أعتبر
نفسي قارئا جيدا فخلال المرحلتين
المتوسطة و الثانوية ، جردت أرفف
المكتبة الظاهرية بدمشق - و هي المكتبة
العامة الوحيدة في ذلك الوقت – و التهمت
ما فيها ، و عندما كنت في مدينة الأحمدي
في دولة الكويت ، أتيت على مكتبتها ؛ ما
يؤهلني للقول – بلا أدنى مبالغة- أن رواية
"تحت أقدام
الأمهات"
للروائية الكويتية "بثينة العيسى"
لا تقل عن أقوى ما قرأت من الأعمال
الروائية لكبار الروائيين العرب .
في الرواية موقفان متناقضان يجتمعان
في نفس المكان و الزمان ، فمن جهة نجد أن
البيت الذي احتوى أبطال الرواية ، تديره
سيدة واحدة عن جدارة و اقتدار ، فتعيدنا
بذلك إلى زمان
الإنسان الصياد و العائلة
الأمية
"نسبة إلى الأم
(
Maternal
)
"
، و من جهة أخرى فإن نفس هذه السيدة تكرس
نفسها و ترغم أربع نساء و طفلتين أن يكرسن
أنفسهن من أجل تنشئة مريحة للحفيد الغالي
"فهاد" ابن الشهيد الغالي "علي"
معززة بقوة
الإتجاه الذكوري للعائلة الأبوية (
Paternal
)"
و هو الإتجاه السائد في عالمنا الشرق
أوسطي منذ عصر الإنسان المزارع و حتى
اليوم . و لكن من هو فهاد هذا ؟ و من هو
علي ؟ بل من هم و هن أبطال الرواية ؟ :
غيضة : هي أم المرحوم علي و كل من نوره و
هيله .
نورة والدة موضي .
هيله والدة فطوم .
و كلاهما معلمتان
شهلة أرملة الشهيد علي و والدة فهاد .
رقية متبناة و تعامل كخادمة حينا و و
كواحدة من أفراد العائلة تارة أخرى ، و فق
مزاج الجدة .
*****
لم تأت الكاتبة على ذكر زوجي نورة و هالة
إلا لماما ، فلعلهما نأيا بنفسيهما بعيدا
عن سلطان الأم الكبرى "غيضه" ، كما أن
القارئ لم يعرف الكثير عن المرحوم علي ،
سوى أنه تاجر ذهب و مجوهرات و أنه ذهب إلى
السعودية في مهمة تتعلق بتجارته ، ليتبين
فيما بعد ، أنه انخرط بإحدى المنظمات
المتطرفة المتحاربة في أفغانستان ، حيث
قتل في مدينة قندهار خلال إحدى المعارك ،
و بينما اعتبرته الدولة قاتلا ، فقد
اعتبرته غيضة شهيدا و تمكنت من إقناع أو
رشوة كل من حولها ، بأنه إنما ذهب إلى
أفغانستان في مهمة خيرية !
كانت شهلة لا تزال حاملا في شهرها الخامس
، عندما بلغها نبأ وفاة زوجها و قد أكملت
أيام عدتها في بيت ذويها ، و لكن عندما
أنجبت فهاد ، تمكنت حماتها بكل ما تملكه
من وسائل الترغيب ، من إقناعها بضرورة
تنشئة الرضيع في بيت العائلة ، و على
الرغم من اعتراض والديها ، فقد تجاوزتهما
و رافقت حماتها إلى حيث دُفنت حية تماما
كما أنبأتها والدتها...
فهاد ، ابن الشهيد علي ، الصورة المطابقة
لأبيه ، و المعجزة
الإلهية ، تتذكر موضي حول ذلك
:"
أو على الأقل - كما تزعم هي -أي خالتها
هيله- ، بأنه أحد الأولياء الصالحين !
كانت هيلة قد حضرت بضعة من مجالس الذكر ،
و قرأت بضعة كتيبات دينية عثرت بها صدفة
في غرفة الإنتظار في المستشفى ، ثم تعرفت
على نساء على شاكلتها من التدين لتجتمع
معهن كل يوم جمعة لتلاوة الأذكار و إنشاد
الشعر الديني ، - و هكذا- نصبت خالتي
نفسها فقيهة العائلة ..."
