حياة الحب
أقصوصة
مازن الطباع*
جاءتني
ودموع
القهر في عينيها,يداها النحيلتان تحاولان إخفاء شيء ما تشدانه بقوة إلى
صدرها الغضً وعلى سترتها المدرسية آثار حبر ودمع ودماء...
ابتسمت
بمرارة...وأنا أرمق محاولاتها المهزومة للملمة أشلاء جثة طفلها , طفلها
الذي لم
يولد بعد, إنها تحاول إخفاء جراحه, وكتم نحيب دمائه خجلاً ، وتريدني في
ذات الوقت
أن أكون شاهدةً على مقتله ؛ مسحت على شعرها بأصابع من أمان...ضممتها
إلى صدري,
فعبقت في كياني رائحةالدماء...: " ضعي القتيل هنا
يابنتي , دعيه يستريح فربما آلمته شراسة
حنانك , وأنت تشدين على شرايينه المقطوعة لوقف النزيف , لكنه النجيع
يتقن كل
اللغات...يفور معبراً عن ضياع وطنه وتمزقه " .
وتمدد أمامي على مكتبي جليلاً
بهياً..مشرقا كأنما يقاوم تهشمه,ابتلعت غصةً بحجم تهشمه
وسألتها : "من الجاني
يانور؟ قولي يابنتي لاتخافي."
-إنه...إنه
والدي...! وأجهشت في بكاء
مرير...
أحسست بشياطين القرون الغابرة تتراقص أمام عيني متحديةً شامتة, وهدر
الدم في عروقي نيراناً :" يالجهله وحمقه...! كيف فعل ذلك, كيف تجراً ؟
"
لم يهن
عليها أن أشتمه رغم عميق ألمها, نطق صوتها الخفيض, كبرعم خجول ينبثق
بين
الركام : " والدي ليس جاهلاً أنستي إنه طبيب ."
صعقتني ماسمعت...طبيب..؟ طبيب ويفعل
مافعل
!
يا لشنيع فعلته إذاً...يالقبحها...! حاولت أن أعتذر لعينيها اللتين
فاضتا
حياءً, حزناً واستنكاراً
هزني ذلك الفيض المتعدد الأصول والروافد فحاولت أن
أخفف حدة غضبي,لكني وجدت نفسي أنكاً الجرح فيتوالد جراحاً...لم فعل ذلك
: " لماذا قتله
,
قولي يانور لم ؟ هل أغضبته’, هل أسأت لنفسك أو
لتربيتك فظنه مسؤولاً عما حدث فعفًره
بصديد غضبه؟ أجيبي ماذا تراك ارتكبت ؟ "
فتحت ما كان يدعى كتاباً على الفصل الأول
وأشارت إلى عنوانه بيد مرتجفة وجلى:
(حياة الحب)
هذا هوا السبب إذاً؟!إنه
وحش الخوف مازال يتفرعن في أعماقنا, يغتال إنسانيتنا, إنه ذاك الكهف
الرطب
المظلم..الذي مازال يسكننا , ويرعبنا أن نغادره فتحرقنا الشموس...وكم
يطيب لنا أن
تبقى بناتنا عناكب مذعورةً تلوذ في زواياه حذر الحب...وإن
أرادت أن تلج الحياة
فهي تلجها وكهفها وكهفنا على
ظهرها. حدبةً بحجم خوفنا... وينهشني سؤالً مرير:
" ترى لو كان العنوان: حياة الكره ماذا كان سيفعل, أتراه سيسطو على
حرمته. ويغتال
أعينه ؟ أم أنه سيبتسم برضا..! ويربتً على كتف ابنته قائلاً
بورك فيك يابنتي
هكذا أريد لك أن تكوني......"
الويل لنا إذا نحارب ثقافة الحب, وندعو لثقافة
الموت باسم حماية الأبناء... وتعبر ذاكرتي في هذه الاثناء , صورة ذاك
المسؤول عن
دائرة المناهج والكتب المدرسية.عندما رمقني بنظرة ازدراء وهو يقول: "
كيف تريدين
لنا أن ندخل كتابك إلى مكتبات
المدارس وعناوين قصصك تنضح بالحب..؟ "
وتابع
بسخرة لاذعة وهو يستعرض فهرس الكتاب
الحب تاج على رؤوس الأصحاء
" ياسلااام..
مارأيك أن يقرأ أبناؤنا ما يشجعهم على الحب؟!" ، " وماذا في ذلك ؟ "
أجبته بحزم :"ماذا لو
لامسنا موضوعاً حياتياً يعيشه الأبناء شئنا أم أبينا..؟ لكنهم يعيشونه
بخوف , وبشكل
مشوهً.."
