .. لأنه يدرك قوانين الكون من أجل غاياته الجمالية . وهو الظامئ أبداً إلى تغيير الإنسان ، وتحريك القوى الخيرة في كيانه .

في شجر الذاكرة تنبت الرؤيا الروحية والشعرية لتشكل تناغماً لكشف الجمال الحقيقي والداخلي ، هل كانت ـ الجوكندا ـ غير خلق فني لم ينته . وابتسامة باهتة ، أو ساخرة ، أو فرحة تشع من بحيرة دموع ساكنة .. لأنه فن عظيم ما زالت تعطي للمشاهد حالة خلق ذاتية لانفجار داخلي لحزن ما .. لفرح ما ، لذكرى .. أو للامبالاة بكل الأشياء ..

                                        30/8/1998

البوح  السابع والعشرون :

شجرة الوقت الآتي ..

هل تستطيع الكتابة أن تغطي أعمارنا بما نريد من شجر وحلم ومطر؟؟ يصير السؤال في بعض الأحيان دالية لا تحمل عناقيد عنب .. حيث يسقط القلب في مساحة الجواب مجروحاً مثل قبرة تتخبط بحلكة وجع لا يرحم.. ودائماً تعود العصافير حاملة بمناقيرها ما تبقى من رائحة الوقت الرخو..

أحاول قدر استطاعتي ، في أحيان تقلّ أو تكثر ، ضبط إيقاع صوتي حين أبحث في زمن الكلام عن تلك التي أحب .. ولا أدري لماذا تصفعني مآذن الأشياء  الباردة حين لا تكون التي أحب إلا في زاوية المكان الذي لا أصل إليه .. تلك هي المعادلة الأصعب ، وذلك هو الصوت الصارخ .. وبين أن تحب في تواصل مع من تحب ، وأن تحب في احتراق جارح لا يصل بك إلى من تحب .. تكون رخاوة الوقت الرجراج دون حد .. وأكاد في كثير من الأحيان أن أترك العنان لدموع القلم أن تشجّ مساحة البياض بصرخة لا تحد .. وأضحك .. لماذا يضحك الإنسان في حالة البحث عن وقته الضائع الغائب ؟؟..

لا تظني ليلى ، وقد سكن وجع المساء في أضلعي عند مخاض الوردة الذهبية ، أنني أوزع ورق الذات على سطر الشموع المائلة نحو المغيب .. فما تعودت اجترار الألم ، ولا تعودت وضع قامتي في قالب من عمر مكسور.. كلّ ما أردته أن أداخل مساء هارباً ، لأفتح الباب لشجرة الوقت الآتي ، فأنا مع الصباح القادم ، مع الضحكة التي  ترتسم على باب الشفتين الهامستين لوعد جميل .. وفي كلّ فضاءات المطر.. سأكون الرعشة التي لا تحترق ولا تنام .. سأكون ظل النهار إن لم أكن النهار كله.. فلا تبحثي طويلاً عن قامتي إذا كان الشجر في كلّ مكان ، لأنّ كلّ شجرة قامتي ، وكلّ رصيف خطوتي . ولا شيء أجمل من ضحكة بطول الزمان والمكان..       11/10/1998           

البوح الثامن والعشرون

" الشاعر يصب أحلامه .. "

" الشعر كالمرأة .. يهجرك حين لا تعصر له قلبك "

 كالشرر المفاجئ يتقد شرر الحب في نبض الشاعر ، حين ومض الشرر بين مسافات تأكل جوعها النهم في الأبعاد ، نجمة الخيال أغمضت عينيها في ليل معتم بينما الدموع الواكفة ما زالت تقدح على محارق الانتظار ..

