حوار مع الأديب محمد باقي محمد*
أجرى الحوار :
الأديب بسام الطعان*

الأديب
محمد باقي محمد روائي وقاص سوري، له بصمات واضحة في المشهد الثقافي والأدبي
السوري والعربي، عضو
اتحاد الكتاب العرب
، رئيس المكتب الفرعي لاتحاد الكتاب العرب في مدينة الحسكة،
ترجمت بعض أعماله إلى البلغارية والروسية والكردية. ينشر نتاجه في الدوريات
العربية
والمحلية، صدر له: أغنية منتهية بالرصاص. قصص 1986، عن اختفاء العامل يونس. قصص
1988،
الطوفان. قصص 1991، فوضى الفصول. رواية 1997.
التقينا به وأردنا أن يتعرف إليه القارئ العربي على امتداد وطننا العربي الكبير
وخارجه:
*
أنت مبدع متميز في المشهد الثقافي السوري، أنجزت عدة روايات ومجموعات قصصية،
وتحصّلت على جوائز أدبية عدّة. ماذا يعني لك هذا؟
ـ لا شيء على وجه التحديد، إنّها حالة طبيعيّة فيما
أتوهّم، تتعلّق باحترام
الذات، واحترام الآخر، لهذا كان هاجسي أن أقول شيئا مختلفاً، ليس بمعنى
التمايز،
وإنّما بمعنى الخصوصيّة، حاضراً في الذاكرة بصورة دائمة، وإذن فأنا واحد من
العشرات
الذين يشكّلون ورشة دؤوبة تشتغل على القصّ السوري، وتمنحه فرادته وثراءه بين
المُنتَج القصصي العربي عموماً! ثمّ أنّ ما تقدّمَ من كلام يلقي بمسؤوليّة
كبيرة
على عاتقي وعاتق زملائي، ذلك أنّ مهمّة أن ننهض بهذا القصّ، وندفع به إلى مداه
منوط
بنا نحن القاصّين!
*
نشهد في المشهد الثقافي السوري أجيالا مختلفة من الكتّاب والمبدعين، كيف تقوم
علاقتك بهؤلاء؟ وكيف تقوّم علاقتك بهم؟
ـ أنا لست شديد الإيمان بمسألة الأجيال هذه! ولكنّ العلاقة - مع ذلك - ستتفاوت،
فمع جيل العمالقة، جيل زكريا تامر وسعيد حورانية مثلاً، ستكون العلاقة علاقة
التلميذ في حضرة معلّميه! أنت تعلم بأنّه لم يُقيَّض للأجيال التالية عليهم أن
تتجاوز تجربتهم بالاتّكاء عليها، ولستُ أدري لماذا! لكنها مع الأجيال التالية
ستختلف، إذْ ثمّة ندّيّة ستطلّ برأسها إن هنا أو هناك، وهذا سيشمل طيفاً واسعاً
من
القاصين، أذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر: حسن م. يوسف وخليل جاسم الحميدي
ونيروز مالك وعبد الرحمن سيدو ومحمد الحاج صالح وجميل سلوم شقير وغسان كامل
ونوس
وحسن حميد وإبراهيم الخليل وسامي حمزة وصبحي دسوقي.. إلخ، في حين أنّها ستقوم
على
الحرص والمتابعة والتعاطف مع الأجيال التالية، أقصد الأجيال الأكثر شباباً،
ابتداء
بسهيل الشعار، وانتهاء بهيمى المفتي! هي علاقة زمالة تقوم على المحبّة
والاحترام من
جهة، وعلاقة تأثّر وتأثير مُتبادَل بين الأجيال كافة، بغضّ النظر عن العمر، فهي
تترسّم التجربة ذاتها، وهذا شيء مهمّ! ثمّ أنّه ينبغي ألاّ تنسى ما أسلفته في
سؤال
سابق، من أنّنا إزاء ورشة دؤوب تشتغل على القصّة القصيرة، مساحتها مساحة القطر
العربي السوري!
*
ما المقومات التي يجب أن يستخدمها الروائي والقاص حتى يمكن له أن يستولي على
اهتمام القارئ ويظفر به؟
ـ أعتقد أنّ الأولويّة هنا هي للصدق، فأنت في هذه الحال ستتواصل مع الآخر عبر
أقصر الطرق، أي عبر القلب والعقل بآن! البقيّة تتعلّق بتجربتك، التي تشي بمدى
تملّكك لأدوات القصّ وأشكاله، التقليدي منها أو الحديث، وعليه فنحن نعوّل على
التشويق، وهذا يقتضي براعة تقوم على توريط القارىء في لعبة مُضمرَة تروم، ليس
فقط
إشراكه في قراءة النصّ، بل - ربّما – في إعادة إنتاجه أيضاً بمعنى ما! ولهذا
فأنا
أتبنّى - في هذا السياق - مقولة لبريخت مفادها، أنّنا لا ينبغي أن ندّعي بأنّنا
"سننزل"
إلى مستوى القارىء! أو أنّنا سنرتقي بهذا القارىء إلى مستوانا، ذلك أنّنا
-
والقول ما زال لبريخت – إن لامسنا هموم الناس، فإنّهم سيستجيبون لنا، مها كان
الشكل
الفنّي الذي نعتمده مُعقّداً! وفي السياق ذاته يحضرني قول للمخرج العالمي يوسف
شاهين، مُختصرَه أنّه كثيراً ما يتعرّض لتشكّي البعض من سويّة الأطروحيّ في
أفلامه،
على الرغم من أنّ البعض يشاهد أفلامه غير مرّة، فيتساءل أمامهم بصوت مرتفع، وهل
تقترحون أن أشتغل على طريقة حسام الدين مصطفى مثلاً، لكنّهم يسارعون إلى النفي،
ويطالبونه بأن يظلّ كما هو، ذلك أنّهم يستشعرون - على نحو مُبهَم - بأنّ الرجل
يوّد
أن يقول لهم شيئاً مختلفاً! إذن الصدق أوّلاً ، طبعاً مع اشتراط الموهبة،
والباقي
يُستكمَل لاحقاً بالصقل والدربة والمران والتجريب، وقبل هذا كلّه بالقراءة، إذْ
أنّ
القراءة تجعلك تتجدّد دوماً!
