هل
توحّد الثقافة ما فرّقته السياسة ؟
بقلم :علي عبيد*
« الثقافة هي المجال الوحيد الذي يمكن أن تتحقق فيه الوحدة العربية عبر
الكُتّاب والأدباء وليس رجال السياسة» بهذه النبرة المفعمة بالتفاؤل تحدث
أديبنا العالمي الحائز على جائزة نوبل للآداب الروائي نجيب محفوظ.
مؤكدا أن الثقافة في العالم العربي يمكن أن تصبح وسيلة للتعايش ومواجهة الإرهاب
والتطرف ومقاومة ما يراد بنا، لأن التفكير يرتبط دائما بالعقل والفكر قبل أن
توجد القوانين.
سوف
نوغل نحن أيضا في التفاؤل متضامنين مع أديبنا الكبير، ونغض الطرف عن احتمال أن
يكون هذا التوجه تعبيرا عن مرحلة اليأس التي يعيشها المواطن العربي من الحالة
السياسية التي وصل إليها عالمنا العربي.
إذ
سنعتبرها دعوة إلى طرق أبواب أخرى للوحدة بعد أن أُغلقت الأبواب أمام الفعل
السياسي الذي فشل في تحقيق الوحدة المنشودة، رغم كل المحاولات والتجارب التي
خاضتها الدول العربية خلال النصف الثاني من القرن العشرين، بدءاً من «الجمهورية
العربية المتحدة» وانتهاء بالاتحادات العربية التي تهاوت اتحادًا إثر اتحاد من
مشرق الوطن العربي إلى مغربه.
في دورته الرابعة عشرة التي عقدت في صنعاء، اطّلع مؤتمر الوزراء المسؤولين عن
الثقافة في الوطن العربي على مشروع اتفاقية مقدم من المنظمة العربية للتربية
والثقافة والعلوم لإنشاء سوق ثقافية عربية مشتركة تهدف إلى بعث التصنيع الثقافي
وتنميته وتطويره.
وذلك
بإقامة صناعات ثقافية عن طريق تحويل الأنشطة الثقافية ومستلزماتها إلى منتجات
سلعية وخدمية قصدَ إيصالها إلى المتلقي، وذلك وفق معايير اقتصادية وفنية
مدروسة. وجاء في تفاصيل المشروع أن يشرف على أعمال السوق مجلس أمناء يتولى
تنظيم الاستيراد والتصدير بين الدول العربية.
وتدير
السوق مركزيا هيئة اقتصادية ثقافية تتألف من موظفين ذوي خبرة متميزة في شؤون
الثقافة والصناعات الثقافية والاقتصاد لإقرار عمليات الاستيراد والتصدير، يُعرض
نشاطها على الفروع التي ستُنشأ في كل دولة عربية منضمَّةٍ إلى السوق للموافقة
والمصادقة عليه.
ويدير الهيئة المركزية مجلسُ إدارة يتكون من رئيس ومدير عام وأعضاء يمثلون كل
بلد عربي عضو في السوق مع إدارات فرعية لكل صناعة من الصناعات المهمة الضرورية
للتصنيع الثقافي مثل الحاسبات والكتب والدفاتر المدرسية وصناعة الورق وغيرها.
كما تُنشأ في الهيئة المركزية إدارة فرعية خاصة بالملكية الفكرية تنسق مع هيئات
حقوق الملكية الفكرية في كل دولة من الدول أعضاء السوق، على أن تلتزم الدول
الأعضاء بأن تمنح الهيئة المركزية صلاحيات قانونية ومالية للتفتيش والمحاسبة.
ويشتمل
مشروع الاتفاقية على تنظيم حمائي تلتزم بموجبه الدول الأعضاء بأن تتيح لصاحب
الحق أو من يخلفه اللجوء إلى القضاء للحصول على حكم بإجراء تحفظي مناسب، حتى في
غيبة خصمه، بهدف توخي الاعتداء على الحقوق، أو وقفه، أو مجرد إثباته.
الاتفاقية بنصوصها القانونية التي تهدف إلى حماية المُنتَج الثقافي، وأحكامِها
التي تحدد آلية الانضمام إليها والخروج منها، تُعدّ في حد ذاتها - فيما لو تم
إقرارها ـ إنجازا وفكرة طموحة لتنظيم الشق التجاري من العلاقات الثقافية بين
الدول العربية،.
وهي
خطوة نحو وضع أُطر عملية للحد من ضياع حقوق المبدع العربي الذي لا يجد الحماية
الكافية من قبل القوانين المحلية داخل بلده، ناهيك عن ضياع حقوقه خارجه، حيث
تصبح ملاحقة هذه الحقوق عملية مطاردة أسهل منها المطاردات التي نشاهدها في
أفلام هوليود الشهيرة.
«سوق
ثقافية عربية مشتركة» ربما تكون حلما من أحلام المثقفين والمبدعين العرب الذين
لا يملكون أكثر من سلطة الحلم، بينما يهيمن غيرهم على حلم السلطة وواقعها.
