.

المنوعات - ثقافة عامة ( صفحة التأسيٍس )

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
أدب 1
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

 

 

 

 



 

رحلة إلى أوغاريت

فايز مقدسي

إذاعة منت كارلو

          عندما  قلت له :" نقماد الثاني" صديقٌ عزيز  ،  دهش  الرجل .  قال :  أنت تتحدث عن ملكٍ  حكم ( أوغاريت  ) من عام 1370 حتى 1340 قبل الميلاد ، ونحن في العام 2003م  فكيف لك بمعرفته ؟

أكدت له ذلك , ثم تابعت : " المحراث  الذي  نحرث  به  الأرض  اختراع ٌ  أوغاريتي , و كان  اسمه  " صمد " .

بعد أن دمرت أوغاريت حوالي 1180 ق. م لم يستطع أحدٌ أن يعرف أين موقعها إلى أن جاء يوم ٌ في نهاية 1928 وكان أحد فلاحي قرية( برج القصب) في اللاذقية  يحرث أرضه ,والمحراث أداته  , وما يزال يسمى " صمد" , اصطدم الصمد بأحد الأحجار الكبيرة , أزيح الحجر , فوجيء الناس أن خلفه قبر  , ومن خلال القبر عرفوا أن  (أوغاريت ) ترقد في قريتهم بين أكوام  تل (رأس الشمرة ) . 

- إذا ً أعاد الصمد اكتشاف صانعه، وأرض صانعه ؟     قال صديقي .  

- أجل كان الصمد  وفيا ً,وهذه القصة زادت اهتمامي بأوغاريت وتاريخها , وجعلتني أهتم أكثر بأشهر ملوكها  " نقماد الثاني", والآن  إذا رغبت نذهب سوية ً وأعرفك  على (أوغاريت), وعلى ملكها   . لم يتردد  ألح بالذهاب  .

حينها كنا في  -الدائرة السادسة عشرة-    في( باريس ), انتقلنا جوا ًإلى (مرسيليا  ), وهناك ركبنا مركبا ً قديما ً اتجه بنا شرقا ً, نحو الشمس: إلى( أوغاريت ).

          بدأت مظاهر  حضارة  القرن الواحد والعشرين تتوارى خلفنا , التفتنا معا ً نحاول إلقاء نظرة ٍ أخيرة ٍ إلى هذه الحضارة التي كانت تنسحب بهدوء،  مفسحة ً  المجال لحضارة ٍ أخرى مختلفة , كنا نسافر في التاريخ . تقطع السفينة بنا الشواطيء الفرنسية, والإيطالية , واليونانية ,  متجهة ً إلى جزيرة قبرص , حيث الزرقة , و الخضرة , والسفن , وبعض الناس بثيابهم البسيطة ,لم يكن هناك سياح كثر  من دول العالم . استرحنا قليلا ً في قبرص , رأينا بعض البحارة السوريين , حمّلونا سلاما ً   لأرضهم , وممالكهم , وخصوا (أوغاريت ) بالسلام الأكبر .

         عندما اقتربنا من الشاطئ السوري لمحنا قرية ً صغيرة ، قلت له :

إنها (راميتا ) , قرية صيادين تتبع المملكة الأوغاريتية , والتي تعرفها أنت باسم (اللاذقية ) , وهناك إلى الشمال قليلا ًَ تظهر      ( أوغاريت ) بكل هيبتها , وجمالها .

قال فايز (صديقي ) : وما هذا البناء العالي , الذي يظهر لنا  واضحا ً من التلة العالية في أوغاريت ؟ .

ـ إنه معبد الإله (بعل ) إله الخصب عند الأوغاريتيين ، وأهم آلهتهم ،  وهو حامي الصيادين الذين يهتدون به  نهارا ً ، وليلا ً بالنار التي تشعل على  سطحه, وترى هنا بين البضائع المنوعة  المراسي الحجرية,  والتي يوجد مثيل ٌ لها في المعبد , حيث توضع هناك كالنذر لحفظ البحّار في رحلته , وعودته سليما ً . إضافة ً إلى معبد( بعل) يوجد معبد ٌ آخر مهم لـ ( داجن ) إله الحنطة , وتشهد هذه المعابد طقوس عبادة آلهة الأوغاريتيين , الأيل , البعل , عناة, يم , عشيرة , شمش , يرح , ...

