.

الأدب  ( 2 )

الأبواب
الرئيسية

 

صفحة الغلاف
أدب 1
الأدب2-نزار ب. الزين
علوم و صحة
 تكنولوجيا
دراسات إجتماعية
المنوعات

 

 

أعمال الكاتب نزار ب. الزين

دراسات - مقالات - حوارات

النهر

رواية الكاتب السوري : جان ألكسان

قراءة أدبية

 نزار الزين  

 

 

   " لكم أنت غني يا شيخ زرقان ، هذه الأراضي  و مثلها أراضي ثماني قرى  كاملة ، تأكل حاصلها وحدك ، تنفقه  في الشام ، تبعثر تعب هؤلاء الفلاحين الفقراء على بيوتك و أعوانك و خدمك و زوجاتك و سياراتك ؛ كم تنفق زوجتك الشامية في الشهر ؟ "

"و هل نحن نعيش حتى نتمنى الموت يا عمي  ؟ و الله إنها عيشة الكلاب ، نكدح و نتعب نحن و عيالنا طوال السنة  حتى إذا جاء الموسم  ذهبت أتعابنا للشيخ زرقان و لصاحب الحصّادة  و للتاجر الذي نستدين منه  كسوة عيالنا  في الشتاء ."

****

" أنا معك في الرأي ، و لكنني عاجز عن الصراخ به ، و لهذا أحذرك ! أنا أعلم أنك تغلي غيظا و أن أضلاعك البادية في صدرك  النحيل تكاد تتقصف ، و أرى على لسانك أكثر من سؤال ، و لكن ما باليد حيلة  "

****

يقول جان ألكسان في مقدمة روايته :

" عندما نقل المغفور له جمال عبد الناصر قوانين الإصلاح الزراعي  إلى الإقليم الشمالي  في الجمهورية العربية المتحدة إرتفعت صيحات المكابرين في تساؤل : (( متى كان في سورية إقطاع ؟ )) إلى هؤلاء كتبت النهر لأفقأعيونهم ليس بالإقطاع السوري و حسب بل بأبشع صوره .

في النهر  زرقان شيخ إحدى العشائر المتحضرة على ضفاف الفرات  ، نجده مالكا لأراضي العشيرة المحيطة بتسع قرى ،  مع هامش من الملكية الفردية صغير ، و هامش من الغلات المسموح بها للمؤونة و البذار أصغر ، و هو أيضا ممثل السلطات الثلاث ، فلأنه نائب في البرلمان  و لأنه ملاك فقد ملك الرقاب تشريعا و تنفيذا و قضاء ، تؤازره في ذلك السلطة المركزية ممثلة بشرطة الريف الذين كانوا يسمون آنئذ الدرك و بأعوان مسلحين أفضل من تسليح الدرك أنفسهم يبرز منهم على التوالي  عفين  ثم حصيني .

تجري أحداث الرواية في مرحلة إنتقالية تقع في بداية إرهاصات الوعي بالذات ، هذه المرحلة التي أتاحت  لأول مرة لفلاح كأبي محمود  ، أن بتجرأ فيقول لصهره المرتقب : " باي  حق  يأخذ قمحنا يا حمدام ؟ " ثم لإبنته  التي تتهيأ لتكون عروس حمدان في الموسم : " أجل يا ابنتي ، سنظل بلا بذار  أو طعام و لن نستغفره ، لمن أقف أمامه ذليلا ، لن أرضخ له ، سأتحداه ، و لتتحدث الديرة عني ."  ثم لا يلبث  أن يترجم مظلمته  إلى أول موقف جريء في تاريخ قريته الكمرة  ، موقف يهز المختار و رجال القرية المتواجدين في  ربعة( ديوان ) المختار و بوجود الشيخ زرقان نفسه ، الذي جاء خصيصا لمطالبته بما أخفاه من الموسم المنصرم : " سأكسر اليد التي  ستمتد إلى   الجفر   ( مستودع الحبوب )." و هو و إن كان لم يتمكن من تنفيذ وعيده ، فقد كان مجرد إطلاق ذاك الوعيد ، شرارة نحولت رويدا رويدا إلى نار و نور .

قدح أبو محمود الشرارة في بيته أولا فاشتعل قلب ابنته الشاب : " هذا بذارنا ، لن نعطي منه حبة واحدة ."

