
رحلة
تصفحيـــة في المراجع :
د .
فاروق مواسي
اللفظ
و المعنى أو المضمون والشكل - من المواضيع التي بُحثت على مدى العصور الأدبية
بعضهم فصل كلاً منهما ، وبعضهم رأى التلاصق بينهما كالروح والجسد
[1].
والأدب - كما نعلم - يتبين بالأسلوب ، ففي الأسلوب يتم خلق الفكرة ، حيث تلبس
لباسها الملائم ، وفيه جهد يبذله الأديب وهو يحاول أن يربط الأفكار والألفاظ .[2]
لا شك أن اللغة هي وعاء
الأفكار
[3]
، وكلما كانت مطابقة للفكرة نجح الكاتب في إيصالها ، ولغتنا العربية لغة غنية
المفردات ، فيها الكثير من المترادفات والمشتركات ( كلمة لها أكثر من مدلول )
وفيها الأضداد ( كلمة لها معنى ونقيضه ) ، وفيها قدرة عظيمة على الاشتقاق
والنحت والقياس[4]
.... ولغة الأدب الجاهلية متشابهة برغم كثرة المفردات
[5]،
وأفكارها محدودة ، لأنه ليست هناك فروق ظاهرة في كثير من المترادفات.
[6]
ويرى البعض أن الكلمة " جاهلية
" كانت مطابقة لواقع البدوي ، فقد حاول مصطفى ناصف أن يربط الكلمات الجاهلية
بالحياة ، وأظهر أن فاعلية اللغة أو تفاعل كلماتها هو الذي يخلق المعنى ويبرز
معلمه ، وهو يتابع جمالية اللغة حتى يوصلها إلى أصول أسطورية ورمزية
[7]،
وعند تمازج العرب بالشعوب الأخرى رأينا قدرة العربية على استيعاب الكلمات
العلمية والفنية
[8]
، ورأينا الجملة العربية تخضع للمنطق ، فالنثر اتجه إلى الأدب الرمزي ككتاب (
كليلة ودمنة ) ، وفيه نقد للحكام ، وإلى الاتجاه الفلسفي الذي يجعل من
الفلسفة العربية جسرًا موصلاً لعصر النهضة ، وإلى الأدب الشعبي كما في ألف
ليلة وليلة ، ولا ننكر أسلوب المحسنات اللفظية في المقامات والرسائل الذي
كان تدبيجيًا يماثل شغف الناس بالتوشية في مأكلهم ولباسهم ، وقد جرى ما يوازي
ذلك في الشعر العباسي في التركيز على المضمون آنًا ، وعلى الشكل آنـًا آخر.
ويذهب أحمد أمين إلى أن الأدب
الجاهلي ، وخاصة الشعر جنى على الأدب العربي ، فظلت الأفكار تدور حول القديم
، وظلت اللغة جامدة .....[9]
ونظرة إلى نماذج من الشعر
العباسي فـإننا نجد كثيرًا من الوقوف على الأطلال ، أو استخدام الرموز القديمة
، فهذا مهيار الديلمي[10]
- وهو شاعر فارسي - يقول :
يا نداماي بسلع هل أرى
ذلك المغبق والمصطبحا
فهو يستعمل ( سلع ) - وهو مكان
في الحجاز[11]
، كما يستعمل ( مغبق ) و ( مصطبح ) شراب المساء ومكان شراب الصباح ، وهما
كلمتان مستمدتان من الأدب الجاهلي . إلا أن أمين غالى في إظهار جانب التقليد ،
ذلك لأن هناك من أظهر التجديد اللغوي
[12]،
فأبو تمام قد استعمل المجاز ، وعلى سبيل المثال يذكر " ماء الملام "
[13]،
وعندما ينكرون عليه هذا الاستعمال يسألهم :
" إيتوني بجناح الذل " ...[14]
ومن الجدير أن نذكر أن أبا تمام
من أبرز الشعراء العرب الذين ضمنوا شعر السابقين وتمثلوه في أشعارهم على طريقة
إيليوت فيما بعد .[15]
أما في عصور ما سماها
المستشرقون - " الانحطاط " فقد برزت المحسنات البديعية على حساب المعنى ،
فالشكل كان المقرِّر ، والمعنى غالبًا ما كان مجترًّا في بداية العصر الحديث
[16].