لقد حاول الأوغاريتيون تفسير الكون والخلق من خلال الظواهر الطبيعية حيث مجموعة من الآلهة تسيطر على هذه الظواهر فبنى الأوغاريتي معابد لهذه الآلهة , وكانت تقام فيها الطقوس الخاصة بعبادة كل إله , كما كانت تتلى فيها أشعار الأوغاريتيين من أساطيرهم,وملاحمهم, وتنشد فيها الأناشيد الدينية,والتراتيل مصحوبة ً بالعزف على الدفوف , والطبول , والصنوج .

         وصلنا إلى المرفأ , بدأت حركة ٌ  كبيرة ٌ , فالعمال بدؤوا بالتحضير  لتفريغ المركب, وصاروا ينقلون البضائع المختلفة المستوردة إلى ( أوغاريت ) , من جرار فخارية مليئة بالمواد الأولية, إلى أنياب الفيلة وأسنان فرس النهر , وبعض المواد الزجاجية الأولية في قوالب .إضافة ً إلى أنياب الفيلة , وأسنان فرس النهر,لصنع الأدوات العاجية  وأيضا ً مواد أولية كالنحاس, والقصدير, والكهرمان ,واللازورد , و العاج . 

نزلنا إلى اليابسة , كان الجو جميلا ً , وكان بعض سكان هذا المرفأ الأوغاريتي قد أقبلوا إما للفرجة , وإما للسلام على معارفهم , وأقاربهم من  البحارة العائدين , وكان عمال ٌ  آخرون على الشاطئ  قد بدؤوا بنقل الجرار الفخارية المليئة بالزيت والخمر والمتنوعة الأحجام إلى السفينة , وبعض السبائك البرونزية, والمراسي الحجرية , وكؤوس خمر برونزية , وفضية , وذهبية وأساور فضية , وأقراط ذهبية , وبعض الأختام المتنوعة الأحجام ,  وبعض القطع الصغيرة الجميلة التي يظهر أنها هدايا موجهة من ملك (أوغاريت ) إلى بعض أصدقائه من ملوك سورية , ومصر , وقبرص  .

                 كان (فايز ) يزداد تعجبا ً من تنوع هذه الهدايا , قال :

ـ يبدو أن (أوغاريت ) مملكة ٌ غنية ٌ .

ـ نعم , وقصر ملكها" نقماد الثاني" من أهم القصور في المنطقة .

- هل هذه السبائك البرونزية هي التي استخدمت كوحدة تبادل سلعي في العالم القديم ؟

- أجل , وقالب الصب الوحيد الموجود في العالم هو على بعد خطوات من هنا , في هذا المرفأ الذي يعرفه العالم اليوم باسم موقع(  رأس ابن هاني ), وهو أيضا مصيف ملوك أوغاريت , وأهم منشآتهم الاقتصادية .

 تمشينا باتجاه مكان القالب الذي يشبه شكل جلد الثور , وقال لنا المسؤول عن المكان إن هذا الشكل أصبح كذلك لأن الثيران كانت هي وحدة التبادل قبل اختراع  هذا القالب . 

         كان البحارة الذين ينتقلون في المرفأ يرتدون أزياء متنوعة : بعضهم من قبرص, وآخرون من اليونان, ويكثر البحارة المصريون هنا .

 هؤلاء البحارة  يعرفون من تنوع لباسهم , وكذلك الناس الموجودون في المرفأ , الذي كانت بيوته نسخةً مصغرة ً عن  بيوت أوغاريت .

