.

نزار بهاء الدين الزين

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
أدب 1
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات


 


 

سيرة ذاتية-أوسمة

دراسة نقدية سيميائية لنص: "عشية العيد"

للقاص المبدع نزار ب. الزين

 

أجراها الأديب الجزائري

ياسين بلعباس
 

تقديم:
لست هنا منظرا لأحد في كيفية مسك القلم والكتابة..ولا في تقديم قوالب جاهزة تعتمد في دراسة القصة..أو الكتابة النقدية..ولا في الطعن في ردود المتدخلين ،وإملاء توجيهات مؤدلجة..وتصنيفها باعتبار: من أرتاح له ..لا من أقر بكتابته ..ولو كانت تفوق رؤيتي ، وتتجاوز قدرتي..ولهذا مهدت في المدخل بمقولة للدكتور الناقد :غالي شكري من كتابه : "المنتمي"
...
قرأت الكثير من النصوص لهذا المبدع الرائع..فأحببت أن أقرأ سيميائيا ،ما أمكنني ذلك ، قصة من قصصه..وكانت المناسبَة ، في هذه القصة ،المناسِبة..عشية العيد..وكانت القراءة عشية العيد فعلا..فله جزيل الشكر والإمتنان على إتاحة متعة القراءة..وإعادة الكتابة..
..................................................

"..نعم ،ليس من حق الناقد أن يتنبأ..ونعم ممكن للمبدع أن يفاجئ، ولكن من حق الناقد أن يحلل، وأن يسلك تحليلاته في نسق من الرؤيا،كما هوحال الفنان تماما.فالحق بينهما مشترك، أن يرى الكاتب وأن يرى الناقد، وأن تختلف أو تتفق الرؤيتان..كذلك من الممكن للفنان أن يفاجئ ـ بل هذا هو الفن ـ ويكشف ويرى ما لا يراه الآخرون.."ا هـ (1)".
كلما قرأت قصة طويلة أو قصيرة..أحسست بشيء في داخلي تجاه ما أقرأ ..بالانشداد الى النص أو بالنفور منه..
وعندما تتضح الرؤية ، يكون الحوار بيني وبين صاحب النص، حميما، ولو كان على النقيض مما أومن وأعتقد..وأتبنى من توجهات، مهما كان لونها..
ويشدني العنوان ..في بداية التعامل مع النص..وأحكم على المحتوى من خلاله..وإن كنت أومن أن العنوان قد يضع الكاتب في مأزق..كما يرى محي الدين صبحي..لأنه قد يتحول إلى أصعب ما في القصة..والكثير من الكتاب الكبار وقفوا أمام وضع العنوان ،واختياره مدة أطول من مدة كتابة النص كله..
وقصة " عشية العيد " للكاتب المبدع:نزار ب.الدين..شدني إليها العنوان من حيث التناسب مع الزمان الذي نشرت فيه..وكأنها لحظة رصدت عشية العيد زمانيا..
المحتـــــــوى:
سيدة تخدم في بيت ،تأخذ أجرتها كل نهاية العمل..لفتت الانتباه إليها ،أنها (تخون الأمانة)..وتأخذ أشياء من البيت دون إذن أصحابه..يراقبها ،عشية العيد ، طفل ..وهي تجمع من صفيحة القمامة، ما تحتاجه وأولادها اليتامى..بلّغ .عنها وتم ضبط (المسروقات)..وعفا عنها الزوج بعد التحقيق..لتقر للعجوز أن هذه الأشياء هي كل ما يسد رمق الأيتام..وأن الأجر لا يفي بأكثر من ثمن الخبز،وأجرة كراء الكوخ..
فاعلية العلامة وتوظيفها فنيا:
قال السكاكي،في كتابه، (المفتاح):" إن المفردات رموز على معانيها "..وفي بحثنا ،في هذا النص القصصي ،عن دلالة الألفاظ ، في محتواها المنطقي والبلاغي،ضمن ما تدلّ عليه، مباحث اللغة من خلال رصد دائرة المطابقة في بعض ما تتضمنه من دلالات الكلمة، بوصفها ذات مستويات عديدة، في البناء التركيبي للنظام اللغوي..وجدنا أن العلامة تتشكل عنده عرفيا(الكلمة)..وأيقونيا (الصورة)..لتعطي بعد ذلك انعكاسات مختلفة:ائتلافية/اختلافية/معرفية/..وهذه العلامات لا تعطي دلالات إلا من خلال التقاطع أو التعارض مع غيرها..وأمثلة ذلك من النص:العيد..دلالتها: الفرح..السعادة..ولا ينكر الإيحاء بصورتها (اللعب..التزاور..التصافح..التغافر..الأطفال..الألعاب..الحدائق العامة..الحلويات..الخ..) مما ينتج عنها انعكاسات متنوعة..في ذهن المتلقي (المستهلك)..تتراكب ذهنيا كلما تنقل بين تفاصيل القصة..لنلاحظ هذا التوالي في تراكب الحدث/الدلالة: اشتبهت.. سرقته حدثت سمع، فكمن ..شاهده.. تنتقي.. تضع.. دستها.. (الفقرة الأولى فقط)..
مجموعة كلمات تشكل أفعالا انتهى زمنها الفعلي مع صياغة اثنين صرفيا في الزمن المضارع:
1/
تنتقي
2/
تضع..
إن التوالي بهذا الشكل الهندسي يجعل المنحنى البياني للحدث يتصاعد ..شيئا فشيئا..كأن الكاتب يمسك به..ويسقط في ذهن المتلقي عملية السرقة ..ومراقبة الطفل للخادمة المسكينة التي تعتقد أنها لا ترتكب محرما..ودلالة ذلك استعمال كلمة(دستها..بدل خبأتها..)..وهي جملة فعلية مكونة نحويا من :
الفعل: دسّ
الفاعل: هي ضمير مستتر ودلالتها تاء التأنيث..
المفعول به : الهاء..
ولتكثيف الحدث ،استغنى عن الظاهر الى المضمر(هو الفاعل) أو المتصل(ها:أشياء) باستعمال نوعين من الضمائر..وهي تملك المفعول البلاغي نقسه من حيث تعريفُها ، ودلالتها على المعنى:(الإحساس بالأمان..)..
ولو احتكمنا الى دي سوسير في أن العلامة تحيل إلى غيرها..ومنه فإن القواعد التوليدية والتحويلية،تحتكم الى نظام يتم تحليله إلى المكونات الثلاث:

1 /
المكوّن المورفولوجي:دستها
2 /
المكون التركيبــي:فع +فا+مفع
3/
المكون الدلالــــي: الإحساس بالأمان
وإذا كان من نافلة العمل النقدي: البحث عن جملة الأسئلة التي يثيرها النص..فإن السؤال الأساس الذي نريده أن يحرك التراكم المعرفي ،للخلفية الفكرية للمنتج..هو : ماعلاقة المنتَج بالمنتوج ؟
وكنا في التقديم ذكرنا دلالات (العيد)..
فإن المنطق السليم يحيلنا على أن المنتِج:
ـ يفكر فنيا، بما يفكر به البسطاء من أفراد المجتمع
ـ صاحب ثقافة متشربة بتأوهات الطبقة الكادحة..
ـ التعبير بصدق، وبتفاصيل، عن حاجات الفقراء..
ـ النزول الفكري الى المستويات البسيطة، والتعامل معها أفقيا ،لا عموديا،حتى يصل بالنص إلى الإجابة عن السؤال الآخر:
ماذا قال المنتج ؟
إن طبيعة القراءة الواعية لهذا النص..تمنحنا القدرة على تنوير الموجود أمامنا ..كمجموعة أيقونات..والكشف عن مكنوناته، وفق ربط محكم بين أطرافه(غير القابلة للتفكك..كما يراه جاك دريدا)..أو التجزئة(هنا الدراسة ليست تفتيتية أو نووية)..فهذه القراءة الواعية التأويلية تنتج لنا نصا لاحقا ثانيا..يكون الدافع الكبير للأصل على الإستشراف:
القراءة التأويلية..تحيـــل إلى.......قراءة منتجة.....تحيل إلى.....خطاب إقناع
وهذا الفهم من حيث هو :يتجاوز حدود الاحتمال إلى اليقين..أو القطع بالحكم..
وعليه فإن ما ذهب إليه النص كان :"ضرورة إزالة الشك باليقين..وعدم بناء الأحكام مسبقا..وإبعاد الأطفال(أخلاقيا ) عن لعبة الكبار في التعامل مع قضايا ذات حساسية(معاملة الخدم) في فترة حساسة(العيد) مع طبقة تقتات على ما تراه زائدا عن حاجة الآخرين " فوق.."..
"
الطبقة المتوسطة لا تملك حتى حق العيش على بقايا الـ "فوق.."
الأبعاد الأخلاقية للقصة:
من داخلها يمكننا أن نربط أخلاقيا بين الدال والمدلول (طبيعة العلامة المزدوجة:صورة سمعية أو بصرية + صورة ذهنية )..من خلال علامات كثيرة..:
(
اشتبهت..:الظن وعدم اليقين..)
(
تسرق : فعل لا أخلاقي محرم شرعا..ولو كان غير ذلك لاعتمد تأخذ..مثلا)
(
المطبخ : الحاجة الى الأكل..الجوع ولو كان غير ذلك لاعتمد مكانا آخر في البيت)
(
حدّثت : أقرب الى المسامرة ..واللين ..ولو كان غير ذلك لاعتمد: أخبرت..مثلا)
(
منذر : صرفيا اسم فاعل.. ولد في العاشرة يوحي بالإنذار..ولو كان غير ذلك ،لاعتمد اسما آخر..فهو من راقب ..(.. كما لوكان قد اكتشف كنزا : " لقد ضبطتها .. لقد ضبطها متلبسة ! ")
هذه العلامات من الفقرة الأولى فقط..نكتفي بها للدلالة على البراعة في استعمالها بلاغيا..
وهي المحرك للفعل النفسي الذي إذا تتبعناه في اللاحق من التراكيب نجد العجب..
امرأة مسكينة خادمة..يضبطها أصحاب البيت محملة بما زاد عن حاجتهم(حسب رأي الخادمة)..وهي غير أمينة (حسب رأي أصحاب البيت )..ما هي هذه الأشياء؟..
هل هي كنز ؟( هبط من السقيفة مسرعا ، خرج من المطبخ يسابق الريح و هو يصرخ فرحا ، كما لوكان قد اكتشف كنزا)..الكنز بين العبارتين يختلف : بالنسبة للفاية: كنز يربطها بالحياة والأيتام..
بالنسبة للمنذر أو صاحب الإنذار: تقديم الدليل المادي لوالدته وجدته..على ما كان مجرد شبهة..فما هي عناصر هذا الكنز؟ :- بقايا طعام من صفيحة القمامة..
مم يتكون هذا الطعام ؟:
1/
لفيفه ورقية تحوي بعض الشاي: استهلكت العلبة ولم يبق منها غير القليل الذي يرمى في القمامة..وهو يزيد عن حاجة أهل البيت..
2/
أخرى بعضا من السكر..: ما زاد عن الحاجة وقت استعماله..ولا يرجع الى السكرية..
3/
، قطعة جبن صغيرة هنا..:مادة سريعة التلف ..ولا حاجة لهم باستعمال الزائد مرة ثانية
4/
قطعة حلاوة طحينية هناك ..: الأولاد يحتاجون ويتلهفون..وهذه رميت..فهم أولى بها
5/
كسر خبز في جيب ثالث:وهل يعيش الناس بغير الخبز ؟..
6/