الشاهد
على ذلك أنه لكي يتحقق حلم المثقفين هذا فإنه يجب أن يحظى بمباركة أصحاب
المعالي الوزراء المسؤولين عن الشؤون الثقافية في الوطن العربي، ويحصل على
موافقتهم ـ وربما موافقات جهات أخرى في مراحل لاحقة - كي يرى النور، وإلا ظل
حلما محلقا يداعب الخيال، ومشروعا على الورق بعيد المنال.
رغم الاعتراف بأهمية الثقافة يبقى المثقفون العرب هم الحلقة الأضعف من حلقات
المنظومة الفاعلة والمؤثرة على القرار في ظل هيمنة السلطة على الثقافة
وانتزاعها لسلطتها، وتحويلها إلى سلطة ناعمة محدودة التأثير، فما الذي يمكن أن
تضيفه سوق عربية ثقافية مشتركة إلى حياة المبدعين والمثقفين العرب، وما هو
الأثر الذي يمكن أن تحدثه في واقعهم؟
لعل
الجانب الاقتصادي هو الأكثر بروزا في مشروع اتفاقية السوق التي تصب كل بنودها
تقريبا في إطار حماية المُنتَج الثقافي من التزوير والتقليد، حيث تُلزم الدول
الأعضاء بأن تتضمن تشريعاتها جزاءات مدنية وجنائية مناسبة ورادعة.
بما
في ذلك عقوبة المصادرة للنسخ المزورة أوالمقلدة، والأدوات والآلات التي استخدمت
في ذلك إذا كانت لا تصلح إلا لهذا الغرض، وأن تتيح لصاحب الحق أو من يخوله
الحصول على تعويضات مدنية مناسبة تغطي ما لحقه من خسارة وما فاته من كسب.
كما
تلزم الدول الأعضاء بأن تتيح في تشريعاتها الحصول على أوامر إدارية أو قضائية
بمنع دخول أي سلع تنطوي على انتهاكات للحقوق والتحفظ عليها، إلى آخر ما تحتويه
بنود التنظيم الحمائي من أحكام يغلب عليها الجانب القانوني، مع آلياتٍ لتنفيذ
هذه الأحكام.
تركيز
مشروع اتفاقية السوق الثقافية العربية المشتركة على الجانب المادي متمثلا في
حقوق المُنتَج الثقافي وحمايته، أو اقتصار مشروع الاتفاقية على هذا الجانب
تقريبا يصب في صالح الإنتاج الثقافي العربي إذا اعتبرنا أن حقوق المبدع العربي
شبه ضائعة أو هي منتهكة في العالم العربي.
ولولا قوانين حماية الملكية الفكرية التي سعت دول من خارج الوطن العربي إلى
إقرارها حفاظا على حقوق شركاتها ومبدعيها، وعملت جاهدة على تطبيقها في الدول
العربية أكثر مما تحمست لها الجهات المسؤولة عن الثقافة في الوطن العربي أو كان
للمبدعين والمثقفين العرب دور كبير .
ومؤثر في إقرارها والالتزام بها، لولا هذه القوانين التي أقرتها بعض الدول
العربية لظلت هذه الحقوق غير محمية، مع ما يشوبها من انتهاكات لا يخلو الأمر
منها هنا أو هناك، خاصة في الدول التي لم تقر قوانين حماية الملكية الفكرية حتى
الآن وتمنحها الصفة القانونية الملزمة.
في
الزيارة التي قام بها أواخر العام الماضي لدولة الإمارات الروائي البرازيلي
الأكثر شهرة «باولو كويلو» أعرب مؤلف الرائعة العالمية «الخيميائي» عن سعادته
لأنه وجد دار نشر عربية تتولى توزيع النسخة العربية من رواياته بعد أن تعرض
للسرقة والقرصنة.
وهذه
خطوة حضارية نتمنى أن تلقي بعباءتها على إنتاج المبدعين العرب الذين كثيرا ما
تتعرض أعمالهم للسرقة وحقوقهم للانتهاك من قبل بعض المراكز التي تخصصت في
التقليد .
والنسخ
على مدى عقود نرجو أن تكون نهايتها إنشاء السوق الثقافية العربية المشتركة التي
نأمل أن ترى النور فلا تتحول إلى مشروع على الورق كما آل مصير غيرها من
المشاريع التي غدت حبيسة الأدراج ومحاضر الاجتماعات وأشواق الحالمين بالوحدة
العربية.
مع
الاعتذار لأديبنا الكبير نجيب محفوظ الذي نرجو أن لا تخيب آماله في تحقيق
الوحدة العربية عبر الكُتَّاب والأدباء كما امتد به حبل الأمل، أمدَّ الله في
عمره وأعمارنا حتى نراها واقعا لا حلما كما هو حال كل الأشياء الجميلة الرائعة
في حياتنا.
*عضو
مجلس دبي الثقافي
aliobaid2000@hotmail.com