 الناس في أوغاريت يتحدثون لغات مختلفة , البابلية , الأكادية , المصرية , لكن الأوغاريتية المحلية كانت تطغى على اللغات كلها بالأبجدية التي سهلت الكتابة , وكان بعض الأوغاريتيين يتحدثون بصوت ٍ مرتفع ٍ , قال فايز :

-                            ليك ولو ابن السما , وكأنهم من اللاذقية .

-                            أجل يا فايز إن لهجتهم تذكر بلهجة أهل اللاذقية الشعبية القديمة . وهم يستخدمون الكثير من المفردات التي ما تزال مستخدمة ً في أزقة اللاذقية القديمة .

في طريقنا إلى أوغاريت كان هناك مرفأ آخر , قلت لصديقي إنه مرفأ (المينا البيضا), وهو المرفأ الرئيسي لـ           (أوغاريت) , وفيه السفن الخاصة بالملك ,  وسنصعد منه إلى بوابة القصر الملكي .

 اجتزنا المرفأ ,أطلت القلعة الكبيرة التي تنظر إلى البحر من عل ٍ , والسور الحجري الكبير الذي يسور العاصمة الكنعانية ,  واضحٌ كم هو جميل مدخل القصر الملكي , الذي يعتبر من أكبر القصور  في تلك الفترة , ويضم حوالي تسعين غرفة :

- هذا المدخل الشرقي ,هو لكبار الضيوف فقط،أي أنه مدخل القصر الملكي ,  بينما يدخل الناس العاديون والعربات من الباب الذي يقع جنوب المدينة، حيث   بنيت عبّارة فوق نهر ( الدلبة ) لعبور الناس وعرباتهم، كما أنشأ السيد "أورتينو" تجمعاً للعربات في هذا المكان بعد أن تدخل المدينة.

في مدخل القصر،استوقفنا بعض الحراس، أدخلونا إلى غرفة خاصة، نزعوا عني ثيابي،وأعتقد هذا ما فعلوه مع صديقي (فايز )هم يتأكدون مما نحمل قبل أن ندخل القصر...

عندما تدخل قصر أوغاريت، يجب أن تمنع نفسك عن الانسياق وراء جمال المنظر الذي يواجهك في الصالة الرئيسية، والتي تقع إلى يمينك مباشرة بعد الدخول، لكن لماذا... لأنه يجب عليك أن تزور أولاً قاعة الرقم الطينية (المكتبة ) ، ثم الغرفة التي تشوى فيها هذه الرقم (الفرن ) ، وكذلك الغرفة التي تجاورها، والتي تبدو كمدرسة، صحيح ٌ إنها من أصغر الغرف التسعين التي يتكون منها القصر ,  لكنها من أهمها,دلفنا إلى اليسار, إلى المدرسة:حيث أحد الكتبة ويدعى " إيلي ميلكو " يشير لصبي ٍ في العاشرة من عمره أن يقف , يبدو أن الصبي قد ارتبك بسبب وجود غرباء في القاعة , ألح عليه " إيلي ميلكو " بدأ بقراءة ما تعلمه للتو من معلمّه :

- أبجد هوز خطي /

قاطعه التلاميذ الآخرون, وهم يضحكون بصوتٍ مرتفع  :

- حطي .حطي.... حاء وليست خاء .

ارتبك التلميذ ثانية ً . جلس ولم يتابع .

أنبه المعلم , لكنه لم يتهاون أيضا ً مع التلاميذ الذين حاولوا  إهانة زميلهم الذي أخطأ . 

         تابعنا طريقنا إلى غرفة الشي , توقفنا,كانت بعض القطع الطينية ( الرقم )في الفرن تعد للإرسال , وكان العاملون منهمكين بترتيب البعض الآخر , وأشار فايز إلى  الرفوف المليئة بالألواح متسائلا ً .

