|
قصة قصيرة
بقلم :
وائل حوراني
Wael1959@hotmail.com
تتسارع
وتيرة أنفاسه لتصل الذروة عندما لامست عجلات الطائرة أرض المطار محدثة ارتطاما
خفيفا جمد الدم في عروقه لبرهة لم لا وهذه هي المرة الأولى التي يغادر فيها
قريته ممتطيا هذا الطائر المعدني الضخم ومع ذلك كانت أحلامه تعانق السحاب ، منذ
سنوات وحلمه الوحيد الذي داعب خياله بات واقعا وهاهو يحط الآن في مدينة أبو ظبي
، المدينة التي ستخلصه من ظلف العيش وجور الزمن ومطرقة الفقر وظلم المختار ،
قدماه تسابقان أحلامه ، الدهشة الممتزجة بفرحة تغمره وهو ينهي إجراءات الدخول
تتحول لحماسة شديدة عند بوابة الخروج ، رياح أغسطس الحارقة المحملة بالرطوبة
تلفحه بعنف فيحاول تفاديها عبثا ، جال بعينيه منقبا عن ابن عمه الذي كان بمثابة
جسر المرور لأرض الأحلام ، تعانقا بحرارة وانهالت الأسئلة من الطرفين ، أسئلة
لا تنتهي عن أهل القرية تقابلها أسئلة عن أبو ظبي والعمل والراتب وأحلام لا يحد
تدفقها دفء اللقاء ولهيب الجو .
الحافلة تخترق الشوارع وعيونه تخترق ما وراء المكان وأيام تحمل معها مستقبل
يستشرفه منذ زمن ، أتذكر يا ابن العم ، أنت الآن في أبو ظبي التي طالما حلمت
بها ، نعم أذكر وأذكر أيضا عهدي بعدم عودتي للقرية إن كتب الله لي عمرا ووصلتها
، سنرى أجابه ضاحكا ، كثيرون قالوها قبلك وخلال فترة بسيطة كان شوقهم للقرية
وأهلها وجدرانها وحتى حيواناتها تعيدهم على جناح الحنين حتى المختار المتجبر
ستشتاق إليه وسترى .
عجلات الحافلة تواصل الدوران وأفكاره تواكبها ، الشوارع الفسيحة الخالية من
المارة ظهرا تشبه فترة ما قبل الفجر في القرية ، لا تستغرب يا ابن العم هنا
نادرا ما تجد أحدا يمشي في مثل هذا الوقت من السنة ظهرا ، وأين الناس ؟ يقيمون
داخل ثلاجات ، ماذا ؟؟ نعم ، البيت مكيف ، العمل مكيف ، السيارات مكيفة ، أجهزة
التبريد لا تكف عن العمل ليلا ونهارا ، نظر للبعيد وانتقل بذاكرته لمشفى
المدينة عندما ذهب وعمه لاستلام جثمان والده الذي قضى نحبه كمدا وحسرة على قطعة
الأرض المحاذية لأرض المختار فاغتصبها ظلما وطمعا ، عندها كان والده يقيم في
ثلاجة لن ينساها أبدا !! نظر لأجهزة التبريد التي تبتلع الناس في أعماقها
والمنتصبة كشواهد على جدران البنايات وتمتم المهم أنني هنا والأيام ستمر بلمح
البصر ، الحياة فرصة ولن أفرط بها الآن .
اللوحات الخضراء المنتصبة على جنبات الطريق تمر مسرعة لكن ذاكرته تصور أسمائها
ويرددها ليقطع المسافة المتبقية وأفكاره المتزاحمة ، المفرق ، جسر المقطع ،
مصفح ، بني ياس ، وبين الفينة والأخرى يسأل ابن عمه عن المسافة المتبقية ،
الأشجار تنتشر لمسافات طويلة داخل الصحراء لتنتهي على مد البصر بكثبان رملية
لامعة تحت أشعة الشمس ، كيف تنمو النباتات في هذا الجو ؟ سؤال خطر له سرعان ما
ابتلعه عندما خففت الحافلة سرعتها وبدأت تجنح لليمين إيذانا بتوقفها في قرية
الخزنة القابعة بين المزارع وتقع في منتصف الطريق بين مدينتي أبو ظبي والعين .
استيقظ فجرا ، مشط الغرفة بعينيه ، ابتسم عندما اصطدمت نظراته بجهاز التبريد ،
هز رأسه بعنف محاولا إعادة ترتيب ملامحه وأفكاره المتناثرة ، أصبحنا وأصبح
الملك لله تمتم بصوت مسموع وهو يفتح باب حجرته ، أشجار النخيل التي تحيط
بالمزرعة كالسوار وتشكل حدودها تحتضن أعشاش الطيور بحنو بالغ ، أصوات الفجر
تستفز وجدانه وتحمله للسقوط على أبواب الشوق رغم عناده ، قليل من الشوق لا يضير
إن كنت لا أصرح به .
شغل الغطاس الكهربائي الذي يقوم بري الأشجار عبر شبكة أنابيب بلاستيكية سوداء ،
خلط الشعير بالسبوس وقدمه للأبقار والأغنام والجمال ثم أزال الأعشاب التي تستظل
بأشجار النخيل ، انهمك في أعمال المزرعة بكل همة واضعا نصب عينيه هدفا لا رجعة
عنه .
شمس الظهيرة توقد نارها حمما فوق رأسه لتحرق أفكاره في أتونها ، أي صيف مجنون
ألقى بي هنا وأي حلم اصطاد ني ليزلزل الألم داخلي في الخفاء ، لا بأس لن تكسر
الشمس إرادتي ، ألقى بجسده المنهك تحت شجرة نخيل في الطرف الشرقي للمزرعة ،
أسند ظهره لساقها التي احتضنته كفسيلة غضة وسرح في أفكاره التي انسابت مع عرقه
وراح في سبات عميق.
رحمة الله عليه ، هاهو قد بر بوعده ولن يعود للقرية أبدا ، كانت كلمات ابن عمه
في اليوم التالي بعد استلام جثمانه من ثلاجة المشفى
|