زحمتستان و سقوط السوبرمان
لكاتبها كاظم الشبيب
قراءة أدبية
حسن الشيخ *
لم
يسبق ان قرأت شيئا من قصص القاص كاظم الشبيب ، إلا بعد ان أهداني احد
الأصدقاء مجموعته القصصية ( زحمتستان ) . بل لم أكن مهتما بقراءة روايات و قصص
الخيال العلمي ، وذلك لسبب بسيط ، يتعلق باعتقادي ان الخيال العلمي على خلاف
مع التوقع العلمي . الأول لا يمكن ان يحدث ، لا في المستقبل القريب ولا البعيد
. لان أسسه خيال القاص فقط ، وأنا لا استسيغ هذا النوع من الأدب . أما التوقع
العلمي ، فان إمكانية وقوعه في المستقبل البعيد وارده ، لانه مبني على العديد
من النظريات و البحوث العلمية التي تجري في الزمن الحاضر .
مجموعة ( زحمتستان ) التي أهديت لي ، و مكثت على طاولتي طويلا ، استمتعت -
حينما بدأت - بقراءتها كثيرا . و أثارت فضولي لهذا الفن من الكتابة القصصية .
و المجموعة يمكن تصنيفها من نوع أدب التوقع العلمي ، وليس من أدب الخيال
العلمي ، في معظم تفاصيلها . لان أحداث قصص المجموعة ، قابل للحدوث بناء على
المقدمات العلمية التي تعيشها الإنسانية اليوم .
و هذه المجموعة هي الثالثة للقاص كاظم الشبيب ، بعد ان صدرت له مجموعتان (
حذائي المحترم ) و ( مملكة التراب ) ولا اعرف عن أسلوب الحكي عند الشبيب في تلك
المجموعتين شيئا . إلا ان المجموعة احتوت على أربعة عشر قصة ، تمركزت جلّها حول
التوقع العلمي . حاول القاص ان يبرز مقدار التقدم التكنولوجي الذي ستعيشه
الإنسانية خلال العقود الزمنية المقبلة . التطور العلمي كان الهاجس الكبير
الذي عكسه القاص في قصص المجموعة ، بعد ان اتكئ على الكثير من المعلومات
العلمية لإقناع القارئ بإمكانية حدوث هذا التقدم التكنولوجي .
أما لغة السرد ومفرداته ، فهي لغة علمية جافة غير معتادة على لغة القصة القصيرة
، وليست مألوفة على الأساليب الأدبية . كما ان المفردات ( تقنية ) بحتة كتبها
القاص تارة باللغة العربية ، وتارة أخرى بمسمياتها الانجليزية . إلا ان القصص
في مجملها - بلا شك - عمل أدبي له العديد من الخصائص الأدبية الأخرى . وطالما
ان القاص كتب المجموعة من باب التوقع العلمي ، فان الزمن في تلك القصص زمن
افتراضي ، و المكان هو الآخر ، مكان افتراضي . فلا زمان قد عشناه لانه في
المستقبل البعيد ، ولا مكان قد زرناه يوما لانه مكان جديد .
لذلك فلا غرابة ان نجد القاص كاظم الشبيب يؤكد في كل قصة على ان أحداثها وقعت
في زمن مستقبلي ، يسبق زماننا بنصف قرن ، وفي مكان لم نألفه ، أما لانه خارج
الكرة الأرضية أو خارج جغرافيا الحاضر .
في قصة ( تماثل ) كتبها القاص بلغة أدبية سهلة ، مباشرة ، و استخدم ضمير
المتكلم . هي قصة فتاة متعلمة ، تحبطها نتائج فحوص ما قبل الزواج . باختصار
شديد هي سقوط نموذج الفتاة المتميزة في فخ العنوسة .
