.

الأدب  ( 2 ) -

الأبواب
الرئيسية

 

 

صفحة الغلاف
أدب 1
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

 سيرة ذاتية

نزار ب. الزين

 
 

- تتجاوز قصصي القصيرة غير المطبوعة المائة و أربعين قصة و أقصوصة
- عشرة أعمال روائية صغيرة ذات طابع وطني تحت مسمى كيمنسانيا ( الكيمياء الإنسانية )
- ثمانية أعمال روائية صغيرة تحت عنوان كنز ممتاز بك
- عمل روائي طويل واحد تحت عنوان عيلة الأستاذ

- إحدى عشر حكاية للأطفال
- عدد من الدراسات الأدبية و الفكرية نشرت في الصحف الكويتية (الراي العام - القبس - الوطن ) و العربية في أمريكا ( أنباء العرب - العرب ) و بعض المواقع الألكترونية المهتمة بالأدب .
أما عني شخصيا فأنا :
- نزار بهاء الدين الزين
- من مواليد دمشق في الخامس من تشرين الأول ( أكتوبر ) من عام 1931
- بدأت حياتي العملية كمعلم في دمشق و ريفها لمدة خمس سنوات
- عملت في الكويت كأخصائي إجتماعي و مثقف عام ، لمدة 33 سنة قبل أن أتقاعد عام 1990، إضافة إلى عملي الإضافي في صحف الكويت .
- كتبت أول مجموعة قصصية بعنوان ( ضحية المجتمع ) عندما كنت في الثانوية العامة عام 1949
- كتبت مجموعتي الثانية ( ساره روزنسكي ) سنة 1979
- و إضافة إلى عشقي للأدب فإنني أهوى الفنون التشكيلية كذلك ، و قد أقمت معرضا لإنتاجي الفني في شهر أكتوبر 1999 في مدينة دمشق/ مركز المزة الثقافي خلال إحدى زياراتي للوطن ضمت 55 لوحة .
أعيش في الولايات المتحدة منذ إنتهاء خدمتي في الكويت أي منذ عام 1990 و أدير حاليا مع إبني وسيم مجلة ( العربي الحر ) الألكترونية - عبر الأنترنيت ؛
و عنوان الموقع :

www.freearabi.com

 

أعمال الكاتب نزار ب. الزين

دراسات - مقالات - حوارات

الأديب المتعدد

الدكتور فاروق مواسي
كتب في جميع الأجناس الأدبية
و برز فيها جميعا

قراءة موجزة بقلم : نزار ب. الزين


خير من كتب عن سيرة الدكتور فاروق مواسي هو الأستاذ أحمد دحبور ، فقال :
 
