ارتعاشات القلوب
الحزينة
قصة
سوسن عبد الملك
تقابلت
الوجوه الشاحبة ، والعيون الحزينة الخائفة ، والأيادي
المرتعشة
.
ولما كان الصمت أقوى من الكلام ، كتبنا حكاية على الهواء ، نقشتها دماء
القلوب الرهيفة ، وطرزتها العيون المتعبة ، وبين الشط والبحر وقفنا
نحتضن النوارس
وهى تستحم في بحر النهار.
لكن ما كان على الشاشة غراب.. ودرس.. ودم.. وكان الدرس
قاسياً، ليس الدرس فى الحساب ، ولكن فى التعامل مع اللغة
.
ولما كنت أنا من زمن
قديم ضعيفة فى النحو والصرف ، بالفعل قد كنت ضعيفة
.
لا أعرف الفرق بين الصفة
والحال ، لكن رغم ذلك التقينا ، ولما ائتلفنا خفنا ، من البحر
..خفنا،.. من نوارسنا
الحزينة ..خفنا..
وقفنا نتابع كل الكلمات التي كتبناها..خفنا..
من نوارسنا
الحزينة ..خفنا..
وقفنا نتابع كل الكلمات وهى ترتجف ، من الخوف كانت ترتجف ، من
الحزن كانت ترتجف، من الحكايات القديمة كنا نرتجف..ولما كنت لا أعرف
الفرق بين
المضاف والمضاف إليه ، والعطف والمعطوف عليه ، كنت أرتجف .. فقط كنت
أعرفه هو ، وأعرف
فقط ، أن هناك جملة كاملة ، ولكي تكون كاملة لابد أن تكون من ، فعل.
وفاعل. ومفعول
به
.
ومن المؤكد أن الجملة الاسمية هي التي تبدأ بالاسم ، والجملة الفعلية
هي
التي تبدأ بالفعل ، هذا أكيد ، فقد كانت الأمواج عالية،والرياح عاتية،
والضباب
كثيفاً ، والنور يغتاله الظلام ، ولما خرجت الكلمات الساكنة من بين
الضلوع الواهنة،
كتبت على الهواء، لابد أن ننقسم، لابد أن نفترق ، تصير أنت أنت.. وأصير
أنا أنا ، هكذا
مفرداً واحداً ، لوحت الأيادي في الفضاء، ومحت ما كتب على
الهواء،وابتعد البحر عن
الشاطيء ، والمفعول به مازال يشغل رأسي، لكنه كان ثابتاً في ذاكرتي،
فحينما يأكل
الولد التفاحة، أو الولد يأكل التفاحة ،فسواء بدأت الجملة بالفعل أو
بالفاعل المهم
أن الولد أكل التفاحة ، والفعل هو الأكل ، والفاعل هو الولد ، والمفعول
به هو التفاحة
.
ومع ذلك كان طعم الأكل يساوي طعم الفراق المر ، والمياه المالحة ،
وتشقق الحلق
الجاف ، وانشطار الأفئدة ، والعيون الحزينة ، كان الخوف المسافر فينا ،
يسافر ، والحزن
المسافر فينا ، يباعد بيننا ، فابتعدنا
.
بالفعل وليس بالفاعل كنا ابتعدنا ، في
المكان فقط قد كان الابتعاد ، سافر الصمت داخلي ، والحزن داخلي ،
وارتعاشات القلب
المشتعل بداخلي ، أطبقت جفوني كي لا أراه وهو يبتعد ، وظله يتباعد ،
والزبد على الشط
يتلاشي
.
رغم أنني عرفت العطف والمعطوف عليه ، وأداة العطف ، فإذا قلنا أنا وأنت
يكون
أنا ألمعطوف علي ، وأنت العطف ، والواو أداة العطف ، إما إذا قلنا ،
أنت وأنا فتكون
النتيجة معكوسة تماما
.
وقفت لأول مرة وجها لوجه ، عارية أمامه ، كان عبوساً
، جامداً ، ثقيلاً ، متحدياً ، كانت قسمات وجهه تنم عن قتلي ، فوقفت
أمام شاشة التليفزيون
كى أقتله ، نعم لابد أن أقتله لا احتمل سيره ببطء على سماء روحي .
كانت كل الحكايات
، عارية وقديمة ، رجل وامرأة ، رجلان وامرأة ، امرأتان ورجل ، رجال
كثيرون ونساء
كثيرات ، حكايات من الزمن البيعد لكن بثوب جديد ، جاء بعضها متشابهاً
وبعضها غير متشابه
، ولكنها تدور كلها في دائرة واحدة ثم أنها تعود كلها إلى نقطة البدء
.
رغم كل
شيء كانت تعود إليه ، انتفي كل شيء من ذاكرتي إلا هو ، نظرت حولي فلم
أجده ، من الشباك
نظرت لم أجده ، إلى المدى البعيد ، إلى الشوارع ، في كل الأماكن فتشت
عنه فلم أجده في
الميادين ، في الطرقات في كل الوجوه المتناثرة فلم أجده ، ذهبت إلى
البحر أسأل عنه
فلم يجبني .
رجعت لذاتي فتشت في داخلي ، في دماغي ، في خارطة روحي أخذت نفساً
عميقاً ، عميقاً ، حين وجدته متجسداً أمامي ،على البعد كنت قد كلمته ،
وقفت الكلمات
عاجزة حين إليّ دعوته ، حيث انقسمنا فاكتملنا، وافترقنا فاقتربنا وأنا
مصلوبة
أمامه كنت أشعر بالاغتراب ، والفرق كبير بين الغربة والاغتراب ،
والغرابة والغروب
..والتغريب
والغريب..
فسألته عن كل شيء،عبر حدود الزمان و المكان ..عن كل المسائل
قد سألته.
ليست المسائل الحسابية، ولكن المسائل اللغوية ، عن الفعل والفاعل
والمفعول به ، عن الصفة ، والحال، عن العطف والمعطوف عليه ، وعن موعد
العودة ، قبل أن
يجيبني اختفي.
تعقيب
أجمل في النص هذا التلاعب بأدوات النحو و الصرف
واستخدامها لبلوغ الفكرة :
" قدمت له كل ما تملكه امرأة ، فلم تلقَ منه إلا الجحود "
المبدعة سوسن عبد الملك
لقد كتبت تحفة أدبية ، فأثبت بها تفوقك ..
أشد على يدك مهنئا
نزار