*
لماذا يخاف الجيل الراهن من كتّاب القصّة الاقتراب من المسائل الحساسة كالدين،
والجنس، الحرية، الديمقراطية، والخراب الاجتماعي! هل الخوف من السلطة هو السبب؟
ـ نعم ولا! نعم، إذْ أنّنا في سوريا ما نزال نحتكم إلى سلسلة من الموافقات
المُسبّقة، وهذا يستدعي مجموعة من الممنوعات كالتي ذكرتها! هذا يعني بأنّنا
الوحيدون الذين نجحنا في تحويل الكاتب إلى رقيب على الكاتب، يجيز له نصوصه أو
لا
يجيز! الأمر مختلف في دول الجوار! لبنان - مثلاً – أو مصر، ففي هذين القطرين
يمكنك
طبع كتابك بلا رقابة مُسبّقة، وإذا كان ثمّة متضرّر من نتاجك، فهو يستطيع
اللجوء
إلى القضاء المدني! وإذن فالاقتراب من مسألة الديموقراطيّة – مثلاً، أقول
مَثَلاً -
التي ستفضح جملة مُمارسات قمعيّة، ستكون حكماً في قائمة الممنوعات! ولا، بمعنى
أنّ
السلطة لوحدها لا تستطيع أن تمنع كلّ ما تقدّمَ، فتقوم المؤسّسة الدينيّة -
مثلاً -
بدور الحارس على ما تزال تعتبره مُقدّسَاً، مع أنّه قد لا يكون كذلك، كالصراع
بين
الأمين والمأمون على سبيل المثال، وهذا لا يتمّ بمعزل عن السلطة طبعاً، غبّ أن
أدركت ضرورة أن يكون للدين، هذا الدور الاستتباعي في خدمة السياسي! ما وضع
المتعالي
على التاريخ والمُطلَق، في خدمة التاريخي السياسي أو الاجتصادي! ثمّ أنّ
التفصيل أو
الفصل هنا هو بقصد الوقوف على الأمر منفرداً بقصد الدراسة والتفكّر، في حين
أنّه في
الواقع ليس كذلك، فالكّل متداخل ومتمفصل، ليؤسّس - في المُجتبى - اللوحة
الكلّية
لمُجتمَع مُخلَّفٍ، وعليه فهذا المُجتمَع - مثلاً - يحدّد تابوهات الحبّ
والجنس،
بما هي حسّ إثم دينيّ، أو حسّ عيب اجتماعيّ، أو الاثنين معاً! لنتحصّل في
الختام
على لوحة إشكاليّة شديدة التعقيد، يتداخل فيها الاجتماعي بالسياسي والثقافي
والاقتصادي! ومع ذلك فالصورة ليست على ما ذكرت في سؤالك من سوء، لأنّ العمل
الفنّي
كتعبير يأنف المُباشرة، يسمح إلى حدّ ما بالتصدّي للكثير ممّا جئتَ عليه!
*
كيف يمكن للأدب ككل أن يقلب الموازين، أو يحرّك الجماهير، ويسبر أغوار الجرح
العربي المليء بالخيبات، هل يقدر على ذلك؟
ـ لقد ذهبتَ بعيداً في سؤالك! العالم يتغيّر بسرعة من حولنا، قبل سنوات كان
العالم عالماً من ورق! اليوم هو لم يعد كذلك، فلقد ظهر إلى جانب الكتاب
التقليديّ
الكتاب الإلكتروني، وذلك في ظلّ ثورة الاتصالات والمعلوماتية، أرجو ألاّ
يُفهَمَ من
كلامي بأنّني أنعي الكتاب الورقيّ، فهو لا يزال موجوداً، لكنّ دور الأدب - في
الأذهان – بدأ يتغيّر، وهذا ينطبق على فهمنا لماهيّته أيضاً! في الستينيات كان
هناك
نهوض عام، فانعكس هذا على الشعر، وكان شعر المقاومة، هذا إلى جانب إيمان عميق
بالقدرة على الإسهام في خلق عالم أفضل! اليوم تبدو الأمور مختلفة محلّيّاً
وعالميّاً، فعلى المستوى العربي نحن نعيش واحدة من أسوأ مراحلنا!
إنّنا ذات يوم كنّا نتوهّم بأنّ الجامعة العربية - غبّ أن تحصّلنا على
استقلالنا -
هي بداية الدرب على طريق الوحدة، ومن ثمّ فإنّ دولة الحقّ والقانون آتيّة لا
ريب
فيها، وأنّ المسألة هي مسألة وقت فقط! هذا ينطبق على دولة الرفاه! لكنّنا اليوم
نعيش تشظّياً غير مسبوق، وعلى هامش الجامعة، وُلِدت مُنظّمات محليّة كمجلس
التعاون
الخليجي، أو مجلس التعاون المغاربي، لنكتشف بأنّ الجامعة العربية مُقدَّر لها
على -
ما يبدو - أن تكون سقف الحلم، وعليه فلن أخوض في الجرح الفلسطينيّ، أو
العراقيّ، أو
السودانيّ، أو اللبنانيّ، أو الصومالي، ناهيك عن المغرب والبوليساريو، ولا أريد
في
هذا المعرض أن أتذكّر عربستان، أو الاسكندرونة، أو سواها من الأجزاء المُقتطعَة
من
جسد الأمّة!