ولد د. فاروق إبراهيم مواسي، في باقة الغربية ( فلسطين )، سنة 1941، ورأى بعين الطفل دخول اليهود الأوائل إلى قريته يوم 21/5/1949. كان أبوه خياطًا ، وكان ملمًا بالتراث العربي، كما كان حريصًا على تعليمه. وسيحتفظ الطفل فاروق بذكريات الرعب، وأصوات القصف التي اختلطت مع دوي مدفع رمضان، والتشرد إلى بيوت الأقارب. ومن الأقارب تعلم التجارة بالبصل والنحاس، كما تعلم التدخين! وستبقى في ذاكرته صورة شقيقته فريدة التي توفيت وهي رضيعة، و هو إنه لن ينسى كيف اعتقله اليهود في مستوطنه قريبة، وهو فتى ، فكان أول ما لفت نظره هناك هو "إن بيوتهم هي الأجمل، وإن لديهم الحدائق، وأنهم يشربون الماء من الثلاجة..". أما معلموه الأوائل في المدرسة فهم يهود عراقيون.
وقد أنهى الصف الثاني عشر- في ثانوية الطيبة، ليتوجه بعد ذلك إلى يافا باحثًا عن فرصة العمل الأولى.. وكانت في سلك التعليم. ولكنه لن يفارق هذه المرحلة من عمره قبل أن يسجل المشاهد المؤثرة للقاء الأقارب في الأعياد، على "الحدود" بين أبناء الشعب الواحد.
ومع ذلك فالحياة يجب أن تستمر. فمن جهة، كان لا بد من التشبث بالجذور والبقاء في الوطن. ومن جهة كان لا بد من توكيد الذات على أرض الوطن من خلال العمل والنجاح .
كان قد بدأ يقرزم الشعر من المرحلة الابتدائية، وسيستمر في هذه التجربة المثيرة طيلة عمره. أما على مستوى الحياة العملية فسيبدأ معلمًا احتياطيًا، أو بديلاً لمعلم غائب. وكان عليه وهو الحدث- أن يتغلب على مشاكسة التلاميذ، وأن يحقق هيبة "الأستاذ" وإلا فلن ينجح في عمله. كان وضع التعليم مترديًا، لكن إخلاصه للمهنة وإيمانه بدوره التربوي تغلبا على النكسات والمرارت. وماذا إذا حيل بينه وبين حقه في أن يكون مديرًا لإحدى الثانويات مادام حبه لطلابه عميقًا في نفسه؟ وها هو يلمس لمس اليد ما يمكن أن يقدمه من موقعه، فقد كان له أثر واضح في إدخال الشعر الحديث إلى المدارس. وليواصل التعليم أستاذًا ودارسًا، فها هو ينال شهادة الماجستير في الآداب، إثر نجاح رسالته عن لغة بدر شاكر السياب، ومنها إلى الدكتوراة في الأدب العربي، وكانت الأطروحة هذه المرة حول شعراء مدرسة الديوان: العقاد، والمازني، وعبد الرحمن شكري. وسنلاحظ أثر الدراسة والتدريس في شخصيته. بل إن هذا الأثر يطبع سيرته التيه بكل وضوح . وبموازاة هذا النشاط الدراسي فإن له اهتمامه بالصحافة الأدبية، فكان أن تسلم رئاسة تحرير مجلة "مشاوير" التي كانت ناطقة باسم رابطة الكتاب العرب. أما مجموعاته الشعرية فما زالت تتدفق منذ عام 1971 عندما أصدر باكورة أعماله" في انتظار القطار" وستتلوها اثنتا عشرة مجموعة، يحضرني منها "غداة العناق" و "يا طني" و"اعتناق الحياة والممات" و" إلى الآفاق" و " من شذور التعب" و" الخروج من النهر" و"قبلة بعد الفراق" و"ما قبل بعد" و" لما فقدت معناها الأسماء" و "خاطرتي والضوء"
وله دراسات نقدية وأبحاث وضعها في أحد عشر مؤلفًا. كما أن له مجموعتين قصصيتين ، إضافة إلى نشاطاته الثقافية وحركته الدؤوب ، واتصالاته المثابرة بأعلام الأدب في الوطن العربي . هنا ينتهي حديث الأستاذ أحمد دحبور ليبدأ حديث نزار ب. الزين :