ومع ظهور المطبعة وبتأثير الحملة الفرنسية عاد العرب إلى دراسة مصادر الأدب
القديم ، وتأثروا بها ، فكانت المرحلة الكلاسية أو الكلاسية الجديدة .
وبعد الاطلاع على روافد الشعر
العربي وتياراته رأينا من اتجه الاتجاه البرناسي
[17]
- الذي له أساس - حسب رأيي - في ما ذهب إليه الجاحظ من أن المعاني مطروحة في
الطريق ، وإنما الشأن في إقامة الوزن ، وتمييز اللفظ ، وإنما الشعر صناعة ،
وجنس من التصوير[18]
، ومنهم من يمزج الكلمات المألوفة بغير المألوفة ويرون رأي أرسطو أن فن الشعر
مزيج من الألفاظ المألوفة وغير المألوفة ، والتغير أو العدول عن الألفاظ
الواضحة الأصلية إلى غيرها يعد تجديدًا في اللغة
[19]
، ومنهم من يكون غامضًا ، ولعل سبب الغموض أن الألفاظ غريبة ، أو مشتركة
المعنى ، وهذا يقتضي تبسيط اللغة ، وخاصة إذا كان المعنى مبنيًا على مقدمات
غير معلومة للقارئ
[20].
وأصحاب مدرسة ( شعر ) اللبنانية الذين قلدوا الشعر الأوروبي بكل (موداته )
قدموا لنا محاولات تركيبــية جديدة لنظام الجملة وطبيعة اللفظة فيها
[21]،
فالشعر هنا صور ..... ويحدد أدونيس الكلمة فيها - أنها تزخر بأكثر مما تعد
،وتشير إلى أكثر مما تقول
[22].
فالشعر عنده ثورة ، والكلمة معول هدم يجب أن تفرغ من الماضي ، وهو يعني بثورة
اللغة أن تصبح الكلمة - وبالتالي الكتابة قوة إبداع وتغير تضع العربي في مناخ
البحث والتساؤل والتطلع والعمل.
[23]
والنثر – وخاصة القصة والمسرحية
– يتلاقى في اتجاهاته العديدة هو والشعر من حيث الغموض ، فالكاتب يعمد إلى أن
يقفز بدفعة واحدة إلى حيث يريد ، وعندما يتشبث به القارئ متوسلاً أن يصاحبه
يخلّفه في الطريق ، حيث يبحث عنه ، أو يعزف عنه ، وغالبًا ما يعزف عنه .
وهنالك قضية أخرى ذات
أهمية أخرى في لغتنا ، وهي الفصحى والعاميــة ، فكثيرًا ما اتهم دعاة
العاميــة بالضعف أو بالدعوة إلى الشعوبية[24]
، ونحن اليوم في سبيل لغة وسطى ، بسبب انتشار التعليم ووسائل الإعلام ،
بالإضافة إلى أن الفصحى ذاتها قد طرأ فيها تغيير كبير - في هندسة الجملة ،
وذلك بتأثير لغات أخرى ، فالفصحى والعاميــة في صراع خفي ، وربما يكون يصب هذا
في مصلحة العرب ، واللغة يجب أن تتطور حتى لا تصبح مجدبة عقيمة . ولكن
الأولية تبقى للفصحى . و اهتماما بدورها نرى الكثيرين ينقحون أعمالهم الأدبية
، فإذا ما استعمل كاتب كلمة عامية فـإنه يحاول أن يغيرها إلى كلمة أقرب إلى
اللغة التي يكتب بها أعلام الأدب القدماء ، وهو يحاول أن يبتعد عن لهجة يقبل
عليها الأقــلاء ، وثمة الكثير من شعراء الحداثة يمازجون بين الفصحى
والعاميــة ، وربما بتأثير إيليوت القائل إن العلاقة الصحيحة بين الألفاظ هي
التي تخلق التناسق والحيوية
[25]،
ويمكننا اعتبار هذا تجديدًا لغويًا ضروريًا في كل عصر وفي كل لغة .