- يمكن أن تدعوه أرشيف ( أوغاريت)  ,أوضحت  له ,    إنه الرسائل الملكية الواردة , ونسخ ٌ عن الرسائل التي يرسلها ملوك أوغاريت , وبعض الألواح التي فيها ترجمات من وإلى اللغات الأخرى , وخاصة ً الأكادية , والسومرية , والمصرية . وهناك إلى اليمين قواميس منوعة ٌ في الطب والقانون والملاحة , وإلى اليسار آداب الأوغاريتيين من أشعار وأساطير وملاحم , وحكم وأمثال , أما أهم الرقم فهو هذا اللوح الذي يضعه               " إيلي ميلكو " على يمينه , وفيه ترتيب الأحرف بشكل ٍ أبجدي , وهو فخر (أوغاريت ) , لقد دونت فيه أقدم أبجدية ٍ في التاريخ , وقد اخترعها الأوغاريتيون .وذلك الذي يجاوره يحتوي على أقدم تنويط موسيقي معروف حتى الآن ,   التقطت لوحا ً آخر ,  وقلت لفايز  :

- أشعار الأوغاريتيين , التي دونت كملاحم,  وأساطير, فيها قصص ٌ كثيرة ٌ عن الخلق ,ومحاولة تفسير الكون وظواهره , وسبر ٌ للحياة الدينية , والاجتماعية في أوغاريت , وفي هذا اللوح نصيحة من أب ٍ لأبنه في طريق السفر والحياة , لكن اسمح لي أن أتصرف في صياغتها كي أنقلها لك : 

       

                       -  أنا  في طريق السفر والحياة يا أبي  ...     

+  إذا ً اسمع مني هذا الكلام..

واتعظ من كلامي,  فأنا أحبك يا بني

-  قل يا أبي , وأنا أيضا ً  أحبك

+ ما في كيس نقودك لا تطلع زوجتك عليه ..

لا تشتر الثور في الربيع ...

- لماذا يا أبي؟

+المرعى وفير في الربيع يأكل الثور جيدا ًً ,

يصبح الثور سمينا ً ..

- صدقت يا أبي

+لا تختر   حسناء تراها في العيد ...

- لماذا يا أبي:

+ يا بني في العيد تتجمل الفتاة , تلبس أزهى ثيابها ..

- صدقت يا أبي

+ أكرر  يابني :

لا تشتر الثور في الربيع ...لا تختر حسناء تراها في العيد ...

- صدقت يا أبي

- صدقت يا أبي

 

 

-                                                      وكأن من يقولها يعيش بيننا هذه الأيام يا سجيع .

-                                                      صدقت يا فايز , صدقت يا فايز .

ضحكنا من القلب , تابعنا طريقنا إلى القصر ,  كانت الحركة في القصر قليلة، كان الملك في رحلة صيد ٍ مع حاشيته, وأصدقائه وبينهم  : المحافظ , سائس الخيل , مسؤول العربات , قائد الجيش , وبعض المستشارين , أما ولي العهد فقد بقي برفقة والدته , الملكة الأم , وبعض أفراد العائلة المالكة ,لن  نستطيع لقاءهم فقد كانوا في اجتماع رسمي .  

أخبرنا أحد القيمين على القصر أن ملك (ماري ) قد زار القصر , وأبدى إعجابه الشديد بجماله , والزخرفة الجميلة على حيطانه .وهذا ما لاحظناه  ونحن في الصالة الرئيسية , لقد اعتمد المهندس المعماري على الأحجار الضخمة في بناء القصر , وعلى التيجان الخشبية الكبيرة التي تزين الأعمدة , كما شاهدنا  الأبواب الكثيرة المؤدية إلى الطوابق العليا , و الغرف , والصالات الأخرى : صالة الولائم , الاستقبال , السباحة , ثم الحديقة الملكية الكبيرة , وهي مزينة بالزهور والنباتات , وبعض التماثيل , وفيها نوا فير المياه تسقي الزرع .

خرجنا من الحديقة باتجاه منازل السكن الخاصة بالمواطنين العاديين , سألني فايز :

-                                                      وأين الملك نقماد , وعدتني بلقائه ؟

-                                                      وأنا ما أزال عند وعدي لكن بعد أن يعود من الصيد .   في هذه الأثناء دعني أعرفك على الناس العاديين في بعض بيوتهم .