*****
تعرفت على الدكتور مواسي للمرة الأولى من خلال دراسة أجراها لقصيدة " عليا و عصام " للشاعر قيصر معلوف و قد نقلت الدراسة إلى مجلة ( العربي الحر ) الألكترونية التي أديرها مع إبني وسيم ؛ و ذات يوم وردتني رسالة منه يطلب مني تصحيح إسمه الذي نقلته خطأ - كنت قد نقلت العمل من موقع إسمه جنين - و منذ ذلك الوقت و الرسائل بيننا لا تنقطع ، و خاصة رسائله الأدبية ، أي نتاجات أعماله الأدبية الغزيرة في جميع الميادين ، و قد أفردت له صفحة خاصة لما اختاره لمجلتي ( العربي الحر ) صنفتها على النحو التالي :
-1- السيرة الذاتية
-2- نماذج من أعماله النقدية
-3- نماذج من أعماله الشعرية
-4- نماذج من أعماله القصصية
-5- نماذج مما قيل عنه
-6 - أخبار منه و عنه
و أعود إلى عليا و عصام ، فقد بدأ الدكتور مواسي دراسته بإجراء مقارنة شيقة بين مسرحية ( روميو و جولييت لشيكسبير ) و قصيدة عليا و عصام للأستاذ قيصر معلوف :
تحدث د.مواسي بداية ، موضحا البعد المأسوي للقصتين و نهايتهما المفجعة فكتب :
<< وتشترك المسرحية والقصيدة بتكالب العوامل الخارجية على حكاية الحب، و كيف تكون النهاية فاجعة مزدوجة. >>
و لم يفته التطرق إلى البعد الأخلاقي لمعضلة الثأر و على الأخص عند القبائل العربية و ما تفرزه من مآسي ، و هو يعتبرها مرضا إجتماعيا لا بد من استئصاله :
<< وموضوع ((الثأر)) في القصيدة كان له الأهمية الأولى:
(( وإلا عابك العرب الكرامُ ))، ((وإلا عشتَ بين العربِ نذلاً))، ((ولا يمنعكَ عن شرفٍ غرامُ))... وهذا يعكس واقعًا عربيًا قبليًا، لسنا في حاجة إلى جعله سنّة متّبعةً أو مثلاً يُحتذى على الأقل في المستوى التربوي و الإنساني. >>
ثم يلتفت إلى التشريح اللغوي لعبارات القصيدة :
<< و يلاحظ القارئ أن القصيدة حاشدة بالتعابير المستقاة من التراث ((فما وراءك يا عصام)) هي حكاية مثل أوردها ((مجمع الأمثال)) للميداني في سياقين مختلفين، يدل أحدهما على معنى انجلاء الخبر. وأما ((على الدنيا ومن فيها السلامُ)) فقد أصبحت كذلك مثلاً، وأكبر ظني أن القصيدة هي التي بنت هذه المقولة المأثورة، ولم أقع على قول مأثور كان قد سبق الشاعر.>>
ثم ينتقل إلى التشريح اللغوي لبعض الألفاظ كتفسيره لكلمة ( عجي ) و تطور معناها :
<< و يُلاحظ أن الشاعر استعمل لفظتي ((عجايا)) و ((عجيان)) من الواقع البدوي مباشرة. إذ أن المعنى القاموسي للعجي هو اليتيم الذي يغذّى بغير لبن أمه، وفي الحديث الشريف: (( كنتُ يتيمًا ولم أكن عجيًا)) ومن معاني العجي السيئ الغذاء، وقد أنشد الشاعر:
يسبق فيها الحمل العجيا رغلاً إذا ما آنس العشيّا
لكن لفظة (العجي) وردت كذلك بمعنى ((الصغير)) على لسان البدو في النقب* . ولعل ثمة سببًا اجتماعيًا حرّف من المعنى الأصلي المعجمي فنقله من التخصيص إلى التعميم .
و يختتم الدكتور مواسي دراسته قائلاً :