رفة البعد بيننا تواصل حزنها بينما شجو الحروف يغني لنا .. ولولا حبر الحروف لبقي العالم وهماً باطلاً ممعناً في قسوته ، متشرباً حنين أغصان الروح التي تتفرع وتتهدل على شجرة حياتنا السامقة . فتخصب الأوراق ، وتثمر الحروف .. وتعرش العناقيد على دوالي العمر ..  أليس قلب الشاعر المحب يعتلي هامات الشمس على ظلال الحبيبة ؟ .. وأيام الحب كالزهور يصنعها حلم ضبابي معطر بأبخرة البياض ، وأنفاس الشوق، أحس أنّي ورقة مرمية ضمن فراغ باطن زهرة برية محاصرة في براري الاغتراب منسابة في هدوء السكينة ، والأبخرة السحرية ترصع الصفحات سابحة بي في حالات الانفعال . والخلق . الغضب والحب . تتيه الروح في شروق آتٍ ما من شرفات قد تمزق ستائر العتمة في فرح ما ..

أثمل في حانة الشعر بلغتي السرية التي تتوالد في لحظة بوح اللاوعي في النفس ، هذه اللحظة ترعشني ، وارتعاشتها لا تدوم إلا هنيهة قليلة .. ثم كالغيمة المخضلة أعصر قبلاتي للأرض/ الصفحات وأنبت براعم الأحاسيس من داخل الذات لأخلق مادة .. نصّاً وأنا في نشوة سكر الانخطاف ..         15/9/1998

البوح الثامن والعشرون :

زهوة التماهي

من بابِ أولى أن يعيد الشجر في زهوةِ  التماهي مع حبر قلبي ترتيب خطاه على شارع من شوارع الياسمين .. أحياناً يطيب للبعض أن يصفني بالغرور ، وربما أكثر من الغرور .. وأضحك .. صدقيني يا ليلى أضحك ولا أجيب . لأنني أمام احتمالين لا ثالث لهما : إما أن يكون الذي يصفني بالغرور صغيراً إلى حد يراني فيه أكبر من احتماله ، وإما أن يكون حاسداً لا يريد لي أن أتقدّم خطوة إلى الأمام .. ومع هذا وذاك ، لا يطيب لي أن أجادل ، والأغلب أن أترك في رأسه أنني أكثر غروراً مما يظنّ .. هل أنا مخطئ ؟؟ ربما ..!! لكن أحياناً لا أستطيع التعامل مع الجميع بمستوى واحد .. لأنّ هناك ، من يظنّ ، وينتفخ في ظنه ، أنّ التواضع يتيح له أن يفعل بنا ما يشاء ، ومع هذا ، أستطيع أن أكون جبلاً ، ليكون قزماً ..

أعترف ، وأنتِ أدرى الناس بذلك ، أنني طيب مليء بنبض الحبّ والحياة والعطاء والشعر والجمال . لكن مع من يستحق ذلك .. مع الناس الذين  ترتسم في وجوههم وقلوبهم كلّ آيات الجمال والبهاء والطيبة .. هؤلاء أعطيهم دون قيد أو شرط ، كلّ مفاتيح قلبي وعمري.. أكون طفلاً في حدائق أعمارهم ، وشاعراً يغنّي ويشدو في كل دقيقة من دقائق أوقاتهم .. فأنا يا ليلى مع الحب والحياة ، والماء والهواء ، لكنني أشترط حتى لا يظن الآخرون ، أنني سهل حين يريدون ذلك .. هل يدهشك هذا القول .. لا أظن ..

من حقي وحقك يا ليلى ، ومن حق كلّ مبدع ، أن يكون في المكان الذي يستحق .. لأنّ المبدع إنسان استثنائي ـ وأنا لا أتحدث هنا عن المبدعين الذين لا يعرفون عن الإبداع شيئاً ـ ومن واجب الناس أن ينظروا إليه على أنه إنسان استثنائي .. ألا يقوم بتقديم عمره شمعة تغير لهم الطريق ؟؟ ألا يعمل على أن يكون الكون أجمل من أجل كلّ واحد منهم؟؟ فلماذا لا يكون استثنائياً في كلّ شيء ؟؟..

صدقيني يا عصفورة الشعر أنني أبعد الناس عن الإيمان بالغرور .. لكنني لا أريد في يوم من الأيام إلا أن أكون أنا .. وكم أكره أن ينتفخ الصغار أمامي .. أن يتباهى البعض بمال أو جاهٍ أو مظهر وما شابه .. عندها أحبّ أن أكون أنا .. أحبّ أن أريهم أنني أكبر منهم بما أملك من حب وشعر وإبداع وعطاء .. هذا هو غروري ، ولا شيء سواه .. ألستُ محقاً في غرور كهذا..؟؟..

