الأدب   - أخبار أدبية

الأبواب
الرئيسية

صفحة الغلاف
الأدب- ضيوفنا
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

 رسالة الفنان لدى خيري الذهبي
دراسة بقلم : د. ماجدة حمود


          
نستطيع أن نصف الروائي خيري الذهبي بـ"رجل الكلمات" الذي لا يستطيع أن يعيش دونها، فهي نبض وجوده، أعطته، ومازالت، معنى لحياته، يريد أن يسعد الآخرين بها، رغم أنه يكاد يختنق بعبئها!
في رواية "لو لم يكن اسمها فاطمة" يحاول أن يستعيد، عبر الكلمة، الفرح الذي فقدناه، ويفضح أولئك الذين يدمرون حياتنا، ويحيلون زمننا إلى زمن النهش والاغتصاب، كي يقتلوا الطموح في نفوسنا، والحلم بغد أفضل! كما حصل لبطلته (فاطمة) التي لم تجد ملاذا لها سوى العزلة والتصوف!
نعايش في إبداعه هم الإنسان ممتزجا بهم الوطن، بل نلمح في هذه الرواية رسالة أخرى يحمّلها خيري الذهبي للفن، وهي رسالة كونية، إذ يحاول نفي صراع الحضارات والتأكيد على امتزاجها، دون أن تترفع حضارة على أخرى أو ابتذال من حضارة لأخرى، لهذا حين يعوز (سلمان) العمل والتموين يقبل دعم المحطة الفرنسية لكتابة السيناريو للفيلم الوثائقي، دون أن يقيد ذاته بالتوثيق المحايد بل نجده يؤكد وحدة شرق المتوسط بغربه، فيسلط الضوء على الفترة الهلنستية! التي تجلت فيها وحدتهما، ويبين أنها كانت فترة ذهبية! إذ عرف الناس فيها أيام السلام العالمي!
فتح الروائي خيري الذهبي آفاقا واسعة للرواية، فنسج فضاءها عبر عوالم فنية متعددة، تعتمد تارة الواقع، وتارة الحلم، تتناول اللحظة الحاضرة كما تتناول التاريخ، لهذا لم تقنعه حدود اللغة العادية والشعرية، فوجدناه يحاول تجاوز الكلمة إلى اللون والخطوط في الفن التشكيلي والحركة والضوء في فن الإخراج! لهذا تعمد أن يجعل الراوي البطل (سلمان) يمارس الإخراج وكتابة السيناريو، في حين جعل البطلة فاطمة تعبر عبر لوحاتها عما يعتلج في أعماقها من معاناة، وبذلك شكّل الفن التشكيلي جزءا حيويا من فضاء الرواية، كما شكل الفن السينمائي، فلم يبدُ لنا تراسل الفنون لديه عملا استعراضيا بل جزءا من جماليات الرواية!
نعايش لديه هموم المبدع الأصيل الذي يكون نصيبه العداء في مجتمعنا، فيفتقد تكافؤ الفرص، إذ يتم الاعتذار عما يكتبه (سلمان) للتلفاز بحجة أنه يكتب بلغة مثقفة لا تتناسب وروح الشعب، في حين تشرّع الأبواب للأميين أو أشباههم، ممن برعوا في نقل نماذج غربية (أدبية أو سينمائية) فبرعوا في أخذ القشور، "وملؤوها بغازاتهم ومسخراتهم، ثم قالوا: روح الشعب." دون أن يعوا بأنهم يقتلون هذه الروح بإملاء ثقافة مستوردة عليها! أي باستخدامهم لغة لا يفهمها! ولا تشكل وجدانه!