صرخ في وجهي وكأنه يدفع خطراً محدقاً : " لا قلت لك لا هذا
لايجوز.".أجبته وقد
بدأ الغضب يحرق كلماتي : " لماذا إذن ندرس الغزل في مناهجنا المدرسية ؟
زفر معبراً عن
احتراق قديم : " آه لو كان
الأمر بيدي "..صفقت باب مكتبه ورائي, ورحلت بغنيمة لا أحسد
عليها.. وها هو يتجسد أمامي الآن بشخص آخر..:" أعطني عنوان عيادة والدك
واذهبي
لصفك يابنتي "
" لا يا آنسة أرجوك, فلو عرف أني أخبرتك سيحرمني المدرسه وربما
الحياة
.. !"
" الحياة.....؟ لا يانور لاأحد يحق له أن يحرمك العلم ولا
الحياة."
ولكنه أبي...
-أعلم
ذلك.. لكن أبوته تعني المسؤولية والرعاية لا
..الامتلاك..على
كل حال لن أقدم على أمر قد يسبب لك الأذى-دعي أشلاء الكتاب عندي
وسأشتري لك نسخة جديدة منه,لتعيديها إلى مكتبة المركز الثقافي.
-والقراءة
آنستي..؟ أحس بحاجتي الشديدة لها
,
لكن أبي حذرني أنه سيمزق أي كتاب يجدة
معي فكيف سأشبع تعطش روحي للقراءة , وأرضي والدي في ذات الوقت ؟!
-
اذهبي الآن يابنتي
,فلابد
من حل..حملت كتاب جبران بين يدي والروح مني تهذي: ماكنت أتوهم يوماً
أني
سأشيع جثماناً كهذا..شاركت
في وزر اغتياله, فأنا من وجه الطالبات لقراءته,
عذراً جبران فمن غيرك للمهمات الصعبة, في سن حرجة كهذه ؟ تتوق فيها
الأرواح
للتسامي وتتعطش لنبل الحب...عذراً... فكيف لي أن أتوقع لبعض روحك
مصيراً كهذا في
عصر كهذا..؟
لم أستطع النوم ليلتها, حرقتني لهفة الفتاة وبحثها عن حل..المعادلة
صعبه بل ربما مستعصية, فماذا عساك ستقرئين يا ضغيرتي ووالدك يفتش تحت
الأسطر
,
وبين أعطاف الكلمات عن رائحة تصيبه بالهلع..فيسارع إلى خنقها..! وأي
كتاب سأوجهك
إليه لابد أن يحمل بعضاً من عطر المشاعر...أتستقيم الكتابة بلا روح,
أيستطيع كاتبً
أن يخلع عنه دمه جلده
وأعصابه ؟! أيقشر نفسه عن نفسه ليبقى هيكلاً عظمياً
يرتجف
عرياً ؟! ما الحل إذاً يانور؟ أتتحملين قراءة كتب فلسفية وأنت غضة
الروح؟حتى هذه تحمل
بين طياتها ألواناً من الحب, قد تتسلل رائحتها إلى أنف والدك المستنفر
فتقع
الواقعة...
سأحاول تصنيف الكتب حسب درجة خطورتها وموقعها على اللائحة
المحظورة ،
الشعر في المقدمة فهو ينضج حباً ،
تليه الرواية فالقصة فالخاطرة ،
ثم
تأتي كتب الدراسات......و.......و
أيستطيع الإنسان أن يبدأ رحلة قراءاته
بالدراسات ؟ لكن حتى هذه الكتب قد تتناول بالتحليل مواضيع تعبق
بالمحظور....ماالحل....
أرجوكم ساعدوني فقد ورطت نفسي وأقنعت الطالبات بضرورة
المطالعة ومتعتها....فهل
أسحب كلامي وأطعن بمصداقيته؟ أم أصر عليه وأنا عاجزةً
عن حمايته؟!
أناشدكم بمساعدتي ولو بكتاب
معلبٍ أو مبستر.
======
*مازن الطباع - سوريه
شاعر و قاص
تعقيب
أخي المكرم مازن الطباع
ما أشد جهل هؤلاء الذين يمنعون أولادهم
عن قراءة الحب
فالحب يملأ الحياة كلها
و الحياة قائمة على الحب
الحب كما قالت مديرة المدرسة
يملأ الأشعار و الخواطر
و القصص و الروايات
و المذكرات و الأخبار
الحب عاطفة نقية لا يمكن لأحد أن يخنقها
مهما استخدم من عنف
كما فعل هذا الطبيب
بابنته
إلا الجاهل حتى لو كان طبيبا
فطبيب لا يفهم حقائق الحياة = جاهل
***
النص مثير و يستفز القارئ
و يجعله يتساءل : " هل لا زال بيننا
من يحمل مثل هذه العقلية المتحجرة ؟ "
نص ناجح و مشوق بجميع المقاييس
مبنى و معنى
سلم يراعك و دمت متألقا
نزار