الحياة أجمل من أن يشوهها البعض بصور مزيفة .. والحب أكثر اتساعاً من أن يجعله البعض صورة لمظهر ما.. لذلك أحبّ أحياناً أن يكون غروري صدمة لكلّ ما هو مزيف، ولكلّ ما هو أجوف .. أحبّ أن يكون غروري صرخة في وجه كلّ من يحاول أن يرى أنّ هذا الإنسان أو ذاك أقلّ شأناً منه .. وهذا في النهاية يا ليلى ليس غروراً ، لكنه محاولة لترتيب الأشياء .. محاولة لجعل الإنسانية أكثر جمالاً وسطوعاً وعطاء ..

ما أصعب هذا الطفل المشاكس داخلي ، وما أجمله .. لا يريد أبداً أن يصمت أمام أي خطأ .. لذلك يعلو صراخه كلما رأى اعوجاجاً في هذا المكان أو ذاك ..

ستقولين ذات يوم ما أجمل هذا الطفل المشاكس وما أروع صلابة رأسه حين يواجه الناس المزيفين .. وستضحكين يا ليلى حين تقتربين من دفقة الشعر الفوّار في قلبي .. فأنا مع من أحب ، أكثر الناس عطاء ومرحاً وحباً..

البوح التاسع والعشرون :

" الشعر ، الحب ، هما واحد  حارق ومحروق "

  

 " أنت رائعة كالمسك .. فأينما تكوني يلحظك الناس "

              ( جيته )

أما كان الهدهد رسول الغرام بين سليمان النبي والملكة بلقيس ؟ .. والحرف طائر المسافات بيننا . رسولنا للحب والشعر  .. فالحب هبة إلهية كالشعر تماماً . وهل يستطيع أي إنسان قسره عليها ؟ ..

نحب ، نتغنى شعراً ، ونثراً ، بمن نحب ، وحين يقسو الحب نشدو على أوتاره الجريحة بقلب يحترق .

وكما قال ـ جيته ـ :      

  إن حبي دائماً يقسو علي      أشدو بقلب يختنق

فالمعرفة الحقيقية هي التي تصدر من الحب ، وليست التي تؤخذ من الكتب ، لأن الحب عاطفة ومعرفة ( كالحب الصوفي ) . والذي يجعل له قيمة أنه تجربة حية روحية ، وقد عرف الإنسان الحب قبل أن يعرف الله . وبالحب استطاع الإنسان أن يهتدي إلى الله ، ثم إلى الإيمان ..كل شيء في الكون يفنيه الزمن ، أما كتب الحب والشعر نبض لحروفها ، كل سطر فيها  خالد خلود الحب نفسه .. لأننا نقيم في الكون ثم نولي كفرار حلم ، ومع ذلك يحاول البعض تقليل الشمس بالظلام، ونزع الظل من نضارته . والحياة تسلب منا الكثير ، ومع ذلك تبقى سخية لأنها تترك لنا ( الفكرة ، الحب ، الذكرى ) .

كم تمنيت أن أنعم بمن أهواه .. وكنت مع سؤال الشاعر ضمن إشارات استفهام أجوب متسائلة : 

" أنبئيني ماالذي يهواه قلبي 

          إنما قلبي لديك فاحفظيه  "

وخرجت من دوائر الكثير من الأسئلة المستعصية الحل ، لأنها لا تجد لها جواباً إلا عند المحبوب !. وهل يرتوي ظمأ المحب وهو في بيداء المسافة وسراب الماء يغريه عن بعد ؟ 20/9/1998

البوح التاسع والعشرون :

أغنية لمساءات الشعر

أردت في بوحي هذا أن أتحدث عن طيور قلبي ، فانفلت الحبر فجأة وأخذت أحدّق طويلاً في عالم الشعر ، هذا العالم الجميل الجليل ، ولا أدري لماذا شعرت وأنا أحدق فيه ، وأداخله ، أنني مسكون بالحزن والفرح معاً .. صدقاً لا أدري.. فالصورة ما زالت غائمة ، أو مشوشة ، وظني أنّ الحديث عن الشعر يجعلنا نقف دائماً في هذه المساحة الغريبة من الذهول والغياب معاً .. وربما الأصح القول إنها المساحة التي لا تتصف بأي صفة من الصفات المتعارف عليها .. لكن لماذا كان الشعر .. وما معنى أن نصرّ على عالم من الشعر ؟؟ ..