<< فهذه هي ( رلى عرب)* التي يبحث عنها الكثيرون ولا يجدونها في أي كتاب متداول، أقدمها لعشاق هذا الشعر، آملاً أن أكون مفيدًا للذائقة ، ومعيدًا سيرة رويت على الألسنة، سيرة تبحث عن معاني الوفاء حتى فيما لا ندعو إليه اليوم .>>
و لابد من تعريف القارئ ببعض أبيات مختارة من القصيدة للشاعر قيصر معلوف :
وكانت من عجايا الربع عليا ومن عجيانه النجبا عصام
لقد نشأا رعاة للمواشي كما ينشا من العرب الغلام
هناك على الولا عقدا الأيادي و عاقد حبل حبهما الغرام
و لما أصبحت عليا فتاة يليق بها التحجب واللثام
و صار عصام ذا زند قوي يهز به المهند والحسام
دعته أمه يومًا إليها وقالت: يا حسامي يا عصام
لقد أصبحت ذا زند قوي به يستأنس الجيش اللهام
بثأر أبيك خذ من قاتليه وإلا عابك العرب الكرام
*****
و بعد أن قدمتُ نموذجا للدراسة النقدية التي اهتم بها الدكتور مواسي كتفضيل أولي ، لعلاقتها بموضوع تخصصه ، أنتقلُ إلى إنتاجه الشعري و هو أيضا غزير ، و قد اخترت قصيدة " فلسطيني " و القصيدة يائية طويلة ، ومؤلفة من ثمانية و ثلاثين بيتا من الشعر المقفى الموزون على البحر البسيط :
يبتدئها بالتوكيد على حقه بأرضه و وطنه فلسطين ، فقد نشأ فيها و ترعرع ، و من قبله أجداده :
الأرضُ أرضي وليس الشوقُ يَبريني
الشوق يحدو إلى حبّي-فلسطيني
درجتُ فيها صغيرًا رُمتُ مأثرةً
من كلِّ جدٍّ منَ الغُرِّ الميامينِ
ثم يفند مزاعم العدو من أن الأرض كانت خاوية بينما كانت في حقيقة الأمر - تعج بالقرى العامرة و البساتين المثمرة ، ثم قاموا بتفريغها ليثبتوا تلك المزاعم ، و يبدأ بعدئذ - بتعداد القرى و البلدات التي فرغها العدو من ساكنيها :
قالوا : بلادي بلا أهل ٍ بلا سكنٍ
يا بئس ما مكرتْ أوهامُ مأفون
فشرّدوها قرًى كانت برَغْدتِها
من بروةٍ، بصةٍ ، ميعار دامونِ
ثم ينتقل إلى وصف حالة المُهَجَّرين ، حيث ساد القهر بينهم و تمكنت الأحزان :
يا أهلَها-أهلنا ، يا طيرَ منزلِها
اقرأ سلامي على أحزانِ محزونِ
ما زلـتُ أذكرُهم في الدارِ في حَلقِ
هذي تنادي ،وهذا واجمٌ دوني
و لم ينسَ أن يعرج إلى القدس ، مؤكدا أنها تسكن صميم الوجدان و تشكل جزءا لا ينفصم عن العقيدة ، مذكرا أنها كانت منطلق الإسراء ، و كيف فتحها عمر سِلما لا قهرا كما فعلوا :
القدسُ تشرقُ في أبهى سرائرِكم
إسراؤها الوجدُ في الدنيا وفي الدينِ
قد جاءها عمرٌ في فتحِ عزتّها
كُرمى له كرُمت لِـيناً على لينِ
و بعد ، فلا بد من حديث المجازر ، في دير ياسين ، و كفر قاسم ، و غيرهما ليستخلص أن الدم الفلسطيني لن يذهب هدرا ، بل سيُنمي أجيالا سوف تتحدى جيوشهم و بطشهم :
من كفر قاسمَ "احصدْ " صاح ناعقُهم
مجازرٌ سبقتْ في ديرِ ياسينِ
والدمُّ يُزهرُ أطفالاً فيغرسُهم
جذراً يُطلُّ فأسقيه ويسقيني
اللهُ اكبرُ كم جاشتْ جيوشُهُـمُ
تبغي انتهائي فتزهو بي شراييني
و يختتم الدكتور مواسي قصيدته ، متمنيا أن يطول به العمر ليرى الأمور قد عادت إلى نصابها ، حين تنتشر المحبة و تتحد القلوب و تصفو النوايا و يعم فعل الخير ؛ في الأرض التي طالما عشقها .

