أدب2

 دراسات - مقالات - حوارات

 

الأبواب
الرئيسية

 

صفحة الغلاف
أدب 1
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

 سيرة ذاتية

نزار ب. الزين


 

- تتجاوز قصصي القصيرة غير المطبوعة المائة و أربعين قصة و أقصوصة
- عشرة أعمال روائية صغيرة ذات طابع وطني تحت مسمى كيمنسانيا ( الكيمياء الإنسانية )
- ثمانية أعمال روائية صغيرة تحت عنوان كنز ممتاز بك
- عمل روائي طويل واحد تحت عنوان عيلة الأستاذ

- إحدى عشر حكاية للأطفال
- عدد من الدراسات الأدبية و الفكرية نشرت في الصحف الكويتية (الراي العام - القبس - الوطن ) و العربية في أمريكا ( أنباء العرب - العرب ) و بعض المواقع الألكترونية المهتمة بالأدب .
أما عني شخصيا فأنا :
- نزار بهاء الدين الزين
- من مواليد دمشق في الخامس من تشرين الأول ( أكتوبر ) من عام 1931
- بدأت حياتي العملية كمعلم في دمشق و ريفها لمدة خمس سنوات
- عملت في الكويت كأخصائي إجتماعي و مثقف عام ، لمدة 33 سنة قبل أن أتقاعد عام 1990، إضافة إلى عملي الإضافي في صحف الكويت .
- كتبت أول مجموعة قصصية بعنوان ( ضحية المجتمع ) عندما كنت في الثانوية العامة عام 1949
- كتبت مجموعتي الثانية ( ساره روزنسكي ) سنة 1979
- و إضافة إلى عشقي للأدب فإنني أهوى الفنون التشكيلية كذلك ، و قد أقمت معرضا لإنتاجي الفني في شهر أكتوبر 1999 في مدينة دمشق/ مركز المزة الثقافي خلال إحدى زياراتي للوطن ضمت 55 لوحة .
أعيش في الولايات المتحدة منذ إنتهاء خدمتي في الكويت أي منذ عام 1990 و أدير حاليا مع إبني وسيم مجلة ( العربي الحر ) الألكترونية - عبر الأنترنيت ؛
و عنوان الموقع :

www.freearabi.com

 

  أمير التورية و غواص الأعماق

تيسير نظمي

 

قراءةأدبية

 لبعض أعمال الكاتب

بقلم : نزار ب. الزين*


 
أولا : سيرة ذاتية
الإسم :  تيسير نظمي خليل
تاريخ الولادة : آذار ( مارس ) 1952  
مكان الولادة  : سيلة الظهر
البريد الألكتروني : origin_m2000@hotmail.com
الدراسة : أدب إنكليزي من جامعة الكويت
الحالة الاجتماعية: له ابنتان وولد ( إلزا 1978 غسان 1987 ديما 1988  مواليد الكويت جميعاً)