قد أعود إلى طفولة ما كان لها أن تبقى حتى الآن دون شعر .. فالشعر أبقاني في عالم الطفولة ، والشعر أعطاني الحق في أن أبقى مسكوناً بفرح العالم وحزنه .. وجعلني قادراً  في كلّ الأحوال على التوازن والصمود والوقوف بثبات .. وظني أنني دون الشعر ، ما كان لي أن استمر على ما أنا عليه ، وما كان لي أن أحب كلّ هذا الحب ..

كنت طفلاً مليئاً بورد الفرح .. وعندما كبرت صرت طفلاً مسكوناً بزهر الليمون الذي تماوج بين الحزن والفرح .. وبذلك حققت أروع المعادلات . وكان لي كلّ هذا العشق الممتدّ على كلّ الأرصفة خطوات لا تعرف التعب..

كثيراً ما يسألني الآخرون : متى تكتب ؟؟ ولا أدري لماذا أضيع في الإجابة ولا أستطيع تحديد الملامح تماماً .. ربما لأنّ (( متى )) هذه تحاول أن تبعد الطفل قليلاً .. أو ربما لأنّ كتابة الشعر لا تحتاج إلى مواعيد هبوط وإقلاع .. إنها الإنسان في كلّ حالاته .. ولا شيء يعادل الشعر أو يشبهه ، لأنّ كلّ الكتابات الأخرى تبقى بحاجة إليه ، ويبقى هو مكتفياً بما فيه . فالشعر تكامل ، بينما الكتابات الأخرى بحاجة إلى التكامل ، ولا يكون تكاملها إلا مع الشعر . وحتى لا أطيل ، أختصر فأقول : إنّ الشعر طفولة الإنسان وبراءته ، وعندما يتخلى الشاعر عن الطفولة والبراءة ، يفقد بالتأكيد كلّ ما لديه من شعر ، عندها يتعالى صراخه : إنّ زمن الشعر قد ولّى.. وينسى أنّ هذا الزمن قد ولى بالنسبة له، ليس إلا ..

البوح الثلاثون

" الشعر سحر اللغة "

تحت قميص الليل الفضفاض ، أعصر عنب الحزن وأشرب خمره .. لماذا وضعتني في جواب الصمت .. أ لأنني أحببت ؟..

" قلقاً يا قلبي أراك .. تندي أعماقي بأحزان هواك " ..

أليست روح الحب هي نكران النفس من أجل من تحب أو توسيع النفس إلى حد أن تراها بالذي أحببت ..

ربما لأنك تختلف عني أحببتك ، ولا أحب فيك إلا ما يختلف عني.. ولأنك الغمامة الشاردة التي تداعب أفكاري مع أغنيات كل صباح يتأرجح الفرح على أغصان محبتك ، وفي فلك بوحنا همسة الكون الغامضة ، ولهذا غرقنا في نشوة الكلمة ، ونشوة دن الشعر أليس من يشرب يختار ساقيه ونديمه ؟ ..

فالشعر هو الذي يجعل النفس منطوية على ذاتها على أعماق أعماقها . لأن النفس لحن تقوم على إيقاعها ارتجاف دائم لتموجات جنبات الكون..