و على هذا النحو بدأت نسوة البيت الكبير
بالعمل معا على تنشئة فهاد ، فهو المعجزة
لأنه لم يصرخ حين ولادته ، إذ لم يتمكن
الشيطان من الدنو منه و إزعاجه كما يفعل
مع مواليد خلق الله الآخرين ؛ و هو القادر
على تطيير قصاصات الورق دون أن يمسها ، و
هو المتمكن من الوقوف على يديه ، و هو محل
تنافس ابنتي خالتيه على التقرب منه و قد
غُسلت دماغه بتفوق ذكورته
: "فطومة دايما تعطيني ككاو و حلاوة و بفك
، بس شعرها خشن و أطول مني ، و مضاوي
نحيسة شويِِ ، بس شعرها ناعم ، و تعرف
توقف على رأسها ، يعني أنا أبي أتوزجكم مع
بعض ، أنا رجال و الشرع حلل لي أربع !!!"
نعم ، لقد نطق فهاد بهذه المقولة الذكورية
و هو في عمر الخامسة !!!
فقد هيئت دماغا الصغيرتين فطوم و موضي على
أنهما أو إحداهما ستكون زوجة لابن الشهيد
، و من هذا المنطلق دخلتا في صراع مرير مذ
كانتا في الروضة ، ذلك الصراع الذي كثيرا
ما كان يوجعهما و الذي افتتحت به الكاتبة
روايتها
" و كنت قد سرحت في اسمه ، جرسه ، و
ملاءمته لكل شيء ، حتى هجمت علي و طرحتني
أرضا ، ثم تمددت فوق جذعي و هي تهرس قطعة
الشوكولاتة بأصابعها و يدها الأخرى تشد
شعري إلى الخلف . "
و لكن
إحاطة فهاد بكل هذا الإهتمام ، أدى إلى
نتائج عكسية فقد شاهدته موضي ذات يوم
يصعد إلى السطح
بعد قطيعة غير مبررة لعدة أيام ، فدفعها
الفضول لأن تتبعه
: "و
بصوت رقيق شبه هامس قال لي : قعدي مضاوي ،
فجلست على يمينه ، و الصندوق الخشبي
المذهب أمامنا ، و الذباب فوق رأسينا ، و
بأيدي خبيرة ، رفع الرتاج عن الصندوق ، و
فتح الغطاء ….............. بعينين
براقتين راح يتأمل الصندوق السري ، كان
قبرا جماعيا
لعشرات من جثث الحيوانات و العصافير
…........رأيت ابن خالي يلعب لعبة الموت و
الحياة ، متألها يقرر المصائر ، ينتزع
أرواحا ، يعذب أرواحا ، يفقأ أعينا ، و
ينتزع مناقيرا !… "
كان الإشمئزاز و الخوف ردة فعل موضي
ثم أمها و خالتيها هيلة و رقية و ابنة
خالتها فطوم ، أما الجدة فقد لامتهن جميعا
، و لم لا ؟ فقد أرعبن الغالي ابن الغالي
"المعجزة
فهاد" ، الذي لم يكن في نيته – كما
زعمت - سوى اكتشاف العالم المسخر له من
حوله ، و بكل هدوء اكتفت بتعليم فهاد كيف
يدفن جثث ضحاياه قي حديقة البيت ، لتصبح
سمادا طبيعيا يغذي زهورها !
و في لعبة جديدة مع ابنتي
خالتيه "لعبة الفرح" ارتدى تنورة إحداهن و
زين وجهه بالمكياج و أخذ يرقص معهما ،
اندمجت الأمهات الثلاث مع الصغار فأخذن
يصفقن و يزغردن ، بل قمن وشاركن الصغار ،
عندما دخلت الجدة ، التي لم يلفت نظرها
سوى فهاد في وضعه الأنثوي ، مما أشعل
غضبها !!!