وسأتناسى مشكلات الانفجار السكّاني، والتنمية المتعثّرة، البطالة، العجز
المتزايد في ميزان المدفوعات، وتناقص حصّة الفرد العربي في الغداء بالقياس إلى
الآخرين! أمّا على المُستوى العالميّ، فلا داعي لأن أذكّر بأنّ سقوط جدار
برلين، أو
تفكّك الاتّحاد السوفييتي، ومن قبلها انهيار منظومة الدول الاشتراكيّة! وما
يعنيه
ذلك من هيمنة القطب الواحد، مُمثّلاً بالولايات المتّحدة الأميركيّة! جعل
العالم
يبدو- اليوم - أكثر فظاظة، وأقلّ إنسانيّة مع محاولات هذه الدولة، التي تهدف
إلى
إعادة ترتيب البيت العالمي وفق مصالحها، لتهيمن على هذه القرية الكونيّة - من
ثمّ -
ما يؤدّي - في المُجتبَى - إلى خلخلة المفاهيم التي تربّينا عليها، من مثل حقّ
تقرير المصير، أو حقّ الشعوب في ثرواتها الوطنيّة، السيادة على المياه
الإقليميّة،
حقّ الدول في خياراتها لتحقيق التنمية والرفاه، أو حقّها - حتى -في اختيار
نظمها
السياسيّة والاقتصاديّة!
هذا يقودنا - بدوره – إلى معضلات الاحتباس الحراري، والتلوّث، والمشكلات
البيئيّة المختلفة، الناجمة عن جشع الشركات المُتعدّدة الجنسيّات! وإذن فإنّ
أحلام
الثوّرة على مستوى العالم تضاءلت، أنا لست مُتشائماً، فأنا أرى تماماً ما يراه
"ادواردو
غاليانو"، غبّ قراءته في كتاب "نعوم تشومسكي" "501 ، الغزو مستمرّ"، بأنّه
"ليس
مُقدّراً للبشر أن يكونوا سلعاً"، وعليه فنحن مُطالبون بالدفاع عن هُويّاتنا
الوطنية، عن ثقافاتنا القائمة على التمايز والخصوصيّة، ما يحيل إلى الثراء
والتنوّع
العالميَّيْن.
الأدب له دوره في هذه المعركة، لكنّ الأدب الذي يغيّر على طريقة الستينيات لم
يعد موجوداً اليوم، ربّما كنّا الآن - وأكثر من أيّ وقت مضى - بحاجة إلى إعادة
بناء
الإنسان الواعي لهُويّته الوطنيّة، المتفكّر في سؤال: من أكون! أي المواطن
المدرك،
الذي يمتلك رؤيا واضحة للتاريخ والعلوم والآداب والفلسفة والفنون! ذلك أنّ هذا
المواطن سيشتغل على إعادة الأولويّة للسياسي، على إعادة الاقتصاد إلى موقعه
المرتبط
بالسياسة، أي بإرادة المواطن، بهذا المعنى سيقوم الأدب بدوره في بناء إنسان
الغد
الناقد والمتسامح بآن، لكن المتمسّك بعناد بمواطنيّته وبانتمائه الثقافيّ،
وعندها -
فقط – قد نتمكّن من معالحة ما أسميته بالجرح العربي، أو الخيبات العربيّة
المتتالية! وهذا يتطلّب من السلطات العربيّة أن تنتقل من علاقة الراعي بالقطيع
المسيحيّة - بحسب - "ميشيل فوكو"، القائمة على مفهوم الأنعام! إلى صيغة العقد
الاجتماعي، التي اشتغل عليها "جان جاك روسو"! هذا - بدوره - يستدعي مفاهيم
تداول
السلطة بشكل سلمي، والحريّات، حريّة التعبير، أو الانتماء السياسي
والديني..إلخ،
الفكر الليبرالي الحرّ، ومبدأ الحقّ إلى جانب سيادة القانون!
*
بعض النقاد يريدون من الروائي أن يلتزم بقوانين معينة على الرغم من أن الأدب
لا يمكن وضعه في قوالب جاهزة. أنت كروائي وكقاص هل تضع آراء النقاد في ذهنك حين
تشرع بالكتابة؟ من هو الناقد وما هي مواصفاته؟
ـ في الكتابة الإبداعيّة ليس ثمّة "يجب" الصارمة هذه! ذلك أنّنا أمام قضيّة
خلافية منذ البداية، هي قضيّة الأدب، التي تحتكم إلى الذائقة الشخصيّة! فكيف
تتشكّل
القوالب الجاهزة التي ذكرتها!؟ النصّ الإبداعي سابق على العمليّة النقديّة كما
تعلم، لأنّ النقد يلي الإبداع، ليُقعّد له، ولكن ضمن أطر عريضة، تنضوي على ما
تقدّمَ من قوانين! بهذا المعنى - ربّما – تجد الآراء النقديّة صواها وصداها في
المُنتَج الأدبيّ، فهي تؤسّس جزءاً من ثقافة الأديب، وتجد طريقها إلى الارتسام
على
هذا المُنتَج يصورة غير مُباشِرة، لكن بمعنى الالتزام لا الإلزام! وبهذا المعنى
-
أيضاً - تنعكس هذه الآراء على ما أكتبه، لأنها تنضفر بآرائي وتصوّراتي عن الأدب
صورة ووظيفة، لكنّني لا أضع الناقد نصب عيني أثناء عمليّة الكتابة! أمّا من هو
الناقد!؟ فأنا أتوهّم بأنّه قارىء من نمط خاصّ، يعيد إنتاج النصّ، وهو أثناء
هذه
العمليّة يفكّك، ويحلّل ليتحرى الأبعاد الاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة
والسياسيّة له، ثمّ يعيد التركيب، هو يتحرّى - إذن – في المتعة والفائدة،
وظيفتي
الفنّ الخالدتين، اللتين جاء عليهما الروماني "هوراس"! المتعة بما هي في طبيعة
العمل الفنّي، والفائدة بما هي المُجتبى فيه! وعليه فهو يقونن بالطريقة التي
أسلفت!