يؤكد الذهبي ضرورة أن يستخدم المبدع لغته الخاصة التي لا تعتمد لغة الآخر ونماذجه، لهذا يحس (سلمان) بالخجل حين يجد نفسه قد اعتاد أسلوب التنميط، فيسمّي حفلة الغداء بـ"ساتيريكون" ويدعو إلى تسميتها اسما يتناسب مع الموروث الثقافي العربي (مسخريات، مجنونيات، بغداديات، تدمريات...) إذ لدينا "لغة حافلة بالأسماء والأعلام، فلِمَ تتركها وتلحق بفيلليني وساتيريكون.؟"
ثمة دعوة غير مباشرة للثقة بأنفسنا، إذ ليس من مبرر لاستخدام ثقافة الآخر أي نماذجه ولغته، مادمنا نريد تجسيد روح الشعب فلا بد من استخدام لغته وموروثه الثقافي، كي نضمن تفاعله بما نكتب!
ممارسة النقد الذاتي:
يعد خيري الذهبي من المبدعين العرب القليلين الذين يمارسون النقد الذاتي، فقد تضخمت ذات المبدع إلى درجة تنـزيهها عن الخطأ، لهذا قلما نلاحظ تطورا في الممارسة الإبداعية لديه!
بدت هذه الممارسة واضحة في روايته، حين انتقد افتقاد المثقف العضوي، لهذا شاع لدينا نمط من المثقفين يقتنعون بدور المتفرج "أنتم أيها الملعونون بلعنة الكتابة، دخلتم دور المراقب والمتأمل لما يجري في العالم، ثم نسيتم الخروج من هذا الدور، فانغلق عليكم." لذلك أصبح المثقف يجيد القول وينأى عن الفعل والتأثير في مجتمعه!
توجهت (سميحة) بهذا الخطاب النقدي إلى الراوي (سلمان) الذي يشتغل بمهنة الكتابة، لكن الأهم من ذلك كله أننا سمعناه يواجه ذاته، ويفضح إحدى أزماته التي يعرفها، وهي "ميله إلى نمذجة الناس، وكان يعرف أن هذه الإشكالية عليه أن يتجاوزها، كان يصنف من حوله ذهنيا، فهذا الشاب مشروع راسكولينكوف، أما هذه المرأة فليست إلا آنا كارنينا..." وقد لاحظ أيضا صديقه يوسف هذه السلبية لديه التي تؤدي به إلى تنميط البشر، فلا يستطيع رؤيتهم إلا من خلال نماذج أدبية رآها في السينما، أو قرأ عنها، وذلك حين شبّه (أبو الشيماء) بزوربا، فيواجهه بنقد يوضح ما يعانيه من أزمة فكرية "زوربا استهلكه كازانتزاكس، ولا فائدة من استعادته." فكانت المرة الأولى التي يواجهه شخص ما بهذه المثلبة!
ثمة روح موضوعية تسيطر على (سلمان) حين قرأ السيناريو الذي تركه بين يديه (موسيو غسان الراوي المضمر) فيرى أن كاتبه "محترف" يستطيع أن ينتقل بين الضمائر بسهولة، لكن حين يتحدث عن مقتل الطيار، وبقاء خوذته مع (فاطمة) يرى أن الحبكة قد تحولت إلى القصة البوليسية ، وبدأت تتخلى عن المعقولية، وتنجرف بعيدا في الخيال ، وينتقل الراوي من الحياد إلى نقد ما يقرأ، فيمثل المتلقي غير العادي، الذي تتحول القراءة لديه إلى نوع من الحوار!
المسكوت عنه:
يحس المتلقي مع رواية "لو لم يكن اسمها فاطمة" لخيري الذهبي برغبة في تجاوز المألوف، وتقديم المسكوت عنه، إذ يقتحم الروائي عوالم تختبئ في عتمة الأعماق عادة، دون أن يجرؤ المرء على الإفصاح عنها! ففي هذه الرواية بدا لنا الابن (الراوي سلمان) يعاني من أزمة داخلية نتيجة اهتزاز الصورة الطهرية التي رسمها لأمه، بعد أن أتيح له الاطلاع على أعماقها، بفضل مخطوط تركه غسان بين يديه، فتحولت من قديسة إلى كائن إنساني قد يرتكب بعض الخطايا (تعشق معاوية، وتطلب الطلاق من زوجها ركني...)