والشعر ليس الاغراق في اصطياد الألفاظ والعبارات التي تؤدي إلى ترمد العاطفة وصنع لوحة براقة من القصيدة ، الشعر هو لحظة الرؤيا تأتي ثم تختفي فجأة .. لذلك الشعر الحديث يمر بمرحلة القلق والضياع وتعقيد التراكيب ، وغموض المعنى ، وقد أهمل الصورة الشعرية التي هي الضوء الذي يخترق ويكشف ، الكلمة في الشعر التقليدي جاهزة المعنى ، حاضرة الفهم ، وسحرها البيان وفي الشعر الحديث الكلمة تحمل المعنى إلى مرحلة الحدس والرؤيا لا في الشكل بل بما يوحي به هذا الشكل من معنى إنساني لخلق هزة كيانية تستمد وجودها من معاناتنا ، من تجاربنا ، من الصور المحلقة في الأخيلة .

فالشاعر هو الرسول الذي يعلمنا أن نتحدث كما نشعر ونرى . والسائد في النقد الحديث أن التجربة لا تنفصل في الأثر الفني عن أسلوب التعبير عنها وهي أسلوب الرموز والكلمات واللغة والصور التي تصبح شيئاً نابضاً يفاجئنا ويدهشنا ، ويعيش معنا اللحظة . وقد صنعت زمني بتأملاتي بالحب ، ولغتي بالغيمة الرقيقة تستر الشمس بحيث يصبح من الممكن النظر إليها والتمتع بدفئها .. وزمني حركة متميزة ومستمرة . ضمن الأضداد والمتناقضات .. 25/9/1998

البوح الثلاثون

دهشة العمر .. دهشة الحلم

تلك إذن آخر الأغنيات .. أو ربما آخر الفصول في حكاية زمن البوح الجميل .. لا أدري كم من الوقت مضى .. كم من الصرخات اشتعلت في عالم الروح .. كان عليّ أن أبوح بشكل لا يخرج عن عنب القلب وخمرته، لذلك جاء الحرف أول ما جاء ، مسكوناً بشيء من ذهول المكان والزمان ، وربما بدهشة العمر الجميل ..

أتذكرين يا ليلى كم من الوقت أمضينا ؟؟ أتذكرين كم من صراخ العمر أرسلنا ؟؟ أتذكرين العتب والألم واعتصار الذاكرة شوقاً لأيام مضت ؟؟ أتذكرين ما كان من غضب وبعاد وكسر لزجاج الحروف في ساعة من ساعات التوحّد بطرقات الغرابة وانشغال العمر بسيرورة الحياة ورتابتها؟؟..

كانت محاولة منا أن نبقي على النبض خالياً من الشوائب.. وكانت محاولة منا أن نبقي الأنفاس مسكونة بعطر الورد .. وكانت محاولة قبل كلّ ذلك ، أن نحافظ على نقاء العالم الذي صنعنا ، بعيداً عن حد السكين التي حاولوا أن يغرسوها في قلبينا .. كان علينا أن نجترح معجزة البقاء في فضاء خاص بنا ، وفعلنا .. رغم كلّ الحرائق .. فعلنا .. وخرجنا من دفقة الوقت معبئين بكلّ هذا العنب الجميل وسكرته ..

هل هي الحروف الأخيرة في السطر الأخير من دفتر البوح ؟؟ لا أظن.. فالامتداد الذي بدأ منذ أورقت شجرة العمر لا يمكن أن يكون امتداداً مرتبطاً بتوقيت أو نقطة نضعها بعد هذه الجملة أو تلك .. إنها معجزة اللقاء الذي ما كان له أن يكون إلا في هذا البوح الذي خرجنا به عن جادة الصمت ، لنقول ما نريد قوله دون خشية . وظني أنّ البوح في زمن قادم ، لابدّ أن يمتدّ ليأخذ شكلاً آخر .. لكنه في كلّ الحالات سيكون كما أردنا له أن يكون ، بوحاً صادقاً متصلاً مسكوناً بما نملك من حلم وفرح ودهشة وحزن وتطلع .. كلّ واحد منا استطاع أن يقول ما يريد ، وكلّ واحد منا وضع الحرف الذي يريد في ا لمكان الذي يريد .. لذلك كان البوح حلواً مثل قطعة سكر .... هل آن للحروف أن تنام إلى حين ؟؟ ..