ثانيا :نبذة عن نشاط الكاتب الأدبي
* يقول القاص خليل السواحري :
             الحقيقة أنني كنت أجهل هذه الطاقة القصصية عند تيسير نظمي فقد عرفناه منذ أوائل الثمانينيات كاتباً سياسياً و ناقداً أكثر منه أديباً مبدعاً . قصص هذه المجموعة تضعك في التفاصيل المروعة التي نمر بها جميعاً دون أن نلتقطها أو نلتفت إليها ، وتلك هي مهمة القاص المبدع الذي تتحول اللحظة على يديه إلى سرد قصصي مدهش ، مفعم بالغرابة في سياق لغوي طازج." أما عناوين القصص فقد كانت على التوالي: أيام المستنقع ، الاسم الأول له الإسم الثاني له ، البحر لا ينام في غرفته أحياناً ، النمور في اليوم الـ 23 تشرب ماء العدس ، بالأمس سأكون ما كنت سوف أكون ،آخر النمور ، بيت الذبابة ، بيت الفراشة ، حرب وبحر وبلور ، أصابع منتصف الليل ، شعرها طويل حتى الفجر ، شعرها طويل حتى بابل ،فكرة وسكيران وباب ، الجنرال ، والقصة التي حملت اسم المجموعة لينهي الكاتب بسيدة الكون . وقد شبه الكاتب السواحري عوالم المجموعة بعوالم كافكا " حيث يتحول المعقول إلى لا معقول وتغدو اللحظة النفسية عبئاً على من يعيها "
* نشر أول قصة قصيرة له صيف 1972في جريدة الرسالة الكويتية " شجرة شوك" وقد رأس القسم الثقافي فيها وعمره لا يتجاوز العشرين عاماً بعد إغتيال الكاتب الفلسطيني غسان كنفاني وقد أثارت ثاني قصة له تنشر في مجلة جامعة الكويت معركة نقدية وسياسية أشعل شرارتها د. عرسان الراميني ورد عليه الكاتب د. أحمد الطحان والكاتبة فاطمة الناهض ومنذاك لفت إليه الأنظار وأساتذته في الجامعة مثل: د. علي الراعي و د. طه محمود طه و د. سليمان الشطي والكاتب إسماعيل فهد اسماعيل الذي إعتبره من جيل الريادة الثاني في القصة بعد جيل غسان كنفاني في حين كتب الكاتب محمود الريماوي في الوطن الكويتية عن " الآفاق الجديدة " التي فتحها تيسير نظمي للقصة الفلسطينية متناولاً أول كتاب يصدر للكاتب " البحث عن مساحة " بالنقد والتحليل.
وكتب الكاتب وليد أبو بكر أيضاً عن تيسير نظمي يقول : " أنه أحد الكتاب المهمين على المستوى العربي والذين لم يحظوا بشهرة يستحقونها هو و الكاتب سلمان ناطور لأسباب سياسية " أما الكاتب د. محمد عبد القادر فقد منعت مجلة "كتابات " البحرانية من دخول بعض الأقطار العربية لنشرها مقالته النقدية التحليلية حول كتاب " البحث عن مساحة". هذا وقد استثنى الكاتب بقسوة وصرامة قصصه التي حصدت الجوائز الأولى أو التي أثارت المعارك النقدية من كتبه، مثل " غيوم في السماء" أو " الداخل والخارج" التي رسم لها الشهيد ناجي العلي لوحة خاصة مذهلة نشرت معها في مجلة الجامعة التي كان يتولى إخراجها. وبعد ثلاث سنوات من صدور الكتب الثلاث الأولى في كتاب واحد أقدمت دار نشر " المشرق والمغرب العربي" على نشر الكتاب الرابع " الدهس" 1982 كباكورة إنتاجها فأصدرته وأغلقت تماماً بعد أن ووجه الكتاب بقدر من التعتيم خلال اشتعال الحرب العراقية الإيرانية وتداعياتها. لم يعدم تيسير نظمي الحيلة فترة إيقافه عن العمل في "الوطن" بعد صدور كتابه الرابع ، فقد ترجم رواية الكاتب الأسترالي من أصل فلسطيني فواز تركي إلى العربية ولم تنشر مجلة "الكرمل" الفلسطينية سوى فصل صغير من ترجمة تيسير نظمي الذي سبق أيضاً أن ترجم مذكرات موشيه شارت حال الإفراج عنها عام 1980 والتي نشرتها جريدة السياسةالكويتية. انكفأ الكاتب ودخل في عزلة كان مع محمد الأسعد و خيري منصور و محمد عبدالقادر من أوائل الداعين إليها واستنفذت الحياة العائلية ومهنة التعليم جل طاقاته ولم يفكر بجمع نتاجه الفكري والإبداعي في كتب نحو 22 عاماً، منها 12 عاماً في الأردن.
  نشرت له كبريات المجلات الأدبية والفكرية العربية العديد من القصص والمقالات مثل: "الآداب" البيروتية و"الطليعة الأدبية "العراقية و"كتابات" البحرانية و"الكرمل" الفلسطينية و"الآداب" في الناصرة ومجلة"عمان" ومجلة "أفكار" في الأردن. ومجلة " ديوان العرب" و " دنيا الوطن" و" فلسطين" و " إيلاف" و " العرب أون لاين" والعديد من المواقع الإلكترونية مثل " المبادرة" و " أمين" و" ألف ياء" نحو 30 موقعاً -
  كتب على الإنترنت مسرحية متعددة اللغات "الغرفة 50 للدردشة" Chat Room 50 (multilingual)
 
- تستضيف العديد من مواقع الانترنت مقالاته الفكرية والنقدية حالياً.
 