بدا لنا الابن متعلقا بالصورة الملائكية للأم رافضا الصورة الأخرى التي تؤلمه "رفع سلمان رأسه حائرا مغتاظا، فمن هو هذا المعاوية الذي ما تفتأ تكرر اسمه، أهو..لا.. فاطمة كانت الملاك يمشي على الأرض، لا. لا. لا يمكن، ولكن عضّ على شفتيه حتى كاد يدميها..."
يحاول الراوي البطل محاربة العلاقة الأوديبية التي تربطه بالأم، فيواجه تعلقه بها وشعوره بالغيرة حين تتحدث عن علاقتها بـ(معاوية) فيعمد إلى نفي تلك العلاقة التي آلمته عبر تساؤل إنكاري: "أيعقل لهذه الأصابع الحانية أن تعابث غربيا..." أيعقل أن تتحدث الأم عن القلوب المحروقة!؟
ثم وجدناه يواجه ذاته بمنطق آخر يخالف الرؤية الانفعالية، ويقترب من رؤية أكثر إنسانية، تحاول الابتعاد عن الغيرة الذكورية على العرض، يساعده في ذلك الممارسة الإبداعية التي تجعله على تماس مباشر بأعماق الشخصية التي لا يمكن أن تكون ثابتة على حالة واحدة!
من هنا يبدأ بمحاولة فهم أعماق الأم بكل ما يخبئه من ضعف إنساني "هل يستطيع معرفة خبايا الإنسان إلا الرب نفسه..."
ثمة أمر آخر يدفعه لمتابعة القراءة وتقصي أخبار أمه هو نهوض مارد الفضول في أعماقه، إنه أشبه بغريزة إنسانية لا تقاوم، لهذا "لم يستطع التوقف عن القراءة، أو مراجعة النفس، كانت شهوة التلصص على أسرار الأم أكبر من قدرته على التعفف أو التساؤل."
ندخل هنا عوالم جديدة مسكوت عنها، تؤطرها المحظورات الاجتماعية والأخلاقية، كما نعايش مشاعر ما عهدناها من قبل! فبدت قراءة المخطوط نوعا الحفر في عوالم يقصى الابن عنها عادة! كي تستطيع الصورة الملائكية للأم أن تحافظ على بهائها! فلا تلوث ببعض خطايا البشر!
أتاحت رواية "لو لم يكن اسمها فاطمة" للمتلقي معايشة تلك المشاعر السرية (الإهانة، الرغبة في التعفف، الغيرة...) التي يسكت عنها عادة، كي لا تنهار الصورة المثالية للأم! ومما ساعد على ذلك أن الابن يعمل في مجال الكتابة والإخراج، وهو بحاجة ماسة إلى أفكار تسعفه في كتابة السيناريو!
كما أتاحت لنا هذه الرواية معايشة صراع لم نألفه في الأدب العربي أقطابه (الأم والعشيق والابن) لكن مسرحه هو أعماق الابن، فنتعرف على غصصه وجروحه، وكيف حاول الخروج من إهاب الابن ليدخل في إهاب المخرج والقارئ المحايد، محاولا التخلص من تلك الإهانة السرية التي تأكله!