دلفنا إلى زقاقٍ ضيق ٍ , توقفنا أمام بيت يبدو أنه لأسرة ٍ متوسطة الحال :

مصطبة من الطين أمام البيت , يجلس عليها رجل ٌ عجوز ٌ وزوجته التي تصغره ببضع سنين , ثيابها داكنة , وترتدي شالاً أبيض تغطي به رأسها , ينظران إلى الناس , لا عمل لهما , ردا التحية , ألحا علينا بدخول البيت , استقبلتنا صبية ٌ جميلة ٌ , دعتنا للجلوس على مصطبة ٍ أخرى من الخشب , وأمامها طاولة منخفضة , في هذه الأثناء جاء صاحب البيت مسلما ً تتبعه زوجته وهي تحمل منقوع العنب , وبعض الفواكه .

كان فايز يبدي إعجابه بالبيت الأوغاريتي , وبالأثاث الخشبي الذي يطغى على المكان , حيث طاولة أخرى أكبر من التي أمامنا , وعليها بضعة كراسي :

       - إنها لكبار الضيوف , وأنتم منهم , تفضلوا , قالها صاحب البيت .

شكرناه من القلب , احتسينا شراب" الشمرة" الساخن , بينما كان يشرح لنا عن محتويات الطابق الثاني , والذي يستخدم للنوم . وحدثنا عن أسرته البسيطة المؤلفة من أبيه , أمه, زوجته , وابنتيه , وأنهى حديثه بالتمني أن يرزق بابن ذكر يحمل اسمه , ويساعده في أعباء الحياة , يدحل سطح بيته عندما يكبر في السن , ويكون سندا ً له في عجزه . غادرنا البيت , وهدفنا بيت ٌ آخر يبدو أفخم :

إنه بيت"ربانو ", وهو من الأشخاص المعروفين في العاصمة الأوغاريتية , منزل ٌ كبير ٌ , بئران للمياه في الفسحة السماوية , مع بعض الورود ، تنورٌ لطهي الخبز ,  موقدة ٌ كبيرة ٌ في واجهة المنزل , أساس فخم ٌ , طاولة ٌ أعدت على عجل للضيوف القادمين ( نحن ) :

كان الخبز من القمح وليس من الشعير , كما نرى في بيوت الناس  العاديين , وكانت الوجبة الرئيسية من البرغل المزين بالسمك ,أما الزيتون  وزيته فيزينان الطاولة ,  وكانت الفواكه موزعة ً بشكلٍ  يبعث على الجوع ,أما الفواكه المجففة , فتنويعا ً من التين , والعنب . اجتمعنا  حول الطاولة ..حدثنا الرجل عن الأحوال الاجتماعية في أوغاريت ,وعن العمال الذين يجدون في عملهم خدمة ً لملكهم ومملكتهم التي تقدم لهم الأمن والأمان, وكيف هم ملتفون حول ملكهم وخاصة في المحن ,  كما حدثنا عن النقابات العمالية , والصناعية , واتحادات أصحاب السفن , والقضاة, وعن جاره "القاضي دانييل" الذي يفخر به وهو المعروف بالعادل, كان القاضي يظهر لنا من البعيد وهو يجلس تحت شجرة ٍ وارفة الظلال ويقوم بدوره بكل  أمانة ٍ وإخلاص , إنه ينصف الفقير والأرملة , ويحق حقوق الضعفاء , والملك لا يتوانى عن دعم القاضي وقراراته, لثقته الكبيرة بحياده , وموضوعيته ,اقتربنا من القاضي كان يفض النزاع بين زوجين , قال لهما :

-                  يجب أن ، تتحملا بعضكما ,يمكن أن يكون  الزواج أقل روعة ً من العزوبية , لكنه أكثر أمانا ً .