[1] -
انظر مثلا مدكور : في
اللغة والأدب ص 16 ، عباس : فن الشعر ص 191 ، طبانة : قضايا
النقد الأدبي ص 201 ، ونجد :في النقد القديم من أنصار تقديم
اللفظ على المعنى : ابن خلدون ، المقدمة ص 856 ؛ ومن أنصار
تقديم المعنى على اللفظ ابن رشيق : العمدة ج 1ص 28 ، العسكري :
كتاب سر الصناعتين ص 55 .....ويرى الجرجاني أن هناك ما هو
أكثر من اللفظ والمعنى كبناء الجملة والذوق : دلائل الإعجاز ص 40 ،
70 ، 307 ، 320 .
[2] - انظر - الشايب : الأسلوب
ص 67 ، وما بعدها ، وكذلك الزيات : دفاع عن البلاغة ص 62
وما بعدها .
[3] -
في اليونانية تعني
logos
العقل واللغة انظر
[4] - انظر- أنيس : من
أسرار اللغة ص 7 .
[5] - انظر- عبود : الرؤوس
ص 28
[6] - نظرة في كتاب الروض
المسلوف فيما له اسمان إلى ألوف فستجد أن ليس هناك فروق كثيرة
وجوهرية مثلا في أسماء الخمر .
[7] - ناصف - نظرية المعنى
، ص 18 ص 122.
[8] - انظر كامل - دلالة
الألفاظ العربية وتطورها ، ص 14 وما بعدها انظر- زيدان :
اللغة العربية كائن حي ، ص 48 وما بعدها .
[9] - انظر - أمين : فيض
الخاطر (ج 2) ص238 .
[10] - انظر - ضيف : الفن
ومذاهبه في الشعر العربي ص 371
[11] - انظر مادة ( سلع )
في معجم البلدان لياقوت.
[12] - على سبيل المثال - هدارة
: اتجاهات الشعر العربي ص 535 – 565 .
[13] - أورد هذه القصة عز
الدين إسماعيل في كتابه : الأسس الجمالية في النقد الأدبي ص
186 ، ولكني لم أجد لهذه القصة مصدرًا قديمًا ، ففي أخبار أبي تمام
للصولي ص 37 نجد القصة في معرض دفاع المؤلف عن الشاعر، وليس الشاعر عن
نفسه ...أما البيت فهو :
لا تستقني ماء الملام
فـإنني صب قد استعذبت ماء بكائي
( ديوان أبي تمام ص 10 )
[14] - جزء من آية رقم 24 في
سورة الإسراء ، والمقصود بهذا الرد أن القرآن كان قد استعمل الاستعارة
، مما يجيز الشاعر أن يفعل.
[15] - انظر مثلا رمز أبي كرب
ورمز مية وغيلان في ديوان أبي تمام ص 15) ص 6 .
[16] - انظر - الموجز في
الأدب العربي ( أدب الانحطاط والنهضة ) .
[17] - انظر عن البرناسية في -
عباس : فن الشعر ، ص 58 ، الزيات : دفاع عن البلاغة
ص 131 .
[18] - انظر عن شرح عبارة
الجاحظ في كتاب الحاوي : نماذج في النقد الأدبي ص 719 .
[19] - طبانة : قضايا
النقد الأدبي ص 158 .
[21] - انظر مثلا : مجلة شعر
عدد 23 – 24 ص 17 ص 31 .
[22] - انظر - أدونيس :
زمن الشعر ص 19 .
[23] - ن . م ص 45 ، ص 199 .
[24] - انظر - بنت الشاطئ : لغتنا
والحياة ص 94 ، المبارك : عبقرية اللغة العربية ص 7 .
[25]-
انظر- درو : الشعر
كيف نفهمه ونتذوقه ، ص 12 ، وانظر كذلك اختلاف تقييم كلمة (أخدع )
في كتاب- طبانة : قضايا النقد الأدبي ص 23 .