-
 أسس حركة إبداع للثقافة والإعلام والمتابعة النقدية محلياً وعربياً ودولياً.
ثالثا :االخبرات العملية:الصحافة
-  جريدة القبس: 75-1976/محررا ومترجما -  جريدة الوطن:77 -1983/كاتبا ومحررا ومترجما                                
91-1992/ رئيسا لقسم فكر وفن وعضوا في سكرتارية التحرير
- جريدة الأسواق اليومية الأردنية:1993/كاتبا ومحررا- مدة شهرين ونصف فقط-
- جريدة الأهالي الأردنية:  1995مديراً للتحرير/جريدة الحدث الأردنية: مديراً للتحرير
- جريدة القدس العربي اللندنية :96-1997/كاتبا
- جريدة العرب اليوم + جريدة المسائية + جريدة الرأي  الأردنيات :  98-1999/كاتبا
- جريدة السياسة +جريدة الهدف +جريدة آراب تايمز الكويتيات (مكتب عمان) 99-2000/ مديراً للتحرير
- جريدة الزمان اللندنية:99-2004/كاتبا
- له حالياً كتب قيد الطبع: 1- رواية " وقائع ليلة السحر في وادي رم"

2- المثقفون العرب من الإنقطاع التاريخي إلى الإنهيار االتاريخي              

3- نحو خطاب ثقافي فلسطيني مغاير

4- المؤرخون الجدد وإعادة تأهيل الصهيونية

5- الثقافة العربية ومقاومة التطبيع الثقافي
رابعا : الإعلام و الأنشطة الثقافية
*أعد وقدم عدة أحاديث أدبية للإذاعة الكويتية وشارك في العديد من الأمسيات القصصية والندوات والمحاضرات  الفكرية في الكويت والأردن.
*كتب العمود اليومي و الأسبوعي للعديد من الصحف والمجلات الكويتية والعربية منذ عام 1972 مثل:اليقظة وصوت الخليج والطليعة الكويتيات    والأهالي والحدث والمسائية الأردنيات  والقدس العربي  والزمان اللندنيات ويساهم عادة بكتابة المقالة النقدية الأساسية للنشرات المرافقة للمهرجانات المسرحية العربية و الدولية باللغتين العربية و الإنجليزية. كذلك الندوات النقدية المصاحبة للمهرجانات المسرحية العربية والدولية.
*عضو الاتحاد العام للكتاب و الصحفيين الفلسطينيين وعضو المؤتمر التوحيدي المنتخب المنعقد في الجزائر عام
1987

خامسا : دراسة لبعض نصوص الكاتب    
يقول القاص خليل السواحري :
             الحقيقة أنني كنت أجهل هذه الطاقة القصصية عند تيسير نظمي فقد عرفناه منذ أوائل الثمانينيات كاتباً سياسياً و ناقداً أكثر منه أديباً مبدعاً .

 و أنا بدوري كنت أجهل الأستاذ تيسير نظمي ، إلا ما كنت أذكره من بعض مقالاته في الصحف الكويتية عندما كنت هناك ؛ إلى أ ن  قرأت له قصة   بيت الذبابة ، التي ادهشتني معانيها و مراميها ؛ فوجدتني ابدأ بقراءة بقية قصصه التي اخترت منها .

تتناول الدراسة القصص التالية :

1 - الإسم الأول له ... الإسم الثاني له
2- البحر لا ينام في غرفته أحياناً
3- بالامس سأكون ما كنت سوف أكون
4- بلدي تسكن آخر النمور
5- بـــيــــت الذبـــــــــــابة
6- وليمة وحرير وعش عصافير
7- ما رأته الفراشة


-1-
الإسم الأول له ، الإسم الثاني له


        ينتهج الكاتب في هذا النص أسلوب التسجيع ، أو فن المقامة ، و قد برع في ذلك براعته بتورية عباراته خلف الرموز .
" فامتثلت لأنني غادرت منذ سنة تقريباً المستنقع، و الفك المفترس، و كل ما هو في غزو البلدان ، من غدر الخلان ، و كل ما هو ذل وكل ما هو هوان ، مفتشاً عن الأمان ، مهما تباهظت الأثمان ، وأياً كانت تحولات المكان الجديد والزمان "
ثم ينتقل لوصف مايدور في مكاتب و دهاليز و أقبية دوائر الأمن  و المخابرات التي يعج بها العالم الثالث عامة وعالمنا العربي خاصة
 " وهل تعرف المشتكي أو المشتكية ؟
قلت أيضاً بكل ثقة، رغم وجود بعض الخلافات العائلية:
- أكيد ...لا
فتمختر الضابط المسؤول ، وراح بين مرؤوسيه يتمشى ، حتى قبل أن أتغدى أو أتعشى ، و شرع في الممر الطويل يصول ثم يجول ، قبل أن يقول :
- إذن تفضل معي. "
" وهكذا تعرفت لأول مرة في حياتي على المكان الخانق الذي يسمونه النظارة ، وخلعت مما خلعت الخاتم والساعة والنظارة ، كأنما كنا في ساحة حرب والكل متوقع، بعد ثوان، بعد ساعة، بعد أيام ، سَتُشَنَّ الغارة. "
" دخلت فوجدت كل الضباط على شكل دائرة تحيط بكائن خطير وقد ابتعدوا قليلاً..قليلاً و بحذر عن تمساح تحدق عيناه المفترستان بي ، ولكن دون مستنقع أو ماء ، تمساح حقيقي يتضور جوعاً ومن وراء المكتب سألني:
* اسمك وعمرك؟ "
" و كررت و أنا أكاد أجن :
* أنا.... أنا....أنا؟
فقالت التمساح بكل هدوء ومن حولها الدولة :
* نعم أنت."
 مستخدما اللامباشرة و الترميز يصف لنا الكاتب بمهارة و حِرَفية ، ما يتعرض له البعض أحيانا من تجارب مهينة  لمجرد شبهة أو شكوى كيدية أو نشاط سياسي لا يتواءم مع سياسة السلطة .
 