كم كنتُ أوثرُ أن يمتدَّ بي زمني
حتى أرى زمني يُكوى فيَشفيني
حتى أرى قلبيَ الظّامي ببهجتِهِ
يراقصُ الفجرَ أفراحًا فيُبكيني
حتى يراني صلاحُ الدِّين مُتّشحًـا
خيرًا وبرًّا وأحبابي تُصافيني
أُسلّمَ العشقَ تَحناني برونقِه
و الشوقُ يحدو إلى حبّي فلسطيني
*****
و كما أفاض في ميدان النقد و خاض غمار الشعر ، فقد أجاد أيضا في ميدان القص ، و قد اخترت في هذا المجال قصة ( شيخ و أمنية ) :
يمضي الدكتور مواسي في قصته بأسلوب سرد طبيعي خالٍ من الرموز و الأحاجي ، شفاف و واضح للخاصة و العامة ، فيتحدث عن شيخ في الثمانين ، لعله جده ، كما أوحت عبارته التالية :
<< قبة مدافن تكايا ، خطوط، كل شيء هنا عريق. ربما صلى هنا صلاح الدين. وربما هناك خطب عمر. وها أنت يا جدي تصلي. عريق عريـــــــــــق! >>
هذا الشيخ يعشق الكتب و يتمتع بذاكرة قوية تستوعب جميع ما امتلأت به رفوف خزانته من كتب و كراسات :
<< على رف من خزانته تتكدس عشرات الكراسات، هي بمجموعها مختارات الحاج أو مؤلفاته، فإذا تطرقنا إلى موضوع فإنه سرعان ما يشير إلى كراسة معينة، يفتحها وكأنه يعرف تمامًا أين وجهته. >>
و لا زال رغم تقدمه في السن يقرأ كل مساء ما يختاره من كتبه الصفراء بعينيه المجردتين :
<< نأتي إليه ساعات المساء فنراه مستغرقًا في القراءة في كتب لونها أصفر، وطباعتها رديئة، يتصفحها من غير نظارة على عينه. يقرأ وهو يبتسم أحيانًا، يرفع تجاعيد جبينه آنا آخر، يهز رأسه يمينًا ويسارًا، أو طورًا من أعلى إلى أسفل.>>
و يصف الكتب التي يعشقها بالكنز :
<< "كنز الكتب أفضل من كنز الذهب"- كان يقول >>
و كما كان يعشق مطالعة الكتب فقد كان مغرما بالأسفار و التجوال في أرض وطنه متنقلا بين مضارب البدو أو بين القرى و البلدات :
<< يعشق السفر، كان في صباه يعلّم الكتاتيب في مضارب البدو، ويتاجر كالعطارين الذين يتنقلون على بهائمهم من قرية إلى أخرى، ولكن الربح الحقيقي عنده إذا تعرف على شخص يحب الأشعار والأسمار والكتب >>
و ذات يوم يطلب الشيخ من الكاتب أن يصحبه إلى القدس ، و في الطريق أخذ يكشف مكنونات نفسه و نزعته الفلسفية :
<< شيئان لا أستطيع التحديق طويلا بهما: الشمس والموت: لن اكون نهبًا للفناء، خير الطرق للتنعم بما بقي لي من الحياة أن أتجاهل الموت. سأموت وحدي، وسيبقى العالم مستمرًا من بعدي، هذا الشارع ستمر من فوقه سيارات كثيرة. الناس الذين سيشاركون في جنازتي سينفضّون بعد ساعة، وينسونني في غمرة حياتهم، ساعي البريد سيتوقف عن زيارتي. جسدي سيأكله الدود. >>
و في إشارة إلى الإحتلال و ما سببه من ألم لهذا الشيخ ، يقول الدكتور فاروق :
<< مرّ بالقرب من بوابة الحرم جندي من( الفلاشا)، يحمل عصًا مدببة قد تكون أكبر من حجمه. تأوه الشيخ آهة طويلة، وهو يزفرها نحو الأعلى، حرك يديه بانفعال وكأن حكة أصابتهما، ارتجفت أسنانه، وما لبث أن أركن جسمه على عمود في صحن الحرم >>
و يختتم الدكتور مواسي قصته بجملة رددها الشيخ أكثر من مرة ، تفتح المجال للتكهن بأكثر تفسير :
وقال: "أريد أن أموت في وقت مناسب! أتسمع؟"
و نقل نظراته بيني وبين الصخرة و بين جهة السماء :
" أريد أن أموت في وقت مناسب".
فهل أرادنا نظن بأن أمنية الشيخ أن يموت في موقعه هذا بين المسجد الأقصى و قبة الصخرة ؟ أم أرادنا نظن أن الوقت المناسب الذي يعنيه هو حين يتم تحرير مدينة القدس من قبضة ذاك الفلاشا و بني جلدته ؟
*****
و قد كتب الدكتور مواسي في الأقصوصة ، أو ما أسماها البعض بالومضة القصصية ، أو ما يفضل البعض تسميتها بالقصة القصيرة جدا ، أو كما ابتكر الدكتور فاروق لها اسما طريفا مختزلا كجسمها :( ق ق ج )
كتب بداية : خمس قصص قصيرة جدا