ويضع - بالتالي – القواعد العامة، هو - إذن – يبوّب ويصنّف ويرتّب، بشكل يبعد
المتسلّلين، وأنصاف المواهب عن الساحة، على هذا الأساس فهو يشيد عمارة موازيّة
للعمارة الإبداعيّة، تالية عليها.. نعم! لكنّها لا تقلّ عنها أهمّية، والناقد -
هنا -
هو ذلك القارىء "الحصيف"، المُسلَّح بمنهج مُعيَّن، المتملّك لأدوات هذا
المنهج،
على أن نضع في اعتبارنا بأنّه قارىء شديد المرونة! بعيد عن الجاهز من الأحكام
والمُطلَق! وإلاّ فكيف له أن يضع يده على الحداثوي، عندما يكون ثمّة مُنعطَف
يهذا
الاتّجاه!؟
*
هناك من يدعي ـ وهذا برأيي تعسّف ـ أن القصة القصيرة هي تدريبات تسبق الرواية،
ما رأيك؟
ـ أنت محقّ، نحن إزاء جنسين متباينَيْن في الأشكال والأساليب وحتى المضامين،
متّفقَيْن في انتمائهما إلى النثر، لكنّهما مختلفَيْن في الممارسة، إذْ تفترض
الأولى حدثاً منضبطاً في الزمن، يتصدّى للشخصيّة الإنسانيّة في واحدة من
حالاتها،
بالاتّكاء على تكثيف شديد، واقتصاد لغويّ مذهل، يسوسه قانون صارم هو قانون
الحذف
والاصطفاء، فيما تتصدّى الثانية لحدث ممتدّ في الزمن، لكنّه لا يخلو من الضبط
على
طريقته! وبالتالي فهي تحتمل تعدّد الأساليب السرديّة، ناهيك عن تعدّد الشخوص
والأحداث والأمكنة، وعليه فإنّ قانون الحذف والاصطفاء لا يغيب، لكنّه قد يتراخى
قليلاً لمصلحة الاتّساع في الرؤية، والتعدّد في الأساليب، على ألاّ يُفهَم ممّا
تقدّم السماح بالديباجة، أو الإنشاء المجّانيّ باللغة، ما يحيل إلى الترهّل
كعيب في
النصّ !
القصّة - إذن – جزء، وتتصدّى للجزء، في حين أنّ الرواية هي الكلّ، الذي يشكّل
التاريخ الشعبي، المُوازي للتاريخ الرسمي، وهي السجل اليومي الطازج للمعيوش في
محاولة لالتقاط حركة المجتمعات إذْ تنعطف، ثُُمّ أنّها الوريث الشرعيّ للملحمة!
*
الحركة الثقافية السورية كيف تقيمها في المرحلة الحالية، هل هي نشطة داخليا!؟
ـ هي كأيّ حركة تحتكم إلى المُجتمَعي، وبما أنّ المُجتمَع مأزوم ومهزوم- مهزوم
حتى تاريخه في الصراع مع إسرائيل، أو في بناء الدولة الوطنيّة، دولة الحقّ
والقانون، أي دولة المُؤسّسات، التي تحيل إلى مفهوم الحقوق، من قبل أن تحيل إلى
مفهوم الواجبات! - فإنّ الخطاب السردي، المُعبّر عن هذه الحركة - هو الآخر -
مأزوم!
لقد غابت المعارك الثقافيّة التي شهدتها ستينيات القرن الماضي! لكنّ النار
تتأجّج
تحت الرماد ولا أحد - على وجه التحديد - يستطيع أن يتكهّن متى ينجلي هذا السكون
الظاهري عن حراك لم يكن في الحسبان! فقط علينا أن نتخلّص من المظاهر الممرضة
التي
تحكم العلاقات في الوسط الثقافي، وأن نعيد للمؤسّسات الثقافيّة ألقها وطابعها
المؤسّساتي الرصين! أن نؤسّس لحوار جادّ وجديّ لإنجاز مشروع ثقافيّ وطنّي واضح
المعالم! وأن نغادر الأنا المريضة أو المُتضخّمة نحو الإقرار بالآخر، بما هو
ذات
أخرى مستقلّة ومتمايزة عنّا، وعندها - كما يقولون – سيكون لكلّ حادث حديث!
*
هل الأدب قادر على وضع إصبعه على الجرح الذي يعاني منه الناس، جرح القضايا
العربية المعقدة، وجرح القضايا المعاشية اليومية؟
ـ أتوهّم بأنّ الجواب هو "نعم"، على ألاّ يُفهَمَ من كلامي بأنّ الأدب معنيّ
بتقديم الأجوبة، لا بطرح الأسئلة، ما يحيل إلى الاشتغال على مطالب يستشعر
الأدباء
بأنّ ساعتها قد أزفت، بهذا المعنى يلعب الأدب دور النبوة خارج مُصطلَحها
الدينيّ،
ذلك أنّه يشتغل على خلخلة وعي مُفوّت لمصلحة وعي حداثوي، معاصر، متمايز وأصيل!
اليوميّ موضوع آخر، له إغواؤه.. نعم! لكنّه سوقيّ، لا يخلو من المُبتذَل الذي
لا
يصلح للكتابة، وهنا - تحديداً- يأتي دور قانون الحذف والاصطفاء، الذي جاء في
السياق
من قبل، في حذف ما هو عارض، وبالتالي لا يصلح للكتابة، واصطفاء ما هو جوهريّ
ليدرجه
في المتن، وذلك بالاتّكاء على ما يشبه ميزان الصائغ، إذْ أنّ المسألة شديدة
الدقّة
والحساسيّة، بل أنّها مُفخّحَة! هذا كلّه ليس قبل أن نغادر ذواتنا صوب الإقرار
بالآخر، بما هو ذات مستقلّة، متمايزة عنّا! كما أسلفت من قبل، ذلك لأنّها مسألة
في
غاية الأهميّة، وبالتالي أن نغادر الشلليّات البغيضة، التي تطلّ برأسها هنا أو
هناك، لنكون - عندها - ليس ضمائر الناس فحسب، بل لنسهم في صياغة حساسيّتهم
لعصرهم
كما هو مُفترَض!