( خيوط المرايا ) تميل لقصص الخيال العلمي أكثر بكثير منها إلى أدب التوقع
العلمي . إنها قصة فتاة تعيش بروحها في عالم المرايا ، فوق عالم الأرض . ليس هو
عالم البرزخ الذي اعتدناه ولا عالم الأحلام الذي ألفناه ولا حتى عالم الأرواح
الذي قرأناه . انه عالم المرايا خاص بالقاص . انه عالم الخيال العلمي الذي
ابتدعه القاص بذكاء . القصة هي مقال علمي جميل عن عالم المرايا . كتبه بضمير
المتكلم حتى يدير الشخوص و الأزمان كيفما يشاء . و حكاية خيوط المرايا ، هي
حكاية فتاة جميلة سقطت في فخ الفقر .
ولا ينقص الشبيب الخيال الأدبي ، ففي قصة ( من انتم ) يكتب بلغة الشعراء . و
يتخلى عن اللغة العلمية الجافة . قصة ترقص فيها الرمال و الجبال . و يتجلى في
النص معالم القصة التقليدية ، إنها أشبه بحلم سريالي . كتبها بضمير المتكلم ،
فلا غرابة إذن لهذا الدفق الشعري .
أما حكاية المجنون ( نويصر ) ففيها توظيف للنظريات العلمية ، وإمكانية
حدوثها في زمننا الحاضر واردة . ولا نحتاج لنصف قرن قادم لكي تتحقق أحداث القصة
. إنها قصة متكاملة وناجحة . إنها قصة سقوط منصور من قمة العلم و المثل العليا
إلى بئر الجنون .
في قصة ( انتصار ) يحاول القاص من جديد توظيف معلوماته العلمية ، ليبتكر
قصة من قصص التوقع العلمي . انه انتصار مزيف . انتصار العلم و العلماء على
ذبابة تسللت إلى مركبتهم الفضائية . في هذه القصة – كما في باقي القصص – يحرص
القاص على الإشارة بوضوح إلى الزمن المستقبلي باليوم والشهر و السنة . و يحرص
على الإشارة بوضوح للمكان الجديد . المركبة الفضائية التي تسير إلى المريخ
حينما فاجأت ذبابة متسللة رائد الفضاء ، وهو في منتصف الرحلة . و أظن ان
المسافة بين الأرض و المريخ اقرب بكثير مما ذكره القاص . ولكن الأهم هنا هو
سقوط رجل الفضاء – بكل إمكانيته التكنولوجية - في مصيدة الذباب .
قصص المجموعة جميلة ، بها فن راق ، اقرأه لاول مرة . في قصة ( زحمتستان ) والتي
سمى المجموعة باسمها . هي نموذج للإنسان الكامل – السوبر مان – و سقوطه في وحل
المحسوبية - الوساطة – التي تستثنيه من وظيفة هو يستحقها بجدارة ، و يحصل عليها
ممن لا يستحقها .
القصة الأخيرة في المجموعة جاءت بعنوان ( التلاحم ) . فتاتان مسافرتان إلى
عوالم افتراضية ، في زمن افتراضي . تصاب احدهما بحادث . فتوشك على الموت .
وسيلة المواصلات المتقدمة تسير بواسطة التوجيه الكمبيوتري . ومع ذلك تصاب إحدى
الفتاتين بحادث اليم . إنها سقوط الفتاة المتعلمة في براثن المرض . أو سقوط
وسائل المواصلات التكنولوجية المعقدة في مصيدة الأعطال .
بعد كل هذا التجوال الجميل ، و الانبهار بالعالم العلمي القادم ، ما لذي أراد
القاص قوله ؟ ان القاص لا يعدنا بتقدم علمي . ولا يعدنا بتطور مدني للحضارة
الإنسانية . بل يعدنا مع هذا التقدم التكنولوجي بسقوط فكري للإنسان . سقوط
أخلاقي . انه سقوط ( السوبرمان ) القادم في وحل المدنية .
==================
*حسن الشيخ
قاص وكاتب من السعودية *
Shaikh31141@hotmail.com