أعجبنا كثيرا ً بما يقوله,

-                                                      وماذا عن وضع المرأة , سأل فايز ؟

-                                                      في قانون أوغاريت " على  الرجل إذا أهان أمه , أو أساء إليها , أن يغادر البيت ملعونا ً , يخلع جلبابه , يضعه على قفل الباب الخارجي , ويذهب عاريا ً كما ولدته أمه " ,  والمرأة ترث كالرجل , وتحتفظ بإرثها , ومهرها , والأراضي والأملاك التي وهبت لها ...

 

أما بالنسبة للزواج ,تابع القاضي ,   فمسموحٌ  للأوغاريتي أن يعدد زيجاته   ( لكن لمن استطاع إلى ذلك سبيلا ً ) والعبودية موجودة ً لكن بأصول تلتزم بها الأطراف كلها . ومع أن الملكية السائدة ذكورية , فهي لا تحجب حق المرأة في التملك , والتصرف بملكيتها ,وإرثها , بل ومهرها .. ولها الدور الكبير في المساهمة في الحياة السياسية والاجتماعية ,فقد لعبت المرأة دورا ً فاعلا ً في ذلك لوجودها الفعلي في هذا الموقع,   ونظرة هادئة ً إلى الوضع الاجتماعي للمرأة يدلنا على المقام الذي وصلت إليه, فهي ربة بيت , وتعمل في التجارة,  لها خاتمها الشخصي الخاص بها , تستخدمه في عمليات البيع والشراء, ولها  دورها السياسي, وتنوب عن الملك في غيابه, وتقوم بمهامه .

كان المهر ملكا ً خاصا ً لها , ولم يكن لينتقل إلى الزوج بأية حالة , و لها حق الاحتفاظ به في حال طلاقها. ومن أهم المظاهر الاجتماعية للمرأة :

لا تعمل المرأة في الأرض , بل تقوم بجلب الماء من البئر , وجمع الحطب , وتحضير الطعام , واستقبال الضيوف , وغزل الصوف , وصيانة الملابس . ولها حق التملك ,قبل وبعد الزواج . وعندما يأتي الحب فإن أهل العريس يذهبون إلى أهل العروس, ويطلبونها للزواج بمهر ٍ معروف ٍ , ولا بد من موافقة الفتاة قبل الزواج , عندها يحدد المهر من أرض ٍ ونقود ٍ وحيوانات وتبدأ الولائم والاحتفالات ,أما إذا رأت المرأة أن عائلة زوجها قد أساءت معاملتها  فيحق لها العودة إلى بيت أهلها  مصحوبة ً بمهرها .

 استخدام الخاتم الشخصي دليل على استقلاليتها .فهي تقوم بالعمليات التجارية مثلها مثل الرجل ,كما أنها  ترث , وتتصرف بما ترثه كيفما تريد .

 شهادة النساء مقبولة في المحاكم مثل شهادة الرجل . أيضا ً يحق للمرأة أن تقوم بعمليات التبني مثلها مثل الرجل .

                 ثياب المرأة الأوغاريتية  تصنع من القماش المصبوغ وتحزم  بدبابيس طويلة , وتوضع شالات بيض ذات أطراف حمراء أو زرقاء تحت الخصر .وقد اهتمت المرأة الأوغاريتية بلباسها , وأناقتها ,وزينتها , وأكسسوارها, ولها أدوات للتبرج كما للعطور, واهتمت بشعرها, وزينته , و بلباسها وألوانه, و مكانتها الاجتماعية المتميزة ضمن هذا المجتمع .

كانت نساء أوغاريت مغرمات  بالزينة : بالخلخال , والأقراط , والخواتم , وعقود الرقبة , ومعظمها من الذهب والفضة , والبرونز . ويستعملن الكحل , وتلوين الوجه (الماكياج ) . زجاجات العطور الملونة والفخمة فقد كان لها أهمية ٌ كبيرة ٌ عند المرأة الأوغاريتية . أما أحذية النساء والرجال فهي  من الجلد . 