*
في السابق عندما كان الكاتب يصدر كتابا، كان يخلق ضجّة ويثير العديد من
الأسئلة، واليوم نرى أن بعض الكتّاب يصدرون عشرات الكتب ولا أحد يسمع بهم أو
بكتبهم. ما السبب برأيك؟
ـ للمسألة وجهان في ما أعتقد، الأولى أنّ القراءة تراجعت لأسباب عديدة، بعضها
اجتصاديّ، له علاقة بدخل المواطن، والغلاء العالمي الذي شمل الكتاب، فما عاد
بإمكان
الكثيرين الاستمرار في شرائه، في ظلّ معدّلات دخل شديدة التواضع، وبعضها الآخر
ذو
صلة بتغيّر عاداتنا، فنحن اليوم أبناء فرجة بصريّة يقوم فيها التلفاز بدور
مركزيّ،
وعليه لم تعد القراءة إحدى عاداتنا، واستتبع ذلك غياب المكتبة المنزليّة، التي
كان
بإمكانها - على تواضعها - إغواء الناشئة بالقراءة، ثمّ أنّ وضوح الرؤية
التشاؤميّة
حول الغد، مع تضاؤل فرص التنمية، وتنامي البطالة، وانحسار الحلم، وضيق فرجة
الأمل،
دفع المجموع باتّجاه اللاجدوى! باتّجاه أنّ الأمر يستوي مع نقيضه! فلماذا
القراءة
إذن!؟ لقد غاب الدور الريادي التي كانت المؤسّسات الثقافيّة والتربويّة تقوم به!
وسأكتفي هنا بمثالَيْن، الأول يتعلّق بالمراكز الثقافيّة كجهات متخصّصة، ذلك
أنّها
كانت تقتني لوحة لكلّ فنّان تتبنّى له معرضاً.
أنت تعلم بأنّ هذا التقليد غاب تماماً اليوم! والثاني سأستلفه من المؤسّسة
التربويّة، وهو شديد الخطورة في دلالته، إذْ تشكّلت في مديريّة التربية منذ
شهرين
لجنة لتقصّي أوضاع المكتبات في مدارس التعليم الأساسيّ! طبعاً أنتم لن تصدّقوا
الرأي الكارثيّ، الذي خلصت إليه هذه اللجنة، والمتمثّل في أن لماذا نبقي على
أمناء
المكتبات في حين أنّه ليس ثمّة مكتبات!
ولتطويق المشكل قصدنا السيّد مدير التربية، الذي استجاب لندائنا مشكوراً، وطلب
إلينا أن نوجّه إليه كتاباً عن طريق السيّد محافظ الحسكة، نطلب فيه ترميم
المكتبات
المدرسية عن طريقنا، أو عن طريق وزارة الثقافة، باعتبارنا جهتَيْن تقدّمان
الكتاب
بسعر مُخفّض! أمّا على الصعيد العملي فنحن لم نتلمّس بعد أثراً للكتاب المذكور!
أريد أن أصل في الختام إلى غياب الاستراتيجيات، وحضور الشخصنة في إدارة
المؤسّسات،
ما يجعلها محتكمة إلى الأمزجة الشخصيّة، ناهيك عن الغياب الكلّي الذهنيّة فريق
العمل، أي للعمل الجماعي، القائم على التنسيق والتناغم والتكامل، لتكتمل في
النهاية
صورة مُجتمَع مُفوّت، والتخلّف أو التقدّم - كما تعلم - عمليّة نسقيّة، إمّا أن
تتحقّق على الأصعدة كافة بآن، أو لا تتحقّق!
*
أنت كرئيس فرع اتحاد الكتاب العرب فرع الحسكة، كيف تنظر إلى دور اتحاد الكتّاب
العرب في سوريا؟ ما طبيعة علاقته بالساحة الثقافيّة في سوريا، وهل يقوم بواجبه
على
أكمل وجه تجاه المشتغلين بالثقافة، أم أنه يعاني من الخلل، بحيث لا يهمّه - في
النهاية - سوى أعضائه؟
ـ بشيء من الواقعيّة يمكنني القول، بأنّنا إزاء مُنظمّة فريدة من نوعها على
مستوى الوطن العربي، صحيح أنّها نهضت على أنقاض رابطة الكتّاب التي كان اليسار
السوري المبادر إليها، وأنّ الأمر لم يكن بمعزل عن تدخّل الدولة، ولكن الصحيح
أيضاً
أنّ هذه المؤسسة تقدّم اليوم مابين 50 و100 عنوان مجّاني من مطبوعاتها لأيّ
مدرسة
على امتداد القطر تتقدّم بطلب إليها، ناهيك عن أنّها - أساساً - تقدّم الكتاب
بسعر
منافس، إنْ لم يكن رمزيّاً! فنحن نقدّم كتب الأطفال المطبوعة لغاية عام 2000
بسعر 20
ليرة سورية، ونقدّم كتاب الكبار المطبوع في الفترة ذاتها بسعر 40 ليرة سورية،
وذلك بغضّ النظر عن سعر الغلاف! أمّا الكتاب المطبوع بعد عام 2000، فهو يخضع
لحسم
بنسبة 50% من سعر الغلاف، على الرغم من أنّ السعر مدروس - أساساً - بصورة جيّدة!
هذا يعني أنّنا إلى جانب وزارة الثقافة، التي تبيع كتبها بحسم 40 %، نشكّل
الجهتين اللتين تقدّمان الكتاب بسعر رمزيّ! قد يكون كتاب الاتّحاد محكوماً
بسوّية
أعضائه، على عكس وزارة الثقافة، التي تشتغل تنويعة واسعة من الضروب والأجناس،
لكنّ
كتاب الاتّحاد أيضاً ينضوي على الكثير من التنوّع والثراء!
ثمّ أنّ الاتّحاد في أسّه العميق تنظيم نقابيّ ذو خصوصيّة، وهو بالتالي معنيّ
بالدفاع عن أعضائه ماديّاً ومعنويّاً، فهو يقدّم للمتقاعدين من أعضائه راتباً
تقاعديّاً، قد لا يكون في مُستوى طموحنا، ولكنّه لا يتعارض مع أيّ راتب تقاعديّ
آخر
يتقاضاه العضو من جهة ما يعمل فيها! كما يمنح أهل المتوفين من الكتّاب إعانة
وفاة،
هي الأخرى قد تكون دون تطلّعاتنا، لكنّها خير من لا شيء! وهذا ينطبق على حسومات
السفر الخارجي، أو الداخلي بوساطة السكك الحديديّة، ثمّ أنّه المحرّك لأكثر من
نصف
الأنشطة الثقافيّة التي تقيمها المراكز الثقافيّة، أو تلك التي تُقام في مقرّات
فروع الاتّحاد ذاتها! فلكلّ عضو الحقّ في إقامة نشاطين داخليين في مُحافظَته،
ونشاط
خارجيّ في أي فرع من فروع الاتّحاد، وذلك بالتنسيق مع إدارة الأنشطة في المركز،
ناهيك عن الدوريات الأسبوعية أو الشهرية أو الفصليّة التي تصدر عنه، كالأسبوع
الأدبي والموقف الأدبيّ والفكر السياسيّ والآداب الأجنبيّة والتراث العربيّ!