-2-
البحر لا ينام في غرفته أحيانا


         بعد أن يصور لنا أحوال البحر بيراعة ، ينتقل الكاتب إلى هدفه  متواريا خلف رموزه :
" و يهدر البحر أحياناً ليحمي كائناته وقد نأى عنها ما يكفي ، معرضاً إياها للخطر ، و المتسكعين والفضوليين غير الآبهين بأن بعض الكائنات لا تعيش طويلاً خارج مياهها.
ويعوي البحر أحياناً نواحاً على سمكة جريحة.
 يتقدم البحر هائجاً أحياناً انتقاماً من تشفي السواح من تراجعه وتقهقره إلى الخلف ، لأنهم لا يغامرون من وهنهم بمواجهته بسواعدهم وأجسادهم.
 لكن البحر في عمّان ثائر لاعتقاله سنتين متصلتين "
" ماذا يفعل البحر وهو يفترس الشاطئ ويبري الصخر ويجلد الزمن؟
الأرجح أنه ينظفه من ليلة الأمس أو ما تسبب به الانحسار الأخير.
البحر الغاضب أيضاً يكنس الجرائد والمجلات والبيانات والورق فقط لأن الخارطة لا تذكره بقدر تغنيها ببحر ميت تزدان به "
" ولماذا تريد أجهزة الأمن والسيطرة بحراً لا يهدر و لا يتقدم و لا يغضب و لا يستنكف و لا يتمرد و لا  يثور على أغلاله ؟ و فقط تريد مراقبته وهو يدخل في غرفته  كزنزانة مفردة وحيدة دون ضوء أو ماء أو كهرباء "
" هل يعتقلون البحر في عمان هكذا ؟وإذا كان الأمر كذلك في عمان فما بال البحر الأبيض المتوسط هائج وبحر يافا متمرد وبحر حيفا ممتد حتى الكرمل و بحر غزة ضائع في مخيماتها وبين الجرافات يعلو هديره هديرها "
 " . إرادة البحر فوق كل الحيتان وأسماك القرش والغواصات النووية ولوث المدن وأوساخ العواصم ، لا تعلوه سوى نوارس الحياة السابحة في فضاء الحرية والباحثة عن الحياة  في الحياة ذاتها. "
 لا غرو أن الكاتب يرمز لإرادة الشعوب بالبحر ،  ببين هدوء و هياج  و ثورة  ، أو بين انحسار و عودة ، وهو أيضا يعرج على الأحوال السياسية السائدة و ما يرافقها من تسلط تارة و خنوع تارة أخرى ، غامزا من أساليب الهيمنة و العولمة و التطبيع .
ثم يختتم قصته بعبارة تتضمن تاريخا بحاله :
" أي رباط مقدس يا ترى سيوفق البحر و الشاطئ في الحياة الزوجية. شاطئ يداس بمن فيه ، ومتسخ كماضيه ، و بحر غاضب على من فيه ؟ "