ثم........: ست قصص قصيرة جدا
ثم .......: سبع قصص قصيرة جدا
ثم .......: ثماني قصص قصيرة جدا
ثم .......:تسع قصص قصيرة جدا
اخترت منها أقصوصة ( تيمائيل ) كنموذج و التي أراد بها أن يقول : لقد سرقوا الأرض و الماء و سرقوا البيت و المأوى و هاهم يشرعون بسرقة أسماء أولياء الله :
تيمـــائيـــل
زرت أطلال عين غزال ، وجدت قبرًا يقوم على نشز من الأرض ...
قال لي المرشد : هذا مقام الشيخ شحادة رحمه الله . وهذه اللافتة وضعها مجهولون وعليها : " هنا يرقد الرابي* عوفر بن تسفي " .
عدت إلى بلدي ، وتوجهت حالاً إلى مقام الشيخ تــيّـِم الذي يقوم في مركز البلدة . رأيت بعض الناس يقيمون النذور ويعلقون البيارق ، ويقرءون الفاتحة .
قلت للجيران الذين يرعَون المقام :
انتبهوا - الله يخليكم - ، لئلا تجدوا لافتة غريبة ، وعليها : " هنا يرقد الرابي تيمائيل " .....
أقصوصة فيها بعض الطرافة و بعض الوجع العربي ، و فيها من بساطة السرد الخالي من المعميات ، و فيها ناقوس الخطر يدق منذرا : " إنهم سيسرقون كل ما يخصكم حتى تاريخكم " .
*****
نشاط جم ميز الدكتور مواسي في كل المجالات بما فيها المقال الأدبي و الأدبي الإعلامي ، كما أقام علاقات ثقافية مع جميع المثقفين ضمن الخط الأخضر و خارجه بصرف النظر عن الجنس أو الدين ، بما في ذلك علاقته بالأدباء اليهود المستنيرين - بحكم دراسته في المدارس و الجامعات العبرية اؤلئك اليهود ممن يعارضون الإحتلال كمثل ( بيالك ) و ( طال نتسان ) و (أريه سيفان) ، (مايا بوجرانو) ، (ليئور شطرنبرج) و (مي طال ندلر) ، و قام بترجمة قصائد بعضهم من العبرية إلى العربية ؛ و قد اخترت قصيدة ( أم تتمشى ، للشاعرة دالية رابيكوفتش ) كنموذج :
أم تتمشى
تتمشى أمّ مع طفل ميت في البطن
هذا الطفل لَمّا يولد .
في أوانه سيولد الطفل الميت
الرأس أولا ،ثم الظهر والعجز
وبيديه لن يلوّح
وهو لن يصرخ صرخة أولى
ولن يربتوا له على قفاه
ولن يقطروا قطرات في عينيه
ولن يقمطوه
بعد استحمامه
هو لن يكون كالطفل الحي .
وأمه لن تكون هادئة وفخورة بعد الولادة
ولن تكون قلقة أيضًا على مستقبله ،
ولن تسأل نفسها كيف ستعيله
وهل لديها حليب كاف
وهل لديها ثياب كافية
وهل في الغرفة متسع لمهدٍ آخر
هذا الطفل صِدّيق جدًا ،
لم يُخلق من قبل أن يُخلق .
وسيكون له قبر صغير في طرف المقبرة
ويوم ذكرى صغير
وتذكار ليس كبيرًا .
هذه هي سيرة حياة الطفل
الذي قتلوه في بطن أمه
في شهر كانون الثاني 1988
في ظروف ســياســـية أمـنية
و كما يرى القارئ فإن الشاعرة اليهودية ( داليه ) لم ترضَ عن سياسة البطش و التنكيل التي تتبعها الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة و آلاتها العسكرية ، بحجة الدفاع عن أمن إسرائيل ، و ذلك دون مراعاة لشيخ أو طفل أو امرأة ، بل حتى دون مراعاة للأجنة في بطون أمهاتهم .
و ختاما ، فما قدمتُه لا يصور إلا الجانب اليسير من رحلة الأديب الكبير الدكتور فاروق مواسي الأدبية ، لأن هذه الرحلة في حقيقة أمرها - تحتاج إلى مجلدات لنقل حقيقتها و ما قدمه هذا الرجل الفذ من خدمات إلى الأدب و طلاب الأدب .
--------------------------------
* رلى : لعل الشاعر قصد عشائر الرْوَلى بتسكين الراء و تحريك الواو بالفتحة ، و هي منتشرة في الجزيرة العربية و بادية الشام .
* الرابي : الحاخام أي رجل الدين اليهودي
* العجي : الصغير ، ليس فقط بدو النقب من يستخدمها بهذا المعنى فالبدو في جميع بلاد الشام يستخدمونها أيضا بنفس المعنى .

------------------------------------

*نزار بهاء الدين الزين

   سوري مغترب

   عضو إتحاد كتاب الأنترنيت العرب

الموقع :  www.FreeArabi.com