بقايا طعام في الجيبين الأخيرين... (ربما طعام آخر كلحم أو سمك أو .....)
هذه هي العناصر التي ضبطت بحوزة الخادمة..فهل الأسرة تحتاجها..؟
يجيبنا النص أن الأحكام في استعمال العقل واستعمال العاطفة تختلف..
1/
رب البيت أبو منذر :استعمل العقل..( كل المسروقات بقايا و لا يتجاوز ثمنها بضع قروش)..
ماهي دلالات الجملة ؟..
أخلاقه الشرقية تجاوزت شكوك زوجته ليربط ـ وعيناه مغرورقتان ـ..المسروقات ماديا..في قروش ..ثم يضيف(، سرحاها في الحال و اجبرا بخاطرها..) ويعلل الحكم:(( فلولا حاجتها لما دنَّت نفسها حتى لبقايا الطعام الملقى في صفيحة القمامة..) ولكي يجعل لحكمه المفعول في نفس زوجته ،يقول لها(ثم لا تنسي أننا على أبواب العيد) ! " ..
هي أيقونة العيد..:الدال موسم فرح..المدلول : التعاون ..المساعدة..الرأفة..وما يمكن أن يكون في باب النفع والخير..ومؤشرا على تجاوز الأحقاد والضغائن..
2/
أم منذر: تتحول الشبهة الى يقين..تحيل الحكم الى الأب..لكنها تصدر أحكاما، بين الشدة ،بحضور الزوج:( تعال يا أبا منذر و شاهد ما سرقته أم حسين)..وبين اللين..في بداية التعامل مع الحالة:( هل قصرنا يوما بحقك يا أم حسين ؟ سواء براتبك اليومي أو بأكلك أو شربك ؟)
3/
الجدة :قالت أسوأ جملة للفاية(الخادمة) .. (أنت "حرمية*" يا أم حسين )وكأن هذه العبارة المستعملة ، هي التي أثرت أكثر من أي كلام آخر على المسكينة..نتج عنه رد فعل سلبي عاطفي..( و لكنها ظلت صامتة مستسلمة ، بينما كانت دموعها تجري فوق خديها)..
ثلاث مفردات بدلالات استفزازية لمشاعر المستهلك الواعي..:الصمت..:ليس بالضرورة دليلا على افتقاد الحجة..ولكنه هنا، ناتج عن اصطدامها بمعاملة لم تتوقعها.واتهامها بالسرقة..(وهو خدش لشرفها وأمانتها..)..الاستسلام: توحي بالعجز عن الرفض..لا تملك أن تقول لا تفتشوني..وهي دلالة توحي بالشعور أن ما قامت به ليس محرما..لتتهم بالسرقة التي نتج عنها(دموعها..)..الجواب العملي على البراءة..والإحساس ـ ربما ـ بالظلم ..
وإذا كانت الغاية ـ كما قلنا ـ من النص إثارة الأسئلة ..فلنا أن نطرح سؤالا آخر: ماذا لو كان صاحب البيت غائبا ؟
كان الحكم على المسكينة أقسى من هذا ، ويأخذ حكما واتجاها آخر..ولكن الكاتب جعل أبا منذر حاضرا ليصدر حكمه..ويعلن الرأفة بالمسكينة..في الأخير ترفع المحاكمة على تبرير الفعل..
(
قالت له ، و هو ينفحها مبلغا إضافيا كعيديه*: " قسما بالله يا سيدي ، و بهذا الشهر الفضيل ، لولا هذه البقايا لبات أولادي اليتامى الليلة جائعين ..) الجوع في عرف القساة لا يبرر (أخذ هذه الأشياء ولو كانت تساوي قروشا..وزائدة عن الحاجة..)فاسمعوا ماذا تقول الجدة :
"
و الأجر الذي تتناولينه ؟ "..دلالة تتناولين..بصيغتها الصرفية(تتفاعلين)توحي بالتداول بين الأجر وبين المسكينة..فكأنها في منظور العجوز القاسية لا تساوي متى رفع أمرها ..أكثر من دريهمات هي كل ما تأخذه مقابل خدمتها..
والجواب عن هذه الإهابة ..بما يناسب :
أجابتها كسيرة الخاطر : " يا خانم ، أجْري يكاد يغطي ثمن خبزنا و أجرة كوخنا..)..
كسيرة:فعيلة وهي من صيغ المبالغة الخمس..وهي للدلالة على اتصاف المسكينة بالخاطر الكسير..
وفي الأخير: كما جاء في المقدمة: نعم ،ليس من حق الناقد أن يتنبأ..ولذلك لم اتنبأ بشيئ ..ولم أحمل النص أكثر مما أراده المبدع منه ..ولم أستعمل أكثر من حقي في التحليل ..ونهج نسق من الرؤيا(ولكن من حق الناقد أن يحلل، وأن يسلك تحليلاته في نسق من الرؤيا )..وإقرارا للحق أن الفنان كان أبعد مما تصورت في رؤياي ..لقد فاجأني استعماله الدقيق للمفردات .. و هذا هو الفنان الحقيقي ـ وهذه هي طبيعة الناقد أن يكشف ويرى ما لا يراه الآخرون..".................
=====

الهامش:د/شكري غالي:المنتمي ،دار الافاق الجديدة،بيروت.ط3/سنة1982