صدقيني لا أريد للحروف أن تنام ، لا أريد للعصافير أن تترك الشجر.. لا أريد للبوح أن يترك مقعد الاعتراف خالياً من صرخة حب تريد أن تقول العالم كله بجملة ، وتريد أن تغني القصائد كلها بدفقة موسيقى ..

كان حباً ، وصار عشقاً .. أين الفواصل .. النقاط .. الجمل التي تقول شيئاً من العمر الجميل .. إشارات التعجب .. صرخات الحبر .. فوضى السير على رصيف مجروح .. سماء قبرة نسيت أن تضع زجاجة العطر في مدّ الفضاء .. أصابع يد امتدّت لسلام ما في شارع ما ، وتركت نصف حضورها المدهش على حافة اللحظة المشتعلة بالياسمين والنرجس وزهور النداءات الجميلة ..

في الوعد أن المطر قد يحمل العالم كله قطرات لا تذوب.. وفي الوعد أنّ الحلم دهشة ، وأنّ العمر دهشة .. وما بين دهشتين كان عليّ أن أضع خطاي .. أن أعبر سكة الروح إلى سكة الروح تماماً .. قد يصعب التفسير، لكنها المعادلة القابلة لكلّ البراهين ، والرافضة لكلّ البراهين . وبين هذا وذاك يكبر الشارع وتمتلئ الشبابيك بصرخة المكان ..

ربما جاء المساء بعد وقته بقليل .. وربما جاء الصباح في غير موعده .. كذلك ربما وضع البوح شيئاً من دفتر الحلم على طاولة لا تكون .. هل يعني ذلك أنّ الوقت لا يتسع للوقت أحياناً ؟؟ قد يكون الأمر مضحكاً .. لكنها الحقيقة .. فالظلال التي ترتسم على جدار من ورق مفقود ، تبقى هي الأجمل .. وأعترف أنّ البوح كان سلّم الصعود إلى سرّ الروح ، مع أنّ الروح تحاول أن تصعد إلى سرّ القلب ..

يستريح الحبر في هدأة القلم .. وتستريح الضحكة في هدأة الشفتين .. هكذا كان الحب دهشة الحبر الأولى ، وكان الحلم لحظة الصعود إلى الحلم الأروع .. وكنت في كلّ اللحظات أسجل بصماتي كي لا تضيع ، وكي لا يقع مطرها في غير الأرض التي أريد ..

البوح الواحد والثلاثون

" عمري لحظة وحدة وتفرد "

وحدتي الذاتية لحظة سكونية صامتة مضيئة بتوهج الروح ووخز الألم.. الكل يحاورني أتواصل معهم .. واليوم أستجوب ذاتي .. باستفسارات تحمل المعنى لحياتي ..

الحب .. لغز كالفن لا يفسر .. الصداقة .. أعمق من الحب، هو يومض كالشرر وينطفئ ، هي تكسر عزلة القلب وأصابعها الفضية كشعاع نحيل تغمس بموجات عطر ناعم يتدفق بسخاء الأرض ..

الشعر : في الشعر كما في الحياة يصح تطبيق عبارة ـ برناردشو ـ اللا قاعدة هي القاعدة الذهبية .

لأن الشعر وليد أحداث هامة في الحياة ، وليس للحياة قاعدة معينة تتبعها في ترتيب الأحداث ، ولا نماذج معينة للألوان ونقاد الشعر من مدارس ومذاهب يقولون :هذا شعر كلاسيكي ، رومانسي ، واقعي ، رمزي ، سريالي . هذه ليست قواعد إنما أحكام..

فالروح هي التي تجعل من قول ما قولاً شعرياً ، والإبداع لا يتمثل فيما عرفناه ، ولا فيما نعرف بالتقليد ، إنما يبحث عن استشفاف هذا الجمال في كل ما يخلق من صور الفنون وأشكال المعرفة والأصالة ليست اللوحة ، ولا القصيدة بل شعورنا باللوحة والقصيدة هذا الشعور يثير دهشتنا بغرابتها وهذا سر إبداعه ..

لايمكن أن أنسى : أن الحياة جميلة ولكن بعض المخلوقات تشوهها بقسوة .