فصرخ به عفين :

- هل أصبحت رجلا يرفع صوته بين الرجال يا عجي ( يا صبي ) ؟

- لو أنك  ل ا تحتمي  بوجه الشيخ  زرقان  لأريتك ماذا يفعل الرجال من أمثالي . "

و دوت صفعة أحس حمدان أن أذنه قد طارت من مكانها ، و فجأة حدث ما لم يتوقعه أديب أفندي الدركي  ، حدث كل ذلك بسرعة مذهلة  ، إنقض حمدان على عصا كانت موضوعة على مكتب رئيس المخفر -  و قبل أن يدرك أديب أفندي  ما حدث -  كان حمدان ينهال بها على رأسه و وجهه ، و بضربات فيها من الحقد أكثر مما فيها من قوة .

و اشتعلت الشرارة كذلك في قلب إبنته الشابة من بعد ، رابعة التي لم تعد تهتم بفرحة عمرها قدر إهتمامها  بصون عهدها و كرامتها  : " أنت تخرس  ، أنا رابعة  ، أنا اختك يا محمود ، و الله سأشك هذا الخنجر في صدر الذي سيقترب من الفرس "

تقدم دعاس أفندي الدركي من الفرس بخطوات بطيئة وجلى ، فتصدت له رابعة و بيدها الخنجر و هي تصيح به :

- عد إلى الوراء ، هذا خير لك ! "

في هذه اللحظة خرج محمود من الداخل يحمل بيده قزمة ( أداة لحفر الأرض) ، فسحب دعاس أفندي حامل البندقية عن كتفه و وجه الفوهة إلى محمود و أخته و هو يقترب من الفرس . هنا أدرك رئيس المخفر أن الأمر أصبح خطيرا ، فأصدر أوامره إلى دعاس بإنهاء المحاولة و اللحاق به .

" و هكذا تفجر النصر ، ضعفاء الأزل مع قلتهم يتحدون و يتصدون و ينتصرون ، و متسلطو الأزل مع بنادقهم يصدمهم الواقع  الجديد فيذهلون و يتراجعون . "

" و لم ينم كثيرون في تلك الليلة  ، عقدوا حلقات الحوار في بيوتهم الطينية ، كانت أحاديثهم كلها تدور حول سؤال كبير :

- إذا استطاع أبو محمود  و أسرته الصغيرة الفقيرة  تحدي الشيخ زرقان  و رئيس المخفر ،  فكيف  يصب ح الأمر إذا  أصبح الجميع  يدا واحدة في وجه الظلم

ثم أخذت الأصوات ترتفع صارخة بالنغم الجديد ."

" قام في هذه القرية شيطان جديد يرقص و يريدنا أن نرقص معه ، ألم ترني و قد تركت ثماني قرى و تركت أعمالي في الشام ، و صرت أقضي أكثر أوقاتي  في هذه القرية ؟ "

" و يسأله حسين عن هوية ذلك الشيطان ، فيجيبه الشيخ بخوف :

- مرة إسمه محمود و مرة أبو محمود و مرة حمدان أو سلطان أو عقاب ، و أحيانا إسمه رابعة أو حتى نوف !

ثم ألقى أوامره بصراحة  :

- لا أريدهم أن يقفوا هكذا يدا واحدة ، اليوم يتفقون على بناء السدة  للوقوف في وجه الفيضان  و غدا يتفقون للوقوف في وجهي .

عليكما أن تحسبا حسابا لطوفان الفلاحين ، و هذا لا يكون بالخوف منهم أو التساهل معهم ، و إنما بقمعهم و تفريق صفوفهم . "

" و لكن الأوان يكون قد فات فقد هبت رياح التغيير ، و ها هو المختار  يشكو همه للشيخ زرقان مفتتحا سلسلة التوقعات السيئة و المخاوف :

- بصراحة شيخي ، الرجال بدؤوا  يقاطعون الربعة ( الديوان )  و يريدون أن يسحبوا البساط من تحت أرجلنا . فعقب حسين :

- أكثرهم حماسة للعمل ضدنا سلطان السويلم ؛ فرد الشيخ "

- ليس الموضوع موضوع سلطان السويلم و إلا لوضعنا رصاصة في رأسه و أرحنا أنفسنا منه ؛ أنا أرى أن كل واحد منهم أصبح يفكر مثل سلطان أو محمود أو مثل عقاب المذهل ! "

" ثم يقع ما كان لا بد من وقوعه و تحدث المواجهة علانية :

الشيخ زهران : لكنكم زرعتم ترابا فحصده الفيضان و أغرقكم في الوحل !