هذا لا يعني بأنّ عمل الاتّحاد نموذجيّ، ولا يعتوره النقص، فهو كبقيّة
المُؤسّسات، أو حتى كأيّ عمل جماعيّ، يشكو الشخصنة في المواقع، بمعنى أنّ ثمّة
أشخاصاً يتجاوزون على العمل المُؤسّساتي بحكم موقعهم في قيادات الاتّحاد
المختلفة،
وإذن فالمشكلات حول وفود السفر، وانعدام تكافؤ الفرص في السفر لأعضاء الاتّحاد
قائم، وتجاوز العمل المؤسّساتي - هو الآخر – قائم، ثمّ أنّ الأمر لا يخلو من
أعضاء
عديميّ الموهبة، تسلّلوا إلى عضويّة الاتّحاد في غفلة من الزمن، وخارج أطره
ولوائحه
الناظمة أحياناً، بهذه الطريقة - ربّما - أوتلك، طبعاً أنا لست بصدد التنصّل من
المسؤوليّة ، فالاتّحاد يمارس لعبة الديموقراطيّة في مُختلَف هيئاته، وهذا يعني
بأنّنا مسؤولون - بهذه الدرجة أو تلك - عن إيصال "س" من الناس أو "ع" إلى موقع
ما!
وبالتالي علينا أن نتحمّل النتائج!
لكنّني - في النهاية - أخلُصَ إلى أهميّة الاتّحاد كمُؤسّسة، على أن نعمل بشكل
جدّي على مأسسة العمل في هيئاته المختلفة، وإبعاد الظلّ المقيت للشخصنة والمزاج
الشخصيّ والترهّل عنه!
*
من أين تأتي بأبطال وشخصيات رواياتك وقصصك، هل تأتي بها من محافظة الحسكة التي
تنتمي إليها، أم من سوريا ككل؟
ـ سؤالك يذكّرني بتساؤل لعزيز نسين، ذلك أنّ أحدهم رآه في السوق، فقال ما مفاده
بأنّه - الآن – اكتشف لماذا ينزل نسين إلى الناس، إنّه يفعلها ليستمدّ موضوعاته
منهم، ويردف نسين: "فهل رأيتم أحقر من هذا!؟ لقد نسي هذا الإنسان بأنّني موجود
بين
الناس لأنّني منهم"، ولكنّني - ومن غير استنكار طبعاً - أقول بأنّني أستمدّ
شخوصي
من بيئتي أوّلاً! من أناس أعرفهم جيداً، لقد عايشتهم طويلاً وخبرتهم، هل أسرّ
إليك
بسرّ لا يعرفه الكثيرون، بل أنّني أنا الآخر لم أكن أعرفه، لولا أن أخبرني به
الصديق الشاعر والناقد محمد المطرود، من أنّ قصّتي "ليالي الشمال الحزين"، التي
تتحدّث عن الحياة في قرية سوريّة قريبة من الحدود العراقيّة، في منطقة جنوب
الردّ،
تتردّد في المجالس والمضافات كتيمة!
إذن أنا أكتب عن تجارب عشتها، أو عايشتها عن كثب مع أبطالها الذين كانوا قريبين
منّي! وقد أذهب إلى أبعد، فأقصد التاريخ لأستنطقه من موقع القاصّ لا من موقع
المؤرّخ، لأتناول الحاضر بدلالة الماضي، هرباً من مقصّ الرقيب من جهة،
والاشتغال
على الموضوعتين فنّيّاً من جهة أخرى، الميثولوجيا هي الأخرى حاضرة للاستلهام،
سواء
ما يمتح من الديانات السماويّة أو الوثنيّة، والكلام يطال - أيضاً - ما قبل
الأدبي
بتعبير رينيه ويليك، وعليه فالأسطورة والأهزوجة والمَثَل الشعبي والموّال..
إلخ، هي
الأخرى تشكّل أحد مُكوّنات نصّي القصصيّ، ثم أنّه لا ينبغي لنا أن ننسى التناصّ
مع
الأدب العربيّ قديمه وحديثه، أو مع الآداب العالميّة، هل لنا أن ننسى الملحمة
مثلاً، وهي الأب الشرعيّ أو غير الشرعيّ للسرد النثريّ على وجه العموم والقصصيّ
على
وجه الخصوص!؟ بهذا المعنى أكون محلّيّاً ووطنيّاً وإقليميّاً وعالميّاً كونيّاً
بآن! ذلك أنّ أحداً لا يستطيع أن يدّعي الإحاطة بالكيفيّة التي تتداعى فيها
عناصر
من مثل الحبكة والحوار والحدث والعقدة.. إلخ، لتنتظم في نسيج فنّي قصصيّ يذهب
بعيداً في التراث، ويعكس بعمق الموروث، من غير أن ينسى اجتراح حديثه، وهذا يعني
-
كما قيل - بأنّ العالم يبدأ من عتبة بيتي، لكنّه لا ينتهي - حتى – عند ثقب
الأوزون!
*
الحركة النقدية في سوريا، هل هي حركة نقدية حقيقية أم أنّها مُجرّد حركة معرفة
وصداقات لا أكثر ولا أقل؟ وأنت كروائي وقاص هل أخذت حقّك من النقد؟
ـ الجواب هنا ذو شجون! إذْ لا شكّ في أنّ العمارة النقديّة في القطر لا توازي
العمارة الإبداعيّة، وهذا يعني أنّ النقد - الذي يبوّب ويصنّف ويرتّب، ويبعد
أنصاف
المواهب أو المتسلّقين على الأدب عنه - غائب! صحيح أنّ النقد عمل تالِ على
العمل
الإبداعي، لكنّه - لكلّ ما تقدّمَ - على الدرجة ذاتها من الأهميّة! وهذا لا
يعني
أنّنا لا نملك نقّاداً شديدي الأهميّة على مستوى الوطن العربي كيوسف اليوسف على
سبيل المثال لا الحصر، ذلك أنّني أزعم أنّ الرجل يقف على قدم المساواة مع كبار
النقاّد العرب كالـ: د. جابر عصفور مثلاً!