نقطة تحول : حين أنتعش بالكلمة الصادقة الملتهبة في خدود الشفق يرتجف صوتي مع بحة أغنية الحب الخالدة..

أبتسم : عندما تكون أغصان الزيتون مسترخية بين خضرة السلام في هذا العالم المثقل بالجراح .أبكي ..  عندما أرى دمعة حزن صغيرة على وجه طفل ، وصرخة احتجاج من حيوان يؤذى ويتألم..

أتعجب عندما : أسمع النهر يغني منتشياً بخريره ،  رغم غربته في كآبة أرض مهجورة.. أخاف من : الذين يملكون الكثير  ، وهم حائرون بين عناكب  الأنانية  والقلق .

أحب الصراحة : ولكن يجب أن أعرف الحد الذي أتوقف عنده وعندما أصل إلى هذا الحد ، أحس بالأمان .

أشعر بالخجل .. حين أقف كالقطار الذي لا يتحرك تحت المطر .. والزمن يسبقني ..

التأني ..في أشد المواقف غضباً .. أستطيع أن أسيطر على انفعالاتي ولا أقرر موقعاً ..

تمنيت أن أنسى : منظر الأوراق التي تنتحر عندما تشعر باصفرارها ، ومنظر الشجرة التي تموت واقفة .

شيء لم أذكره : إساءة كل إنسان لي ، أغسل ذاتي بنقاء طهر أطفال العالم ..

أعجب : بالذي يستطيع أن يغني وحيداً في قرار بحيرة مهجورة وروحه تنتشي باللحن . فيمسح بأنامل الحنان دموع عرائس البحر الحزينة ..ما أتمناه : أن تقرض جميع أسلحة الشر الفتاكة والمكروهة من البشر لأن حيث تكون الأشواك والأحراش تسكن الجيوش .

أسأل : أين ينتهي قوس قزح .. في نفس من أحب أم في الأفق البعيد ؟ لأنه يزهر أشجاري دائماً بربيع الحلم ..

أليس ما نسميه حياة . أسرع من خفقة  الأوراق الذابلة على كتف الريح ..

كلمة لا أنساها : يا رب .. لا تعلمني الحكمة .. بل علمني المحبة ..ولا أنسى أن أسأل من أحب : لماذا كلما أمعنت في غيابك يتكشف في ذاتي توهج حضورك .. فهل أراك وأنت البعيد القريب ..؟..    24 / 9 / 1998

البوح الواحد والثلاثون :

بدل المقدمة ..

تتلو العصافير وعدها ، والبوح لا ينام .. كان الحوار بيني وبين ليلى عزفاً على وتر جميل .. حاول كلّ منا أن يقول الكلمة  دون رتوش ، أولنقل ، دون فواصل تداخل الحرف فتلغيه.. هي في البداية والنهاية ، قصيدة شاعر وشاعرة ، مكتوبة بهذا الأسلوب الذي يقارب النصّ السردي في  بنيته ، و لا يكون هذا النص في المطلق العام ..

أعترف ، كانت الشاعرة ليلى مقدسي ، أكثر مثابرة مني على إعطاء البوح استمرارية جميلة.. وأعترف ، أنّها كانت، كما هي في الحياة ، ورقة خضراء لا تعرف إلا العطاء الجميل ، وقلباً كبيراً يستطيع أن ينبض لأجلها كما للإنسانية.. فقد تعودت ليلى أن تكون قامة  عالية ، رغم البرد والعواصف والنار .. ولعمري فقد كانت أكبر قلباً من التوقف عند محطات باهتة كثيرة ، امتدّت فيها بعض الأيدي لتخدش مساحة البياض عندها ، ولتجرح مشاعرها الرقيقة، دون ذنب ، إلا حبها للناس ، إذا كان مثل هذا الحب ذنباً ..!!.. إذ أنّ بعض الناس ، وللأسف ، يضيرهم أن تكون مساحة البياض واسعة شاسعة إلى هذا الحد..