-3-
بالامس سأكون ما كنت سوف أكون


         يبتدئ القاص الأستاذ تيسير نصه هذا بما يشبه التوحد بينه و بين عالمه العربي فيفترض أن هذا العالم الممتد من المحيط إلى الخليج هو جسده أيضا ، و هو للأسف غاط في نومه ، ربما هي صورة لم يسبقه إليها أحد :
"<< في كل ليلة يتمدد جسد أمامي كجثة هائلة من الحزن النبيل. ولا أحد ينتبه إلى تضاريسه الممتدة من المغرب إلى الخليج الدافئ  الرطب. ولولا أن  الشمس تشرق ، لتعفن هذا الجسد و لانبعثت منه روائح  لنباتات  و أعشاب منقرضة >> "
" << و في مثل تلك اللحظات يكاد هذا الجسد الخرافي أن يتململ و ليته يفعل ، و يكاد يتثاءب لكنه لا يفعل. انه حزن  ثقيل فقط ، حزن اكبر من  أن تحتويه عين ، لكنني موقن  و ما  اعمق  يقيني  بأنه نبيل >> "
ثم يواري عباراته كعادته ليصف لنا صورة سيئة لما وصلت إليه القوى المتسلطة على العالم و التي تحاول دائبة السيطرة عليه بكل قسوة بما تملكه من أسلحة فتاكة :
 "<< أو لعلي لا أدرك أن برميثيوس ما يزال يتعذب على سفح جبل تطوقه الأسلحة النووية  و الجرثومية و الكيماوية و قد كُتب لمناقير الطيور الجارحة ان تزداد صلابة و قساوة في توالدها المستمر >> "
ثم يتساءل : ماذا لو استيقظ هذا العالم العربي العملاق ؟؟!!!
"<< ماذا يخبئ هذا الجسد الهائل ؟ و ماذا لو استيقظ فجأة منتصبا ؟ لتتساقط الطائرات على كتفيه مثلما يتساقط الذباب ! >> "  
يجيب على  تساؤله  ببعض  يأس ، أن هذه  اليقظة  ليست أكثر من  حلم  :
"<< إنها إحتمالات النائم الجميل في بلاد كل ما فيها جميل لولا تزاحم البشر مع الذئاب و إندهاس الحمام في لجة الفوضى و اندغام الهديل بالعويل. >>"
ثم ينتقل إلى معاناة الإنسان العربي فهو فوق ما يحتمله من تسلط الآخرين عليه ، فهناك أعباء أخرى تثقل كاهله كمشكلة الفقر و البطالة و مشكلة  تأمين مستقبل الأبناء  ، الأبناء الذين بدأ الحزن يتسرب إلى قلوبهم الصغيرة :
" << هل سأقوم بعمل ذي جدوى لاكسب فرصة تسديد أجرة الفندق و ما يطمح إليه فتى الفندق الكسول؟ >> "
"<< سأفكر في كل  هذا غدا و بطفل يناديني : بابا ، و بعيني ديما، ابنتي ، الغارقتين بدمع الحزن المبكر.>> "
ثم يتسلل إلى مظلمة إجتماعية أخرى ، عن زوج مطلق مُنع حتى من رؤية ابنتيه إلا في أوقات محددة :
" << ابنتاي تعيشان، تنامان، تصحوان ، على مسافة أمتار من فندق أقيم  به ؛ فلماذا حدد مركز البوليس  ساعتين  كل خميس  لمشاهدتهما؟ >> "
ثم يعود إلى أحلامه و رؤاه  يائسا من جدب الصحراء  و امتدادها المتواصل حتى تخترق شغاف القلوب :
 "<< أما رؤاي  فجرداء عارية مثل هذه الصحراء التي لا تكف عن الامتداد ، صحراء في الجبل ، صحراء في الوديان ؛ في القلوب  و في نفوس البشر >> "
ثم تختلط أحلامه و رؤاه بتداعيات لاوعيه : الضباب الشتائي القارص  ، المخيمات ، الفقر ، البطالة ، استلاب التاريخ ،  و آلام فراق الأحبة ، و المستقبل المجهول ، و آمال العودة ؛ ليعود من جديد إلى رنة اليأس :
"<<  فأكون حزنا، و أكون جسدا ،  و أكون دخانا ، و يكون الحزن الكوني يلف  العالم بالدفء ،  و يتركني وحيدا في العراء والصقيع. >> "
و هكذا  يتوه الماضي مع الحاضر  و يضيع المستقبل بين أحضان الماضي و الحاضر في ذهن بطل القصة فيخرج عبارته العنوان : 
<< بالامس سأكون ما كنت سوف أكون >>