إذن هناك قامات مديدة مشهود لها من قبل الجميع، لكنّنا نفتقد إلى تيّارات
نقديّة
كما أسلفتُ! سأقولها لك بشكل آخر، هناك نقّاد ولكن ليس هناك نقد، أنا أحيّرك،
أليس
كذلك!؟ حسنأً، سأوّضّح الأمر عمليّاً، وسأتقدّم بمثال على المستوى العربي،
فأقول
بأنّ الإمارات المتّحدّة تصرف كثيراً على الثقافة! يكفيها في هذا الجانب مسابقة
"أمير
الشعراء"، إذْ أنّها تعني ببساطة أن يتابعك خمسون مليون مشاهد بشكل إراديّ من
مُختلّف أنحاء العالم، ولكن هل تستطيع الإمارات أن تتحدّث عن حركة شعريّة فيها
تنتمي إلى عقد الثمانينيات.. أو التسعينيات.. أو ما قبلها!؟ الجواب - قطعاً -
هو
النفيّ، إذْ ليس ثمّة حركة ثقافية حقيقيّة فيها، ولكن أين هو الناقد الذي قد
يغامر
بلقمة أولاده، ليبوح بهذه الحقيقة، ذلك أنّ الصروح الثقافيّة الجبّارة ستحرمه
من
ميّزاتها، وهي ليست بالقليلة، ولهذا - ربّما - حقّق أنسي الحاج - في لبنان -
كلّ
هذا الحضور، مع أنّه لا يُقارَن بشاعر من وزن المرحوم خليل حاوي، أو بالشاعر
محمد
علي شمس الدين! هذا ينطبق على سوريّا أيضاً، إذْ كيف لنا أن نقارن شغل اليوسف
على
ت. س. اليوت، أو عمله في "المعيار والقيمة"، بنقده التطبيقيّ على تجارب شعريّة
مُعيّنَة!؟
أمّا ما جاء في سؤالك عن المحسوبيّة والشلليّة، فلا شكّ في أنّها موجودة كدمّلة
قبيحة في وجه المشهد الثقافي السوري، ناهيك عن القراءات الصحفيّة التي تتسّم
بالسرعة والسطحية والاحتكام إلى المزاجي والعلائق غير الصحيّة، مع غياب كليّ
للمنهجيّة، ما يشوّه الصورة ويفسدها!
بقي القسم الذي يخصّني من السؤال، ولذلك سأبدأ من التسمية لأصحّح الواقعة،
فأذكّرك بأنّني قاصّ أساساً، ولستُ روائيّاً! لقد " اقترفت "كتابة الرواية
لمرّة
واحدة، وذلك عندما تفكّرت في موضوعة عجزت القصّة القصيرة عن استيعابها
لامتدادها في
الزمان والمكان، ولستُ أدري إن كنتُ سأعيد هذه التجربة ثانية! ثمّ أنّنا نتحدّث
عن
جنسين متباينين في الممارسة يجتمعان - فقط – تحت سقف النثر، فالقصة تتطلّب
التكثيف،
والتبئير، والاقتصاد اللغوي، ذلك أنّها - إلى الآن - حدث ذو زمن شديد الضبط،
يتصدّى
للشخصيّة الإنسانيّة في واحدة من حالاتها! أي في لحظة انقطاعها عن السياق،
وانبتاتها عن المؤسّسة المهيمنة، سواء أكانت هذه المُؤسّسة عائلة أو قبيلة أو
طائفة
أو دولة! بهذا المعنى تكون القصّة القصيرة نداء تلك الشخصيّة في تواصلها مع روح
الجماعة! في حين أنّ الروايّة عمل مُركّب ممتدّ في الزمان .. ممتدّ في المكان،
ومتعدّد الشخوص، إنّها الوريث الشرعي للملحمة كما أسلفتُ، وهي السجلّ الطازج
لليومي
في حياة الناس، أي أنّها تاريخ الخلاّقين المبدعين من الشرائح الشعبيّة في
مواجهة
التاريخ الرسمي، وبالتالي فهي قادرة على رصد حركة المجتمعات إذْ تنعطف، وهذا ما
لا
تستطيعه القصّة القصيرة! بقي أن آتي على حظّي من النقد، لأقول بأنّ الآخرين
يشيرون
إلى أنّني لم أتحصّل على حقّي من النقد، هل تريد مثالاُ !؟ إذن دعني أسرّ لك
باسم
ناقد أكاديميّ مجتهد هو الـ: د. نضال الصالح، الذي همس في أذني بذلك، ويتفّق
معه
آخرون كالأستاذ نذير جعفر، أو الأستاذ محمد محي الدين مينو!
*
القصّة القصيرة جدًا، أو ما تُسمّى ق. ق. ج، كيف تراها، هل هي فنّ أدبي قائم
بحدّ ذاته؟
ـ المسألة تتعلّق - أساساً – بمألوف الأذن، وموقفنا من الجديد، ذلك أنّنا نخاف
هذا الجديد عادة، لأنّه مجهول بالنسبة لنا، ولذلك فنحن نرفضه، ونكفّره، ونتّهمه
بالخيانة أو العمالة للآخر، الغربي طبعاً، هذا ما جرى لقصيدة التفعيلة
وروّادها،
وهذا ما يجري اليوم لقصيدة النثر، إذْ ثمّة من ينكر عليها شعريّتها! هذا سينطبق
على
الـ: ق. ق. ج، فالبعض لا يقرّ بها نهائيّاً، ويرى فيها مضيعة للوقت أو الجهد،
والبعض ينتصر لها، ليس هذا فحسب، بل أنّه يراهن عليها على قاعدة الإيقاع السريع
للعصر، وضيق الوقت، وطبيعة الحياة المعاصرة! وفي صلب الواقع أنّها لم تستو بعد،
لا
على مستوى المُمارسَة، ولا على مستوى التقعيد، إنّها لتاريخه قيد التجريب
والاختبار! لقد اشتغل عليها البعض منتصراً، إن في المُمارسَة أو التقعيد، ولعلّ
الأبرز الذي يحضرني الآن - على سبيل المثال - هو الـ: د. أحمد جاسم الحسين في
كتابه "القصّة
القصيرة جدّاً"، هذا حال الـ: د . أحمد زياد محبّك أيضاً!