عقاب المذهل : - تماما كما كنا نزرع الحنطة و تحصدها أنت ثم تغرقنا في الديون .  "

" و لئن كان الجور  قد أيقظ غريزة الدفاع لدى ( أبو محمود ) و أفراد أسرته و صهرهم المرتقب ، فإن ما أدركوه من نوايا سطو الشيخ على عرضهم ، عزز تلك اليقظة فجعلها متحفزة مستنفرة كافة القوى  بما فيها الإستعداد للقتل . "

" حمدان ، ستتزوج رابعة من عفين !

للوهلة الأولى ظن حمدان أن رئيس المخفر يتابع معه اللعب ، يريد أن يتسلى به ، بل تمنى أن يكون الأمر كذلك ، و لكن لهجته كانت جدية و حاسمة و قاسية ، احس حمدان بالخطر الحقيقي  ، و بأنه فأر محاصر في طشت عميق ( وعاء )  يدور فيه محاولا الخلاص دون فائدة !

- عفين سيتزوج من رابعة مفهوم ؟

- سأذبحه قبل أن يفعل

- الشيخ زرقان يريدها لعفين ، و قد كلفني بأن ابحث الموضوع معك ، سيترك لك الحنطة و فوقها خمسين إنكيزية ( ليرة ذهبية )  مهر رابعة ، انا اعرف أنك لا تحب عفين و لكني أحب أن أقول لك أنه شاب شجاع  و هو مرافق الشيخ ، ستقبر الفقر يا أبا محمود

ستكون رابعة كنة الشيخ زرقان فهو يعتبر عفين بمنزلة ولده  .

- إنه كلبه و ليس ولده ! "

" يا با ، الشيخ زرقان يريد رابعة زوجة لعفين لتكون قريبة منه .

*****

هل كان الشعور بالإضطهاد و الظلم سبب هذا الوعي الذي أيقظ فلاحي الكمرة من ثباتهم الطويل ، و حسب ؟

أبدا ، فالكاتب ( جان ألكسان ) لم ينس دور المعرفة التي رمز إليها بمعلم القرية الأستاذ أحمد ، و قد نبهت القوى المستفيدة من الشيخ زرقان مرارا إلى دور المعلم : " هناك من هو أخطر من أبو مجمود شيخي ، إنه معلم المدرسة "

و لكنه كان يجيبهم باستهتار : " هاتف مني لوزير التربية ينقله إلى أقصى الجزيرة  "

و إن قدح أبو محمود الشرارة فإن الأستاذ كان ينفخ العسيس الذي أحدثته :

" و هل تريد من الشيخ أن ينصفك و يعيد إليك أرضك ؟

- طبعا !

- و لماذا لم تنتصر لأبي محمود لينصفه و يعيد له غلاله ؟

- هل تريدني أن أقف بوجه الشيخ ؟ ألم تر كيف جلد أبا محمود ؟

- لو وقفتم جميعا ، أنتم يا أبناء القرية في وجهه لما استطاع أن يجلدكم ! "

و في حديث آخر للمختار

" إنك تبالغ يا أستاذ أحمد ، إن أحدا هنا لم يمت جوعا ، هل مشيت بجنازة واحد منهم ؟

و قالوا لك أنه مات جوعا ؟

- و هل الميت هو الذي تحمل جنازته فقط ؟ إنهم يموتون و هم أحياء على أقدامهم ، هل تعرف ? أبو محمود مثلا ، لم يمتلك رغيفا في بيته و لا  فنجان  قهوة يقدمه لضيف ؟

إلتفت المختار إلى حسين و قال له :

-  ذكرني يا حسين لنرسل لأبي محمود بعض القهوة و بعض الطحين ، فانتفض الأستاذ غاضبا ، شعر أن كلام المختار صفعة قوية وجهت إليه .