خرجنا من الحي الراقي , اتجهنا إلى وسط المدينة ,الدكاكين المختلفة , الحدادون , النجارون , النسّاج , والعاملون في دباغة الجلود , و صباغة الأرجوان , بعد الدكاكين , مقهى المدينة الذي يجتمع فيه الساهرون ,إناء حجري ٌ كبير ٌ يشبه الكأس , والنادل يتحرك بخفة ٍ لخدمة زبائنه:  بحارة , عمال , صناع ,أجانب , وغرباء ,  يتحدثون عن رحلاتهم , مشاكلهم , حياتهم , ... كان مجموعة من البحارة يتحدثون عن خبرياتهم خلف البحر ,وعن عاصفة ٍ هوجاء واجهتهم في المغرب ,وهم ينزلقون خلف المحيط ,  وكان الباقون يصغون باهتمام وخوف شديدين ..حدثنا النادل عن السهرات اليومية في هذا المكان , وعن الأحاديث والأخبار الغريبة , وعن مختلف ألوان الناس الذين يرتادون المكان , من جميع بلدان المتوسط.

من الطرف الشرقي تبدو جبال الساحل , وإلى الشمال جبل   (صافون ) الأقرع , وكان منظر البحر رائعا ً في ذلك الوقت ومياهه نظيفة ً رقراقة ً. وكانت معابد أوغاريت تتطلع إلى الجبل الأقرع حيث الآلهة تسكن  هناك لحماية  الحبيبة أوغاريت . معبد ( البعل ) ومعبد ( داجون ) بأعمدتهما المرتفعة ,وصالاتهما المستطيلة الفسيحة , وبالنذر الكثيرة , وأصوات الموسيقى  ممتزجة ً بالترتيلات الدينية , ورائحة البخور تعبق بالمكان . وأهل أوغاريت يتحركون من وإلى الأكروبول بنشاط ٍ شديد ٍ .   

تحركنا جنوبا ً , صرنا في مدخل المدينة الجنوبي , عبّارة على مجرى النهر , كانت طلائع الملك وحاشيته تقترب تدريجيا من المدخل , ابتهجت , قلت لفايز حانت اللحظة الجميلة للقاء  الملك :

ترجل ( نقماد الثاني ) عن حصانه ,فعل  الجميع  مثله , تقدم منا محييا ً , صافحناه بحرارة , بادرته بتقديم صديقي إليه :

-                                                      فايز مقدسي , مهتم ٌ بتاريخ أوغاريت , وحضارتها ومذيع ٌ في إذاعة  " مونت كار لو" التي تهتم كثيرا ً بالحضارات القديمة .

-                                                      أهلا ً بك وبضيفك يا سجيع , تفضلوا .

تطلع فايز بإعجاب إلى اللقاء الودي الذي بادرنا به  الملك ,  سرنا معا ً , وصلنا إلى منزل "أورتينو"  الذي كان يرافق الملك , قرر الملك ,احتراما ً لصديقه " أورتينو"أن يستقبلنا لاستراحة ٍ قصيرة ٍ في بيته,  و الذي كان يعتبر بمثابة المدخل إلى أوغاريت .

كانت بضعة عربات من خارج العاصمة تنتظر في ساحة البيت الكبيرة , وصلنا إلى الصالة الرئيسية , جلس " نقماد " , جلسنا إلى يمينه ويساره أنا و"فايز".

- كنا في الجبال الجنوبية , نصطاد بعض الطرائد , وقد ذهبنا إلى هناك من الجهة الساحلية الشمالية , أي من البسيط , مرورا ً بالغابات الكثيفة في طريقنا ,وكان الصيد وفيرا ً .                                                                                       

- هذا يعني, جلا لتكم ,أنكم درتم حول حدود المملكة ,قلت له .     

- أجل لكننا لم نصعد إلى جبل صافون ( الأقرع ) , فلا  طرا ئد هناك .