-4-
بلدي تسكن آخر النمور


       في قصته هذه يستغرق الأديب تيسير نظمي كذلك  في رمزيته و تورياته ،  فيصور  لنا حال إنسان عربي  مرمزا إليه بنمر مكافح .
 حين قدم الصيادون لإقتناصه ، حاول المقاومة ففشل أمام كثرتهم و جبروتهم و ترسانتهم ؛ حاول التواري ، حاول بكل ما يملك من قوة و حيلة تجنبهم ، و لكن  تم آخر الأمر تخديره ثم اقتناصه و أسره ،  فأصبح بلا حول و لا قوة  ،
بدأ بعدئذ  صيادوه  بتقليم أظافره  و إزالة أنيابه ثم إدخاله إلى قفص الذل و الهوان ، و هم يدعون أن اصطياده كان رأفة به ، و أن تجريده من أسباب قوته أمر حضاري  :
<<  لاحظ الطبيب المختص شرودي وحياديتي الساكنة المستسلمة للانتظار والترقب فأومأ وهو يخفف من كمية السائل في الحقنة بين يديه، أن الأمر سيكون لطيفاً وحضارياً ! >>
<< لكنني وقد مضيت بعيداً أتخيل كيف يقومون الآن بمطاردته، وكيف يقاوم وكيف يهرب، بل كيف يتحدى ويتعثر أو يكبو أو يزمجر ويهاجم ولو تكتيكياً وقد أعيته الصحراء بعرائها المكشوف حيث لا غابات ولا أنهار ولا كهوف ولا جبال وعرة ولا وديان سحيقة بل بسيطة ممتدة وصحراء من  كل  الجهات  حوله من  أمامه من  خلفه و من  اليمين  و اليسار ! >>
<< فإنه الآن وحيد يطارده الصيادون من كل جانب ويرسمون الخطط بدهاء لإيقاعه في الفخ ، ويناورون ويصرخون و يتبادلون المهمات ويبدلون المواقع كي تكلل جهودهم ومغامراتهم تلك بالنجاح ، كيف لا ولم يبق اليوم غيره ؟ إنه آخرهم ، ربما ، كان أجملهم بل ، ربما كان أقواهم على الصمود والتحدي ، لكن أين سيتجه وكل صحراء وراءها صحراء خلف الصحراء أيضاً صحراء وما وراء آخر صحراء سراب  من  كل  الجهات . >>
<< وضاعت أظافر النمر التي شرعت المقصات والأيدي تقلمها كي يتأقلم وتدجنه قبل أن يتدجن ويفتحون له القفص كي يدخل فلا يدخل.. أجل ، لا زلت أذكر كيف أدخلوه إلى القفص ودمعة تنحدر من عينيه المفعمتين يأساً وحزنا ًوانكساراً >>
يختتم الكاتب قصته عن آخر النمور ، بعبارة عاد بها  إلى أسلوب التسجيع ، مشيعا نمره و قد أبى الأسر و العيش  في  قفص :
<< لكنه منذ دخل القفص مات.. مات ثانية وثالثة دون أن يذكره أحد ، و كان واحداً و أحد ، لم ير في زماننا له أماً ولا ولد ، وكان نمراً وكان البلد ، لكأنما وأنا صامت أسلمني روحه وأناخ الجسد.>>