أمّا بالنسبة لموقفي منها، فأنا أتوهّم بأنّني أتمتّع بذهنية منفتحة، وصدر
مُشرَع لكافة أنواع الرياح، وعليه فأنا أتمنّى لها النجاح، لنكسب وردة جديدة
نضمّها
إلى باقتنا حتى تثرى وتغتني، لهذا فأنا أقدّم ما يقع منها تحت يدي من نماذج
لأشجّعها، وأتمنى لها أن تنجح!
*
بعد هذه المسيرة الطويلة في عالم الإبداع، هل لديك مشكلة ما؟
ـ أكيد! لقد اشتغلت على نحو ما، وفي منحى ما، فقدّمت على هذا الأساس ثلاث
مجموعات قصصيّة، ورواية، ثمّ تحصّلت على موافقة بالطباعة لمصلحة مجموعة رابعة
مُؤخّرَاً، ولم أقدم على طباعتها بعد! ثمّ ماذا بعد!؟ هذا هو السؤال، وهذه هي
المشكلة!؟ بمعنى آخر أين الجدّة والفرادة في ما أزمع كتابته في القادم من
الأيّام!؟
وبهذا المعنى توقّفتُ عن الكتابة إلى حين، للتبصّر في الخطوة التالية! سأوضّح
لك
الأمر بمثال! إبراهيم الخليل أنجز في وقت ما مجموعات قصصيّة ذات منحى عام
مُوحّد،
ثمّ شكّل منعطفاً في مجموعاته التالية حينما اشتغل نصوصاً ذات نكهة وقوام صوفيّ
كـ: "مال
الحضرة"، أو "الأظلّة".. إلخ!
وفي استجابة للنداء الذي أطلقه الشاعر الكبير أدونيس، حول إنجاز نصّ يتجاوز
الأجناس الأدبيّة، كتب الخليل نصوصاً يسمّيها بالنصوص العابرة للأجناس الأدبيّة!
إذن الرجل يرسم مسارات ومُنعطفات! فهل سأتمكّن من إنجاز شيء خاصّ بي من هذا
القبيل!
أنت تعلم بأنّني لصيق بكافة أشكال القصّ، القديم منها والحديث، ابتداء بالسرد
التقليدي، وانتهاء بالإسقاط التاريخيّ، وبالطبع ما بين هذا وذاك اشتغلت على
المونولوج، والتقطيع الفنّي، وتعدّد الضمائر، أو تعدّد الأصوات.. إلخ، لكنّ هذا
على
أهميّته لا يخرج عن سياق عام، بدأت قصة اليوم تتجاوزه، لتنحو نحو قصّة اللحظة
بدلاً
من قصّة الحدث!
لهذا توقّفتُ لبعض الوقت، لكنّ المسألة طالت مع تسلّمي لرئاسة فرع الاتّحاد في
الحسكة، إذْ لم أعد أجد الوقت حتى للقراءة بشكل جيّد، وهذا خطر، ذلك أنّ
الكتابة
تنضوي على شيء من العادة أيضاً! صحيح أنّني أجد التعويض في تجارب شديدة
الأهميّة
عند الشباب، أدّعي شرف الإسهام في تقديمها من غير وصاية، وتوجيهها بشكل غير
مُباشر
من خلال الاشتغال عليها نقديّاً، وليس فاضل العبد الله أو داوود الفريح أو
إبراهيم
الخليف أو محمد العجيل أو عبد الغني محمد أو أيمن الأحمد أو محمد نشمي الخليف
أو
وجيهة سعيد في القصّة إلاّ أمثلة واضحة على ما تقدّم.
في الشعر أيضاً ثمّة نماذج جيّدة كمحمد العجيل ثانية ومضر الحمكو وخالد الخليف
وأحمد نشمي الخليف! هذا على سبيل المثال لا الحصر، فليعذرني الآخرون إن سهوت عن
اسم
هنا، وآخر هناك!
*
ما هو جديدك بعد أن قدمت أعمالا أدبية مهمة؟
ـ كما أسلفتُ في الجواب السابق، ثمّة مجموعة تحصّلتُ على موافقة وزارة الإعلام
لطباعتها، وهي تحمل عنوان "هواجس شخصيّة "، لكنّ الرقابة في الوزارة المذكورة
استبعدت إحدى القصص من المجموعة، وأنا حائر لهذا الأمر، إذْ لا يطيب لي أن
أتخلّى
عن وليد جديد لأنّ "س" من القرّاء لم يوافق على هذه القصّة، ما يعيدنا إلى
مفهوم
الرقابة البغيضة التي تناقض حريّة التعبير!
أمّا الجديد الذي أتفكّر به على نحو ما جئتُ عليه في السؤال السابق فهو في ضمير
الغيب، ثمّ ما الضير في الصمت إن لم يكن عندي جديد أقوله!؟ أنا الآن أشتغل على
ما
يشبه النقد في موقعي القصّة العربيّة و دروب، هو عمل من قبيل شحذ الأدوات
الفنّيّة
للكاتب، كما أكتب مقالات فكرية، ومن يدري! فقد أخسر هذا وذاك، فيكون حالي من
حال
محمد كامل الخطيب أو الـ: د. عبدالله أبو هيف! وأكون كمن ضيّع عنب الشام، ولم
يتحصّل على بلح اليمن!
==============
* محمد باقي محمد – أديب سوري/الحسكة
m-azad1955@hotmail.com
*بسام الطعان – أديب سوري/القامشلي
bassamtaan@yahoo.com