"أنا يوم إني زوجتك ولدي أمنتك على ذريته
، و يوم إني ضيفتك في بيتي بعد ما توفي ،
أمنتك على تربية ولده ، وقلت أحسن ما احرم
الولد من أمه ، أضيفهم عندي هم الاثنين
........و لا فيه أم تخلي ولدها يلبس
تنورة و يهز وسطه مثل الحريم ....والله إن
جا يوم و شفته يتخنث مع البنات لأذبحه و
اغسل بدمه حوش بيتي ، و اتبرى منك انت و
ياه يا بنت الكلب" .
و في يوم آخر نحرت الجدة دمية "موضي" لأن
فهاد كان يشاركها اللعب بها و هددت أنها
سوف تخصيه إن شارك بألعاب بناتية ، مما
جعل نورة تتبرم من عيشتها تحت جناح
والدتها ، التي لا ترى النور إلا من خلال
ذكورة فهاد !!!
" المشكلة ليست في العروسة
{التي نحرتها الجدة }
، المشكلة إني كرهت هالعيشة" .
ما الذي جعل نورة تتبرم من العيش في
بيت العائلة الكبير ؟ و الذي تديره غيضة
بحزم و بقلب قد من حجر ؟! كان ذلك يوم
فرضت على ابنتيها و كنتها و ربيبتها رقية
، أن يكن جميعا أمهات لكل الأطفال أي على
نوره أن تكون والدة موضي و فطوم و فهاد ،
و على شهلة أن تكون أم فهاد و موضي و فطوم
، و هكذا ............ فإذا أرادت
إحداهن – مثلا - شراء شيء لفلذة كبدها
عليها أن تشتري للطفلين الآخرين ، كل ذلك
لكي لا يشعر
"ولي الله ، المعجزة فهاد"
أن
أيا من الفتاتين تمتاز عنه !!!!
و لكن ظلت مشكلة ميول فهاد الأنثوية
شغل الجدة غيضة الشاغل حتى أنها هددت
بذبحه أكثر من مرة ،
"و لكن كل ما كان الصبي يريده هو أن يشارك
موضي و فطومة عالمهما الوردي ، لأنه يشعر
بالوحدة و حسب ! و لم تكن رغبته بالتحول
إلى بنت إلا تعبيرا عن رغبته بالاندماج
قي عالمه النسائي ، تخفبفا لغربته"
بين كل
هذه الإناث ، كما اعتقدت رقية .
عندما ضبطته غيضة في غرفة رقية مع
البنتين و قد صبغ شفتيه بالأحمر بعد نجاحه
بالتواري عن تهديداتها لمدة أسبوعين
بالتواطؤ معها و مع أمهاته الأخريات ، صبت
نقمتها على ربيبتها رقية
:
"يا كلبة ! يا واطية ! يا نجسه ! يا بنت
الحرام ! كان لازم أتركك تهجين و تهرجين
في الشوارع مع البهايم ..يا لقيطة !!! "
ثم جرت الصبي من أذنه إلى غرفتها ، حيث
بقي معها لمدة ثماني ساعات ، جعلت بقية
أهل الدار في حالة شديدة من التوتر و
القلق ، دون أن يعلمن ما يجري و لن يعلمن
، فكل ما عرفوه أن فهاد خرج من غرفة جدته
مسرورا و أن ابتسامة عريضة قد ارتسمت على
وجهها .
يبدو أن الجدة غسلت دماغ فهاد بشكل
مذهل و غير متوقع ، فقد تحول الصبي إلى
عبد بين يدي جدته ، ثم أخذ يستخدم ثياب
والده المرحوم و يتكلم بالفصحى وفق أسلوب
مسلسلات الرسوم المتحركة ، تعبيرا عن
رجولته المبكرة ...
و مع أن هيلة فقيهة العائلة ، منعت
أعياد الميلاد لاعتقادها بحرمة ذلك ، إلا
أنها لم تعبأ عندما احتفلت والدتها بعيد
ميلاد فهاد الخامس عشر ، حيث أهدته بتلك
المناسبة بنقدية الصيد التي كانت تخص أبيه
مبررة ذلك بتعزيز رجولته
"و
إبعاده عن إغراءات اللعب بالعرايس و وضع
المساحيق
!!