-5-
بـــيــــت الذبـــــــــــابة


          تبدو في هذه القصة رمزية الكاتب تيسير نظمي ، شفافة ، لا تحتاج إلى كبير جهد لإكتشاف غوامضها ، فالذبابة التي غض بطل القصة عنها نظره عندما دخلت بيته تسللا أول مرة ، تحولت رويدا رويدا  إلى لبؤة شرسة جلست مكانه آخر الأمر ثم سألته بكل صلف و ازدراء :
<< من سمح لك بالدخول؟ >>
ابتدأ الأمر هكذا :
<< لا بوازع اخلاقي و لا برفق أدعيه ابقيت على حياة ذبابة صغيرة اكتشفت وجودها المؤنس على مقربة من وحدتي اللامتناهية >>
<< هكذا تهاتفت النفس مع النفس نافية فكرة إستخدام  وابل من الكيماويات و المبيدات المخترعة في مصانع الموت ضد ذبابة صغيرة لا حول لها و لا قوة.>>
ثم جلست على مكتبه دون إستئذان :
<< وما ان عدت من يوم عملي الشاق حتى وجدتها قد غيرت مكانها فإذا بها فوق مكتبي. أزحت لها الكتب كي لا أغفل فأغلق عليها سهوا كتابا فتموت. و منحتها مساحة معقولة من المكتب. وفي اليوم التالي عدت الى المكان ذاته لأجدها فوق كرسي المكتب >>
ثم صار لها طنين مزعج :
<< لكنني في الشهور التالية بدأت الاحظ ما طرأ عليها من تغيرات، فقد غدت كبيرة و أصبح  لها طنين و شرعت تتجول بزهو في المنزل و دون حياء. فقلت لنفسي: أو ليس هذا حقها في النمو و التطور و الفرح والحبور؟
ثم صارت بحجم عصفور :
<< عدت ذات يوم و تحديدا في صيف عام 1982  لأجدها بحجم عصفور يجلس دون وجل على مكتبي و تأكل السكر و تشرب الشاي و بعض الكعك الذي لم يرق لي ان اذوقه بعد ممارستي لعبث الشراء . >>
إلى أن استولت على داره و طالبته ضمنا بمغادرتها  إلى غير رجعة :
<< غير أن كل معتقداتي و عقلانيتي وواقعيتي اهتزت اليوم عندما عدت إلى المنزل لأجدها ذبابة بحجم الذئب و بانيابه و بتكشيرة  لبؤة ، تجلس في مكاني و تقول: من سمح لك بالدخول ؟ >>
يصور لنا الكاتب في قصته هذه  - ببراعة مراحل و تطورات القضية الفلسطينية ، بدءا من هجرة الأشكناز إلى فلسطين حتى احتلالهم البيت و البيارة و الماء ، مرورا بملاحقة لاجئي ال48 و ال67 ثم ذبحهم في عين الحلوة  و صبرا و شاتيلا  ، فالأشكنازي المسكين الهارب من محارق النازيين أصبح عملاقا بدون قلب مسلحا بأشرس أنواع البراثن و الأنياب صابا انتقامه على الشعب الفلسطيني الأعزل .
أجل ! صدق الكاتب ، فقد تحولت الذبابة إلى لبؤة ، فكيف الخلاص من خطرها ؟؟


-6-
وليمة وحرير وعش عصافير


        تعج هذه القصة بالتأملات الفلسفية مشوبة بسوداوية يغلفها الحزن و الأسى و لا تخلو من تذمر و احتجاج اعتراضا على كل شيء ،
بما في ذلك الحياة ذاتها ! .
الموتى و ديدان الأرض
<< الديدان  سوف تسرح وتمرح في جمجمتي في خلايا عقلي ، والتي تعبت أكثر من نصف قرن كي أعتني بها >>
<<  الدود الذي سيمخر قلبي ليجد دماً جافاً متجلطاً ، ليس بوسعه الاستفادة من دواء الآيزورديل ولا البافارين والأسبرين ومميعات الدم. الدود سيعيش بمجرد موتي، تماماً مثلما كان يعيش بمجرد صمتي >>
<< ليس الدود ما يقلقني وإنما المصير الذي نحن ماضون إليه، الغافلون عنه >>
<< فقد  كنت أظن في السنوات الخمسين الماضية أن لا وجود لمن هو أتعس حظاً مني وإذا به الدود حقاً أشد تعاسة وأكثر قتامة في مصيره منا >>
<< والمؤلم أنها حقيقة لن ندركها أو نقنع البشرية والعالم بأنها قائمة وسوف تأتي ليس شرطاً بالطبع نتيجة أسلحة دمار شامل أو نتيجة قصف على غرار هيروشيما وناكازاكي أو الحرب على العراق ، وإنما سوف تأتي يوماً ما على غفلة تماماً مثلما يأتينا الموت الكريم دونما موعد ودونما استئذان >>
<< إن الأمر لجد مقلق إذا أيقظتنا كائنات فضائية ذات يوم ما تزال تعبر طريقها إلينا منذ ملايين السنين لتقدم لنا النصيحة والدواء والحكمة وسعة الأفق . فلربما هي أيضاً سترانا ليس أكثر من ديدان إذا ما قورنا نحن البشر بها وبسرمديتها وخلودها >>
دودة القز
<< قالت لي دودة القز:
لماذا تفترض موتاً عادياً فقد لا تكون أنت الوليمة ؟
وأسهبت منبهة الحمار بداخلي أن من يموتون غرقاً يصبحون وليمة لأسماك القرش >>
<< . وهكذا توزعت احتمالات ما سيؤول إليه الجسد فقد يسقط قلبي بمفرده بالصدفة نتيجة حادث مفاجئ وعنيف ينزع عنه أعباء وأعضاء الجسد الأخرى والأطراف ، ليستقر هذا القلب فوق شجرة توت مثلاً ويصبح عشاً للعصافير >>
و يستغرق بطل القصة في أحزانه إلى أن يقول عبارته اليائسة التالية ذات الدلالات الفلسطينية :
<< كانت دودة القز تتحدث إلي وهي منشغلة بتطريز ثوب فلسطيني ليوم فلسطيني لن أراه >>
فالهم الفلسطيني لدى الكاتب أولا ، و الهم الفلسطيني آخرا ، ياس من الحاضر و أمل بمستقبل أفضل ، حتى لو لم  يشاهده  جيلنا !.