ولا أكتم خشيتي من نشر هذا البوح مرات ومرات ، لا على نفسي والله ، بل على الشاعرة ليلى مقدسي .. لأنّ الخائضين في سير الآخرين ، سيطيب لهم أن يخوضوا في بحر البوح هذا ، ولن يصدّقوا كمّ العطر وأريج الورد في هذا البوح .. لأنهم يبحثون في كلّ وقت عما يعكس صورهم في  المرايا .. وما تعودوا أن تعكس المرايا ملامح عمر جميل ثر عذب .. بل تعودوا في كلّ مرة ، أن ينظروا في المرآة ، ليروا وجوها تنقط عذاباً وغيرة وتلذذاً بدخان الحرائق ..

لا يهم ، فإني وليلى ، نتوجه مباشرة إلى الوجوه التي تشبه وجوهنا، وإلى الملامح التي تشبه ملامحنا ، وإلى النبض الحقيقي والطبيعي الذي يشبه نبض قلوبنا .. ولا نريد غير هؤلاء .. فالكتابة في البداية والنهاية ، اتجاه نحو السموّ والنبل وتحليق الروح والتواصل .. ولا شيء يشبه التواصل  الإنساني في جماله ورقته وعذوبته ..

هل يعني كلّ ذلك ، أنّ زمن البوح   قد انتهى .. لا أظن .. فالبوح لا ينام في يوم من الأيام .. وإذا كنّا نضع نقطة النهاية في هذا الكتاب ، فلكي نفتحها نقطةً للبداية في كتابٍ آخر سيأخذ الشكل الذي يريد ، والبعد الذي يريد .. وسيأتي يوم يتواصل فيه القارئ مع كتاب جديد للشاعرة ليلى مقدسي ولي ..

هذا البوح إذن أكثر من مجرد سطور ، وأكثر من مجرد حكايات كتبت بقلم شاعرة وشاعر .. إنها في المحصلة بصمات أرادت أن تتلو نشيدها وحضورها وألقها ، فكانت كما هي عليه ..

وبعد ، أشكر للشاعرة ليلى مقدسي أنّها حافظت على شكل قامتها العالية ، وعلى مساحة النور عندها .. فكان لها أن كانت أقوى وأشدّ من الانحناء جراء عواصف كثيرة ساقها أو أثارها بعض ضعاف النفوس ، هؤلاء الذين يخافون صعود كلّ شجرة خضراء ..

إنه البوح .. زمن البوح الجميل .. يمتد ويمتد .. ليعلن على الدوام أن السطور المكتوبة بنبض العمر تبقى الأحلى والأجمل ..   16/1/1999 م                       

*      دار المقدسية

للطباعة والنشر والتوزيع

--------------

حلب/ ليلى مقدسي

هاتف- 2241094

ص ب 12894

----------

*      دمشق / طلعت سقيرق

هاتف فاكس 6336106

ص ب 5663

----------

الطبعة الأولى 1999

عدد النسخ / 1000

-----------

جميع الحقوق محفوظة

    ---------------------

*      طبع بموافقة اتحاد الكتاب العرب

مسجل برقم 142 تاريخ 6/3/1999

----------------------

*      لوحة الغلاف هدية من الفنان :

أنمار حمادة

----------------------

*      من منشورات دار المقدسية :

-أغاني فراتية ------ خلف العلي ------ 1998

-بعض الشوق لرواء ليلى مقدسي/شعر----1998                                                                                                    - أوراق مسافر --- سامر كبة /شعر ------1998

    - أوراق من شجرة العمر- نبيل شاكر -شعر-1998

-قناديل الوجد ---فوزية المرعي -------1998

    -غريبة بين الشاهدة والقبر فوزية المرعي /رواية ‏1999‏

    -وردة أخيرة للعشق ليلى مقدسي /شعر ------ 1999

-القصيدة الصوفية طلعت سقيرق/شعر --------1999

    -طقوس لزمزمعلي محمد شريف / شعر -------1999

    -زمن البوح الجميل ليلى مقدسي طلعت سقيرق 1999

      ثقافة المنهج / الخطاب الروائي نموذجاحسين المناصرة

  -دراسة 1999 ..

   طلعت سقيرق - فلسطين/ سوريه

    

     ليلى مقدسي - سوريه/ صافيتا