لكنه لن يفلح في ذلك الخروج، عندئذ يلجأ للدفاع عن منظومة القيم التي يؤمن بها، محافظا على صورة أمه الملائكية! فرفض أن يكون المخطوط ذا صلة بأمه، بل هو متخيل، لهذا يتساءل: "ما يدريك أن هذه مذكرات فاطمة أمك؟ لِمَ لا تكون نصا أدبيا من وضع غسان نفسه.؟"
وبذلك يعيش الابن صراعا داخليا بين الحياد الفني، الذي يجب أن يسعى إليه الكاتب، وبين حساسية الموضوع، أي تأليف نص سينمائي يفضح أسرار أمه، وكي ينأى بنفسه عن هذا الصراع يلجأ إلى ممارسة حيلة مهنية تمنحها له حرية الإبداع (تغيير الاسم، البيئة والزمان...) لكن يتساءل: هل تستطيع هذه الحيلة أن تنسيه أن الموضوع يتعلق بأمه؟ وهل يستطيع تصوير الممثلة التي تمثل دور أمه وهي بين ذراعي معاوية؟
ومن أجل الانتصار للفن نجد الراوي البطل يمارس نقدا للذات ، فيحاسب نفسه على مشاعر الغيرة، التي لم تعد تناسب سنه، فهو على أبواب الكهولة، بكل ما تعنيه من نضج، وتفتح على حقائق الحياة، كما يحاسب نفسه على ازدواجية الشخصية التي تدفعه إلى استهجان تصرفات أقرب الناس إليه، وتقبلها من الآخرين!
قدم لنا المؤلف بصورة غير مباشرة رسالة الفن التي تخلق تعاطفا وجدانيا، مما مدّ جسور الفهم بين الراوي وأمه! فشجعه اقترابه من عالمها الفني على خوض هذه التجربة المؤلمة، فقد عايش عبر لوحاتها صرخات عذابها ويأسها! كما عايش حيويتها وتميزها! وبذلك اقترب من مأساتها في معاشرة زوج لا يتفهمها ولا يستطيع تلبية متطلباتها وطموحها! عندئذ يعي حقيقة الفن، فيتساءل أليس هذا موضوعا إنسانيا شاملا؟
وبذلك يستطيع الهرب من مأزق الخصوصية، ويحوّل المادة الواقعية التي تطعن كرامته إلى مادة أدبية تنطق بهم كثير من النساء، فلا يسمح المبدع لخطابه الفني أن يتمحور حول تجربة ذاتية مؤلمة! بل يحاول تجسيد الوجع الإنساني الشامل.
سعى الراوي البطل إلى تعزيز هذه القناعة عبر تساؤلات تهدئ نفسه، حين يبيّن بأن ما يكتبه هو عمل فني، لا علاقة له بسيرة أمه التي ماتت، وأصبحت تاريخا، يتجلى عبر الكلمة والذكرى، لهذا لا يمكن أن تحاكم الكلمة كالحياة!
رغم ذلك لم يستطع الخلاص من الصدمة، مازالت أغاني الطفولة التي غنتها له حية في وجدانه، كلمساتها الحانية وقبلاتها، مازالت التساؤل نفسه يلح عليه:كيف يمكن لمثل هذه الأم الأقرب إلى القديسة أن تهتز صورتها؟
وهكذالم يستطع الخلاص من تلك الصورة التي تعبق بها ذاكرة الطفولة، إذ ثمة شيء ما ينغص ركونه إلى الصورة الأخرى الورقية، التي لا يعرفها، وبذلك يحاول (سلمان) أن يفصم عرى البنوة بينه وبينها، كي يستطيع رسمها بحيادية، وينهي الصراع الداخلي الذي أرّقه لصالح الإبداع!
وقد لجأ المؤلف إلى حيلة فنية كي ينقذ بطله الراوي من ورطته، فجعل المخطوط (الذي يضم سيرة الأم) ملكا لكاتب آخر (غسان) متقن لعمله وماكر في الوقت نفسه، فقد استطاع أن يكسب تعاطف المتلقي (سلمان) إلى درجة أنه أحب فاطمة الورقية وكره (ركني زوجها) لكونه أفلح في إخراجها من دائرة الطيش والتمرد إلى دائرة الفعل الواعي!
****
1- خيري الذهبي "لو لم يكن اسمها فاطمة" روايات الهلال، العدد (677) مايو، 2005