-7-
مارأته الفراشة


        يعود الكاتب في قصته هذه إلى الهم الإجتماعي ، فبعد أن يصور  ببراعة تسلل فراشة إلى غرفة بطل القصة ، يبدأ يشكو همه من خلالها :
<< الفراشة التي لا تعلم شيئا عن هذا الكون ولا عن إنذارات المحاكم وتباليغها وأوراق المحامين ولوائح الدعاوى وفواتير الكهرباء والماء والهاتف البارخ بأحماله من الصمت الثقيل الوطأة عليه وعلى المنزل وعلى غرفة النوم المرتبة منذ زمن يعلوه الغبار دون أن تدل على حياة أو موت وعلى المطبخ المرتب النظيف رغم انقطاع المياه عن المستأجر الذي تحت وتدفقها في صنابير المؤجر الذي فوق >>
ثم ينتقل إلى وصف داره التي هجرتها سيدته لسبب ما :
<< الكتب الغارقة بالغبار. الغبار الساكن بلا هواء. الغبار المهمل بلا قطرة ماء. المقاعد الرمادية التي كانت لامعة السواد. المكتب الأسود. الطبشورة غير المكتملة البيضاء. القلم الملقى على أوراق فوق المكتب. الأباجورة المنحنية الرأس فوق الورق دون ضوء ترسله للورق أو لكومة الكتب المختلطة بالجرائد وقصاصات ورق مكتوب بخط اليد. قنينة العطر الفارغة من المعنى >>
و يستمر بوصفه الدقيق لحالته البائسة و حالة بيته شبه المهجور مختتما قصته :
<< الفراشة العطشى للنور والهواء والماء على الوسادة المطوية حطت لهنيهة وقد ركنت للصمت الوقور. الفراشة التي دخلت المأجور ما كان بإمكانها أن ترى الألوان على أجنحتها . فقد رأت كل شيء ثم سكنت عن الحركة على وسادة كانت لا تزال رطبة غارقة بالدموع.
و أختتم دراستي المتواضعة  لهذه المجموعة القصصية المختارة للأديب تيسير نظمي  بالتنويه ، إلى أن  خير من  علق على أدبه ، و على الأخص  قصة( ما رأته الفراشة ) ، هو الأديب الكبير و الناقد الأستاذ زكي العيلة ، أقتبس منه التالي :
<<  النص نموذج القصة اللحظة التي تعتمد التكثيف و اللغة الموحية و الإيقاع الخاطف المتدفق رموزاً مشحونة بالإسقاطات التي تعري الواقع كاشفة كثيراً من إخفاقاته .
الشخصية التي تشكل مركز الاستقطاب في النص ليست بشرية و إنما هي فراشة طائرة ملونة الجناحين ، مزدانة الألوان ، تحن للنور و الهواء و الماء ، تمكن الكاتب عبر تتبع كيفية دخولها باب البيت المستأجر المهجور المنخفض من شق صغير في شبك النافذة أن يتغلغل في تلافيف الحدث متنقلاً من حالة إلى حالة أخرى فجائية بحركة تضادية راصداً العديد من الأمور و المفارقات التي تشكل عالماً ممتداً بالوحشة و الخيبات و الأوجاع
هذه الحالات من الخيبات و الإحباطات التي ترتسم بقعاً قبيحة ينوء إنسان العصر تحت وطأتها ، تتجمع تمهيداً للخاتمة التي تقطر إدهاشاً حيث انتقلت حالة الوحشة إلى عالم تلك الفراشة و كأن العالم كله أضحى قطعة من الغربة و الاغتراب و المواجع .
نص محمل بكثير من الدلالات العميقة من خلال اللجوء إلى أنسنة الفراشة و مظاهر الطبيعة توكيداً على القهر الذي ينهش فضاءات الإنسانية و آفاقها .

------------------

*نزار بهاء الدين الزين

   سوري مغترب

   عضو إتحاد كتاب الأنترنيت العرب

الموقع :  www.FreeArabi.com