ليس هذا فحسب فقد وعدت الصبي بأنه إذا
أصبح قناصا بارعا و اصطاد لها من الحمائم
ما يكفي لوجبة عشاء عائلية ، فستشتري له
فرسا .......و يصبح فارسا حقيقيا في زمن
سيارات الفيراري و ألعاب الفيديو!
"
و بسبب حيازته لبندقية والده تزعم
فهاد صبيان حيه ، و بعد أن كان محور
اهتمام عائلته أصبح محور اهتمام أبناء
جيرته ، ما زاده غرورا فوق غرور ، ذلك
الغرور الذي دفعه ذات يوم للتبجح أمام
أقرانه بأنه سيقتل إنسانا ، كان قد جرب
قتل الحيوانات و العصافير فلم يعاقب بل
أوحت إليه الحادثة بأن ما فعله كان مشروعا
و أن خطأه الوحيد حفظها في الصندوق ؛ إذا
لماذا لا يجرب قتل إنسان ؟
" كانت الساعة لم تجاوز العاشرة صباحا و
الهواء طلق و النسيم رائق .....أحد تلك
الأيام التي تبدو فيها أحلامنا، خيالاتنا،
في أكثر حالاتها صفاء و وضوحا ، في وقت
غاب فيه كل منا داخل حلم ، لم ينتبه أحد
إلى أن أجمل أحلام الصبي متمحورة ببساطة
حول القتل ، سقوط الجسد ، صعود الروح ،
إختبار الوجود و العدم !!!"
و هكذا صوب سلاحه إلى عامل بناء فأصابه
بساقه فاختل توازن المسكين ، ثم سقط
على الأرض مفارقا حياته ، و إذ اعترضه أحد
رفاقه ضربه بكعب البندقية فأرداه ....
خمس سنوات في سجن الأحداث كان حكم
القاضي ، عنت خمس سنوات من الحزن و
الإحباط و اليأس ، خيمت على نسوة البيت
الكبير ، حاولت الجدة أن تشيع بأن فهاد
كان ينوي صيد عصفور فجاءت الرصاصة خطأ
بساق العامل ، إلا أن شهادات رفاق الحي
أكدت عزمه و سابق ترصده ..
الغريب أن الجدة ما أن علمت بصدور
العفو الأميري بمناسبة حلول رمضان عمن
قضوا ثلثي مدة حكمهم و كان سلوكهم حسنا ،
حتى بدأت الجدة تعد الفتاتين لتكون
إحداهما زوجة فهاد ، و كأنها كانت تجهز له
مكافأة على براءته المزعومة من القتل ..
و عاد فهاد إلى البيت الكبير و دب
النشاط فيه بعد خمول دام ثلاث سنوات ، ثم
وقع كل من فهاد و موضي في حب أحدهما للآخر
، و لكن عندما صارحته موضي بأنها تنوي
إكمال تعليمها و أنها ترغب بأن تكون
محامية ، لم يعجبه ذلك مما أدى إلى إنهاء
قصة الحب بعد أن كادت تتكلل بالزواج ، أما
فطوم - و بفضل توجيه والدتها - فقد كانت
عملية ، اندفعت إلى خدمة شهلة والدة فهاد
، في محاولة للفت انتباهه .. ثم
...نجحت ..
ففهاد و غيره كثيرون في عالمنا العربي
خاصة و الشرق أوسطي عامة ، يريدها جارية
تمجد ذكورته ، و لا يريدها متعلمة تقترب
منه أو تتساوى معه ...و الغريب أن من عزز
هذا الإتجاه لديه جميعهن إناثا بدءا من
جدته و انتهاء بفطوم التي ستصبح زوجته ..
و تنتهي الرواية بقرار نوره و موافقة
موضي المطلقة ، مغادرة البيت الكبير و
الاستقلال عن نفوذ الجدة الكبيرة الخانق
...
مما يلفت النظر في رواية تحت أقدام
الأمهات متانة لغتها الفصحى و استناد
حبكتها الفنية على التداعيات العقلية لكل
من أبطالها ، أما أهدافها فكانت متعددة ،
و اهمها قاطبة ، الهدف التربوي الذي
حاولتُ قدر الإمكان التركيز عليه في
قراءتي هذه .

بثينة العيسى- الكويت
نزار
بهاء الدين الزين
- سوريه/أميركا