- لا يا مختار ، أنا لا أطلب له صدقة ، هذا لن يحل المشكلة ، كان عليكم جميعا أن تقفوا إلى جانبه ، أن تقفوا في وجه الشيخ زرقان و تمنعوه من أن يأخذ الحنطة ! "

و في موقف آخر :

" - هناك طريقة واحدة تبعد ظلم الشيخ زرقان عنك و عن أرضك و عن بذارك و عن فرس حمدان !

- و ما هي ؟

- أن تكون أنت و بقية الفلاحين  يدا واحدة ضده ! "

و فجأة يشعر الأستاذ أحمد أنه أدى رسالة بأسرع مما كان يتوقع ، عندما يصغي إلى حوار دار بين عواد حكواتي القرية ( من  يسرد القصص و الروايات ) و بين دهمس السعيد فتغمره سعادة شاملة ، تنسيه كافة معاناته الفكرية السابقة :

"  - إذا كنت مسؤولا عن هذه الديرة و بيدك أمر الحل و الربط فيها ، ماذا كنت تفعل ؟

- كنت سأوزع أراضي هذه القرية على الفاحين ! "

*****

و كذلك لم ينس الكاتب  دور الطبيعة و كوارثها :

- أليس من طريقة لمنع وقوع مثل هذه الكارثة ؟

-  الفرات غدار ، فيضانه مجنون ، إننا نقيم في وجهه سدات ترابية و لكنه يجرفها بقسوة ، إنه يجرف كل شيء ، لقد وصل في العام الماضي إلى التل الغربي  و هدم قسما كبيرا من البيوت "

- نوفا لم تأخذ أرضك يا حسين ، الفرات هو الذي أعطاها قسما من الأرض ، هل تنكر هذا ؟ ألا تعرف أن الفرات كسر الجرف و حول مجراه ؟

- يا أخي ، آمنا و صدقنا أن الفرات أخذ أرضي و جعلها قسما من أرض الأرملة ، و لكن ما هو ذنبي ؟

- ما باليد  حيلة ، الفرات  أقوى  منا  كلنا ! "

****

و يوالي النهر بطشه و لكنه يشحذ إرادة الفلاحين أيضا :

 يهدم بيوت الكمرة  الطينية للمرة الثانية في أقل من ستة أشهر ، و يفجع أبو محمود بابنته رابعة أثناء محاولتها إنقاذ فرس خطيبها و حبيبها حمدان ، و لكنه مع بطشه كان يصقل إرادة الفلاحين تلك الإرادة الخام ، تبرز مع الخاتمة تمثالا شامخا ، رامزا للمستقبل الأفضل

" في كل سنة سنبي سدة في وجه الفيضان ، في هذه السنة بنيناها من تراب فجرفها الفيضان ، و في العام القادم سوف نبنيها من حجارة ، و إذا جرفها الفيضان سنبنيها من إسمنت ، و إذا جرفها سنبنيها من حديد ، لن نتوقف ، سنظل نبني سدات على الفرات حتى يأتي يوم نستطيع أن نبني فيه سدة لا يجرفها الفيضان "

كانت تلك نبوءة أو رؤيا !

أطلقها عقاب المذهل ......

فقد بني السد الأكبر على الفرات بالإسمنت و الحديد ، و لم تعد ثمة حاجة للسدات الصغيرة التي دخلت ظلال التاريخ غير مأسوف عليها .

و تقوضت بذلك آخر أعمدة ثالوث القهر و الإحباط .

****

و هكذا قادنا جان ألكسان  في  رحلة طويلة  عبر معاناة قطاع  من الفلاحين  كنا نجهل عنه -  نحن أبناء العاصمة و المدن أكثر مما نعلم  ، رحلة إمتازت بالهدوء ، لا إستثارة فيها و لا إثارة ، لا إنفعال و لا خيال ، لم يستدر منا دمعة ، و لم يهيج فينا نقمة ، بأسلوب سلس و لغة غير معقدة تكثر فيها كلمات عامية من لهجة سكان الشمال الشرقي من سوريه ، إمعانا في الواقعية .

------------------

*نزار بهاء الدين الزين

   سوري مغترب

   عضو إتحاد كتاب الأنترنيت العرب

الموقع :  www.FreeArabi.com