ولا إلى البحر , فرحلة البحر لها ترتيباتها الخاصة , يمكن أن تقول أننا زرنا الشرق والجنوب , ووصلنا إلى حدودنا مع "سيانو "

            - وكيف كانت رحلتكم ,بادر "فايز" بالسؤال ؟

           - تسلينا بالجو الجميل , والإطلاع على أحوال الرعايا في الأماكن التي زرناها .

حضر الطعام بأنواعه العديدة والشهية , وتابعنا الحديث حول العالم والصراع الذي يدور في المنطقة , وعن صمود أوغاريت في وجه الأطماع المتعددة شمالا ً و جنوبا ً , وكانت أفكار "نقماد الثاني " مطابقة ً لأفكارنا في الحرية والعدالة , رغم الفارق البسيط في التطبيق ,  والكبير في الزمن الذي يفصل بيننا . 

نهض الملك عن المائدة , نهضنا معه :

 

              - لدي رسالة لكم . قالها لنا بثقة .

 

   - ونحن على استعداد لإيصالها قلت بحزم .

  - إنها  بعض الأشعار الأوغاريتية .

تقدم "إيلي ملكو" الجميع وبدأ يقرأ بصوت ٍ مرتفع ٍ :  

لديَّ رسالة أقولها لكْ :

رسالة الشجر، وهمس الحجر

تنهدات  السماء إلى  الأرض

همهمات القمر إلى الكواكب

وأغنيات البحر مع النجوم

 لديَّ رسالة أقولها لكْ :

اسكب سلاماً في جوف الأرض

أكثر من المحبة في قلب الحقول

كي نقيِم في الأرض وئاماً

ونغرس في التراب محبة

لديَّ رسالة أقولها لكْ :

تعالوا نزرع في التراب محبة

و في الأرض وئاماً

سلاما ً لبني البشر

محبة في الحقول,  فرحة على البيادر

عطرا ً على الجبال ,  دواء ً على التلال

سلاما ً لبني البشر

سلاما ً لبني البشر , سلاما ً لبني البشر

 كنا نغادر مجلس الملك الكبير , ورسالته ترافقنا , رسالة أناس عاشوا في العصور القديمة لكنها تبدو كموعظةٍ  للعصر الحديث , بكل مافيه من مظاهر التقدم والعدالة , والحرية , والمساواة ؟

  - ألهذا تصر أن نقماد الثاني يعيش بيننا ؟ قال فايز.

  - ولهذا ألح أنه صديقي , وأنه واحد ٌ من الرجال الكبار الذين يعيشون في كل الأزمنة .

       كان  فايز  سعيدا ً و هو  يدردش  معي  في  هذه  الرحلة , وكنا نطل على (باريس ) من مبنى (راديو مونت كارلو ) عندما  بدأت موسيقى أوغاريت تتسرب إلى حوارنا , قالت مسؤولة الصوت :

- انتهى وقتكم , مرت ساعة البرنامج بسرعة كبيرة .

- قال فايز : لم نشعر بها إلا دقائق .

- تابعت : ربما أقل .

ارتفع صوت موسيقى أوغاريت , كان العام 2003 يتأهب  للرحيل , وكان العالم يستعد  للاحتفال بالذكرى 75 لبدء التنقيب في أوغاريت في عام 2004 .  

 السبت 29-11-2003

 نشرت القصة بالفرنسية ، في كتاب ٍ صدر في فرنسا بمناسبة الذكرى 75 لبدأ التنقيب في أوغاريت ،مع مجموعة من النصوص الأدبية حول أوغاريت ،بعنوان :

 (أوغاريت الأرض والسماء ) .

OUGARIT

LA TERRE LE CIEL

 فكرة القصة :

 برنامج إذاعي في إذاعة "مونت كارلو للمذيع  " فايز مقدسي "  بعنوان : "حكاية حجر" ,  استضافني  فيه  و تحدثت  معه  حول  رحلة  متخيلة  إلى (أوغاريت ) .

سجلت الحلقة في باريس يوم السبت 22-12-2001, وأذيعت يوم الأحد 13-1-2002 الساعة الثامنة مساء ً .